Полный текст (9 651 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
الأمانة المحضة، فإذا لم يعلم تلفه إلا بقوله لزمه الضمان.
قال ابن المواز: ومن استعار دابةٌ بسرجها ولجامها، فقال: ضاعت وما عليها، فلا يضمن الدابة ويضمن السرج واللجام.
[(٤)] فصل [في ضمان العارية من الحيوان، وكيف إن شرطه فيها]
قال ابن حبيب: ومن استعار بازياً للصيد، فزعم أنه مات أو سرق أو طار، فلم يرجع في حين اصطياده أو في غير حينه، فهو مصدقٌ مع يمينه، ولا يضمن؛ لأنه حيوانٌ، وقاله أصبغ: وقال مطرف: من استعار دابةً أو اكتراها على أنه ضامنٌ لها، فالشرط ساقطٌ، ولا يضمن إلا أن يكون ربها خاف عليها من أمر يظهر مثل طريق مخوفةٍ من لصوصٍ أو غيرها، فيضمن في مثل هذا الشرط إن هلكت فيما يخاف عليها، وإن هلكت في غير ذلك لم يضمن، وقال أصبغ: لا ضمان عليه بكل حالٍ، وبقول مطرف أقول.
[(٥)] فصل [في القضاء في العارية]
[المسألة الأولى: فيمن استعار دابة يركبها حيث شاء، وكيف إن قال له صاحبها: اركبها حيث أحببت]
ومن كتاب العارية قال ابن القاسم: ومن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو بالفسطاط، فركبها إلى الشام أو إلى إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى مثل ذلك، فلا شيء عليه، وإلا ضمن، والذي يسأل رجلاً يسرج له دابته ليركبها في حاجته، فيقول له ربها: اركبها حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام ولا إلى إفريقية.
стр. 7282
[المسألة الثانية: في اختلاف المعير والمستعير على الحد الذي أعاره الدابة إليه]
قال ابن القاسم: ووجدت في مسائل عبد الرحيم أن مالكاً قال: فيمن استعار دابةً فركبها إلى موضعٍ، فلما رجع زعم أنه أعارها إياه إلى دون ما ركبها إليه أو إلى بلدٍ آخر، فالقول قول المستعير إن ادعى ما يشبه مع يمينه.
وكذلك في سماع ابن القاسم نصاً سواءً، قال فيه ابن القاسم: وذلك إذا ركب ورجع، وإن لم يركب بعد؛ فالمعير مصدقٌ مع يمينه؛ وكمن أسكنته داراً أو أخدمته عبداً، فبعد سنةٍ قال هو: المدة سنة، وقلت أنت: ستة أشهر، فهو مصدقٌ عليك مع يمينه، إلا أن يدعي ما لا يشبه، ولو لم يقبض المسكن ولا العبد، فأنت مصدقٌ مع يمينك.
م: وهذا من قوله يدل أن القول قوله في رفع الضمان والكراء؛ لأن مستعير الدار لو ثبت عداؤه بمجاوزة المدة التي استعارها إليها، فانهدمت الدار بأمرٍ من الله تعالى في تلك المدة لم يضمنها؛ لأنه إنما تعدى على السكنى، فلا يكون أسوأ حالاً من غاصب السكنى، فكيف بمن لم يثبت عداؤه؟ فإذا ثبت أنه لا يضمنها لم يبق إلا أن يكون القول قوله في السكنى ودفع الكراء.
وذكر أبو محمد في المختصر أن سحنوناً قال: القول قول المستعير فيما يشبه، يعني في الضمان لا في الكراء. [٦٤/أ].
وقال أشهب في كتبه: إن القول قول المستعير في رفع الضمان مع يمينه، والقول في الكراء قول رب الدابة مع يمينه، ويكون له فضل ما بين كراء الموضع الذي أقر المعير أنه أعاره إليه، وبين كراء الموضع الذي ركب إليه المستعير.
стр. 7283
م: وهذا خلافٌ لقول ابن القاسن: لما قدمنا، فاعرفه، وقول أشهب جيد، وإليه ذهب ابن حبيب.
قال ابن حبيب: سمعت من أرضى يقول فيمن استعار من رجلٍ دابةً، فمضى لها عنده يومان، ونفقت في اليوم الثاني، فقال المعير: إنما أعرتك يوماً، وقال المستعير: بل يومين، أن كل واحدٍ منهما مدعٍ على صاحبه، فالمعير يدعي تضمين المستعير، والمستعير يدعي يقوط الكراء عنه، فأرى أن يحلفا جميعاً، ويلزم المستعير كراء اليوم الثاني، ولا يلزمه الضمان إذا حلف.
[المسألة الثالثة: في شهادة من أرسله المستعير ليستعير له إذا اختلف هو والمعير في المكان الذي استعاره إليه]
قال أشهب في كتبه: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقة، فأعاره، فركبها المستعير إلى إفريقية فعطبت، فقال المعير: إنما أعرتك إلى فلسطين، وقال الرسول: بل إلى برقة، فشهادة الرسول ها هنا لا تجوز للمستعير ولا عليه؛ لأنه إنما يشهد على فعل نفسه، ويحلف المستعير أنه ما استعارها إلا إلى برقة، ويسقط عنه الضمان، ويحلف رب الدابة أنه ما أعاره إلا إلى فلسطين، ويكون له على المستعير فضل ما بين كراء برقه على كراء فلسطين.
قال ابن القاسم في آخر كتاب العارية: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقه، فقال له: يسألك فلانُ أن تعيره إياها إلى فلسطين، فأعاره فركبها المستعير إلى برقة ولا يدري، فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال بذلك أمرتني وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ.
قال أشهب في كتبه: إن قامت للمعير بينةٌ أن الرسول قال له: إلى
стр. 7284
فلسطين، كان له فضل كرائها على ما فسرنا لا يمين عليه؛ لأن البينة قد قامت له بذلك، ولا ضمان على المستعير؛ لأنه يقول: إلى برقة استعرتها - يريد: فيحلف ويبرأ - وإن قال الرسوب ما أمرني المستعير - قال: فإن قال الرسول: إنما أمرتني إلى برقة، فقلت أنا لرب الدابة غير ذلك، ضمن الرسول الدابة إن كانت مسافة برقة أشد من مسافة فلسطين في البعد والتعب، ولو كانت مثلها في البعد والتعب والحزونة، لم يضمن الرسول ولا المستعير؛ لأن المستعير لو استعارها إلى موضع، فركب إلى موضعٍ غيره مثله في البعد والتعب والحزونة فهلكت تحته، لم يضمن.
م: وفي كتاب أبي محمد: وإن قال الرسول: بذلك أمرتني، وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ والمستعير ضامنٌ، إلا أن يأتي ببينة أنه أمره إلى برقة.
م: وليس في رواية سليمان بن سالم ولا يزيد بن أيوب ضمان المستعير.
стр. 7285
قال اللبيدي: وهو مطروحٌ في رواية جبلة.
وأسقطها البرادعي في كتابه؛ لأن روايته رواية جبلة، ولم يفرق أشهب في فقهه بين هذه المسألة، وبين المسألة الأولى، وكذلك ينبغي ألا يفرق ابن القاسم بينهما.
وقد ذكر بعض أصحابنا عن بعض شيوخه أنه قال: الفرق بينهما أن المستعير في مسألة الرسول لا يدعي كذب رب الدابة؛ إذ لا علم له [٦٤/ب] بما عقد الرسول؛ لأنه لم يخاطبه شفاها، فلذلك ضمن، وفي مسألة عبد الرحيم: هما متداعيان، فلم يصدق رب الدابة في تضمين المستعير، وكان عليه البيان.
