لم يتهم صدق، وذلك للذي سمى له.
[المسألة الثانية: في إقرار المقارض والمودع بالمال لصاحبه عند الموت]
وقال أشهب في كتابه: وإذا قال عند موته: قراض فلانٍ، ووديعة فلانٍ في موضع كذا، فلم توجد حيث قال، فلا ضمان عليه.
[المسألة الثالثة: فيمن هلك وترك ودائع ولم يوص بشيء]
ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم: إذا ترك ودائع ولم يوص، فتوجد صرر عليها مكتوبٌ: هذه لفلان. وفيها كذا، ولا بينة على إيداعه، فلا شيء له إلا ببينة أو بإقرار الميت، ولعله صانع أهل البيت.
[فرع: في الخط هل يعد بينة يقضى بها]
قال عنه عيسى: فيمن بيده ودائع للناس - وهو يعلم أنه يتفق منها - فيوصي بودائع، فيوجد في تابوته كيسٌ فيه دنانير فيه مكتوبٌ: أنها لفلانٍ وأن عددها كذا، فيوجد العدد أقل، فإن ثبت أن ذلك خطة ببينة كان ما نقص في ماله، وإن لم يشهد على خطة أحد، حلف الورثة أنهم ما يعلمون من ذلك شيئاً ولا شيء عليهم.
وكذلك لو وجد قرطاسٌ مكتوبٌ فيه: حسابٌ لفلان عندي كذا، فإن شهد بأن ذلك خط الميت، كان ذلك لفلان [٥٨/أ] في ماله، وإلا فلا شيء له.
وقال أصبغ: وكذلك لو وجد خط صاحب المال على الكيس مع وجدانه في
стр. 7247
حوز المستودع حيث أقره، فإنه يقضى له به.
قال أصبغ: وهذا على قول من يقضي بالخط، والخط عندنا ثابتٌ صحيحٌ، وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قضى بالخط في شهادة الشاهد وهو أشد، وأما على خط المقر بعينه فهو الإقرار الصراح، وقد قال مالك: إذا شهد على الخط شاهدان لم يكن على صاحب الحق يمينٌ؛ لأن ذلك إقرارٌ، وإن كان شاهداً واحداً حلف معه واستحق، وإن كان شاهداً على الخط وشاهداً على الحق تمت الشهادة.
стр. 7248
[الباب الثالث: في القضاء في التداعي في الودائع وغيرها]
[(١) فصل: في اختلاف رب المال والقابض على ماذا كان القبض]
قال مالك: ومن قال لرجلٍ: أقرضتك كذا وكذا، وقال الرجل: بل أودعتنيه، وتلف المال، صدق رب المال.
م: لأن القابض مقر بوضع يده على مال رجلٍ، مدعٍ لطرح ضمانه. وقال أشهب: القول قول المودع، ولا يؤخذ أحدٌ بغير ما أقر به.
قال ابن القاسم: وإن قال رب المال: بل غصبتنيه أو سرقته مني، فهو مدعٍ؛ لأنه من معنى التلصص، فلا يصدق عليه، ولا يضمن له الرجل شيئاً، لإبطال الدعوى التي أراد بها تضمينه.
م: قال بعض الفقهاء: إنما معنى هذا؛ لأنه ادعى الغصب على من لا يليق ذلك به، فصار كأنه ادعى ما لا يشبه، فلم يصدق، ولو كان ممن يليق به الغصب لكان القول قول رب المال؛ لأنه ادعى ما يشبه، كدعواه القرض على جملة الناس.
[(٢) فصل: في اختلاف دافع المال والقابض فيما كان دفع المال]
ومن المدونة: ومن أخذ من رجلٍ مالاً، فقال له الدافع: إنما قضيتك من دينك عليّ، أو رددته من القراض الذي لك عندي، وقال الآخر:
стр. 7249
بل أودعتنيه فتلف، صدق الدافع مع يمينه وإن كان لك عند رجلٍ ألف درهم قرضاً وألف درهمٍ وديعةً، فأعطاك ألفاً أو بعث بها إليك، ثم زعم أنها القرض وأن الوديعة قد تلفت، وقلت أنت: بل الذي قبضت الوديعة، فالقول قول المستودع، كما يصدق في ذهاب الوديعة.
قال أبو محمد: وهذه مسألةٌ مبينةٌ في كتاب محمد بن سحنون: أن القول قول الدافع للدنانير أنها هي المئة الدين، ولا يلتفت إلى قول رب المال، والمستودع مصدقٌ في ذهاب الوديعة.
وقال أشهب في كتابه: إن دفع الألف إلى ربها ببينة قبل قوله أنها القرض، وإن دفعها بغير بينة، صدق ربها، ولا يخرجه من الدين إلا البينة.
م: وهذا إذا كان دفع إليه رب المال الوديعة بغير بينة، فإذا رد بغير بينة دل أنها الوديعة؛ إذ لا إشهاد يلزمه فيها، وإن رد ببينة دل أنها القرض ولا يبرئه منه إلا البينة، ولو كان إنما دفع إليه رب المال الوديعة ببينة، لوجب إن رد ببينة أن يكون القول قول المودع؛ كما قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً فجحدك إياها فأقمت عليه البينة، أنه يضمن.
стр. 7250
[الباب الرابع: في القضاء في إيداع الصبي والعبد ومن فيه بقية رِق وفيما قبضوه بإذن ساداتهم فاستهلكوه]
[(١) فصل: في إيداع الصبي]
[٥٨/ب] قال ابن القاسم: ومن أودع صبياً صغيراً وديعةً بإذن أهله أو بغير إذنهم، فضاعت لم يضمن - يريد: وكذلك السفيه؛ لأن أصحاب ذلك سلطوا يده على إتلافه - قال مالك: ومن باع منه سلعةً فأتلفها، فليس له اتباعه بثمن ولا قيمة، ولو ابتاع من الصبي سلعةً ودفع إليه الثمن فأتلفه، فالمبتاع ضامنٌ للسلعة ولا شيء له قبل الصبي من الثمن.
[(٢) فصل: في دفع الوديعة للعبيد]
[المسألة الأولى: في إيداع العبد المحجور عليه والمأذون له في التجارة]
وإن أودعت عبداً محجوراً عليه وديعةً، فأتلفها، فهي في ذمته إن عتق يوماً ما، إلا أن يفسخها عند السيد في الرق فذلك له؛ لأن ذلك يعيبه فيسقط ذلك عن العبد في رقه وبعد عتقه، وما أتلف المأذون له في التجارة من وديعةٍ بيده، فذلك في ذمته لا في رقبته؛ لأن الذي أودعه متطوعٌ بالإيداع، وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه.
وقال أشهب في كتابه: في العبد المحجور عليه يتلف الوديعة قد أودعها، فإن كان مثله يستودع فهي في ذمته، رق أو عتق، وإن كان وغداً لا يستودع مثله فلا شيء عليه في رقه، رد ذلك عنه السيد أو لم يرده حتى يلي نفسه بالعتق. يريد: فيتبع. وأنكرها سحنون.
стр. 7251
وقال أشهب: وقد قال مالك في العبد غير المأذون يتاجر الناس بغير إذن السيد، فإن كان فارهاً، مثله يتاجر الناس، فذلك في ذمته.
[المسألة الثانية: في إيداع العبد الوغد المأذون له في التجارة]
قال أشهب: وإذا استئجر عبده الوغد، فلسيده أن يبطل عنه ما أتلف من أمانةٍ؛ لأنه لم يأذن له في أخذ الودائع ومثله لا يودع.
