← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولأنه صوم لم يتعلق بالذمة؛ فأشبه التطوع. ولأن النية قد حصلت أكثر نهاره؛ فأشبه من نوى من الليل. والذي يدل على ما قلناه قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل، ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر لا صيام له"؛ فعم ولم يخص فرضا من نفل. وأيضا قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات"؛ فيجب ألا يجزئ من العمل إلا ما قارنته النية، وبعض هذا اليوم قد مضى عريا من النية؛ فوجب ألا يجزئ. وقوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى"، والإمساك الذي مضى لم ينوه؛ فوجب أن لا يكون له. وأيضا فلأنها نية ابتدأت بعد مضي جزء من النهار؛ فلم تجز؛ اعتبارا بالنية بعد الزوال. ولأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل. دليله النذر والقضاء. ولأن النية شرط في الصوم الشرعي؛ فوجب ألا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عريا منها. أصله: الإمساك.

стр. 142

ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن تتقدمها النية؛ اعتبارا بالصلاة والحج. ولأنها عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يستوي وقت النية في الأداء والقضاء؛ اعتبارا بالصلاة. وأما الظاهر فلا تعلق فيه؛ لأنا لا نسلم أن من أمسك في نهار رمضان بنية بعد الفجر فإنه صائم للشهر. فإن بينوا ذلك وإلا فوقف الاحتجاج. وما رووه من حديث ابن عمر لا حجة؛ لأنه ﷺ أمرهم بالصيام الشرعي، وذلك يتضمن عندنا وجوب النية من الليل. وحديث عاشوراء لا تعلق فيه؛ لأنه إنما أمرهم بالإمساك فيحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يكونون بإتمام إمساكهم صائمين؛ ألا ترى أنه قد أمر من أكل أيضا بأن يمسك، ولم يدل ذلك على أنه يصير بإمساكه صائما. وعلى أنه قد روي: "ومن أكل فليصم" فلم يدل ذلك على أنه أراد الصيام الشرعي؛ لتقدم الإخلاص بأحد شرطي الصوم؛ فكذلك هاهنا. وأيضا فلو سلم لهم هذا في صيام هذا اليوم أنه صوم شرعي بعد دخول اليوم فاستحال أن تثبت له النية قبل العلم بشروعه؛ فصار محل المأمورين به محل أهل قباء حين أخبرهم المخبر بتحويل القبلة عن الشام إلى الكعبة وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة، ولم يوجب ذلك أن القصد

стр. 143

بها عند الدخول فيها لا يلزم كذلك ها هنا. وأيضاً فإن صوم عاشوراء لما نسخ لم يجز القياس عليه؛ لأن رمضان وغيره يكون حينئذ فرعاً له ومعتبراً به؛ فلا يجوز أن يبطل حكم الأصل ويثبت حكم الفرع. وتعلقهم بقوله ﷺ : «وإنما لامريء ما نوى» لا يصح؛ لأن النية إنما تكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها؛ لأن الفعل إذا انقضى لم يصح أن ينوى من بعد. واعتبارهم بالنية قبل الفجر بعلة أنه ناو لصيامه غير صحيح؛ لأنه إذا نوى في بعض اليوم فهذه النية لا تتناول ما مضى؛ فلم يكن ناوياً لصيامه، وينتقض بالنذر والقضاء وبالنية في أمس اليوم وعلى أن المعنى في الأصل تقدم النية على الفعل (المنوي). واعتبارهم بالتطوع غير مسلم؛ لأن الباب عندنا واحد في الموضعين. وقولهم: لأن النية حصلت أكثر نهاره كما لو قدمها من الليل غير صحيح؛ لأنه إذا قدمها من الليل لم نقل إنها حصلت أكثر نهاره؛ لأنها قد استوعبت النهار كله، وإنما تغير هذه العبارة ما لم تستوعب، على أن المعنى في ذلك ما ذكرناه من تقدم النية على العمل المنوي، والله أعلم. فصل واستدل أصحاب الشافعي على جواز ذلك في التطوع بقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾، والنافلة فعل خير.