م: وهذا لو عكس لكان أولى؛ لأن في مسألة عبد الرحيم المعير يدعي تكذيب المستعير حقيقةً، فجعلت فيها القول قول المستعير فيما يشبه، وفي هذه المسألة المعير لا يدعي تكذيب المستعير، فهو أحرى أن يكون القول قول المستعير فيما يشبه، وأن لا يضمنه بالشك، ألا ترى أنهم قالوا في المودع إذا قال: رددت الوديعة إلى ربها وأكذبه ربها، أن القول قول المودع مع يمينه وإن لم يكن متهماً؟ لأن ربها يدعي تكذيبه، فلا بد من يمينه؛ فإن نكل حلف ربها واستحق، ولو قال المودع ضاعت لصدق الغير متهم بغير يمين؛ لأن ربها لا يدعي تكذيبه، فبان أن من ادعى تكذيبه أشد، وأيضاً فإن من أصلنا إذا استوت دعوى المتداعيين أن القول قول من ادعى عليه الضمان؛ ففي المسألة الأولى استوت دعواهما؛ لأن كل واحدٍ منهما يدعي تكذيب صاحبه فجعلت القول قول من ادعى عليه الصمان وهو
стр. 7286
المستعير، وفي هذه المسألة كل واحدٍ لا يدعي تكذيب صاحبه، فقد استوت دعواهما، فاجعل القول قوله، وهذا بينٌ، وبالله التوفيق.
[المسألة الرابعة: فيمن استعار دابة لركوب أو حمل، ثم ردها مع عبده أو أجبره فعطبت]
قال ابن حبيب: ومن استعار دابةً لركوبٍ أو حمل، ثم ردها مع عبدِه أو أجيره أو جاره، فعطبت أو ضلت، فلا يضمن؛ لأن شأن الناس على هذا، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمونٌ أو غير مأمونٍ، فذلك سواءٌ، ولا يضمن.
[المسألة الخامسة: في اختلاف المستعير والمعير على أصل العقد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ركب دابة رجلٍ إلى بلدٍ وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها: بل اكتريتها منك، فالقول قول ربها.
م: لأنه ادعى عليه معروفاً.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون مثله ليس يكري الدواب لشرفه وقدره. وقاله أشهب.
[المسألة السادسة: فيمن استعار دابة ليحمل عليها فاختلف هو والمعير فيما حمل عليها]
قال في أول الكتاب: لو استعار دابةً ليحمل عليها، فاختلفا فيما حمل عليها، صدق المستعير فيما يشبه - يريد: مع يمينه - قال: ولو استعار مهراً فحمل عليه بزاً لم يصدق أنه استعاره لذلك، وإن كان بعيراً صدق.
стр. 7287
[(٦)] فصل [في التعدي على الدابة المستعارة بزيادة الحمل]
[المسألة الأولى: فين استعار دابة ليحمل عليها حنطة حمل عليها حجارة]
ومن استعار دابةً ليحمل عليها حنطةً فحمل عليها حجارةً، فكل ما حمل عليها مما هو أضر مما استعارها له فعطبت به، فهو ضامنٌ، فإن كان مثله في الضرر لم يضمن؛ كحمله عدساً في مكان حنطة، أو كتاناً أو قطناً في مكان بزٍ، وكذلك من اكتراها لحمل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فعطبت، لم يضمن، وإن اكتراها لحمل حنطةٍ فركبها فعطبت، فإن كان ذلك أضر وأثقل ضمن، وإلا لم يضمن.
م: وإذا استعارها لحمل شيءٍ فحمل غيره أضر، فإن كان الذي زاد مما تعطب في مثله فعطبت، خير رب الدابة في أن يضمنه قيمتها يوم تعديه، ولا شيء له غير ذلك، وإن أحب أن يأخذ كراء فضل الضرر أخذه، ولا شيء له غير ذلك؛ ومعرفته: أن يقال كم يسوى كراؤها فيما استعارها له؟ فإن قيل: عشرةٌ، قيل: وكم يسوى كراؤها فيما حمل عليها، فإن قيلك خمسة عشر، دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعارها له، وإن كان ما حمله عليها لا تعطب في مثله، فليس له إلا كراء الزيادة؛ لأن عطبها أمرٌ من الله ليس لأجل الزيادة.
[المسألة الثانية: فيمن استعار دابة فركب وأردف فعطبت الدابة]
ومن المدونة وإن استعارها ليركب إلى موضعٍ فركب وأردف رديفاً تعطب في مثله فعطبت، فربها مخيرٌ في أخذ كراء الرديف فقط أو تضمينه قيمة الدابة يوم أردفه.
قال أشهب في كتبه: ولا يلزم الرديف شيءٌ وإن كان المستعير عديماً، وقد أخطأ [٦٥/أ] من ألزمه كراء الرديف في عدم المستعير، ولو كان الرديف عبداً له أو لغيره لم يكن شيءٌ من ذلك في رقبته ولا في ذمته؛ لأنه ركبها بوجه شبهة.
стр. 7288
م: وقال بعض شيوخنا هذا خلافٌ لابن القاسم، بل عليه الكراء في عدم المستعير؛ كمن غصب سلعةً فوهبها فهلكت - أن الموهوب يضمن في عدم الغاصب.
م: وهذا إذا لم يعلم الرديف أنها مستعارةٌ، وأما إن علم، فهو كالمستعير، لربها أن يضمن من شاء منهما.
وفي كتاب الأكرية: ذكر المكتري يزيد في الحمل ما تعطب الدابة في مثله في الحمل أم لا.
[(٧)] فصل [في التعدي على الدابة المستعارة بزيادة مسافة]
[المسألة الأولى: فيمن استعار دابة إلى مسافة، فجاوزها فتلفت]
وإن استعارها إلى مسافةٍ، فتجاوزها فتلفت، فربها مخيرٌ في أن يضمنه قيمتها يوم تعدى أو كراء التعدي فقط.
[(١) فرع: في استشكال أبي إسحاق التونسي عدم تقييد الإمام في هذه المسألة كما قيدها في التعدي في الزيادة على الحمل]
م: وقال بعض فقهاء القرويين: لم يراع إذا جاوز المسافة، هل جاوزها بما تعطب في مثله أم لا تعطب في مثله؟ كما قال في زيادته على الحمل، وضمنه قيمة الدابة وإن كانت لا تعطب في مثله، وأمرهما سواءٌ، فإن قيل: إن من زاد في الحمل مأذونٌ له في سيرها، والذي جاوز المسافة غير مأذونٍ له في ذلك الزائد. قيل: وهذا إنما أذن له في سيرها على صفةٍ، فإذا سيرها على خلافه ضمن وإن كان لا تعطب في مثله؛ لأنه غير مأذونٍ له فيه.
[فائدة: في بيان الفرق بين المسألتين]
م: والفرق بينهما: أن الذي زاد في المسافة تعدى على جملة الدابة فأشبه
стр. 7289
الغاصب لها، والذي زاد في الحمل ما لا تعطب في مثله علمنا أن عطبها ليس لأجل الزيادة، فكأنه لم يزد عليها شيئاً، وقد هلكت في موضعٍ أذن له في سيرها فيه فافترقا. فإن قيل: إن الزائد في المسافة كالذي أمره أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه أحد عشر؛ فقد قال: إن خاف أن الحادي عشر أعان على قتله، ضمن. قيل: الضارب كالزايد في الحمل، وكأنه قيل له: احمل عليها عشر ويبات فرفع عليها ويبةً ثم ويبةً ثم ويبةً حتى بلغ عشرة، ثم زاد ويبةً، فهو كالزيادة في الحمل.
[المسألة الثانية: فيمن استعار دابة إلى مسافة فجاوزها، ثم رجع فعطبت في الطريق الذي أذن له فيها]
ومن المدونة: قلت: فمن استعار دابةً إلى مسافة فجاوزها بميلٍ أو نحوه، ثم رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه، ثم رجع ليردها إلى ربها، فعطبت في الطريق الذي أذن له فيها هل يضمن؟ قال: سمعت مالكاً سئل عن تكارى دابةً إلى ذي الحليفة فتعداها ثم رجع فعطبت بعد أن رجع إلى ذي الحليفة فقال: إن كان تعدى إلى مثل منازل الناس، فلا شيء عليه، وإن جاوز ذلك بمثل الميل والميلين ضمن.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: لا يضمن في مثل هذا، قال ابن حبيب كقول مالكٍ فيمن تعدى فتسلف من وديعةٍ عنده ثم رد فيها ما تسلف، ثم سرقت بعد ذلك: إنه لا يضمن، فهذا مثله.
стр. 7290
م: وقد تقدم هذا في الأكرية موعباً.