[(١) فرع: في العبد المحجور يدعي أن سيده بعثه للاستعارة]
م: فإذا أتى العبد المحجور عليه إلى رجلٍ، فقال له: سيدي أمرني أن أستعير منك كذا، فصدقه ودفع إليه ما ذكر، فأنكر سيده. فقيل: للسيد أن يطرح ذلك عن ذمة العبد بعد يمينه أنه ما بعثه، وقيل: إن ذلك دينٌ عليه في ذمته لا يسقطه عنه السيد، والأول أشبه؛ لأن الذين صدقوه هم أتلفوا متاعهم إذ لم يستثبتوا.
وأما ما تعمد أخذه، فذلك جنايةٌ في رقبته، فكذلك ما تعدى عليه السفيه والصبي يتبعون به في ذمتهم، وكل ما لزم رقبة العبد لزم ذمة الصبي، واختلف في الأمة تكون بين حرٍّ وعبدٍ فيطأها العبد، فقيل: ذلك جنايةٌ من العبد في رقبته، وقيل: في ذمته.
م: والأول أشبه.
[(٣) فصل: فيما قبضه العبد ومن فيه بقية من رق فاستهلكه، وفيما أفسده العبد المأذون له في الصناعة]
قال في العتبية: ومن أراد أن يودع رجلاً وديعةً، فقال له الرجل: ادفعها
стр. 7252
إلى عبدي، ففعل فاستهلكها العبد فهي في ذمته، قلت: فإن غره السيد من العبد، قال: لا شيء على السيد بكل حال.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يكون في ذمته بإقراره أنه استهلكها حتى تقوم بينةٌ باستهلاكه إياها.
ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: وما أفسد العبد الصانع المأذون له في الصناعة، مما دفع إليه ليعمله أو يبيعه، فأتلفه ففي ذمته، وكذلك من ائتمنه على شيء أو أسلفه، فإن ذلك في ذمته لا في رقبته ولا فيما بيده من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه، وما قبضه العبد والمكاتب وأم الولد والمدبر من وديعة بإذن ساداتهم فاستهلكوه، فذلك دينٌ في ذمتهم لا في رقابهم، بخلاف الصبي يقبض وديعةً بإذن أبيه فيتلفها، هذا لا يلزمه شيءٌ ولا ينبغي ذلك لأبيه، ومن أودعته وديعةً فاستهلكها ابنه الصغير، فذلك من مال الابن، فإن لم يكن له مالٌ ففي ذمته، وإن استهلكها عبده، فهي جناية [٥٩/أ] في رقبته، فإما فداه السيد ذلك أو أسلمه، ومن قتل عبداً، فقيمته في ماله حالةٌ، ولا تحملها العاقلة.
стр. 7253
[الباب الخامس: في دفع الوديعة لغير ربها، وشهادة الرسول بصدقتها على المودع، ودفع الثمن لرسول البائع]
[(١) فصل: في دفع الوديعة لغير ربها]
[المسألة الأولى: في المودع يدعي أنك أمرته أن يدفع الوديعة إلى فلان]
قل ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً فادعى أنك أمرته بدفعها إلى فلانٍ ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته، فهو ضامن، إلا أن تقوم بينةٌ له أنك أمرته بذلك. قال أشهب في كتاب: وسواءٌ أودعته ببينة أو بغير بينةٍ.
قال سحنون: ويحلف ربها، فإن نكل حلف المودع وبرئ.
[المسألة الثانية: في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها، وكيف إن جاءه بكتاب وأمارة]
قال ابن القاسم: في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها، فصدقه ودفعها إليه، فضاعت منه، أن الدافع ضامنٌ لها، ثم له أن يرجع على الذي قبضها فيأخذها منه.
وقال أشهب في كتابه: لربها أخذها من أيهما شاء، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر؛ لأن الدافع صدق الرسول أنه مأمورٌ بأخذها، فلا يرجع عليه إن غرمها.
стр. 7254
م: ولابن القاسم في النكاح الأول في قبض الوكيل ما يدل على قول أشهب.
قال ابن المواز في كتاب الإقرار: ولو جاء بكتابه بأمارة، فدفعها إليه وهو يعرف خطه وأمارته فدفع إليه وصدق كتابه فأنكر ربها، فليحلف أنه ما أمره ولا كتب بذلك إليه، وأنه لا حق له عليه، ثم يغرم له الدافع، ثم يرجع بها على القابض ولا يمنعه ذلك من الرجوع عليه.
قال ابن المواز: وللذي جاءه بالكتاب - وإن عرف خطه وأمارته فيه -[أن] لا يدفع إليه ما أودعه الغائب أو حقاً للغائب عليه.
قال محمد بن عبدوس: في الذي قال للمودع بعثني ربها لأخذها منك، فدفعها إليه، ثم اجتمع مع ربها، فذكر ذلك له، فسكت، ثم طالبه بعد ذلك، قال: يحلف أنه ما أمر فلاناً بقبضها وما كان سكوته رضاً بقبضه، ثم يغرمه، ولو أن رب المال علم بقبض القابض، فجاء إلى المودع، فقال: كلم فلاناً القابض يحتال لي في المال، فقال: هذا رضى بقبضه، فليطلبه به، ويبرأ الدافع، ولو طلب ربها الدافع فجحده فقال ربها: احلف ما أودعتك. فقال: يحلف له أنه مالك على شيءٌ.
قال أبو محمد: يريد على قول ابن الماجشون: ويعني أيضاً أن الدافع أيقن بأمر رب الوديعة له.
стр. 7255
[(٢) فصل: في شهادة رسولك بأن ما أرسلته معه من مال لرجل إنما هو صدقة عليه]
ومن كتاب الوديعة قال مالك: وإن بعثت إلى رجلٍ بمالٍ، فقال: تصدقت به عليّ، وصدقه الرسول، وأنت منكرٌ للصدقة - وتقول: بل هو إيداعٌ - فالرسول شاهدٌ، يحلف معه المبعوث إليه ويكون المال صدقة عليه، قيل لمالك: فكيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.
محمد - وقاله عبد الله بن عبد الحكم -: وهو أحب ما سمعت فيها إليّ؛ لأن الرسول لم يتعد في الدفع؛ لإقرار ربها أنه أمره بذلك، فشهادته جائزةٌ، وكذلك إن كان للرسول بينةٌ على دفعه.
وقال أشهب في كتبه: لا تجوز شهادة الرسول؛ لأنه يدفع عن نفسه الضمان.
قال أبو محمد: يريد أشهب أن المتصدق عليه عديمٌ، وقد أتلف المال ولا بية للرسول على الدفع، فأما وهو مليءٌ حاضرٌ، فشهادة الرسول جائزةٌ مع يمين المشهود له، وكذلك إن قامت للرسول بينةٌ بالدفع في عدم المشهود له.
م: وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقاً لابن القاسم: وكذلك [٥٩/ب] علل محمد قول ابن القاسم، وعلل غيره قول أشهب أنه إنما لم تجز شهادته؛ لأنه دفع دفعاً لم يؤمر به، وذلك أن الآمر إنما أمره أن يدفع على جهة الإيداع، فدفع هو على جهة التمليك، فلا تجوز شهادته، ولا يؤخذ الآمر بغير ما أقر به من الدفع، قال: وابن القاسم إنما أجاز شهادته؛ لأنه أذن له
стр. 7256
في الدفع، فدفع والمال حاضرٌ، فلم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئاً، فجازت شهادته.