стр. 144

وما روى طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل علي َّ قال: «هل عندكم من طعام؟» فإذا قلنا: لا قال: «إني صائم». وروي: «إني إذاً صائم». وإذا للاستقبال. وروي: «إني إذاً لصوم». وروي: «إني ابتديء فأصوم». وهذه كلها نصوص في موضع الخلاف. وروى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم. ولأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال؛ فأشبهت النية قبل الفجر. ولأن [النفل] قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض؛ بدليل سقوط الكفارة عن الفطر عامداً في صيام التطوع ووجوبها في الفرض، وجواز صلاة النفل على الراحلة ومنع ذلك في الفرض. ولأنها عبادة يجمع جنسها فرضاً ونفلاً يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة؛ وذلك أن الصلاة فرق بين فرضها ونفلها في استقبال القبلة والصلاة في الجلوس.

стр. 145

ولا فرق بين تنفل الصوم وفرضه إلا ما ذكرناه في النية. والأصل في هذا ما قدمناه [ق/ ٣٢ أ] من الظواهر والأقية في صوم الفرض. وأيضا لأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل. أصله: الفرض. ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن يستوي حكم نفلها وفرضها من وقت النية. أصله: الصلاة والحج. ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها؛ فوجب ألا تتأخر النية عن بعض فعلها اعتبارا بالصلاة. فإن قيل: المعنى في الصلاة أنه يجوز التراخي في تقديم النية على فعلها فلم يجز أن تتأخر عنها. وليس كذلك الصوم. لأنه يجوز أن يتراخى بين النية وبين وقت فعله فجاز أن تتأخر عن ابتدائه. قيل له: إن هذا إنما جاز في الصوم من أجل المشقة في مراعاة الفجر، والرخص التي تثبت للمشقة لا يجوز أن يعتبر بها في أحكام تخالف الأصول. ولأنها نية بعد الفجر فأشبهت النية بعد الزوال. ولأن النهار لو كان زمانا تصح فيه نية صيام النفل لصحت فيه نية الفرض اعتبارا بالليل لما صح أن ينوي فيه صوم النفل صح أن ينوي فيه

стр. 146

صوم الفرض، فلما لم يصح ذلك في النهار علم أنه ليس بوقت لنية الصيام. ولأن النهار لو كان وقت لنية الصيام لاستوى جميعه في جواز ذلك فيه كالليل، ولما لم يجز أن ينوى في النهار بعد الزوال على أنه ليس بوقت للنية، ولأن الإمساك لما اختص بأحد جنسي الزمان وهو النهار وجب أن تختص النية بصحة وقوعها بجنس منه بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي. فأما قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خيرا له﴾ فلا دلالة فيه؛ لأن الخير إما أن يكون عبارة عما في فعله ثواب وهو قربة فهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأنه مكروه ولا ثواب فيه. وعلى أنه لم كان فيه ثواب لم يجب أن يكون صياما. أو يكون اسم الخير مجملا؛ فيجب أن يقف على البيان. وأما حديث طلحة بن يحيى فإنه منكر عند أصحاب الحديث، على أنه غير ممتنع أن يكون ﷺ كان قد نوى من الليل ثم سأل عن الطعام، فلما لم يجد آثر استدامة ما كان عليه من الصيام؛ فقال: إني إذا صائم إني مستديم لما كنت عليه من الصيام. فإن قيل: فهناك لفظ يمنع من هذا؛ وهو قوله: "إني إذا صائم"، فإذا للاستقبال. قيل له: إن إذا وإن كانت للاستقبال إذا وردت في المواضع التي ذكرها

