Полный текст (9 651 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
قال: أما إن قال: إنهم كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالاً شديداً.
قلت: فمن لزم رجلاً بدين فأغضبه فقال له الغريم: صل على محمد، فيقول صاحب الدين وقد غضب: لا صلى الله على من يصلي عليه، هل ترى عليه قتلاً؟
قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب؛ لأنه لم يكن مضمراً على الشتم وإنما لفظ بهذا على وجه الغضب.
ابن القاسم وسئل مالك عمن نادى رجلاً باسمه فقال له: لبيك اللهم لبيك أعليه شيء؟
قال: إن كان جاهلاً أو على وجه السفه فلا شيء عليه.
стр. 8647
[الباب الخامس]
جامع القول في أهل الأهواء ومجانبتهم وترك جدالهم والقول في القدر والاستواء على العرش والأسماء والصفات
قال أشهب سئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء لا تجالسوهم ولا تصلوا وراءهم وإن جامعوكم في مصر فأخرجوهم منه.
قال سحنون: وكان ابن غانم يكره مجالستهم، ويقول: أرأيت لو أن أحداً قعد إلى سارق وفي كمه بضاعة أما كان يحترز منه خوفاً أن يغتاله فيها فدينك أولى بأن تحترز به منه.
قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "من جعل دينه عرضاً
стр. 8648
للخصومات أكثر التنقل".
قال مالك: أراه يعني أصحاب الأهواء.
قال مالك: كان هاهنا رجل يقول: ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني من فرق الإسلام، قال: ولم أر شيئاً مستقيماً، فقال له رجل: أنا أخبرك ما شأنك لم تعرف المستقيم، أنت رجل سوء لا تتقي الله ، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
قال سحنون عن قول مالك في أهل البدع والإباضية والقدرية وجميع أهل الأهواء: أنه لا يصلى عليهم، فقال: لا أرى ذلك، وأرى أن يصلى عليهم ولا يتركوا بغير صلاة لذنب ركبوه، ومن قال: لا أصلي عليهم فقد كفرهم بذنوبهم، وقد جاء الحديث أن الرسول ﵇ قال (لا تكفروهم بذنبٍ)، وإنما قال مالك: لا يصلي على موتاهم تأديباً
стр. 8649
لهم، ونحن نقول ذلك على وجه التأديب، فأما إن بقوا ولم يوجد من يصلي عليهم فلا يتركون بغير صلاة وليصلى عليهم.
قيل له: فما تقول في إعادة الصلاة خلف أهل البدع؟
قال: لا يعيد من صلى خلفهم في وقت ولا بعده، وكذلك يقول جميع أصحاب مالك وأشهب والمغيرة وابن كنانة، قال: وإنما يعيد من صلى خلف نصراني وهذا مسلم وليس دينه مما يخرجه من الإسلام فكما تجوز صلاته لنفسه كذلك تجوز لمن خلفه، والنصراني لا تجوز صلاته لنفسه فكذلك لا تجوز لمن خلفه، وقد أنزله من يقول تعاد الصلاة خلفه أبداً بمنزلة النصراني، وركب فيه قياس قول الحرورية والاباضية الذين يكفرون جميع المسلمين بالذنوب من
стр. 8650
القول.
قيل له: فأهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما قال مالك؟.
قال: أما ما كان بين أظهرنا وفي جماعة أهل السنة فإنه لا يقتل والشأن فيه أن يضرب مرة بعد أخرى ويحبس وينهى الناس أن يجالسوه أو يسلموا عليه تأديباً له ولا يبلغ به القتل، ألا ترى "أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب صبيغاً بجريد النخل حتى إذا كاد أن يبرأ الجراح ضربه وحبسه ثم إذا كاد أن يبرأ ضربه، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد دوائي فقد بلغت مني الدواء، وإن كنت تريد قتلي فأجهز،
стр. 8651
فخلى عمر عنه ونهى الناس أن يجالسوه"، فيفعل بمن كان بين أظهر المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ.