[المسألة الثالثة: فيمن أمرته ليضرب عبدك عشرة أسواط فمات العبد فيها]
قال ابن القاسم: وإن أمرت من يضرب عبدك عشرة أسواطٍ ففعل فمات العبد منها، فلا شيء لك عليه، واستحب له مالك أن يكفر كفارة الخطأ، وإن ضربه أحد عشر سوطاً أو عشرين سوطاً فمات من ذلك فإن زاد زيادةً أعانت على قتله ضمن.
وقال سحنون: يضمن ولو زاد سوطاً واحداً.
م: وقال بعض أصحابنا: شبهه ابن القاسم بالذي يزيد في الحمل فينظر إلى ما تعطب في مثله أم لا، وشبهه سحنون بمثل الزيادة على المسافة.
م: العدد المأمور به كالمسافة المحدودة، والزائد على العدد كالزائد على المسافة، وهذا أقيس، وكأن ابن القاسم رأى هذا كزيادة في الحمل فعطبت؛ كمن أذن له أن يحمل عليها عشرة أرطالٍ ثم زاد رطلاً ثانياً وثالثاً حتى بلغ أحد عشر قبل أن يبرح بها، ثم سار فعطبت، فهو كالدابة في الحمل.
стр. 7291
[الباب الثاني] فيمن أعار عرصة للبناء أو الغرس أو الزرع، ثم أراد إخراجه، وكيف إن شرط أن يترك [٦٥/ب] له البناء والغرس إذا خرج، وما يجوز من المغارسة
[(١) فصل: فيمن أعار أرضاً للبناء أو للغرس، ثم أراد إخراج المستعير]
[المسألة الأولى: فيمن أذنت له بالبناء أو الغرس ثم أردت إخراجه بقرب إذنك]
قال مالك: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس، فلما فعل أردت إخراجه، فأما بقرب إذنك له مما لا يشبه أن تعيره إلى مثل تلك المدة القريبة، فليس لك إخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق، وقال في بابٍ بعد هذا: قيمة ما أنفق. وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
[(١) فرعك في تأويل قوليّ الإمام مالك: "تعطيه ما أنفق"، "قيمة ما أنفق"]
م: قال بعض أصحابنا: تؤول في هذين القولين ثلاث تأويلات:
أحدهما: أن يكون له قيمة ما أنفق: إذا أخرج من عنده شيئاً من آجر وأجيرٍ ونحوه، وقوله: ما أنفق: إذا أخرج ثمناً فاشترى به هذه الأشياء.
ويحتمل أن يكون قيمة ما أنفق: إذا طال الأمد؛ لأنه يتغير بانتفاعه، وما أنفق: إذا كان بالقرب جداً - يريد هذا أنه إذا شرط فيما أنفق اليوم واليومين - فعلى هذين التأويلين لا يكون اختلافاً من قوله.
والوجه الثالث: أنه إنما يعطي ما أنفق: إذا لم يكن فيه تغابن أو يكون فيه تغابنٌ يسيرٌ، ومرة رأى أن القيمة أعدل؛ إذ قد يسامح مرةً فيما يشتريه ومرة يغبن فيه، فإذا أعطى قيمة ذلك يوم بنائه لم يظلمه، فيكون على هذا اختلافاً من قوله.
стр. 7292
م: وهذا التأويل، والتأويل الأول محتملان، وأما التأويل الآخر فخطأٌ؛ لأنه إنما يعطيه قيمة ما أنفق يوم البناء، فلا يراعي تغير أو لم يتغير، ولو عكس هذا لكان أولى؛ لأن ما تقادم وتغير القيمة فيه يوم البناء متعذرةٌ لتغيره، ولا يتحقق كيف كان حاله يوم البناء، فيجب أن يعطيه ما أنفق لهذا. وما كان بالقرب لم يتغير، فالقيمة فيه متخلصة، فإذا أعطيها لم يظلم؛ لأنها متوسطةٌ بين ما غبن أو غبن، كيف وهو إذا طال الأمد بما ينقص فيه، فهو يخرجه ويعطيه قيمته مقلوعاً؛ لأنه مثل ما يعار إلى مثله.
قال أبو محمد: وروى الدمياطي عن ابن القاسم أنه قال: وإن لم يضرب له أجلاً فنسي، فليس له إخراجه حتى يبلغ ما يعار إلى مثله من الأمد.
م: صوابٌ؛ لأن العرف كالشرط.
وذكر أشهب في كتبه: أن المستعير إذا فرغ من بنائه وغرسه، أن لرب الأرض أن يخرجه فيما قرب أو بعد؛ لأنه أعاره إلى غير أجلٍ، وهو فرط إذ لم يضرب أجلاً، ويعطيه رب الأرض قيمة ذلك مقلوعاً ويأخذه أو يأمره بقلعه.
وروى عنه الدمياطي أن له إخراجه متى شاء إذا كان لحاجته إلى عرصته أو إلى بيعها، سواءٌ تقدم بينهما شرطٌ أم لا، وإن كان لغير حاجةٍ ولكن لشر وقع بينهما، فليس ذلك له.
وقال أصبغ: إذا لم يسكن، فليس له إخراجه أصلاً وإن أعطاه قيمته قائماً
стр. 7293
إلا برضاه، وبه أخذ يحيى بن عمر، وقال سحنون: ومن أصحابنا من يقول: يعطيه قيمته قائماً، وهو المغيرة وابن كنانة.
[المسألة الثانية: فيمن أعرته أرضاً للبناء أو للغرس، ثم أردت إخراجه بعد مدة يشبه أنك أعرته إليها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أردت إخراجه بعد أمدٍ يشبه أنك أعرته إلى مثله، فلك أن تعطيه قيمة البناء والغرس مقلوعاً - قال محمد بن المواز: بعد طرح أجر القلع - وإلا أمرته بقلعه إلا أن يكون مما لا قيمة له، ولا نفع فيه إذا قلع، مثل: الجص ونحوه، فلا شيء للباني فيه، وكذلك لو ضربت لعاريته أجلاً فبلغه، فليس لك ها هنا إخراجه قبل الأجل، وإن أعطيته قيمة ذلك قائماً، وكذلك لو لم يبن ولم يغرس حتى أردت إخراجه، فليس ذلك لك قبل الأجل، ولو لم تضرب أجلاً كان ذلك لك، وقاله أشهب.
قال أشهب في كتبه: وكذلك من قال لرجلٍ قد أعرتك دابتي، فإن قال إلى موضع كذا أو كذا، وكذا يوماً أو حياتك، فليس له أن يرجع في شيء من ذلك إلا إلى الأجل الذي سمى [٦٦/أ]، وإن لم يزد على أن قال: قد أعرتك، فله أن يرجع متى شاء.
[المسألة الثالثة: فيمن أعرته أرضك ليبني أو يغرس، ولم تسم له ما يبني أو يغرس]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سميت له أجلاً ولم تسم ما يبني ويغرس، فليس لك منعه مما يبني ويغرس إلا مما يعلم أنه يضر فيه بأرضك، وإن أراد الباني أن يخرج قبل الأجل، فله قلع بنيانه وغرسه، إلا أن تشاء أنت أخذه بقيمته مقلوعاً إن كان فيه إذا قلع منفعةٌ، وإن لم تكن فيه منفعةٌ، فلا شيء له عليك.
стр. 7294
وقال ابن حبيب في كتاب الصدقات: قال مطرف وابن الماجشون: قال مالك: وكل من بنى في أرض قومٍ أو غرس بإذنهم أو علمهم فلم يمنعوه ولا أنكروا عليه، فله قيمة ذلك قائماً كالباني يشبهة، وكذلك من تكارى أرضاً، أو منحها إلى أجلٍ أو إلى غير أجلٍ أو بنى في أرض زوجته أو أرضٍ بينه وبين شركائه بإذنهم أو بعلمهم فلم ينهوه، فإن له قيمة عمله قائماً، وأما كل من بنى في أرض غيره من زوجةٍ أو شريكٍ أو غيره بغير إذن ربها أو علمه، فله قيمة عمله منقوضاً، قال: قلت لهما: روى لنا عن مالك: أن له قيمة عمله منقوضاً بنى بإذن رب الأرض أو بغير إذنه، قالا: ما علمنا أن مالكاً اختلف قوله في هذا، ولا أحداً من أصحابه: ابن أبي حازم والمغيرة وابن دينار وغيرهم، وبه قضى قضاة المدينة قديماً وحديثاً، وقد وهم ناقل هذا عن مالك، قال ابن حبيب: وهو قول ابن كنانة وابن نافع وجميع المدنيين، وقال ابن القاسم بالقول الآخر، ورواه عن مالك، وقال أصبغ، وبقول المدنيين أقول، وروي مثله عن ابن مسعود، وشريحٍ، ورواه ابن وهب عن النبي ﷺ .