стр. 147

أهل العرب فإنها في هذا الموضع يراد بها الاستدامة؛ لأنه ﷺ كان قد نوى الصيام من الليل، ثم فكر في الإفطار إن وجد طعاما، فلما لم يجده قال: فإني إذا صائم؛ يعني: مستديم لما كنت عليه. وهذا مثل من يريد سفرا وهو مقيم ببلده، فسأل عن الطريق فخبر بفسادها وأن السفر شاق فيه؛ فيقول جوابا عن ذلك: فأنا إذا مقيم. وقد علمنا أن هذا قول صحيح ليس بلغو، وليس يقصد به استئناف إقامة؛ فإنما يريد استصحاب الإقامة واستدامتها، وإبطال ما كان عزم عليه أو حدث نفسه من قطعها؛ فكذلك سبيل قوله: "إني إذا صائم". فإن قيل: قول هذا القائل: (إني إذا مقيم) معناه: إني مستأنف إقامة غير الأولى. قلنا: وهذه الإقامة التي يستأنفها هي انتقال إلى شيء غير ما كان عليه فلابد من لا لأنه مقيم في الأول والثاني. وإذا كان كذلك فهذا معنى الاستدامة التي عنيناها: لأنا لم نرد بقولنا إنها للاستدامة أنه يفعل نفس ما كان يفعله، وإنما أردنا أنه على ما كان عليه غير ناقض له ولا منتقل إلى غيره، وعلى أنهم إن رضوا بذلك فنحن نقول: إنه مستأنف صوما؛ لأن الإمساك الذي يفعله من بعد هو غير الأول. فإن قيل: لا يصح هذا؛ لأنه أخبر له مستأنف صوما وأنتم لا تقولون الإمساك من وقت قوله؛ فإني إذا صائم يسمى صوما. قيل له: ليس الأمر على ما قلته؛ لأن هذا الإمساك الذي يستأنفه يسمى صوما إذا اقترن بما قدمه، ولم يقل إني إذا صائم صوما منفردا لا ينضم إليه غيره.

стр. 148

وجواب آخر:؛ وهو أن متساوون في استعمال الخبر؛ وذلك أنا إذا راعينا الاحتمال جوزنا أن يكون ﷺ نوى من الليل، وجوزنا أن يكون للاستدامة نوى من النهار، وجوزنا أن تكون (إذا) داخلة للاستقبال والاستئناف، وجوزنا أن تكون للاستدامة. وقد علمنا أن الصيام بنية من الليل أفضل منه بنية من النهار، بل هو إذا نوى له في النهار مكروه. وإذا كان كذلك فهم منعوا أن يكون نوى من الليل؛ ليسلم لهم أن (إذا) داخلة للاستئناف. ونحن نقول: إنه نوى من الليل، ونمنع أن يكون نوى من النهار؛ ليسلم فعله من الوجه المكروه، ويحمل على الوجه الأفضل؛ فيجب تساوينا في الخبر؛ بل يكون ما صرنا إليه أولى؛ لأن حراسة فعله من أن يحمل على الوجه المكروه أو على وجه ناقص الفضيلة أولى من حراسة نقل اللفظ من حقيقته إلى مجازه. فإن قيل: فقد ورد لفظ آخر؛ وهو قوله: "إني إذا أبتدئ فأصوم". قيل له: هذا لم يسمع إلى هذا الوقت، فإن ثبت [ق/ ٣٣ أ] نظر فيه على أنه لا يمنع أن يكون أراد به الاستدامة أيضا كما يقول المقيم الذي يريد السير ثم يبدو له بما يخبر عنه من فساد الطريق فأنا إذا أبتدئ فأقيم، معناه: أعزم العزم الصحيح على استدامة الإقامة من غير تروية بين قطعها والثبوت عليها؛ فكذلك سبيل قوله: (إني إذا أبتدئ فأصوم)، على أن حقيقة هذا تقتضي أن يكون مستأنفا للصيام من ذلك الوقت، ويكون ما مضى ليس بصيام.