وأما من كان من أهل البدع قد بان عن الجماعة ودعوا إلى ما هم عليه ومنعوا فريضة من الفرائض؛ كان على الإمام أن يدعوهم إلى السنة وإلى مراجعة الجماعة، فإن أبوا ونصبوا الحرب قاتلهم واستتابهم فإن تابوا وإلا قتلهم كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ حين قال: "لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه"، فجاهدهم وأمر بجهادهم، وقتلهم على تلك
стр. 8652
البدعة فهذا يبين لك جميع ما سألت عنه، فقد مضت السنة من أبي بكر الصديق ﵁، وعمر الفاروق ﵁ في من بان أو لم يبن.
وأخبرني ابن وهب عن محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عبد
стр. 8653
الكريم: أن الحرورية خرجوا فنازعوا علياً ﵁ وفارقوه وشهدوا عليه بالشرك فلم يهجهم حتى خرجوا إلى حروراء، فأخبر علي أنهم يتجهزون من الكوفة، فقال: "دعوهم حتى يخرجوا" فنزلوا بالنهروان فمكثوا شهراً، فقيل: اغزهم الآن، فقال: "لا، حتى
стр. 8654
يهريقوا الدماء ويقطعوا السبيل ويخيفوا الآمن" فلم يهجهم حتى قتلوا فغزاهم فقتلهم.
قيل له: فهؤلاء الذين قتلهم الإمام من أهل الأهواء لما مالوا عن الجماعة هل يصلى على قتلاهم؟.
قال: نعم، وهم مسلمون، وليس بذنوبهم التي استوجبوا القتل بها تترك الصلاة عليهم، ألا ترى أن الزاني المحصن قد وجب عليه القتل بذنبه، والمحارب والقاتل عمداً قد استوجبوا القتل، فإن قتلوا لم تترك الصلاة عليهم، وليس ذنوبهم التي ركبوها واستوجبوا بها القتل تخرجهم من الإسلام فكذلك أهل البدع.
[١٣ - فصل في القول في القدر والاستواء على العرش والأسماء والصفات]
من سماع ابن القاسم قال: وسمعت مالكاً يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر، فقال له الرجل: نعم، فقال: يقول الله ﵎ في كتابه
стр. 8655
العزيز: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، حقت كلمته ليملأن جهنم فلابد مما قال.
قال سحنون أخبرني بعض أصحاب مالك أنه كان عند مالك جالساً فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله مسألة، فسكت عنه، ثم قال مسألة، فسكت عنه، ثم أعاد عليه، فرفع فيه رأسه كالمجيب له، فقال له السائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف كان استواؤه؟، قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه فقال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، ولا أراك إلا امرئ سوء، أخرجوه.
قال أصبغ عن ابن القاسم: من قال: إن الله تعالى لم يكلم موسى استتيب فإن تاب وإلا قتل، وأراه من الحق والواجب الذي أدين الله سبحانه عليه.
стр. 8656
قال ابن القاسم: ولا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولكن يقول: له يدان كما وصف به نفسه، وله وجه كما وصف به نفسه، يقف عند ما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه ﵎ لا مثل له ولا شبيه ولا نظير ولا يدر أحد هذه الأحاديث أن الله خلق آدم على صورته أو نحوها من الأحاديث ولكن هو الله الذي لا إله إلا هو كما قال جلت قدرته: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ هو كما وصف نفسه فلا يشبه بشيء فإنه تعالى لا شبيه له.
стр. 8657
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب الرجم والزنى
стр. 8658
[الباب الأول]
في تحريم الزنى وفرض الحد فيه ورجوع المقربه
[١ - فصل: دليل تحريم الزنى]
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وعم تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾.
стр. 8659
[٢ - فصل: في ثبوت الحد بالإقرار ورجوع المقر]
ورجم الرسول ﵇ الزاني الثيب بإقراره، وقال فيه لما هرب حين أخذته الحجارة (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك رجوع منه، فدل بذلك أنه يقبل رجوعه ما لم يحد.