[المسألة الرابعة: فيمن أذن لرجل أن يبني في أرضه واشترط المستعير بعد تمام الأجل أن يقلع البنيان]
قال مطرف وابن الماجشون: فيمن أذن لرجلٍ أن يبني في عرصته على أن يسكن إلى أجلٍ يؤقته، على أنه إذا خرج قلع بنيانه وذهب به وترك عرصته، قالا: فالشرط باطلٌ؛ لأنه من الضرر، وله قيمته قائماً إذا تم الأجل.
стр. 7295
م: قال النبي ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم))، وليس هذا من الضرر؛ ولأنه دخل عليه.
ابن حبيب قالا: ولو شرط في أصل العقد أن له إذا تم الأجل قيمته قائماً، فإن الشرط يفسده، كأنه أكراه الأرض تلك المدة بما يغادر فيها من البناء بقيمته يوم يتركه؛ وهذا من الغرر والسلف يجر منفعةٌ، فإذا بنى على هذا، فله الأقل من قيمة بنيانه قائماً يوم فرغ منه أو ما أنفق فيه، ثم يكون لرب العرصة قيمة كرائها مبنية من يوم سكن.
م: إذا كان الحكم يوجب له عنده قيمته قائماً، فيجب ألا يفسده الشرط؛ لأنه شرطٌ لم يؤثر أثراً، فهو كما لو لم يشترطه، ولو كان هذا الشرط يفسده لما كان يجوز أن يعيره أرضه على أن يبني فيها بناءً؛ لأنهما عالمان أن الحكم يوجب له قيمته قائماً، فكأنهما عليه دخلا، وإن لم يلفظا به فقد أضمراه، فيجب أن تدخله العلة التي علل بها في الشرط فيفسد أيضاً كما فسد بالشرط، وهما يجيزانه إن لم يشترط، فهذا تناقضٌ، والله أعلم.
قال ابن حبيب: وقال أصبغ مثل قولهما إذا شرط له قيمة بنيانه قائماً، وأجازه إن شرط له قيمته منقوضاً؛ لأن ذلك الذي يجب له في الحكم.
م: هذا فقهٌ جيدٌ.
[المسألة الخامسة: فيمن أذن لجاره في غرز خشبة في جداره]
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن أذن لجاره في غرز خشبةٍ في جداره ففعل، ثم أراد نزعها، فليس له ذلك، وهذا من الضرر الذي نهى عنه النبي إلا أن يكون احتاج إلى جداره بما لم يرد به الضرر، وأما إذا أراد البيع
стр. 7296
فطلب نزعها ليزيده المشتري في الثمن فليس له ذلك، أرأيت [٦٦/ب] إن كان المبتاع عدواً له؟ قيل: فإن ذلك على الصحة، قال: ليس له ذلك.
م: وقيل: ليس له ذلك على كل حال، وفي كتاب نفي الضرر إيعاب هذا.
[المسألة السادسة: فيمن أعار رجلاً أرضاً للزرع فزرعها فأراد إخراجه قبل تمام الزرع]
ومن كتاب العارية: قال ابن القاسم: وإن أعرته أرضك للزرع فزرعها، فليس لك إخراجه حتى يتم الزرع؛ إذ ليس مما يباع حتى يطيب فتكون فيه الآن القيمة، وليس لك أخذه بكراء من يوم رمت إخراجه، ولا فيما مضى إلا أن تكون إنما أعرته للثواب، فهذا بمنزلة الكراء.
م: قال بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا: إذا أعاره أرضاً ليزرعها، فليس له إخراجه قبل أن يزرع؛ لأن أمد الزراعة معلومٌ، فهو كضرب الأجل.
[(٢) فصل: في اشتراط معير الأرض للبناء أن يكون البناء له بعد تمام المدة]
قال ابن القاسم: وإن أعرته أرضك ليبني فيها ويسكن عشر سنين، ثم يخرج
стр. 7297
ويدع البناء لك، فإن بين صفة البناء ومبلغه وضرب لذلك أجلاً، فهو جائزٌ، وهي إجازةٌ، وإن لم يصفه لم يجز، وإن وصفه وقال: أسكن ما بدا لي - ولم يضرب أجلا - فمتى خرجت فالبناء لك، لم يجز؛ فإن بنى على هذا وسكن، فله قلع بنيانه - إلا أن تأخذه بقيمته مقلوعاً ولا ينقضه - ولك عليه كراء أرضك على كل حالٍ.
قال بعض الفقهاء من القرويين: سكت عن العشر سنين، ولا يجوز ذلك؛ لأن البناء يختلف في مثل هذا الأمد؛ كما لا يجوز بيع دارٍ استثنى البائع سكناها عشر سنين ونحوها؛ إذ لا يدري كيف يصير البناء إلى ذلك الأمد، ولو أمكن أن يكون البناء متقناً لا يتغير إلى مثل ذلك الأمد لجاز، قال: وإذا بين البناء ولم يضرب أجلاً، فله قيمة البناء منقوضاً، وعليه كراء العرصة.
[(٣)] فصل [في اشتراط معير الأرض للغرس أن يكون الغرس له بعد تمام المدة]
وإن أعرته أرضك عشر سنين على أن يغرسها أصولاً على أن يكون لك بعد المدة شجرها لم يجز؛ إذ ليس للشجر حدٌّ معروفٌ، والمغارسة من ناحية الجعل، وإنما يجوز أن تعطيه أرضك يغرسها أصولاً نخلاً أو كرماً أو فرسكاً أو تيناً وشبه ذلك، فإذا بلغت شباب كذا فالشجر والأرض بينكما على النصف أو الثلث أو ما سميتما، وإن أعطيتها له سنتين أو ثلاثاً يغرسها شجر كذا، فإذا خرجت من الأرض فهي لك لم يجز، بخلاف البناء؛ لغرر الغراسة إذ لا يدري ما
стр. 7298
تنبت منها؛ كما لو استأجرته يغرس لك كذا وكذا شجرةٌ مضمونةٌ عليه إلى أجلٍ لم يجز، ولو كان بناءً معلوماً يوفيكه إلى أجلٍ معلومٍ جاز.
وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب الأكرية.
[(٤)] فصل [فيمن استعار عارية ثم مات]
ومن استعار مسكناً عشر سنين ثم مات، فورثته بمثابته - كان قد قضبه أو لم يقضبه - فإن مات المعير قبل القبض بطلت العارية، وإن مات بعد القبض نفذ ذلك كله إلى أجله.
стр. 7299
[الباب الثالث: في ما جاء في العمري والرقبي والإخدام]
[(١) فصل: في العمري]
روي عن النبي ﷺ قال: ((المسلمون عند شروطهم))، والحديث الآخر رواه جابر ((من أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءٌ وقعت فيه المواريث)). فإذا أعمر له ولعقبه فهذا سبيله - ما دام أحدٌ من العقب الذين توارثوا تلك المنافع - أن يكون موقوفاً.
فأما من أعمر ولم يقل: ولعقبه، لم يجز دخول العقب فيه؛ إذ الحديث إنما جعله للعقب المشترط.
وأعمرتك إنما هو مأخوذٌ من العمر، ولا فرق بين أن يسكنه عمره أو يسكنه حياة فلانٍ أو إلى قدوم فلانٍ؛ لأن ذلك كله مجهولٌ، فما وجب في أحد هذه الوجوه وجب في بقيتها. ويدل - إن ذكر العقب -[أن الأصل] يرجع بعد
стр. 7300
نفاذ العقب إليه: أن مفهوم قول النبي ﵊: ((من أعمر عمري له ولعقبه)) إنما هو تمليك النفع [٦٧/أ] دون الأصل، وهو الذي جرت فيه المواريث في ذلك النفع، ودل أنه ليس كتوارث الأصل، وأن وارث تلك المنافع العقب دون الزوجة ومن ليس من العقب المعروف، فلما حصل في قوله: فإنها للذي يعطاها، أنه النفع دون الأصل، وانقرض العقب ولم يكونوا ملكوا الأصل لم يبق إلا أن الأصل راجعٌ إلى مالكه، فهذا دليلٌ أن قوله لا ترجع إلى الذي أعطاها أنها المنافع، وهي التي توارثها العقب، وهي التي جعل لها النفع ما دام ذلك العقب قائماً، مع وجود العمل بالمدينة على ما تأولنا من ذلك، وما جرت به عوائد الناس من اشتراطهم في أموالهم لا يتجاوز ما شرطوه إلا بإذنهم.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن أعمر رجلاً داراً حياته، رجعت بعد موته إلى المعطي، والناس عند شروطهم.