قال بعض الفقهاء: ويجب على أصل أشهب إذا لم تجز شهادة الرسول ولم يجد المال فأغرم الرسول، فللرسول أن يرجع بذلك على المدفوع إليه، وإن كان عنده مظلوماً؛ لأنه يقول: الآمر ظلمك وأغرمني بسببك إذ لم يجد المال بيدك، كقوله في المودع يأتيه رجلٌ بخط رب الوديعة وأمارته أن ادفعها إلى فلان صلةً أو أنها له وهو لا يشك أنه بخطه وأمارته فدفعها إليه، ثم جاء ربها فأنكر وحلف وأغرم المودع، أن للمودع أن يرجع على من قبضها منه وإن كان يعلم أنه مظلومٌ؛ لأنه يقول: بسببك وصل إلى تغريمي.
م: ويحتمل أن يكون الفرق بين المسألتين، أن المأمور في المسألة الأولى متحقق بكذب الآمر، وأن المذفوع إليه مظلومٌ، فلا يجب أن يرحع عليه بشيءٍ، وفي المسألة الثانية: هو لا يقطع بحقيقة كذبه؛ إذ قد يضرب على خطه ويعرف أمارته؛ فلهذا وجب أن يرجع عليه، وأما على أصل ابن القاسم فلا يجب له الرجوع عليه؛ كقوله فيمن استحقت من يده دابة وهو يعلم أنها نتاجٌ عند بائعها منه، وأن المستحق ظالمٌ له، وأن بينته شهدت بروز، فقال ابن القاسم: لا رجوع له بالثمن على بائعه، فكذلك هذا، وقد وقع لأشهب ما يدل أنه اختلف قوله في هذا الأصل، قال: في المودع يأتيه رجلٌ، فيقول له: إن ربها بعثني إليك لآخذها منك، فصدقه ودفعها إليه فادعى ضياعها، فأتى ربها، فأنكر أن يكون بعثه
стр. 7257
وحلف وغرم المودع، فقال: لا رجوع له على الرسول، بخلاف ما تقدم له، وابن القاسم يرى له الرجوع في هذه المسألة على الرسول؛ لأنه لم يتحقق صدقه.
[(٣) فصل: في دفع الثمن لرسول البائع]
ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: وإن بعت من رجلٍ ثوباً وبعثت معه عبدك أو أجبرك ليقبض الثمن، فقال: قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك، ضمن، بخلاف من دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجلٍ، فقال: دفعته إليه بغير بينة وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.
م: يريد: ليدفعه إلى الرجل من دين له عليه أو صدقةٍ عليه، فيبرأ الدافع بتصديقه؛ إذ لا طلب للآمر أو غيره فيه، وأما لو أمره بدفعه إليه ليكون وديعةٌ عنده أو ليوصله إلى غيره، فيدعي أنه قبضه منه وتلف، فلا يبرأ الدافع إلا ببينة على دفعه.
قال بعض الفقهاء: إنما لم يصدق المشتري في الدفع إلا ببينة؛ لأنه دينٌ في الذمة، فلا يبرأ من ادعى دفعه إلا ببينة، ولو كان أصله وديعةً، فقلت لآخر: اقبضه لي منه، فقال: قبضته وضاع، لصدق الدافع، وفي كتاب محمد: لا يبرأ إلا بالبينة؛ لأنه دفع إلى غير من دفع إليه؛ فعليه البينة، وابن القاسم إنما جعل إقامة البينة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ خيفة أن ينكروا، فإذا أقروا فلا ضمان على الوصي، فكذلك هذا إذا أقر بالقبض برئ المودع.
стр. 7258
[الباب السادس: فيمن أودع وديعة أو أبضع بضاعة لرجلين عند من يكون المال منهما ؟]
قلت: فالرجل يستودع الرجلين أو يبضعهما عند من يكون ذلك منهما؟ وهل يكون [٦٠/أ] عندهما جميعاً؟ فقال: قال مالك في الوصيين: إن المال يجعل عند أعدلهما، قال مالك: فإن لم يكونا عدلين وضعه السلطان عند غيرهما، وتبطل وصيتهما إذا لم يكونا عدلين، قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الوديعة والبضاعة شيئاً، وأراه مثله، وقاله أشهب في كتبه.
قال: وكذلك البضاعة تكون عند أعدلهما، فإن اقتسماها أو كانت عند أدناهما في العدالة ما لم يكن بين الفجور، فلا ضمان على من كان المال في يديه ولا من لم يكن.
قال سحنون في المودعين لا تكون عند أحدهما ولا تنزع منهما، بخلاف الوصيين، وإن اقتسم المودعان أو العاملان المال في القراض لم يضمنا.
قال يحيى: ولا يضمن الوصيان إذا اقتسماه، وقاله أشهب وابن عبد الحكم.
وفي الوصايا لابن حبيب خلافه، وأن كل واحدٍ يضمن ما سلم بالتسليم وما صار بيده؛ لرضاه برفع يد الآخر عنه، والموصي لم يرضهما إلا جميعاً.
стр. 7259
وقال القاضي إسماعيل في كتابه المبسوط: الوديعة لا تشبه الوصية؛ لأن الميت إذا مات صار ماله لغيره، فلا يجوز أن يوصي به إلا إلى ثقةٍ، والحي يختار لوديعته من أحب، فلا يجوز للمودعين أن يقتسما الوديعة؛ لأنه لم يرض واحداً منهما منفرداً على شيء من الوديعة، لكن يجعلانها في موضعٍ يثقان به، وتكون أيديهما فيها واحدةً. ومن الله التوفيق.
стр. 7260
[الباب السابع: فيمن أودعته أمة فوطئها، أو دابةً أو حيواناً فأنفق عليها، أو أنزى عليها أو أكراها]
[(١) فصل: فيمن أودعته أمة فوطئها]
قال ابن القاسم: ومن أودعته أمة فوطئها، فعليه الحد، والولد عبدٌ لك.
[(٢)] فصل [فيمن أودعك دابة أو حيواناً فأنفقت عليها]
ومن أودعك دابة وغاب، فأنفقت عليها بغير أمر السلطان، فإنم إن أقمت بينةٌ أنه أودعكها منذ وقت كذا، فإن الإمام يبيعها ويعطيك ما ادعيت من النفقة وإن لم تشهد بها إذا لم تدع شططاً.
[فائدة: في الفرق بين من أودعك دابة وغاب، وبين الزوجة تدعي في غيبة زوجها أنها أنفقت من مالها على نفسها]
م: إن قيل: ما الفرق بين هذا المودع، وبين الزوجة تدعي في غيبة زوجها أنها أنفقت من مالها على نفسها، فلا يقبل منها إلا أن تكون رفعت أمرها في ذلك إلى السلطان أنه لم يترك لها نفقة.
قيل: الفرق بينهما أن هذا قد أقام البينة أنه أودعه إياها ولم تذكر البينة أنه ترك لها مع ذلك نفقةً ولا شعيراً، والزوجة تركها في داره وموضع ماله، فدل سكوتها أنها أنفقت من ماله إذا لم ترفع ذلك إلى السلطان، وأيضاً فإن الغالب أن الرجل لا يغيب حتى يترك النفقة لزوجته وأهله، ولو ترك لها دابةً فادعت أنها
стр. 7261
أنفقت عليها من مالها، لكان ذلك كدعواها النفقة على نفسها لما ذكرنا.