стр. 149

وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأن الإنسان لا يكون صائما في بعض اليوم وغير صائم في بعضه. فإن قيل: فإن كل هذا الاستعمال غير سائغ على قولكم؛ لأنكم لا تجوزون للمتطوع بالصيام أن يقطع صومه عذر. قيل له: وليس في الخبر ذكر العذر ولا عدمه، وغير ممتنع أن يكون وجد عذرا جاز له معه قطع الصوم من شدة جوع أو مرض يبيح الفطر، فلما لم يجد الطعام آثر الحمل على نفسه وإتمام الصيام. وما رووه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم فيه لفظ عن النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ابن عباس قال ذلك لمذهب له في النية كما حكي أن النبي ﷺ تزوج من ميمونة وهو محرم؛ لأنه كان يرى أن الإنسان يكون محرما بتقليد الهدى؛ فحكاه على مذهبه؛ فلا يترك بهذا ظواهر النصوص والأخبار وصحيح المقاييس والاعتبار. ويحتمل أن يكون أراد أنه لم يكن يجمع على الصيام حتى يقارب الإصباح؛ فعبر به عن مقاربته؛ كما قال: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾؛ فعبر باسم الخمر عما يؤل إليها. وكما قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾، وقال: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)؛ معناه قاربت الإتمام.

стр. 150

وتكون فائدة ذلك أنه ليس عليه أن ينوي من أول الليل، وأنه يجوز أن ينوي مع طلوع الفجر. وقولهم: لأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال فأشبهت النية قبل الفجر لا يصح؛ لأن هذه العبارة لا تستعمل في الأصل؛ وذلك أن الفعل الواقع قبل دخول أصل الوقت لا يقال فيه إنه واقع قبل وسطه وآخره. وإنما يصلح هذا في أبعاض الوقت الواحد. ألا ترى أن الإنسان لو تنفل قبل الفجر أو قرأ شيئا لم يجز أن يعبر عنه لمن سألته متى فعلت ذلك؟ بأن يقول: إني فعلته قبل الزوال أو قبل العصر أو قبل أن يضحى النهار؛ لأن كل هذه العبارات تفيد أنه فعله بعد الفجر. وأيضا فإن هذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن النية إذا وقعت قبل الفجر صحت في الفرض والنفل؛ فلا معنى لتقيد صحتها بكونها واقعة لصيام نفل. وأيضا فإنه ينتقض به إذا نوى لصيام تطوع من أمسه؛ لأنها نية قبل الزوال على ما قالوه. وأيضا فالمعنى في الأصل أنه وقت لنية صوم الفرض؛ فكان وقتا لنية صوم النفل، وليس كذلك النهار. أو نقول: لأنها نية تقدمت على إمساك جميع اليوم، وليس كذلك إذا وقعت في بعض النهار. وقولهم: إن النفل قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض كلام مجمل غير مقرر ولا محصل، ولا يجوز إذا وقعت المسامحة في شيء أن تقع في غيره إلا بدليل، وعلى أن شروط الصحة ثابتة في الموضعين.

стр. 151

وإنما تقع المسامحة في أحكام تجري مجرى الفروع مثل سقوط القضاء والكفارة، واختلاف حال الأداء في الصلاة، وما أشبه ذلك؛ ألا ترى أن هذا الذي قالوه لا يجوز سقوط أصل النية في التطوع ولا يوجب؟ ألا يفسده الوطء والأكل على وجه العمد، وغير ذلك من شروطه؟ فبان بهذا سقوط ما قالوه. وقياسهم على الصلاة بعلة أنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا، يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة. فالجواب عنه: أنه تعليل بحكم مجمل غير محصور ولا محصل؛ فلا يلزم الكلام عليه إلا بعد بيانه وتفسيره. وعلى أن الصلاة الفرض ليس بينها وبين صلاة النفل فرق في الشرائط، وإنما تفترقان في الأداء وصفته، وهذا المعنى لا يمكن في الصوم؛ لأنه فعل واحد- وهو الإمساك- فلا يمكن أن يخالف بين أدائه. والصلاة أفعال مختلفة يمكن الخلاف بين أدائها. وأيضا فإنا نقول بموجب ذلك؛ وهو أن تعيين النية واجب في صوم الفرض، وإطلاقها يلغى في النفل؛ على ما قاله بعض أصحابنا. وأيضا فإنه ينتقض بالاعتكاف؛ لأن أوصاف العلة موجودة فيه. ثم لا فرق بين فرضه ونفله في شيء مما ذكروه، وفرضه هو النذر. وأيضا فإنا نعكس هذه العلة ببعض أوصافها فنقول: لأنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا؛ فوجب أن يكون وقت النية في فرضها هو وقت النية