ولا خلاف بين مالك وأصحابه أنه يقبل رجوعه إذا ذكر لإقراره وجهاً يعذر به.
واختلفوا إذا لم يذكر له وجهاً إلا على وجه التوبة:
فروى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يقبل رجوعه إلا أن يأتي بوجه. وأخذ بهذا أشهب وعبد الملك، وأباه ابن القاسم وابن وهب وقالا: يقبل رجوعه وإن لم يأت بعذر. ورواه ابن وهب عن مالك ما لم يكن لأحدٍ فيه تباعة.
قال ابن القاسم: وكذلك كل حد هو لله تعالى بخلاف ما للناس، واحتج ابن القاسم بحديث ماعز حين هرب لما أخذته الحجارة فضربه رجل فقتله، فقال النبي ﷺ : (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك منه رجوع. قال محمد: وبه آخذ أن رجوعه جائز وإن لم يكن له عذر، وإن
стр. 8660
كان إظهار عذره أفضل.
م: ولا يقبل الإنكار مع البينة.
[٣ - فصل: الرجم هو حد الثيب والثيبة ودليل ثبوته]
ومن كتاب ابن المواز وغيره: والرجم فرض من الله سبحانه على كل ثيب وثيبة، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "الرجم في كتاب الله تعالى حق".
قال بعض البغداديين: قال الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، هي ذات الزوج المحصنة، ولم يذكر ما ذلك العذاب، فبين الرسول ﵇ أن الرجم في الثيب.
م: وقال عمر بن الخطاب ﵁: "وإياكم أن تهلكوا عن هذه الآية أن يقول قائلٌ: لا نجد حدين في كتاب الله فقد قرأناها". (وحكم به رسول الله ﷺ بما وجد في
стр. 8661
التوراة قبل الفرقان).
[٤ - فصل: في عقوبة الزنى في أول الإسلام، ونسخها، وبيان ما استقر عليه الأمر بعد ذلك]
وقد أنزل الله تعالى في كتابه في الثيب والبكر غير الرجم والجلد ثم نسخ ذلك بالرجم والجلد وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾
стр. 8662
الآية، فكان هذا حد الثيبة أن تحبس أبداً حتى تموت، أو يجعل الله لهن سبيلاً. يريد: أو ينزل فيهن غير ذلك، فأنزل الله بعد ذلك الرجم فهو السبيل.
قال ابن حبيب: قال الثوري: قال الرسول صلى الله عليه
стр. 8663
وسلم: (قد جعل الله لهن سبيلاً)، والسبيل الرجم.
قال فيه وفي كتاب محمد ثم قال في البكرين: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾، يريد والله أعلم: يفضحون بذلك ويعيرون ويردد عليهم ذلك ويؤذون به ويشتهرون حتى يتوبوا ويصلحوا فيعرض حينئذ عنهما.
ثم أنزل ما نسخ ذلك، فقال : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الآية، فأخبر أن هذا دين الله تعالى وحكمه.
(وقد رجم رسول الله ﷺ الثيب والثيبة، وجلد البكر مئة ونفاه).
стр. 8664
قال محمد: أخبرنا أصحاب مالك أن مالكاً أخبرهم عن ابن شهاب أنه أخبره عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعن زيد بن خالد الجهني (أن رجلين أتيا إلى رسول الله ﷺ : يختصمان، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وكان أفقههما: أجل فاقض بيننا بكتاب الله يا رسول الله وأذن لي أن أتكلم، إن ابني كان عسيفاً على هذا، وأنه زنى بامرأته، فقال: إن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاةٍ، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ؛ أما غنمك وجاريتك فردٌ عليك)، وجلد ابنه مئةً، وغربه عاماً، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت
стр. 8665
فرجمها.
م: وفي هذا الحديث من الفقه:
نقض الصلح الحرام، لقوله ﷺ : (أما غنمك وجاريتك فردٌ عليك).