قال في العتبية: فيمن بيده جاريةٌ وديعةً فأنفق عليها ثلاثين صاعاً من تمرٍ، فأراد ربها أن يغرم تمراً، فقال المنفق: كان يوم أنفقت أغلى من اليوم. فأخذ بذلك السعر، قال ابن القاسم: إن اشترى التمر، فليرجع بالثمن، وإن أنفق تمراً من عنده، فلا يرجع إلا بمثله؛ لأنه سلفٌ منه.
قال عيسى: فيمن أودع عنده متاعٌ، فعدا عليه عادٍ فأغرمه عليه [٦٠/ب] مالاً، فلا شيء على رب الوديعة من ذلك.
[(٣)] فصل [فيمن أودعته بقراً أو نوقاً فأنزى عليهن، أو كانت أمة فزوجها فحملت فماتت من الولادة]
ومن كتاب الوديعة: ومن أودعته بقراً أو أتاناً أو نوقاً، فأنزى عليهن فحملن فمتن من الولادة، أو كانت أمةً فزوجها فحملت فماتت من الولادة، فهو ضامنٌ، وكذلك لو عطبت تحت الفحل.
وقد روى عن مالك فيمن رهن جاريةً عند رجلٍ فزوجها المرتهن بغير أمر صاحبها فحملت فماتت من النفاس: أن ضمانها من الراهن، وقال ابن القاسم: ضمانها من المرتهن.
стр. 7262
وقال أشهب في كتبه: لا شيء عليه من ذلك في الإنزاء على حيوان أو تزويج الجواري. قال أشهب: وإن نقص ذلك كله الولادة، فلا شيء عليه؛ لأن الولادة في الجواري ليس من فعله إنما زوجهن، فكان الحمل من غيره، فلا يضمن، ولو سألتني في البهائم قبل أن ينزيها هل ينزيها؟ لرأيت أن لا يدعها من الإنزاء؛ لأن ذلك مصلحةٌ لها، ولم أضمنه في الجواري ما نقصهن النكاح؛ لأن ذلك نكاحٌ لا يثبت وإن رضي به ساداتهن، ولو كانوا ذكوراً لم يضمن شيئاً، لأن للسيد أن يجيزه، فلا يضمنه وقد أجاز فعله، وإن فسخه رجع العبد إلى حاله من غير نقصٍ.
م: قال بعض الفقهاء: والصواب أن لا يضمن إذا ماتت من الولادة وهو المعروف من قوله: كما لو غصب حرةً فزنى بها وهو غير محصنٍ فحملت فماتت من أجل الوضع أنه لا يقتل بها؛ لأن هذا سبب آخر ماتت به ليس هو نفس العدا، وكمن غر من أمة فزوجها من رجلٍ على أنها حرةٌ فماتت، لم يضمن قيمة ولدها للأب إذا غرم الأب قيمتهم لسيد أمهم، وأما إذا ماتت تحت الفحل، فالصواب أن يضمن؛ لأنه لم يؤذن له في الإنزاء، واختلف في إنزاء الراعي، فلم يضمن عند ابن القاسم؛ لأنه كالمأذون له، وضمنه غيره.
[(٤)] فصل [فيمن أودعته إبلاً فأكراها]
ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: ومن أودعته إبلاً فأكراها إلى مكة ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها ومنافعك بها، فأنت مخيرٌ في تضمينه قيمتها يوم تعديه، ولا كراء لك، أو تأخذها وتأخذ كراءها، وكذلك المستعير يزيد على المسافة أو المكتري، ونحوه لأشهب في كتبه.
стр. 7263
[(٥)] فصل [فيمن أودعته أمة فزوجها]
قال ابن القاسم: ومن أودعته أمةٌ فزوجها بغير أمرك، فهو ضامنٌ لما نقصها التزويج - قال أبو محمد: يريد: ويفسخ النكاح - قال ابن القاسم: وإن ولدت وكان في الولد ما يجبر به نقص النكاح، لم يغرم لنقص النكاح شيئاً، وربها مخيرٌ إن شاء أخذها وولدها، وإن شاء ضمنه قيمتها بلا ولدٍ.
قال يحيى: يوم بنى بها الزوج على أنها خاليةٌ بلا زوجٍ.
قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن رد أمةً ابتاعها بعيبٍ وقد زوجها فولدت، أنه يجبر نقص النكاح بالولد؛ كما يجبر بزيادة قيمتها، والنكاح ثابتٌ زوجها من عبدٍ أو من حر؛ لأنه زوجها وهي في ملكه؛ كما لو أعتقها جاز عتقه، وإن أعتقها بعد علمه بالعيب، لم يرجع بشيء، وإن لم يعلم رجع بحصته، ولو تسوق بها بعد علمه بالعيب لزمته ولم يردها.
وقال غيره: لا يجبر بالولد نقص النكاح.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأن بإحبال الزوج إياها وجب على المودع قيمتها، فصار النماء الحادث فيها من الولد بعد دخولها في ضمانه، فأشبهت المشتراة وبها عيبٌ أنها بالشراء دخلت في ضمان المشتري، فأجبر ما دخلها من نقص الولادة بنماء الولادة.
стр. 7264
قال بعض الفقهاء: وقول أشهب: أصوب؛ لأن هذا النماء لو لم يحدث عند [٦١/أ] المشتري عيبٌ ما شارك به، ولا كان له فيه شيءٌ، بخلاف ما أحدث من صبغٍ وخياطةٍ، فإن لم يكن له فيه شيءٌ لو لم يحدث عنده عيبٌ فكذلك يجب أن لا يجبر به ما حدث عنده من نقصٍ.
стр. 7265
[الباب الثامن: فيمن أودعته وديعة فأنفقها على أهلك، أو تجر بها، أو جحدها ثم صار له بيدك مثلها، أو استهلكها ثم ادعى هبتها]
[(١) فصل: فيمن أودعته وديعة، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك، وصدقوه]
قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك، وصدقوه في ذلك، فهو ضامنٌ إلا أن يقيم بينة، ويكون ما أنفق يشبه نفقتهم. يريد: وأنت مقر أنك لم تبعث إليهم بالنفقة ولا تركت لهم نفقةً، أو يكونون طلبوا ذلك عند قاضٍ ففرض لهم فيه فيبرأ,
م: وينبغي إذا فرض لهم قاضٍ أو أقررت أنت أنك لم تترك لهم نفقةً ولا بعثت لهم بها وصدقوا المنفق أنه أنفق عليهم من الوديعة فقة مثلهم أنه لا يضمن وإن لم تقم بينةٌ بذلك إذا صدقته الزوجة الكافلة للولد؛ لأنها لو أنفقت من عندها لرجعت بذلك على الزوج.
قال أشهب في كتبه: ولو قال ربها: تركت لهم النفقة، أو كنت أبعث بها إليهم ووصلت إليهم، فليحلف على ذلك وعلى وصولها إليهم، ثم يضمن الموجع، ولا يرجع على أهل ربها بشيء إن كان قال لربها: لم تفعل، أو قال: أمرتني بالدفع إليهم. وإن كان لم يقل هذا، فله الرجوع على من كان منهم يلي نفسه بقدر حصته من النفقة، وهذا ما لم يكن السلطان قضى على هذا الغائب بالنفقة، فأما إن قضى عليه بها، فلا يصدق في قوله بعثت بها أو تركتها لهم إلا ببينة، فإن أقام بينة كان الجواب على ما تقدم.
стр. 7266
[(٢) فصل: فيمن أودعته وديعة فتاجر بها]
ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةٌ فتجر بها، فالربح له، وليس عليه أن يتصدق بالربح، وتكره التجارة بالوديعة.