قال ابن القاسم: وتكون العمرى في الرقيق والحيوان كله، ولم أسمع ذلك في الثياب، وهي عنده على ما أعارها عليه من الشرط.
стр. 7301
[(٢)] فصل [في الرقبى]
ولم يعرف مالك الرقبى، وفسرت له، فلم يجزها، وهي: أن تكون دارٌ بين رجلين فيحبسانها على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبسٌ على الآخر.
[(٣) فصل: في الإخدام]
قال ابن القاسم: وسألنا مالكاً عن العبد بينهما يحسبانه على أن من مات منهما أولاً فنصيبه يخدم آخرهما موتاً حياته - ثم يكون العبد حراً بعده - مكانه، فلم يجزه، إلا أنه قد ألزمهما العتق إلى موتهما، ومن مات منهما أولاً فنصيبه يخدم ورثته دون ورثة صاحبه، ويبطل ما أوصى به في الخدمة؛ لأنه خطر، فإذا مات أحدهما كان نصيب كل واحدٍ منهما حراً من ثلثه، كمن قال: إذا مت فعبدي يخدم فلاناً حياته، ثم هو حر.
م: فألزمهما العتق؛ لأنه كالمعتق إلى أجلٍ؛ لقوله: أنت حر بعد موت فلانٍ. وجعله من الثلث، لقوله: أنت حر بعد موتي، فجمع له الحكمين لقوله بعد موتى وموت فلان.
ومن المدونة: ولو قال: عبدي حر بعد موت فلان كان من رأس المال، وكذلك لو كان ذلك في العبد الذي بين الرجلين فمات أحدهما لكان نصيب الحي حراً من رأس ماله في قوله: نصيبي منه بعد موت فلانٍ حر.
стр. 7302
[الباب الرابع] في عارية ما لا [يبقى] بعينه، وهلاك العارية فيما استعيرت له، وعارية العبد واستعارته. [واختلاف المستعير والمعير والرسول]
[(١) فصل: في عارية ما لا يبقى بعينه]
قال مالك: ومن استعار دنانير أو دراهم أو فلوساً أو طعاماً، فذلك سلفٌ مضمونٌ لا عاريةً، قال مالك: فيمن حبس على رجل مئة دينارٍ فتجر بها أمداً معلوماً، فإنه ضامنٌ لما نقصته، فهي كالسلف وذلك جائزٌ، فإن شاء قبلها على ذلك أو ردها فترجع ميراثاً، وقال مالك: في امرأة حبست دنانير على ابنة ابنتها على أن تنفق منها إذا أرادت الحج أو نفست، فذلك ناقدٌ فيما شرطت، وليس للابنة أن تتعجلها قبل ذلك على أن تضمنها.
[(٢)] فصل [في هلاك العارية فيما استعيرت له]
ومن استعار سيفاً ليقاتل به فضرب به فانكسر، لم يضمن؛ لأنه فعل ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت له بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء، وإلا ضمن.
قال سحنون: ولعله ضرب به ضرباً أخرق فيه.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا استعار ثوباً أو منشاراً أو فأساً أو غيره مما يغاب عليه، فيأتي به مكسوراً وهو يقول: نابه ذلك فيما استعرته له، أنه ضامنٌ ولا يصدق، وقاله ابن وهب، وقاله أشهب في كتابه.
قال عيسى: لا يضمن إذا ذكر ما يشبه ويرى أن يصيبه ذلك في ذلك العمل، وذلك لا يخفى.
стр. 7303
وذكر ابن حبيب عن مطرف [٦٧/ب] وأصبغ مثل قول عيسر وتفسيره في الفأس، والسيف والحفة وما يغاب عليه: لا يضمن إذا جاء بما يشبه، وابن القاسم يضمنه، وبقول مطرف أقول.
م: وهو عندي أبين.
[(٣) فصل: في عارية العبد بغير إذن سيده، واستعارته بإذنه أو بغير اذنه، واختلاف المستعير والمعير والرسول]
[المسألة الأولى: في عارية العبد]
قال: وليس للعبد أن يعير شيئاً من متاعه، ولا يدعو إلى طعامه إلا بإذن سيده، وهذا في المأذون مذكورٌ.
[المسألة الثانية: في استعاره العبد بإذن سيده]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: في الأمة أو الحرة تأتي قوماً تستعير منهم حلياً لأهلها وتقول لهم: بعثوني. ويتلف، فإن صدقها أهلها، فهم ضامنون ويبرأ الرسول، وإن جحدوا حلفوا وبرئوا، ويحلف الرسول لقد بعثوه ويبرأ؛ لأن هؤلاء قد صدقوه أنه مرسلٌ، وإن أقر الرسول أنه تعدى وهو حرٌّ ضمن، وإن كان عبداً كان في ذمته إن عتق يوماً ما، ولا يلزم رقبته بإقرارٍ، ولو قال الرسول: أوصلت ذلك إلى من بعثني، لم يكن عليه ولا عليهم إلا اليمين.
وقال سحنون عن أشهب: إذا قال العبد: سيدي أرسلني فأوصلت العارية إليه أو تلفت والسيد منكر، فذلك في رقبته كالجناية، ولو كان حراً كان ذلك في ذمته، وسألت عنها ابن القاسم فقال: إن أقر السيد غرم، وإن أنكر فذلك في
стр. 7304
رقبة العبد؛ لأنه خدع القوم.
قال أبو محمد: أراه إذا ثبت أخذه له ببينة.
ومن سماع ابن القاسم قال: قال مالك: في أمةٍ جاءت إلى جارتها بقلادةٍ استعارتها لها فأنكرت وقبلتها لتردها على أهلها، فتلفت، فهي ضامنةٌ لقبولها لها، والقول في صفتها ووزنها قول الضامنة مع يمينها، ثم تغرم قيمة تلك الصفة.
[(٤)] فصل [في اختلاف المستعير والمعير والرسول]
وقد تقدم إيعاب القول في اختلاف المستعير والمعير والرسول أول الكتاب فأغنى عن تكرير جميعه، وزاد بعض فقهاء القرويين زياداتٍ أنا أذكرها:
قال: إذا قال المعير: أعرتك الدابة إلى طرابلس، وقال المستعير: إلى مصر، فإن لم يركب أو ركب إلى طرابلس خاصةً، فلا شك أن القول قول المعير، ويحلف لئلا يؤخذ ماله بدعوى من ادعى عليه، وأما إن بلغا إلى مصر، فقال ابن القاسم: القول قول المستعير ويحلف، وقال في مسألة الرسول: القول قول المغير ويحلف. قال: ولا فرق بينهما في التحقيق وإنما هو اختلاف قولٍ، فمرةٌ جعل المستعير - لما ركب حيث ادعى - لما ركب بعد إقرار المعير بالإذن في الركوب [صار المستعير] مدعى عليه التضمين، فالقول قوله، ويحلف؛ كما قال ابن القاسم [في المأمور]: إذا أمرته أن يشتري تمراً فاشترى لك قمحاً، وقال: بذلك أمرتني، أن القول قول المأمور ويحلف؛ لأنه مدعى عليه التضمين بعد إقرار الآمر
стр. 7305
أنه أذن له في الشراء، قال: وإذا قلنا: إن القول قول المعير؛ فلأنه لا يؤاخذ بغير ما أقر به، وكان يجب على أصل أشهب أن يكون القول قول المعير، وقد قال أشهب في هذا: إن القول قول المستعير في طرح الضمان عنه، والقول قول المعير في الكراء؛ لأنه [لا] يؤخذ بغير ما أقر به؛ فإن قال الرسول: ما أمرتني أن أستعير إلا إلى طرابلس، وقال المستعير: ما أمرتك إلا إلى مصر، قال: لا يكون الرسول شاهداً، فذلك صوابٌ؛ لأنه يكذب من أمره، فلا يكون شاهداً عليه، وكذلك لا يمكن أن يكون شاهداً على المعير؛ لأنه خصمه.