стр. 152

في نفلها. أصله: الصلاة. وهذا أولى عما قالوه، والله أعلم. فصل فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول: إنه إذا بيت من أول الشهر بجميعه أجزأه على شرائط قد ذكرها أصحابنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجزئه إلا أن يجدد النية في كل ليلة؛ لقوله ﷺ [ق/ ٣٤ أ]: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، والمراد بذلك: الليل الذي يعقبه الصيام؛ فكأنه قال: لا صيام لمن لم يبيته من ليلته. وروي أنه ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". والألف واللام ها هنا للتعريف والعهد؛ فكأنه قال: قبل فجره. ولأنه صوم يوم واجب فوجب أن ينوي له من ليلته. أصله: اليوم الأول. ولأن الليلة الثانية والثالثة ليلة من رمضان؛ فوجب أن ينوي فيها

стр. 153

لغدها؛ اعتبارا بالليلة الأولى. ولأن الصوم عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يكون عدد النية في الأداء كالعدد في القضاء. أصله: الصلاة. ولأنه صيام أيام؛ فوجب أن ينوي لكل يوم منه من ليلته. أصله: ما عدا رمضان. ولأن صوم كل يوم من رمضان عبادة بانفرادها؛ بدلالة أن فساده لا يتعلق بفساد غيره، وأن الصبي إذا بلغ في خلال اليوم لم يلزمه قضاء ما فاته من الشهر. فإذا كان كذلك وجب أن يفتقر إلى نية مجددة، ولا يجوز أن يجعل الشهر كله عبادة واحدة؛ لما ذكرناه ولأنه كان يجب ألا يجوز تفريق النية على أبعاضه كما لم يجز ذلك في الصلاة الواحدة. وإذا صح أنه عبادات افتقر إلى نيات بعدده كالصلوات ولأنه لما لم يجز أن يمسك بجميع الشهر الأول كذلك لم يجز تقديم النية له بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي. والذي يدل على ما قلناه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وهذا يفيد ثبوت حكمها. والاعتداء بها متى قارنتها النية.

стр. 154

وقوله ﷺ : "إنما لامرئ ما نوى". وهذا نوى صوم جميع الشهر؛ فيجب أن يكون له ذلك. وقوله ﷺ : "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا قد يبيته من الليل، ولم يفرق بين صيام دون صيام. وظاهر الخبر يفيد أن كل صيام بيت له من الليل فإنه يجزئ. فإذا ردوا استدلالهم بالخبر وقالوا: معنى ذلك الصيام الذي يتعقبه الليل؛ لأن الألف واللام للعهد. قيل لهم: أن قوله: (لا صيام) نفي مطلق، وقوله (من الليل) عام في جنس الليل، وليس بمقصور على ليل دون غيره؛ فالعموم معني في ذلك وما ذكروه في ذلك مدعى لا دلالة فيه، وعلى أن الليلة الأولى معهودة بجميع الشهر أيضا فيدل على ما قلناه أن أيام رمضان لما كانت واجبة مستحقة العين ابتداء ولم يكن بينها زمان يصلح للصيام جاز أن تتقدم النية لجميعها من أول الشهر، وجرت مجرى اليوم الأول في أن النية الواحدة كافية لجميعه إذا تقدمت أوله؛ لما ذكرناه من كونه واجبا مستحق العين ابتداء لا يتخلل أجزاءه وقت آخر يصلح لصيام. وتحرير هذه النكتة أن يقال: لأنها نية لصوم قدمت عليه بأوقات لا يصلح للعمل غيره من جنسه، أو لا يصلح لصوم غيره؛ فجاز تقديمها عليه في هذه الأوقات.