قال أبو محمد: ومن قول مالك وأصحابه: إن من تجر في وديعةٍ عنده أو في مال يتيمه لنفسه أن الربح له، إلا ما روى ابن حبيب عن ابن الماجشون، فإنه قال: إن تجر في الوديعة ونحوها تعديا وهو مليءٌ أو مفلسٌ فالربح له بضمانه، إلا أن يتجر في مال يتيمه لنفسه وهو مفلسٌ، فإن مالكاً قال فيه قولاً مستحسناً، قال: إن ربح فيه فالربح لليتيم؛ لأنه المدبر لماله، فلم يكن من النظر له أن يتجر به لنفسه في عدمه، وإن هلك فهو ضامنٌ له. قال: وإن تجر به لنفسه وهو مليءٌ، فالربح لولي اليتيم، وأخذ به ابن الماجشون، وأبى ذلك المغيرة وغيره من أصحابنا، وقالوا: المفلس والموسر في ذلك سواءٌ، وولي اليتيم في ذلك كغيره، وبهذا قال المصريون، وهو قول العامة.
[المسألة الأولى: في المودع يشتري بمال الوديعة جارية لنفسه]
محمد: قال مالك في مال الوديعة يشتري به المودع لنفسه جاريةً أو غيرها فليس عليه إلا مثل المال، والربح له والخسارة عليه، فإن حملت منه وهو عديمٌ اتبع ذمته.
[المسألة الثانية: في الوديعة تكون طعاماً أو سلعةً فيبيعها المودع بثمن أو يبتاع بها سلعة]
محمد: ولو كانت الوديعة طعاماً أو سلعةً فباعها بثمنٍ أو ابتاع بها جارية أو سلعة، فرب الوديعة مخيرٌ إن شاء أغرمه مثل طعامه أو قيمة سلعته إن فات ذلك،
стр. 7267
وإن لم يفت أخذه بعينه، وإن شاء أخذ فيها ما أخذ من ثمنٍ أو جاريةٍ أو غيره، فإن حملت الجارية فلرب الوديعة أخذها وقيمة ولدها أو قيمتها فقط كالمستحقة، [٦١/ب] ولو أن المشتري للسلعة باعها بأكثر مما اشتراها به، فلربها إجازة بيع المشتري وأخذ الثمن، ويرجع المشتري على بائعه بالثمن، ولو كانت الوديعة دنانير أو دراهم فصرفها لنفسه، فليس لربها إلا ما كان له وليس له أن يأخذ ما صرفها به إلا أن يرضى المودع، وإن صرفها لربها فلا يحل لربها أن يأخذ ما صرف وإن رضيا؛ لأنه صرف فيه خيارٌ، ولكن تباع هذه إن كانت دراهم بمثل دنانيره، فما كان من فضل فلربها، وما كان من نقصٍ ضمنه المتعدي، ولو أودعه حماراً أو استعاره فباعه بعشرةٍ، ثم ابتاعه بخمسةٍ، فربه مخيرٌ إن شاء أجاز بيعه وأخذ عشرةٌ لا غيرها، وإن شاء أخذ حماره، ثم ينظر إلى المتعدي، فإن كان اشترى الحمار لنفسه فالخمسة الفاضلة له، وإن اشتراه لربه فالخمسة الفاضلة لرب الحمار مع الحمار. وهذا في البيوع مذكورٌ.
[(٣)] فصل [فيمن لك عليه مال من وديعة أو قرض أو بيع فجحدك، ثم صار له بيدك مثل ذلك المال بإيداع أو بيع]
ومن المدونة: ومن لك عليه مالٌ من وديعةٍ أو قرضٍ أو بيعٍ، فجحدك ثم صار له بيدك مثله بإيداعٍ أو بيعٍ أو غيره، فلا تجحده. قيل لابن القاسم: لم قال ذلك مالك؟ قال: أظنه للحديث الذي جاء: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
стр. 7268
ومن العتبية وروى ابن القاسم عن مالك: فيمن له على رجلٍ دينٌ بلا بينة، فهلك المطلوب ولا دين عليه لأحد غيره، وقد كان للميت على الطالب حق مثله بلا بينة، فأراد حبس ذلك بدينه، وعرف أنه إن أقر أدى، ولم يجد بينة بالذي له، وعرف أن لا دين على الميت. قال مالك: ما أرى إلا أن يخبر ورثته وينتهي الأمر إلى حيث ما انتهى ويحتسب ماله.
قال عنه سعد بن عبد الله: ومن جحدك فلا تجحده.
قال أبو بكر بن محمد: فيمن جحدك مالاً فقدرت له على مثله، فقد اختلف فيه.
فروى أشهب عن مالك قال: لا آمرك بذلك ولا آمرك إلا بطاعة الله ، وإن أردت أن تفعله فأنت أعلم.
وروى عنه ابن وهبٍ: أنه أن كان على الجاحد دينٌ إن قيم به لم يقع
стр. 7269
له ذلك في المحاصة فلا يأخذه، وإن علم ألا دين عليه فليأخذه.
وروى ابن نافع مثله، وزاد: وأمن أن يحلف كاذباً، فليأخذ قدر حقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يأخذ وإن كان عليه دينٌ ما لم يفلس.
م: قال بعض فقهاء القرويين: اختلف في هذا فقيل: ذلك للمجحود له، كان الذي جحد له ديناً أو وديعةً، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقد برئ أن لو حلف فحلف، لم يضره ذلك؛ كالمكره على اليمين في أخذ ماله فيحلف ولا يضره ذلك عند عبد الملك. وابن القاسم يقول: يحنث، إلا أن يؤدي ذلك إلى ضربه وسجنه، وقيل: إن أمن أن يحلف جاز له، أو يجتزئ منه المحلف بقوله: مالك عندي حق. فيجوز له ذلك حينئذ على هذا، وأما لو قدر على أخذ مثله من مال الجاحد، فإن كان لا دين على الجاحد جاز لهذا أن يأخذ ذلك، وإن كان عليه دينٌ لم يجز له أن يأخذ إلا القدر الذي ينوبه في الحصاص؛ إذ لو قام عليه لأمكن أن يقول الجاحد بأني أحاص بين الغرماء، قال: ووقع لمحمد بن عبد الحكم: أن يأخذ الجميع وإن كان عليه دينٌ؛ لأن لم يفلس بعد.
م: وقد ذكرنا ذلك، وإنما جاز له أخذ قدر ما ينوبه، وإن كان
стр. 7270
للغرماء الدخول معه فيه؛ للضرورة التي تلحقه لو أظهر ذلك، فمتى لم يضر بالغرماء بأخذ ما ينوبه، جاز له ذلك.
[(١) فرع: فيمن غصبك شيئاً وهو باق بعينه واستطعت أن تأخذه خفية]
قال ابن المواز: ومن غصبك شيئاً ثم خفي لك أخذه بعينه، فلا بأس به، قيل: فإن لم أجد متاعي بعينه، وظفرت له بغيره من ماله [٦٢/أ] قال: لو أعلم أنه لا دين عليه يحيط بماله لم أر عليك شيئاً.
[(٢) فرع: في ميت أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد على ذلك إلى الوصيّ وعلى الصبي دين]
قال ابن المواز: قال مالك: في ميت أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد على ذلك إلا الوصيّ، فإن خفي له دفع ذلك حتى لا يتبع به، فله دفع ذلك دون السلطان، وكذلك لو دفعه فلم يقبل شهادته السلطان، ثم خفي له دفع ذلك، فله دفع ذلك، قيل: فإن غصبني رجلٌ شيئاً ثم خفي لي أخذه، قال: ذلك لك بخلاف من جحدك لما جاء فيه.