وفيه: تغريب البكر الزاني عاماً.
وفيه: أن من أقر على نفسه بالزنى مرة واحدة وكان محصناً رجم، بخلاف من قال: لا يحد حتى يقر أربع مرات، كما لا يحد إلا بشهادة أربعة، وكما في ظاهر حديث النبي ﷺ في الذي أقر بالزنى وإنما أعرض النبي ﵇ عن هذا المقر بعد إقراره من أجل ما وقع في نفسه
стр. 8666
أنه مجنون، ولذلك سأل عنه فقال النبي ﷺ : (أبصاحبكم من جنةٍ) فلما أخبر أنه عاقل وإنما أقر تائباً من ذنبه أمر به فرجم.
وقال الرسول ﵇ في اليهودي واليهودية: (إني أقضي بينكما بما في التوراة فأمر بهما فرجما). وقال: (اللهم إني أشهدك أني أول من أحيا أمرك وأماتوه) ثم أمر بهما فرجما.
стр. 8667
[الباب الثاني]
جامع ما يجب فيه حد الزنى من شهادة أو إقرار أو حمل واختلاف البينة ورجوعها
[٥ - فصل: الأدلة على حد الزنى]
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
(وحد الرسول ﵇ الزاني والزانية بإقرارهما).
стр. 8668
الأبهري: وقد روى مالكٌ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "الرجم في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا كانت البينة أو الحمل أو لاعتراف"، فأجرى الحمل إذا لم يعلم أنه من نكاح أو ملك مجرى البينة والاعتراف. ونحوه عن عثمان وعلي وابن عباس ﵃، ولا مخالف لهم في الصحابة، وقد خالف في الحمل أبو حنيفة والشافعي وهذا خلاف أصلهما؛ لأن القول إذا انتشر في الصحابة ولم
стр. 8669
يعلم له خلاف كان إجماعاً عندهما.
[٦ - فصل: البينة التي يثبت بها حد الزنى]
قال في كتاب ابن المواز: ولا يجب رجم ولا جلد إلا بأحد هذه الثلاثة أوجه:
إما بإقرار لا رجوع بعده إلى قيام الحد، أو يظهر الحمل بحرة غير طارئة ولا يعرف لها نكاح، أو بأمة لا يعرف لها زوج، وسيدها منكر لوطئها، أو يشهد أربعة رجال عدول كما أمر الله وبعد أن يصفوا
стр. 8670
حقيقة ذلك على معاينة الفرج في الفرج كالمرود في المكحلة بصفة واحدة وموضع واحد ووقت واحد وإلا لم تتم الشهادة.
[٧ - فصل: اختلاف الشهود في غير الرؤية]
قال محمد: وإن قال بعضهم: ليلاً وقال بعضهم: نهاراً، وقال بعضهم: كان وطؤه إياها متكئة، وقال بعضهم: مستلقية، وقال بعضهم: في غرفة، وقال بعضهم: في سفل، واختلفوا في الأيام والساعات بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف، بخلاف الإقرار يشهدون به عليه في وقتين.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: في الشهود يتفقون على صفة الزنا والرؤية ويختلفون في الأيام والمواطن، فهذا لا يبطل الشهادة، وانظر فإذا اختلفوا فيما ليس على الإمام أن يسألهم عنه، وتتم الشهادة مع
стр. 8671
السكوت عنه، فلا يضرهم اختلافهم فيه مع ذكرهم له.
قال ابن المواز: وإن وصفوا كلهم وصفاً واحداً ولم يقولوا: كالمرود في المكحلة، فالنكال على المشهود عليه، وذلك إن لم يكن في شهادتهم أنه زنى، ولا ذكروا زنى، وإنما يشهدون على ما وصفوا.