стр. 155

أصله: أداء اليوم الأول من أول ليلة. وأيضا فإن صوم كل شهر عبادة واحدة عندنا؛ بدلالة أنه لا يتخلله عمل من جنسه غيره؛ فجرى مجرى الصلاة الواحدة. وإذا ثبت هذا فالأخبار قد أجبنا عنها. واعتبارهم باليوم الأول باطل؛ لأنه إنما وجب أن ينوي له من ليلته؛ لأنه لو نوى له في ليلة غير ليلته لكان قد تخلل النية والعمل المنوي زمان يصلح لغيره، وليست كذلك حكم أيام رمضان. واعتبارهم بالليلة الأولى يجاب بهذا أيضا، ولأن الليلة التي قبلها ليست من رمضان؛ فلا يجوز أن ينوي الشهر قبل دخوله. وقولهم: يجب أن يكون عدد النية في الأداء كعددها في القضاء غير صحيح؛ لأن اعتبار الأداء بالقضاء لا يصح؛ لما ذكرناه من أن الأداء يقع في زمان لا يتخلله عمل سواه من جنسه، ولا يصلح الزمان لغيره، والقضاء يقع في زمان يصلح لغيره من جنسه، وقد يجوز أن يتخلله ما ليس من جنسه أيضا- وهو الفطر- لأن قضاء رمضان ليس بواجب متابعته. وأيضا فإن هذه النية عندنا في حكم النيات المجردة على معنى أنها نية لأيام كثيرة. وقياسهم على ما عدا رمضان باطل بهذه النكتة أيضا؛ وهو أنه وقت يصلح غير المقصود، وليس بمستحق العين ابتداء. واستدلالهم على بطلان كون رمضان عبادة واجدة بأن فساد بعض الأيام

стр. 156

لا يؤدي إلى فساد غيره غير صحيح؛ لأنا لم نقل أنه عبادة واحدة على هذا التأويل، وإنما أردنا أنه عبادة واحدة في الوجه الذي ذكرنا كالصلاة الواحدة. ويبطل ما قالوه بالوضوء؛ لأنه عبادة واحدة، وإذا فسدت طهارة الرجلين لخلع الخف لم تبطل طهارة سائر الأعضاء. وقولهم: كان يجب ألا يجوز تفريق النيات على أبعاضه باطل بالوضوء [ق/ ٣٥ أ] أيضا. وقولهم: لما لم يجز أن يمسك لجميع الشهر في اليوم الأول لم يجز أن ينوي لهم من أوله كلام محال؛ لأن ما لا يصح وقوعه من المكلف لا يجوز أن يقال له فيه أنه يجوز له فعله أو لا يجوز. وقد علمنا أن إمساك جزء اليوم لا يصح مع عدم اليوم فلم يصح أن يقال: لا يجوز تقديم الإمساك، وليس كذلك تقديم النية؛ لأنه لا يحتاج إلى مصادفة الزمان ووجوده؛ ألا ترى أنها تجب قبل دخول الوقت المنوي؟ فبطل بذلك ما قالوه. والله أعلم. مسألة قال ﵀: ويتم الصيام إلى الليل. وهذا كما قال: الصيام الشرعي: هو إمساك النهار كله، وعليه أن يمسك إلى دخول الليل.

стр. 157

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ الآية. إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام﴾. وقال النبي ﷺ : "إذا أقبل الليل من ها هنا أفطر [الصائم] ". ولا خلاف في ذلك. مسألة قال ﵀: "ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: وذلك لما رواه مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". وروى مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه تأخير أهل المشرق". وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه

стр. 158

قال: "لا يزال الدين ظاهرا ما [عجل] الناس الفطر؛ لأن النصارى واليهود يؤخرون". وروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال: دخلت على عائشة- ﵂ أنا ومسروق فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والأخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؟ فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قلنا: عبد الله بن مسعود. قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ . وروى شعبة عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبي ﷺ إلى صلاة الغداة. قلنا لأنس: كم كان بين فراغه من سحوره ودخوله في الصلاة؟ قال: ما يقرأ رجل خمسين آية. قال مالك: سمعت عبد الكريم بن المخارق يقول: من عمل النبوة تعجيل الإفطار، والاستيناد بالسحور. والمعنى في ذلك أن في تأخير السحور قوة على الصوم، وكذلك في