[المسألة الأولى: فيمن أودعته وديعة فاستهلكها]
ومن كتاب الوديعة: ومن أودعته وديعةٌ فاستهلكها، ثم ادعى أنك وهبتها له وأنكرت، فالقول قولك. يريد: وتحلف.
стр. 7271
[الباب التاسع: فيمن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ أو غيره، أو أودعك وديعةً وهو حرٌ أو عبدٌ ثم غاب، وكيف إن طلب سيد العبد أخذها ؟
[(١) فصل: فيمن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ فهلك]
قال: ومن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ أو في أمر يعطب في مثله، فعلك ضمنته، وأما إن بعثته لشراء بقلٍ أو غيره من حاجة بقرب منزلك، لم تضمن؛ لأن الغلام لو خرج في مثل هذا لم يمنع منه.
[(٢)] فصل [فيمن أودعك وديعة ثم غاب]
ومن أودعك وديعةً، ثم غاب فلم تدر أين موضعه - أو حيٌّ هو أو ميت - ولا من ورثته، فإنم تتأنى بها، فإن طال الزمان وأيست منه، فينبغي أن يتصدق بها عنه - يريد: ثم إن جاء ربها ضمنها له - وإن أودعك عبدٌ وديعةٌ وهو مأذونٌ له أو غير مأذون، ثم غاب، فقام سيده ليأخذها، فذلك له، وقال مالك: فيمن ادعى متاعاً بيد عبدٍ غير مأذون وصدقه العبد، فقال رب العبد: بل المتاع لي، أو قال: لعبدي، صدق السيد.
م: يريد مع يمينه، ولو قال: هو بيد عبدي ولا أدري، هل لك فيه شيءٌ أم لا؟ فهو للعبد، ولا يمين على السيد، إلا أن يدعي الآخر على السيد أنه يعلم أنه له، فليحلفه على علمه، قاله بعض شيوخنا.
قال مالك: ولو كان العبد مأذوناً كان القول قول العبد، وكذلك في إقراره بدينٍ.
стр. 7272
[الباب العاشر: في مسائل من الودائع مما ليس في المدونة وفيمن امتنع من دفع الوديعة، ثم ادعى تلفها، أو جحدها ثم أقام بينة بردها أو قال: لا أدري: أرددتها أم ذهبت أم أين دفنتها، أو لا أدري لأي الرجلين هي]
[(١) فصل: فيمن امتنع من دفع الوديعة، ثم ادعى تلفها]
ومن العتبية روى أصبغ عن ابن القاسم: فيمن له عند رجلٍ مالٌ وديعة فطلبه منه فاعتذر بشغلٍ، وأنه يركب إلى موضع كذا فلم يقبل عذره فتصايحا، فحلف ألا يعطيه ذلك الليلة، فلما كان في غدٍ، قال: قد ذهبت، فإن قال: تلفت قبل أن تلقاني، ضمن؛ لأنه أقر بها، وإن قال: لا أدري متى ذهبت حلف، ولا ضمان عليه.
قال أصبغ: ويحلف ما علم بذهابها حين منعه، قال ابن القاسم: وإن قال: قد ذهبت مني بعد ما حلفت وفارقتك، ضمنها؛ لأنه منعه إياها، إلا أن يكون كان على أمرٍ لا يستطيع فيه أن يرجع، ويكون عليه فيه ضرر، فلا يضمن، وقال أصبغ: لا يضمن كان عليه شغلٌ أو لم يكن، إلا أن تكون في يديه أو تكون عند بابه وليس فيه فتحٌ ولا غلق ولا أمر لا يتم إلا برجوعه ونظره؛ فإن جاء مثل هذا، فهو ضامنٌ، وإلا لم يضمن.
стр. 7273
وقال محمد بن عبد الحكم في كتاب آخر : إذا قال : أنا مشغول إلى غد ، فرجع إليه فقال : تلفت قبل مجيئك الأول أو بعده ، فلا ضمان عليه . وكذلك لو قال : لا أدفعها إليك إلا بالسلطان فترافعا إليه ، فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان ، فلا ضمان عليه ، لأن له في ذلك عذر ، لأنه يقول : خفت شغبه وأذاه .
فصل ومن « العتبية » : قال أصبغ عن ابن القاسم : ومن طلبت منه وديعة فقال : ضاعت منذ سنين ، إلا أني كنت أرجو أن أجدها فأطلبها ، ولم يذكر هذا قبل ذلك وصاحبها حاضر .
قال : هو مصدق ، ولا ضمان عليه .
وقال أصبغ : بل هو ضامن إذا لم يعرف منه طلب لها ، ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره .
قال محمد بن عبد الحكم : وقال أصحابنا ، فذكر مثل قول أصبغ . قال : وأنا أرى أن يحلف ، ولا شيء عليه .
فصل
قال أبو زيد : عن ابن القاسم في رب الوديعة والرهن يطلب فكاكه ، وأبى الذي ذلك في يديه أن يدفعه حتى يأتي السلطان فيقضى عليه
стр. 7274
بالدفع فهلك ذلك قبل القضية وبعد طلب أربابه، قال: إن كان دفع ذلك إليه بلا بينةٍ، فهو ضامنٌ.
[(٤)] فصل [فيمن جحد الوديعة ثم أقام البينة بردها]
قال ابن حبيب: عن ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: فيمن استودع وديعةً ببينة ثم جحدها، ثم أقر أنه ردها وأقام البينة بردها، فإنه ضامنٌ؛ لأنه أكذب بينته إذا قال لم أجدها يريد: إذا قال: ما أودعتني شيئاً، وأما إن قال: ما لك عندي شيءٌ، فالبينة بالبراءة تنفعه، وكذلك في القراض والبضاعة.
[(٥)] فصل [في الوديعة يطلبها صاحبها، فيقول المودع لا أدري: أضاعت مني أو رددتها إليك]
ومن العتبية قال أصبغ: في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك، فلا ضمان عليه؛ لأنه ذكر أمرين هو مصدق فيهما إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ حتى يقيم بينة بردها.
قال عبد الله بن عبد الحكم: ولو قال المودع لربها: إن كنت دفعت إليّ شيئاً فقد ضاع، وقد قبض الوديعة ببينة، فليس عليه إلا يمينه.
[(٦)] فصل [في الوديعة يطلبها صاحبها فيقول المودع دفنتها فضل عني موضعها]
قال أصبغ في العتبية: ولو قال: دفنتها فضلٌ عني موضعها، فهو ضامنٌ؛
стр. 7275
لأنه فرط إلا أن يقول دفنتها في بيتي، وحيث يجوز له دفنها فطلبتها في ذلك الموضع فلم أجدها، فلا يضمن.
[(٧)] فصل [فيمن استودع مالاً فيأتي رجلان يدعيانه فيقول المودع رددتها لأحدكما]
ومن كتاب محمد: ومن استودع مئة دينارٍ فأتى ردلان يدعيانها، فقال: رددتها إلى أحدكما، فإن لم يثبت أيهما هو، فإنه ضامنٌ لكل واحدٍ منهما مئةً؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، وكقوله للمودع لا أدري هل أودعتني؟ فهو كالنكول، فليحلف المدعي ويضمنه، وكذلك لو كانوا عشرةً.
وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحدٍ مئةً، وأما في الوديعة فلم أره مثل الدين.
قال محمد: وهما عندي سواءٌ.