стр. 7306
[الباب الخامس: فيمن اكترى دابة فعطبت تحته، وفي الشهادة لمن اعترف دابة لمستحقها]
[(١) فصل: فيمن اكترى دابة فعطبت تحته ثم استحقت]
ومن اكترى دابةً، فعطبت تحته [٦٨/أ] ثم استحقت، فليس لربها أن يضمنه قيمتها بخلاف من ابتاع طعاماً فأكله، إنما يضمن ما هلك بانتفاعه.
وهذا وما أشبهه في الغصب مذكورٌ.
[(٢) فصل: في الشهادة لمن اعترف دابة أنها له]
قال ابن القاسم: ومن اعترف دابةً أنها له وأقام البينة سألهم القاضي عن علمهم، فإن شهدوا له أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قضى بشهادتهم بعد يمينه على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرجت من ملكه بوجهٍ من الوجوه، فإن شهدوا أن الدابة له ولم يقولوا لا نعلم أنه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت أنه ما باع ولا وهب كما ذكرنا ويقضى له.
قال أشهب في كتابه: هذا إن لم يقدر على كشف البينة، وأما إن وقفوا فأبوا أن يقولوا إنهم لا يعلمون أنه ما باع ولا وهب، فلا شهادة لهم.
ومن كتاب العارية قال مالك: وإن شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب، كانت شهادتهم زوراً، يعني كذباً.
لا يسلك بها مسلك شهادة الزور في العقوبة ورد الشهادة أبداً، إنما تسقط في هذا فقط.
تم كتاب العارية بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 7307
[كتاب العدة]
[الباب الأول] ما يلزم من الوعد وما لا يلزم من كتاب العدة [وفيمن قال للمشتري بع ولا نقصان عليك]
[(١) فصل: ما يلزم من الوعد وما لا يلزم]
من العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن سأل رجلاً أن يهب له ديناراً فقال له: نعم أنا أفعل، ثم بدا له، فما أرى ذلك يلزمه، ولو كان في قضاء دين، فسأله فقال: نعم، ورجالٌ يشهدون عليه، فما أحرى أن يلزمه، والشهادة في ذلك أبين، وما أحقق إيجابه، قال ابن القاسم: وإذا قعد الغرماء منه على وعدٍ وأشهد بذلك بأن يقول: أشهدكم أني قد فعلت، فذلك يلزمه.
قال أشهب وابن نافع عن مالك: فيمن حلف لغريمه ليوفينه حقه إلى أجل كذا، فلما خشي الحنث ذكر ذلك لرجل، فقال له الرجل: لا تخف أن العشية أقضيكها فأتاه بأبى أن يعطيه شيئاً، أترى ذلك يلزمه؟ فقال: لا والله ما يلزمه، قال له: أنا أسلفك فلم يسلفه، أنا أعيرك فلم يعره، أنا أهبك فلم يهبه، ما أرى له عليه شيئاً، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فما أدري كيف هو؟ وما هذا من مكارم الأخلاق.
قيل لسحنون: ما الذي يلزم من العدة؟ قال: أن يقول الرجل للرجل اهدم دارك وأنا أسلفك، أو اخرج للحج، أو اشتر سلعة كذا، أو تزوج امرأةً وأنا أسلفك، فكل ما أدخله فيه بموعده فيلزمه،
стр. 7308
وأما أن يقول له: أنا أسلفك، أنا أعطيك بغير شيءٍ ألزمه نفسه، فلا يلزمه.
وقال أصبغ: الذي يقضى به من ذلك: الرجل يقول للرجل: إني أريد أن أنكح فأسلفني مئة دينار أقضيكها إلى أجل كذا، فيقول نعم، فذهب ينكح أو لم ينكح، ثم بدا للرجل أن لا يسلفه فهذا يلزمه أن يسلفه نكح أم لا، إذا كان إنما وعده على سبب النكاح، وكذلك لو قال له أعرني دابتك أركبها غداً إلى موضع كذا لحاجة له وسماها، فأنعم له بذلك، ثم بدا له فإنه يلزمه أن يعيره ويحكم عليه بذلك، وكذلك إن قال له: أسلفني كذا لشراء حاجةٍ أو دابةٍ أو سلعةٍ من السلع، فقال: نعم، ثم بدا له، فإنه يحكم عليه به، اشترى ذلك أن لا، وكذلك لو سأله في مالٍ يقضيه لغرمائه، فأنهم له ثم بدا له، فإنه يلزمه، قلت: فلم يلزمه، وإنما هو وعدٌ وعده ولم يتسبب بسبب عدةٍ في نكاحٍ ولا شراءٍ ولا تجهزٍ [٦٨/ب] لسفرٍ؟ قال: إنما يلزمه ذلك؛ لأن وأي المؤمن واجبٌ، حدثني ابن وهب عن هشام بن سعد يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: ((وأي المؤمن واجبٌ)) وتفسير الرأي: العدة، وقضى بها عمر بن عبد العزيز، قال: والعدة التي لا تلزم أن يقول لك رجلٌ: أسلفني كذا، أعرني دابتك غداً، فقال: نعم، ثم بدا له، فإنه يلزمه إذا كنت أخبرته بجمعك الأزواج، وكذلك لو كان لك على رجلٍ دينٌ فسألك أن تؤخره إلى أجل كذا، فقلت: أنا أؤخرك ثم بدا لك، لم يكن ذلك، وقد لزمك تأخيره على الأجل، وسواء قلت له: أنا أؤخرك أو قد أخرتك - في الحكم عليك - غير أن قولك: أنا أؤخرك. عدةٌ
стр. 7309
تلزمك، وقولك: أخرتك. شيئاً وجب عليك كأنه كان في أصل الحق لم تبتدئه الساعة، وهو أوجب واكد، وإن كان لازمين جميعاً. قيل له: فإن قال له: أسلفني كذا، فإني أريد النكاح أو شراء سلعةٍ، ولم يذكر الطالب أجلاً، فقال له: أنا أسلفك ثم بدا له المطلوب؟ يلزمه، سمى له أجلاً أم لا، وليس له أخذه منه من ساعته، حتى ينتفع بذلك المسلف وذلك بقدر ما يرى أن مثله يتسلف مثله، يجتهد في ذلك الإمام فيما يرى من حال الرجلين من قوة المسلف في النظرة، وقوة المستسلف على القضاء في قرب ذلك وبعده، فيعمل على قدر ذلك، وأما أن يقضى عليه بالسلف، ثم يطلبه بالمجلس فهذا لا يكون، وكأنه سلفٌ لم يتم الحكم به ولا القضاء فيه.
[(٢)] فصل [فيمن قال للمشتري بع ولا نقصان عليك]
قال أشهب عن مالك: فيمن قال لبيعه: بع ولا نقصان عليك، ثم رجع عن ذلك، فإن قال له: غرماً بيناً رأيته لازماً له إذا كان ذلك بعد إيجاب البيع الأول، فإن باع ثم ادعى نقصاناً صدق فيما يشبه، وليحلف.
قال عنه ابن القاسم: ولو ابتاع منه السلعة على أن لا نقصان عليه شرط ذلك في أصل البيع. قال مالك: ليس هذا بيعاً، فإن باع فله إجازته، وإن أدرك قبل أن يفوت فسخ، وإن كان عبداً فمات كانت مصيبته من البائع، وأما إن أعتقه الذي اشتراه على هذا الشرط فعتقه جائزٌ، وعليه قيمته، وكذلك إن كانت جاريةٌ فأحبلها، فهي أم ولدٍ له ويمضي البيع بالقيمة؛ لأنه أمرٌ قد اختلف فيه، ولقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره يقول: إن
стр. 7310
مات العبد فمصيبته من المبتاع، ولكنا نتبع مالكاً في الموت.