стр. 159

تعجيل الفطر قوة على الصلاة؛ فكان أولى به. مسألة قال ﵀: "وإن شك في الفجر فلا يأكل". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:وهذا لأن إباحة الأكل متعلقة بيقين بقاء الليل، فإذا شك في الفجر لم يجز له الأكل؛ لأنه لا يأمن أن يكون قد أكل في الفجر؛ فيكون قد غرر بصيامه. فإن أكل ولم يتبين له أنه أكل قبل الفجر أو بعده قال ابن القاسم: عليه القضاء؛ وذلك لما قلناه من أنه ليس على ثقة في إمساك جميع اليوم؛ لجواز أن يكون أكل بعد الفجر. وخالفنا أهل العراق والشافعي فقالوا: إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر فلا قضاء عليه، وإذا أكل وهو شاك في غروب الشمس فعليه القضاء. قالوا: لأنه إذا شك في طلوع الفجر فالأصل هو الليل فبنينا الأمر على اليقين، وإذا شك في غروب الشمس فالأصل بقاء النهار؛ فوجب اعتبار الأصل. قالوا: ولقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فأباح الأكل إلى أن يتبين الفجر، وهذا أكل ولم

стр. 160

يتبينه؛ فوجب أن يكون فعل ما له أن يفعل. قالوا: ولأن اليقين لا يسقط بالشك، وإذا صح ذلك وكان الليل ثابتا بيقين لم يجز أن يوجب عليه القضاء بشك، ولا أن يكون شكه في طلوع الفجر يسقط اليقين الذي هو بقاء الليل. والذي يدل على ما قلناه أنا قد اتفقنا على أنه إذا أكل وهو يشك أن الشمس قد غربت أن عليه القضاء؛ فكذلك إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر. والمعنى في ذلك أنه أكل في وقت يجوز أن يكون من النهار. فإن قيل: إذا لزمه القضاء في الأصل؛ لأنه شك طرأ على يقين فاعتبرنا حكم اليقين؛ فيجب أن يكون كذلك في هذا الموضع. قيل له: إن الأصول مختلفة في اعتبار حكم اليقين؛ فمنها ما يعتبر فيه حكم اليقين ولا يزال بالشك؛ وذلك مثل أن يتيقن الزوجية ويشك في الطلاق، ومثل أن يشك هل صلى ثلاثا أم أربعا. فهذا كله يبنى فيه على اليقين. ومنها ما يخالف هذا؛ وهو أن يشك في الحدث بعد اليقين بالطهارة على ما بيناه؛ فإن هذا يلزمه الطهارة عندنا إذا لم يكن في الصلاة. وكذلك إذا شك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؛ فإنها تكون ثلاث عندنا، ولا يعتبر اليقين. وإذا [ق/ ٣٦] كانت الأصول مختلفة لم يجز رد هذا الفرع إلى بعضها إلا بدليل، وعلى أن اعتبار اليقين معنا من الوجه الذي نذكره؛ وذلك أنه إذا كان الأصل أنه لم يصم هذا اليوم، ثم اختلفنا إذا أكل وهو يشك في