قال في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحدٍ منهما ويحكم له بمئةٍ، ومن نكل لم يكن له شيء وكانت لمن حلف، فإن نكلا جميعاً لم يكن على المقر إلا مئةٌ واحدةٌ يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه. قال محمد: فإن رجع المودع فقال: أنا أحلف أنها لهذا،
стр. 7276
لواحدٍ منهما فذلك له؛ لأنه إنما قال أولاً: لا أدري. فإن رجع وقال: أنا أحلف أنها ليست لواحدٍ منهما: فلا بد من غرم مئةٍ يقتسمها الرجلان بعد إيمانهما؛ لأنه قد أقر أن عليه [٦٣/أ] مئةً [ثابتةً] فلا حجة له في إسقاطها، ولا حجة لأحدهما في طلب تمام المئة لنفسه؛ لأن المودع لو قال له: رجعت معرفتي أنه لا شيء لك. لم يلزمه غير اليمين؛ فاليمين التي حلف بها لهما تجزئ عمن طلب منهما تمام المئة لنفسه، وكذلك لو كانت المئة التي عليه دينا فيما ذكرنا.
[(٨)] فصل [فين بيده وديعة فيأتيه رجلان فيدعيانها ولا يدري لمن هي منهما]
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن بيده وديعةٌ مئة دينارٍ فيأتيه رجلان كل واحد يدعيها ولا يدري لمن هي منهما، قال: تكون بينهما بعد أيمانهما، فمن نكل منهما، فلا شيء له وهي كلها لمن حلف، وأما في الدين فيغرم لكل واحدٍ مئةً.
وقال سحنون: فيمن استودع وديعةً ثم مات فادعاها رجلان كل واحدٍ منهما لنفسه، وقال ابن الميت: لا أدري إلا أن أبي ذكر أنها وديعةٌ، فإنها توقف أبداً حتى يستحقها واحدٌ بالبينة، وقال أيضاً: في رجلٍ أودعه رجلٌ مئة دينار والآخر خمسين فنسي من صاحب المئة منهما، وادعى كل واحدٍ منهما المئة. قال: يتحالفان على المئة، ثم يقتسمانها،
стр. 7277
والخمسون الباقية يقتسمانها أيضاً؛ إذ ليس لها مدعٍ، وقال بعض أصحابنا: يغرم لكل واحد منهما مئةً بعد إيمانهما.
[(٩)] فصل [فيمن شك أي الرجلين أعطاه مالاً ليتصدق به، وكلاهما يدعي أنه الآمر]
قال ابن المواز: ومن قال: دفع إليّ فلانٌ مئة دينارٍ لأتصدق بها ففعلت، ثم قال: بل هو فلانٌ دفعها إليّ لأتصدق بها ففعلت، وادعى كل واحدٍ منهما أنه الآمر، فقال بعض أصحابنا - وقاله أشهب -: إن الصدقة نافذةٌ لمن كان منهما، ولا تباعة عليه.
وقال محمد: بل يغرم لكل واحدٍ مئةً. والله أعلم.
تم كتاب الوديعة بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه
стр. 7278
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وآله وصحبه
كتاب العارية
[الباب الأول: في القضاء في العارية والتعدي فيها، وما يضمن منها]
[(١) فصل: في الأصل في العارية]
والعارية جائزةٌ مندوبٌ إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقول النبي ﷺ : ((كل معروفٍ صدقةٌ)).
стр. 7279
ولأنه ﷺ استعار وكذلك الصحابة ﵃ والقضاء في العارية التي يغاب عليها أنها مضمونةٌ؛ لأن ﷺ قال لصفوان في السلاح الذي استعاره منه: ((عاريةٌ مؤداةٌ))، وقد تقدم بعض الحجة أول كتاب الوديعة.
[(٢) فصل فيما يضمن من العارية، وكيف إن أقام البينة على أنها هلكت بغير سببه]
قال ابن القاسم: فالعارية مضمونةٌ فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض، فإن ادعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو تخرق أو انكسر، فهو ضامنٌ وعليه فيما أفسد فساداً يسيراً ما نقصه، وإن كان كثيراً ضمن قيمته كله، إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه فلا يضمن، إلا أن يكون منه تضييعٌ أو تفريطٌ فيضمن.
قال ابن القاسم: وكذلك وجدت هذه المسألة في كتاب عبد الرحيم.
стр. 7280
م: فوجه قوله: لا ضمان عليه، إذا أقام البينة بهلاكها؛ لانتفاء التهمة عنه أنه لا صنع له في تلفها؛ وكهلاك ما لا يغاب عليه؛ لأنه إنما سقط فيه الضمان؛ لأنه لا يخفى هلاكه في الغالب، فصدق في هلاكه، فما قامت بينةٌ بهلاكه أحرى أن لا يضمن، [٦٣/ب] وقال أشهب: يضمن فيما يغاب عليه، وإن أقام بينةً أنه هلك بغير سببه؛ لظاهر الحديث فيما يغاب عليه، كالسلاح الذي فيه الأثر، فهو على عمومه.
قال ابن القاسم: كل ما علم بالبينة أنه هلك أو نقص فيما استعير له، فلا يضمنه، قال: ولا يضمن فيما لا يغاب عليه من حيوانٍ أو غيره، وهو مصدقٌ في تلفه، ولا يضمن شيئاً مما أصابه عنده إلا أن يكون بتعديه.
[(٣) فصل: في الاختلاف في ضمان العارية]
قال بعض البغداديين: وذهب أو حنيفة إلى أن العارية لا تضمن على كل حال، وذهب الشافعي أنها مضمونةٌ على كل حال، ودليلنا على سقوط الضمان في الحيوان والرباع ما روي: ((ليس على المستعير ضمانٌ))؛ ولأنه حيوانٌ أو عقارٌ قبضه لمنفعة نفسه، فلا يضمن تلفه كالعبد المستأجر.
ودليلنا على وجوب الضمان فيما يغاب عليه، قوله ﵊ في سلاح صفوان: ((عاريةٌ مؤداةٌ))؛ ولأنه قبضه لمنفعة نفسه، فلم يكن له حكم
стр. 7281
الأمانة المحضة، فإذا لم يعلم تلفه إلا بقوله لزمه الضمان.
قال ابن المواز: ومن استعار دابةٌ بسرجها ولجامها، فقال: ضاعت وما عليها، فلا يضمن الدابة ويضمن السرج واللجام.
[(٤)] فصل [في ضمان العارية من الحيوان، وكيف إن شرطه فيها]
قال ابن حبيب: ومن استعار بازياً للصيد، فزعم أنه مات أو سرق أو طار، فلم يرجع في حين اصطياده أو في غير حينه، فهو مصدقٌ مع يمينه، ولا يضمن؛ لأنه حيوانٌ، وقاله أصبغ: وقال مطرف: من استعار دابةً أو اكتراها على أنه ضامنٌ لها، فالشرط ساقطٌ، ولا يضمن إلا أن يكون ربها خاف عليها من أمر يظهر مثل طريق مخوفةٍ من لصوصٍ أو غيرها، فيضمن في مثل هذا الشرط إن هلكت فيما يخاف عليها، وإن هلكت في غير ذلك لم يضمن، وقال أصبغ: لا ضمان عليه بكل حالٍ، وبقول مطرف أقول.