قال أصبغ: وقال ابن القاسم: إن كانت جاريةً فوطئها المبتاع فحملت أو لم تحمل أو أعتقها أو وهبها أو تصدق بها، فإنها تكون عليه بالثمن الذي اشتراها به؛ لأن ذلك منه رضى بالثمن إذا فعله، وهو القياس؛ لأني إن جعلته أجيراً لم يجز بيعه ولا هبته ولا تكون له أم ولد وحددته في وطئه، وإن جعلته بيعاً فاسداً وألزمته القيمة لم يحمله القياس، وأحب إلى أن يلزمه الثمن في الفوت، وأعده رضى منه بالثمن.
قال عيسى: قلت لابن القاسم: فإن قال له بعد عقد البيع: بع ولا نقصان عليك ولم يقله في العقد، قال: ذلك يلزمه إذا باع بنقصان، وقاله مالك.
وقال أصبغ: فإن كان عبداً فأبق أو مات وكان الشرط بعد عقد البيع، ففيه اختلافٌ، والذي أقول به أنه موضوعٌ عن المشتري، وأما إذا ذهب الثوب، فلا يقبل قوله إلا ببينة، وإلا فهو منه، ولا يحل للمشتري أن يطأ إذا رضي بهذا الشرط، قال لي ابن القاسم: فإن وطئ لزمته الجارية بجميع [٦٩/أ] الثمن؛ لأنه ترك ما جعل له.
قال عيسى: قلت لابن القاسم: فرجل اشترى سلعةٌ من رجل ونقد الثمن أو لم ينقده، ثم جاء بعد ذلك ليستوضعه، فقال له: بع ولا نقصان عليك، فقال: لا بأس بذلك إلا أن يكون لم ينقده، فيقول له: انقدني وبع ولا نقصان عليك، فلا خير فيه؛ لأنه تكون فيه عيوبٌ وخصوماتٌ.
قلت: فإن اشترى طعاماً فوجده مسوساً فسخطه، فقال له البائع، بع ولا
стр. 7311
نقصان عليك، فحمله في سفينة فغرقت، قال مصيبته من البائع؛ لأن البيع الأول لم يتم، وإنما هو بيعٌ حادثٌ، فضمانه من البائه، ويعطى للمشتري أجرة حمله.
وقال أصبغ عن أشهب: فيمن اشترى كرماً فخاف الوضيعة، فقال له البائع: بع وأنا أرضيك، فقال: إن باع برأس المال أو بربحٍ، فلا شيء له، وإن باع بنقصانٍ فعليه أن يرضيه؛ فإن زعم أنه أراد شيئاً سماه، فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئاً أرضاه بما شاء وحلف أنه ما أراد أكثر منه يوم قال ذلك له، وسألت عنها ابن وهبٍ فقال: عليه أن يرضيه فيما بينه وبين ثمن السلعة والوضيعة فيها.
قال أبو محمد: يريد فيما يشبه الوضيعة في ثمن تلك السلعة.
تم كتاب العدة من الكتاب الجامع بحمد الله وعونه
стр. 7312
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب الاستحقاق
[الباب الأول في] القضاء فيما يستحق من يد مكتر أو مشتر أو وارث أو غاصب وقد زرع أو بنى أو سكن .
قال الرسول ﷺ : «الخراج بالضمان»، وقال ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»، والغاصب هو العرق الظالم.
قال هشام بن عروة: العرق الظالم أن يغرس في أرض غيره.
قال ربيعة: العروق أربعة: عرقان فوق الأرض وهما الغرس والبناء، وعرقان
стр. 7313
في جوفها وهما: المياه والمعادن.
[(١) فصل: فيمن اكترى أرضًا للبناء أو للغرس وكانت تزرع السنة
كلها، فاستحقت قبل تمام الأمد]
قال ابن القاسم: فيمن اكترى أرضًا سنين للبناء والغرس والزرع، فبنى فيها أو غرس أو زرع، وكانت تزرع السنة كلها، ثم قام مستحق قبل تمام الأمد، فإن كان الذي أكراها مبتاعًا فالغلة له بالضمان إلى يوم الاستحقاق، وللمستحق أن يجيز كراء بقية المدة أو يفسخ.
ولا يجيز الكراء فيما بقي- على مذهب- من لا يجيز جمع السلعتين للرجلين في البيع حتى يعلم ما ينوب ما بقي؛ ليجيز بثمن معلوم.
قال: فإن أجاز، فله حصة الكراء من يومئذ، ثم له بعد تمام المدة أن يدفع إلى المكتري قيمة البناء والغرس مقلوعًا.
قال ابن المواز: بعد طرح أجر القلع، إذ على ذلك دخل المكتري.
قال ابن القاسم: وإن شاء أمر صاحبه بقلعه،
стр. 7314
وإن فسخ الكراء قبل تمام المدة، لم يكن له قلع ذلك ولا أخذه بقيمته مقلوعًا، ولكن يقال له: ادفع قيمة البناء والغرس قائمًا- يريد، على أن يقلع إلى وقته فإن أبى قيل للمكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وكان عليه- في الزرع إذا فسخ الكراء- الصبر إلى انقضاء البطن التي أدركها، وله فيها الكراء من يومئذ على حساب السنة.
[فائدة: في كيفية تقويم البناء المقام على الأرض المستحقة]
م: انظر كيف صفة تقويم البناء على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فإن قلت: بكم يمكن أن يبنى مثله على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فالقيمة لا تختلف، سواء قال: إلى سنة أو إلى عشر سنين أو عشرين سنة، ولذلك قال ابن القاسم: فدفع إليه قيمة البناء قائمًا، ولم يحده بوقت، وإنما يصح ذلك على تأويل ابن حبيب الذي يقول: معنى قوله قائمًا: هو ما زاد البناء في قيمة الأرض، فيقال- ها هنا على هذا القول-: كم قيمة الأرض براحًا؟ فإن قيل: مئة. قيل: وكم قيمتها بهذا البناء على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فيقال: مئة وخمسون. فيعلم أن قيمة البناء خمسون، وأما على تأويل قول ابن القاسم: فإنما يقال: بكم يبنى مثل هذا البناء؟ فيقال: خمسون أو مئة، فهذه قيمة البناء قائمًا، فإما دفع إليه المستحق قيمة بنائه أو دفع إليه هذا قيمة أرضه، فإن أبيا كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما.
[فصل (٢) فيمن اكترى أرضًا للبناء أو للغرس وكانت الأرض تزرع
في السنة مرة، فاستحقت قبل فوات إبان الزرع]
قال ابن القاسم، وإن كانت أرضًا تزرع في السنة مرة، فاستحقت وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛
стр. 7315
لأن المكتري زرع فيها بوجه شبهة.
م: وعند وعبد الملك: إن قدر ما مضى من الكراء يكون للمشتري؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر من الكراء، وقد لا يكون زرعه اليوم لو ابتدأ بالزرع مثل تبكيره في الزرع.
م: قال بعض الفقهاء: وإن كانت الأرض تزرع بطونًا فذلك مثل السكنى، له الكراء من يوم الاستحقاق، وذلك أنه قادر على أن يزرع فيها لو لم يكن زرع هذا فيها، فما مضى يكون للمشتري بالشبهة، وما بقي يكون للمستحق، فإن شاء أجاز الكراء وأخذه بالمسمى، وإن شاء أخذه بكراء المثل؛ لأن حق الزارع إنما هو في ألا يقلع زرعه فقط، وليس حقه في أن يكون ما عقد به المشتري لازمًا للمستحق؛ ولأن الزائد على المسمى كهبة وهبها المشتري للزارع، ومذهب ابن القاسم أن يرجع بالهبة على الموهوب المنتفع، وإنما يرجع على الواهب إذا كان غاصبًا.
فإن قيل: قد قال ابن القاسم: في الأخ يكري ثم يطرأ له أخ يشاركه، وقد حابى في الكراء: إن الطارئ يرجع على أخيه بالمحاباة.