[٨ - فصل: في سؤال الشهود، ودرء الحد]
قال فيه وفي المدونة معناه: وينبغي للقاضي أن يسأل الشهود عن صفة شهادتهم، كيف رأوه؟ وكيف صنع؟، فإن رأى في شهادتهم ما يدرأ به الحد درأه؛ "كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بالذين شهدوا على المغيرة"، وقد (سأل النبي ﷺ المعترف بالزنى:
стр. 8672
كيف صنع؟)، إذ قد يكون ممن يجهل وجه الزنى فيرتفع عنه الحد، وكذلك البينة.
م: وهذه رحمة من الله تعالى، وكذلك بالتأكيد في الشهادة كالمرود في المكحلة، ودراءة الحد بالشبهة، هذا كله رفقاً من الله تعالى بعباده وستراً عليهم، ومنه قول النبي ﷺ : (فهلا سترته بردائك)، وقوله ﵇: (من أتى شيئاً من هذه القاذروات
стр. 8673
فليستتر عنا بستر الله .
قال بعض البغداديين: وليس بواجب على البينة إذا رأوا رجلاً يزني أن يوقعوا شهادتهم عليه، ويسعهم الستر عليه، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وهم لا يأتون إلا بمن تقدمت رؤيته، فلو كان لم يسعهم السكوت عنه لكان تركهم الشهادة عليه حتى يدعوا إليها تجريحاً لهم، ويدل عليه أيضاً أمره ﷺ : من أتى شيئاً من ذلك بالستر على نفسه.
قال ابن المواز: فإن غاب الشهود الأربعة قبل أن يكشفهم الإمام عن
стр. 8674
صفة شهادتهم غيبة بعيدة أو ماتوا قال: إذاً لا تنفذ شهادتهم، ويقام الحد على من شهدوا عليه بالزنا، وكذلك بالسرقة، فأما إن أمكن الإمام مسألتهم أو مسألة أحد منهم لم ينفذ الحد أبداً حتى يسأله؛ فإن وجد في شهادة من قدر عليه منهم ما لا يوجب الحد على المشهود عليه سقطت شهادة جميعهم، ووجب عليهم حد الفرية، وإن كان ذلك في سرقة لم يعاقبوا.
[٩ - فصل: في رجوع بعض الشهود عن شهادتهم]
قال: وإن كان الشهود أكثر من أربعة فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر، ولم يكشف، وكان الحد ثابتاً؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته لكان الحد ثابتاً بمن غاب، وكذلك لو كانوا حضروا كلهم ورجع بعضهم وبقي أربعة لم يسقط الحد، ولو كان بعد إقامة الحد لم يكن على من رجع غرم.
قال ابن القاسم: وإذا بقي بعد الراجعين أربعة عدول لم يختلفوا أقيم
стр. 8675
على الثيب الرجم، وعلى البكر الجلد، وحد الراجعون حد الفرية؛ لأنهم عند أنفسهم وغيرهم ممن ثبت على شهادته قاذفون لمن لم يزن، وكاذبون عليه، وقاله أشهب.
قال ابن المواز: وقد سمعت عن ابن القاسم وأشهب فيه اختلافاً، وأحب إلي ألا يكون على الخامس حد ولا غرم؛ لأن الحد قد أثبته أربعة شهود، وكذلك لو قذف رجلاً فحبس ليجلد فأخذ المقذوف في زنى غير ما رمي به، ولكن إن رجع بعد ذلك من الأربعة واحد لزمه غرم ربع الدية ثم شركة في الغرم من رجع قبله وإن كثروا يتساووا في كل ذلك على قدر عددهم ويحدوا، وقاله ابن القاسم وأشهب، ثم إن رجع آخر كان على كل من رجع نصف الدية مع الحد، وكذلك إن رجع الثالث كان على كل من رجع ثلاثة أرباع الدية، وكذلك إن رجع الباقي تمت الدية على جماعتهم مع الحد؛ لأنهم مقرون أنهم قاذفون لمن هم عليه كاذبون وكل من قذفه من غيرهم فلا حد عليه؛ لأن الحد قد كان وجب على المشهود عليه وليس بساقط عنه برجوع هؤلاء.