[(٥)] فصل [في القضاء في العارية]
[المسألة الأولى: فيمن استعار دابة يركبها حيث شاء، وكيف إن قال له صاحبها: اركبها حيث أحببت]
ومن كتاب العارية قال ابن القاسم: ومن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو بالفسطاط، فركبها إلى الشام أو إلى إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى مثل ذلك، فلا شيء عليه، وإلا ضمن، والذي يسأل رجلاً يسرج له دابته ليركبها في حاجته، فيقول له ربها: اركبها حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام ولا إلى إفريقية.
стр. 7282
[المسألة الثانية: في اختلاف المعير والمستعير على الحد الذي أعاره الدابة إليه]
قال ابن القاسم: ووجدت في مسائل عبد الرحيم أن مالكاً قال: فيمن استعار دابةً فركبها إلى موضعٍ، فلما رجع زعم أنه أعارها إياه إلى دون ما ركبها إليه أو إلى بلدٍ آخر، فالقول قول المستعير إن ادعى ما يشبه مع يمينه.
وكذلك في سماع ابن القاسم نصاً سواءً، قال فيه ابن القاسم: وذلك إذا ركب ورجع، وإن لم يركب بعد؛ فالمعير مصدقٌ مع يمينه؛ وكمن أسكنته داراً أو أخدمته عبداً، فبعد سنةٍ قال هو: المدة سنة، وقلت أنت: ستة أشهر، فهو مصدقٌ عليك مع يمينه، إلا أن يدعي ما لا يشبه، ولو لم يقبض المسكن ولا العبد، فأنت مصدقٌ مع يمينك.
م: وهذا من قوله يدل أن القول قوله في رفع الضمان والكراء؛ لأن مستعير الدار لو ثبت عداؤه بمجاوزة المدة التي استعارها إليها، فانهدمت الدار بأمرٍ من الله تعالى في تلك المدة لم يضمنها؛ لأنه إنما تعدى على السكنى، فلا يكون أسوأ حالاً من غاصب السكنى، فكيف بمن لم يثبت عداؤه؟ فإذا ثبت أنه لا يضمنها لم يبق إلا أن يكون القول قوله في السكنى ودفع الكراء.
وذكر أبو محمد في المختصر أن سحنوناً قال: القول قول المستعير فيما يشبه، يعني في الضمان لا في الكراء. [٦٤/أ].
وقال أشهب في كتبه: إن القول قول المستعير في رفع الضمان مع يمينه، والقول في الكراء قول رب الدابة مع يمينه، ويكون له فضل ما بين كراء الموضع الذي أقر المعير أنه أعاره إليه، وبين كراء الموضع الذي ركب إليه المستعير.
стр. 7283
م: وهذا خلافٌ لقول ابن القاسن: لما قدمنا، فاعرفه، وقول أشهب جيد، وإليه ذهب ابن حبيب.
قال ابن حبيب: سمعت من أرضى يقول فيمن استعار من رجلٍ دابةً، فمضى لها عنده يومان، ونفقت في اليوم الثاني، فقال المعير: إنما أعرتك يوماً، وقال المستعير: بل يومين، أن كل واحدٍ منهما مدعٍ على صاحبه، فالمعير يدعي تضمين المستعير، والمستعير يدعي يقوط الكراء عنه، فأرى أن يحلفا جميعاً، ويلزم المستعير كراء اليوم الثاني، ولا يلزمه الضمان إذا حلف.
[المسألة الثالثة: في شهادة من أرسله المستعير ليستعير له إذا اختلف هو والمعير في المكان الذي استعاره إليه]
قال أشهب في كتبه: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقة، فأعاره، فركبها المستعير إلى إفريقية فعطبت، فقال المعير: إنما أعرتك إلى فلسطين، وقال الرسول: بل إلى برقة، فشهادة الرسول ها هنا لا تجوز للمستعير ولا عليه؛ لأنه إنما يشهد على فعل نفسه، ويحلف المستعير أنه ما استعارها إلا إلى برقة، ويسقط عنه الضمان، ويحلف رب الدابة أنه ما أعاره إلا إلى فلسطين، ويكون له على المستعير فضل ما بين كراء برقه على كراء فلسطين.
قال ابن القاسم في آخر كتاب العارية: ومن بعث رسولاً إلى رجلٍ يعيره دابةً إلى برقه، فقال له: يسألك فلانُ أن تعيره إياها إلى فلسطين، فأعاره فركبها المستعير إلى برقة ولا يدري، فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال بذلك أمرتني وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ.
قال أشهب في كتبه: إن قامت للمعير بينةٌ أن الرسول قال له: إلى
стр. 7284
فلسطين، كان له فضل كرائها على ما فسرنا لا يمين عليه؛ لأن البينة قد قامت له بذلك، ولا ضمان على المستعير؛ لأنه يقول: إلى برقة استعرتها - يريد: فيحلف ويبرأ - وإن قال الرسوب ما أمرني المستعير - قال: فإن قال الرسول: إنما أمرتني إلى برقة، فقلت أنا لرب الدابة غير ذلك، ضمن الرسول الدابة إن كانت مسافة برقة أشد من مسافة فلسطين في البعد والتعب، ولو كانت مثلها في البعد والتعب والحزونة، لم يضمن الرسول ولا المستعير؛ لأن المستعير لو استعارها إلى موضع، فركب إلى موضعٍ غيره مثله في البعد والتعب والحزونة فهلكت تحته، لم يضمن.
م: وفي كتاب أبي محمد: وإن قال الرسول: بذلك أمرتني، وأكذبه المستعير، فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصمٌ والمستعير ضامنٌ، إلا أن يأتي ببينة أنه أمره إلى برقة.
م: وليس في رواية سليمان بن سالم ولا يزيد بن أيوب ضمان المستعير.
стр. 7285
قال اللبيدي: وهو مطروحٌ في رواية جبلة.
وأسقطها البرادعي في كتابه؛ لأن روايته رواية جبلة، ولم يفرق أشهب في فقهه بين هذه المسألة، وبين المسألة الأولى، وكذلك ينبغي ألا يفرق ابن القاسم بينهما.
وقد ذكر بعض أصحابنا عن بعض شيوخه أنه قال: الفرق بينهما أن المستعير في مسألة الرسول لا يدعي كذب رب الدابة؛ إذ لا علم له [٦٤/ب] بما عقد الرسول؛ لأنه لم يخاطبه شفاها، فلذلك ضمن، وفي مسألة عبد الرحيم: هما متداعيان، فلم يصدق رب الدابة في تضمين المستعير، وكان عليه البيان.
م: وهذا لو عكس لكان أولى؛ لأن في مسألة عبد الرحيم المعير يدعي تكذيب المستعير حقيقةً، فجعلت فيها القول قول المستعير فيما يشبه، وفي هذه المسألة المعير لا يدعي تكذيب المستعير، فهو أحرى أن يكون القول قول المستعير فيما يشبه، وأن لا يضمنه بالشك، ألا ترى أنهم قالوا في المودع إذا قال: رددت الوديعة إلى ربها وأكذبه ربها، أن القول قول المودع مع يمينه وإن لم يكن متهماً؟ لأن ربها يدعي تكذيبه، فلا بد من يمينه؛ فإن نكل حلف ربها واستحق، ولو قال المودع ضاعت لصدق الغير متهم بغير يمين؛ لأن ربها لا يدعي تكذيبه، فبان أن من ادعى تكذيبه أشد، وأيضاً فإن من أصلنا إذا استوت دعوى المتداعيين أن القول قول من ادعى عليه الضمان؛ ففي المسألة الأولى استوت دعواهما؛ لأن كل واحدٍ منهما يدعي تكذيب صاحبه فجعلت القول قول من ادعى عليه الصمان وهو