قيل: الأشبه كان ألا يرجع على أخيه بالمحاباة؛ لأنه غير منتفع، وأن الوارث لم يكن ضامنًا والمشتري كان ضامنًا، وقد اختلف في المشتري إذا لم يعلم بشيء مثل أن يجني على العبد خطأ ثم يستحق، فقيل: يضمن- وهذا نحو ما قال ها هنا في الوارث- وقيل: لا ضمان عليه؛ لأنه إنما يضمن ما انتفع به أو يجني عليه عمدًا قاصدًا لإتلافه، فيجب على هذا الاختلاف في هبات المشتري إذا وهب
стр. 7316
فانتفع بذلك الموهوب يصير كأن المشتري أخطأ على مال إنسان فوهبه فابتدئ بإغرامه؛ لأنه هو المتعدي بالخطأ، وهو سلط الموهوب عليه، فمتى لم يقدر على إغرامه لعدمه أغرمنا المنتفع، ويصير على هذا التأويل لا فرق بين الغاصب إذا وهب، والمشتري والوارث.
[(٣) فصل: فيمن غصب أرضًا فزرعها ثم استحقت]
ومن المدونة: ولو كان الزارع غاصبًا كان لرب الأرض قلعه إن كان في إبان الزراعة؛ لأن من العرق الظالم وإن فات إبان الزراعة لم يكن له قلعه؛ لأنه ضرر وهو لا ينتفع بأرضه؛ وقال الرسول ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار))، ويكون له على الغاصب كراء المثل.
[(٤) فصل: فيمن اشترى أرضًا فزرعها ثم استحقت، وكيف إن كانت دارًا فسكنها مشتريها أو أكراها]
وإن استحقها بعد إبان الزرعة وقد زرعها مشتريها أو مكتر منه، فلا كراء للمستحق في تلك السنة، وكراؤها للذي أكراها إن لم يكن غاصبًا وكانت في يده بشراء أو ميراث، وكذلك إن سكن الدار مشتريها أو أكراها أمدًا، ثم استحقها رجل بعد الأمد فلا كراء له، وكراؤها للمبتاع، وإذا كان مكتري الأرض لا يعلم: أغاصب هو أم مبتاع؟ فزرعها المكتري منه ثم استحقها رجل في إبان الحرث، فمكريها كالمشتري- يعني: في الغلة- حتى يعلم أنه غاصب.
стр. 7317
[(٥) فصل: فيمن ورث أرضًا فأكراها ثم طرأ له أخ لم يعلم به،
وكيف إن كانت دارًا فسكنها أو أرضًا فزرعها]
وإذا كان مكري الأرض وارثًا، ثم طرأ له أخ شركه لم يعلم به أو علم به، فإنه يرجع على أخيه بحصته من الكراء إن لم يحاب، إذ لم يكن ضامنًا، وإنما الغلة بالضمان- فإن حابى في الكراء رجع على أخيه بالمحاباة إن كان مليًا، وإن لم يكن له مال رجع على المكتري، وقال غيره: بل يرجع بالمحاباة على المكتري في ملئه وعدمه كان أخوه مليًا أو معدمًا، إلا أن يعلم الأخ أن معه وارثًا، فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري.
قال ابن القاسم: وأما إن سكنها هذا الوارث أو زرع فيها لنفسه، ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فلا كراء له عليه؛ وقد قال مالك: فيمن ورث دارًا فسكنها ثم قدم له أخ لم يعلم به، فلا شيء له في السكنى، وإن كان قد علم به، غرم له نصف كراء ما سكن.
قال ابن القاسم: والكراء في هذا بخلاف السكنى، وله أن يأخذ منه نصف ما أكراها به، علم به أو لم يعلم؛ لأن نصيب القادم في ضمانه، وإنما أجيز لهذا السكنى إذا لم يعلم، على وجه الاستحسان؛ لأنه لم يأخذ لأخيه مالاً، وعسى به أن لو علم لم يسكن نصيب أخيه ولكان في نصيبه ما يكفيه، وقد روى علي ابن زياد عن مالك: أن له عليه نصف كراء ما سكن.
стр. 7318
م: قيل: ولعله على قول ابن القاسم إنما زرع قدر نصيبه، وأما لو لم يرث إلا أرضًا فزرعها كلها، لا نبغي أن يكون عليه الكراء في نصيب أخيه، فإن قيل: يجب على هذا أن لو أكرى بعض ما ورث وترك الباقي- وهو لو أكرى نصيبه من الجميع لأكراه بمثل ما أخذ في الكراء- ألا يكون عليه شيء لأخيه. قيل: قد يفرق بين ما أخذ من غلة لانتفاعه بها وأن السكنى الزائد على قدر نصيبه لم ينتفع به.
ومن المدونة: ولو كان إنما ورث الأرض عن أخيه فأكراها ممن زرعها ثم قدم ولد الميت فحجبه، فليس له قلع الزرع، وله الكراء، قدم في إبان الحرث أو بعده- ويأخذ بكراء ما تقدم؛ لأنه غير ضامن- ولو عطبت كانت في ضمان القادم، وإنما الذي يدخل مع الورثة فيشاركهم في الكراء أو الغلة من دخل معهم في الميراث بسبب واحد، فأما من استحق دارًا بوراثة أو غير وراثة من يد من ابتاعها أو ورثها، فإنما له الكراء من يوم استحق ولا كراء له فيما مضى إلا أن تكون الدار في يد غاصب.
стр. 7319
[الباب الثاني] في القضاء فيمن اكترى أرضًا بشيء فاستحق، أو
باع طعامًا ثم تعدى فباعه من غير الأول، واستحقاق الدار أو بعضها
في كراء أو بيع، وتعدي المكتري فيها
[(١) فصل: فيمن اكترى أرضًا بشيء فاستحق]
قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضًا بعبد أو بثوب أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه ثم استحق ذلك، فإن كان استحق قبل أن يزرع أو يحرث، انفسخ الكراء، وإن كان بعدما زرع أو أحدث فيها عملاً، فعليه قيمة كراء الأرض.
م: فلو حرث الأرض ولم يزرع، فقال المستحق: أنا أجيز بيع ثوبي، وأخذ الأرض محروثة، فذلك له بعد أن يؤدي إلى الحارث قيمة حرثه ويصير كأنه استحق الأرض، وقد قالوا: فيمن استحق الأرض بعد أن حرثت أنه يدفع قيمة الحرث ويأخذها، فإن أبى قيل للآخر: أعطه كراء سنة، فإن أبى أسلمها بحرثها، ونحوه في كتاب محمد، ولو غصب عبدًا فباعه بجارية فأولدها أن مستحق العبد إن أراد أن يجيز البيع ويأخذ الجارية أن ذلك له، فأخذ الجارية وقيمة ولدها كالمستحقة؛ لأنها ثمن عبد، وقد وقع لسحنون أن مستحق العبد إذا أجاز البيع وأراد أخذ السلعة إنما يأخذها إن كانت قائمة، وإن فاتت بحوالة سوق لم يأخذها، وفي هذا بعد في القياس؛ لأنه إذا أجاز البيع صار كالمستحق، والمستحق لا يفتيه شيء؛ ولا يشبه ما كان مستحق العين- أو عوضًا من العين المستحقة-
стр. 7320
عوض المستحق بين المتبايعين؛ لأن عوضه إنما أخرجه من يده على سبيل المعاوضة، فإذا حال سوقه لم يرجع فيه، والمستحق لم يخرج سلعته من يده، فله أخذها أو أخذ عوضها؛ لأنها بمنزلتها، وهذا بين.
[(٢) فصل: فيمن ابتاع من رجل طعامًا ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى
البائع على الطعام فباعه]
ومن المدونة: وسألت مالكًا عمن ابتاع من رجل طعامًا ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فباعه؟ قال: عليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره، ولو هلك الطعام بأمر من الله تعالى انتقض البيع، وليس للبائع أن يأتي بطعام مثله ولا ذلك عليه.
[(٣) فصل: فيمن اكترى دارًا فاستحقت]
ومن اكترى دارًا سنة من غير غاصب، فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار في نصف السنة، فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقي أو الرضا به فيكون له كراء بقية السنة، فإن أجاز الكراء فليس للمكتري أن يفسخ الكراء فرارًا من عهدته؛ إذ لا ضرر عليه؛ لأنه سكن، فإن عطبت الدار أدى بحساب ما سكن.
م: ولا يجوز الكراء حتى يعلم ما ينوب ما بقي إن كانت قيمة الشهور في الكراء مختلفة، وإن أجاز قبل أن يعلم صار ما يجيز بثمن لا يعلم ما هو؛ كجمع السلعتين.
следующие страницы →