стр. 8676
الباب [الثالث]
في كشف الزاني عن حاله، وما يوجب الإحصان، واختلاف الزوجين بعد الزنى في الوطء، وفيمن وجد مع امرأته رجلاً
[١٠ - فصل: في كشف الزاني عن حاله من حيث الإحصان وعدمه]
وقد سأل الرسول ﷺ المعترف بالزنى (أبكرٌ أنت أم ثيبٌ)؟، وحد البكر، ورجم الثيب.
قال مالك: وإذا عدلت البينة على رجل بالزنى والقاضي لا يعرف أبكر هو أم ثيب، فينبغي أن يقبل قوله أنه بكر ويجلده مئة؛ لهذا الحديث؛ إلا أن يشهد عليه شاهدان بالإحصان فيرجم.
ولا يجوز في الإحصان شهادة النساء وحدهن، ولا مع رجل، ولا في النكاح، ولا تجوز إلا حيث أجازها الله تعالى فيه في الدين، وما
стр. 8677
لا يطلع عليه إلا النساء؛ للضرورة إلى ذلك.
قال ابن المواز: وقيل: لا يسأله حتى يكشف عنه، فإن وجد من ذلك علماً، وإلا سأله وقبل قوله بلا يمين، وهو أحب إلينا.
[١١ - فصل: في عدم جمع الجلد والرجم على الثيب]
ومن المدونة قال مالك: ولا يجمع الجلد والرجم في الزنى على الثيب، والثيب حده الرجم بغير جلد، والبكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وبين رسول الله ﷺ : أن ذلك في البكر، وقد ثبت الرجم على الثيب بدليل الكتاب والسنة.
قال الأبهري: وإجماع الصحابة عليه، "رجم عمر وعثمان وعلي ﵃" ولا أعلم في ذلك خلافاً في الصدر الأول، والفقهاء
стр. 8678
الذين يعتمد عليهم في الأحكام.
[١٢ - فصل: فيما يوجب الإحصان والرجم]
قال مالك في المدونة: وإنما الرجم على من أحصن بنكاح يصح عقده، ويصح الوطء فيه.
وقد ذكرنا مسائل الإحصان في كتاب النكاح.
قال الأبهري: ولا يجب الرجم على الإنسان إلا باجتماع شرائط وهي: البلوغ، والحرية، والإسلام، والتزويج بنكاح صحيح، والدخول فيه بوطء مباح، وأن يكون الإنسان عاقلاً مميزاً.
فمتى انخرم واحد من هذه الأوصاف لم يجب الرجم؛ لا خلاف في هذه الجملة بين أهل العلم إلا في الوطء، فإن من أهل العلم من يقول: إذا وطء زوجته في حال منهي عنها كالحيض والإحرام أن ذلك يحصنها إذا صح عقده في النكاح.
стр. 8679
ومالك يقول: لا يحصنها ذلك؛ لأن الوطء وقع على وجه فاسد ممنوع، كالعقد إذا وقع على وجه فاسد أنه لا يحصن.
م: وهذا وجه قول مالك.
ووجه قول غيره: أنه حر مسلم بالغ صحيح العقل وطأ زوجته في عقد نكاح صحيح وطأ تعفف به فوجب أن يكون محصناً.
[١٣ - فصل: في اختلاف الزوجين بعد الزنى في الوطء]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة وتقادم مكثه معها بعد الدخول بها فشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها منذ دخلت عليها، فإن لم يعلم وطؤه بولد يظهر أو بإقرار بالوطء لم يرجم، لدراءة الحخد بالشبهة، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك رجم.
وقد قال في كتاب النكاح: إذا قامت امرأة مع زوجها عشرين سنة ثم زنت، ثم قالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بجماعها فهي محصنة. فنحا يحيى بن عمر أن ذلك منه اختلاف قول، وليس الأمر كما توهم.
م والفرق بينهما: أن مسألة هذا الكتاب لم تدع الزوجة أنه وطئها،
стр. 8680
وفي مسألة النكاح الزوج مقر بجماعها، وقد قال ابن المواز: إذا اختلفا في الوطء بعد أن وقع الزنى؛ لم يقبل قول الزاني منهما ورجم وإن لم يكن ابتنى بها إلا ليلة أو أقل، وأما إن اختلفا قبل الزنا فلا يكون المقر منهما محصناً ولو كان قد أقام معها الدهر الطويل، وهذا قول ابن القاسم وعبد الملك.
م: فهذا يبين فرق ما بينهما.
وإنما فرق بين الإقرار قبل الزنى وبعده؛ لأن الزوجة تقول: قبل الزنى إنما أقررت لأخذ جميع الصداق، والزوج يقول: إنما أقررت لتكون لي الرجعة لو
стр. 8681
[صفحة ساقطة] من أصل الطباعة
стр. 8682
[١٤ - فصل: فيمن وجد مع امرأته رجلاً]
ومن كتاب محمد قلت: فما تفسير حديث علي ﵁ في الذي وجد مع امرأته رجلاً فقتله: "إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته"؛ أذلك في البكر وفي الثيب؟
قال: قال مالك: لم أسمع فيه شيئاً.
وقال ابن القاسم: وذلك عندي سواء في البكر والثيب أنه إذا أقام أربعة شهداء يشهدون أنهم رأوه معها يطؤها، لم يقتص منه لواحد منهما ويترك، ولكن إن كان بكراً فدية الخطأ على عاقلته، وإن لم يأت بأربعة شهداء قتل القاتل بكراً كان المقتول أو ثيباً.
стр. 8683
م وإلى هذا رجع ابن كنانة: أن في البكر دية الخطأ، وثبت المخزومي فقال: لا شيء على القاتل إذا أتى بأربعة شهداء كان المقتول بكراً أو ثيباً.
محمد: وقاله ابن عبد الحكم إذا كان قد أكثر فيه الشكية قبل ذلك.
قلت: فمن وجد مع امرأته رجلاً في بيت بشهادة رجلين؟.
قال: يجلد الرجل والمرأة نكالاً على قدر ما يراه الإمام من شنعة ذلك، وربما كان النكال للمرأة أكثر من الرجل، "وقد جلد فيه علي ﵁ مئة، وجلد عمر ﵁ دون المئة".
стр. 8684
[الباب الرابع]
جامع القول في النفي
[١٥ - فصل: من ينفى ومن لا ينفى]
وقامت السنة من النبي ﷺ بنفي البكر الحر بعد الجلد، ولم يأت ذلك في النساء والعبيد، وقد (نهى الرسول ﵇ أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها)،وقال في الأمة: (إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفيرٍ)، فردد ذكر الجلد بعد ذكر نفي والنفي لا نصف له كما للحد.
قال مالك: ولا نفي على النساء والعبيد ولا تغريب، ولا ينفى إلا الرجل الحر في الزنى أو في الحرابة.
[١٦ - فصل: مواضع النفي ومدته]
وقد "نفى عمر بن عبد العزيز محارباً أخذ بمصر إلى شغب".
قال مالك: وكان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر، قال: ويسجنان جميعاً في الموضع الذي ينفيان إليه، يسجن الزاني سنة. محمد عن
стр. 8685
ابن القاسم: من يوم يصير في السجن، والمحارب أبداً حتى تعرف توبته ونزوعه ويخلى سبيله.
محمد: وليس لحبسه وقت كما ليس لضربه وقت، وتكون النفقة في حملهما وحبسهما وكرائهما على أنفسهما من أموالهما، فإن لم يكن لهما شيء ففي مال المسلمين، وقاله كله أصبغ.
قال مالك: وسمعت (أن الرسول ﷺ نفى المخنثين)، ولا أرى نفيهم إلا حسناً.
م: وإنما ينفى المخنثون إلى الموضع القريب ولا يحبسون ويخلون اليوم بعد الأيام للمسألة والمعاش.
قال ابن حبيب: (كان في عهد النبي ﵇ مخنثان فنفاهما
следующие страницы →