стр. 161

طلوع الفجر فقلنا: إنه لا يحكم له بأنه قد صام اليوم، وقالوا: يحكم بأنه صام. وإذا اعتبرنا حكم اليقين في هذا الموضع كان القول ما قلناه من أنه لم يصم. فإن قيل: فإذا اختلفنا في هذا الأكل هل هو بعد الفجر أو قبله، وكان الأصل هو الليل وجب ألا يلتفت إلى هذا الشك. قيل له: وإذا اختلفنا في هذا الإمساك هل هو صيام أم لا، وكان الأصل أنه ليس بصيام وجب أن يرجع في هذا إلى الأصل. طريقة أخرى: يقال لهم: أتسلمون أنه يحرم عليه الأكل بشكه بطلوع الفجر؟ فإن قالوا: نعم صح ما قلناه؛ لأنه إذا لم يجب البناء على اليقين الذي هو جواز الأكل في الليل هاهنا وجب إذا أكل فيه أن يلزمه القضاء. وإن قالوا: لا نسلم ذلك قيل لهم: الذي يدل على ما قلناه أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم ببقاء الليل أو غلبة الظن القائم مقام العلم يدل على ذلك أن الإباحة لو لم تكن مشروطة بهذا المعنى لم يلزم الإنسان أن يتوقف لينظر هل طلع الفجر أم لا. وإذا صح ما قلناه ثبت أنه ممنوع من الأكل؛ ويبين ذلك أنا قد اتفقنا على أن عليه أن يمسك جميع أجزاء اليوم. وإذا صح ذلك وجب ألا يجوز له الأكل مع الشك في الفجر؛ لئلا يكون قد أكل في وقت أخذ عليه الإمساك فيه؛ فصح بذلك ما قلناه. فأما اعتبارهم بالأصل فقد أجبنا عنه، وأما الظاهر فإنه دليلنا؛ لأنه قال: يتبين لكم وهذا يفيد أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم بحصول الليل؛

стр. 162

لأنه شرط معه بأن يتبين الفجر منه، وهذا المعنى لا يصح إلا مع العلم به، فأما مع الشك فلا؛ لأنه لا يتبين معه زوال الليل وطلوع الفجر. وإذا صح هذا ثبت أن إباحة الأكل مرتفعة مع الشك. وقولهم إن الشك لا يسقط اليقين يلزمهم عليه ما قلناه في الحكم لهذا الإمساك بأنه صوم. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه لذلك لم يجزءه وإن وافقه رمضان، ولمن شاء أن يصومه تطوعا أن يفعل". قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي- ﵀: في هذه المسألة أربعة فصول: أحدها: أن الصيام يوم الشك يصح على بعض الوجوه، خلافا لأصحاب داود حيث قالوا: لا يصح صومه أصلا. والثاني: المنع من صومه على أنه من رمضان. والثالث: أنه لا يجزئه إن صامه على ذلك، ثم ثبت أنه من رمضان. والرابع: أن صومه متطوعا ابتداء لا على نية استقبال رمضان جائز. فأما الكلام في الفصل فهو أن يقول: لأنه يوم من شعبان فصح

стр. 163

صومه. أصله: ما قبل ذلك من الشهر. وروي أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم شهرا قط تاما إلا شعبان، فإنه كان يصومه ويصله برمضان. وقال ﷺ : "لا يتقدمن أحدكم صوم شهر رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم رجل فليصم ذلك اليوم". فبطل بهذا كله قولهم أنه لا يصح صومه أصلا. فصل وأما المنع من صومه على أنه من رمضان، والمنع من إجزائه إن ثبت ذلك، فالخلاف فيه مع أبي حنيفة؛ لأنه يجوزه، ويبنيه على أصله في أن نية رمضان يجوز أن يؤتى بها بعد الفجر، وأن تعيين النية لا يلزم في الصوم. والدلالة على صحة قومنا ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حين ترونه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين". وروى جرير عن منصور عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال، وتكملوا العدة".

стр. 164

ووجه الاستدلال من هذين الخبرين أنه ﷺ نهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين فمتى ما لم يوجدا أو أحدهما فيجب ألا يجزئه؛ لأنه أوقعه على خلاف الوجه المأمور به. وأيضا فإنه لو شك في طلوع الفجر فصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الفجر إن كان الفجر قد طلع أو التطوع إن لم يكن قد طلع، ثم بان له أن الفجر كان قد طلع لم يجزئه؛ فكذلك إذا صام يوم الشك على أنه إن كان من رمضان فقد أدى فرضه وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع يجب ألا يجزئه في الصلاة. وما ذكروه من سقوط تعيين النية وتراخيها عن الفجر لا يصح على أصلنا. فصل وأما الكلام على أن صومه على وجه التطوع جائز، خلافا لمحمد بن مسلمة والشافعي حيث قالا: يكره صومه إلا أن يوافق صوما كان يصومه، ونكرهه [ق/ ٣٧ أ] ابتداء. فالدلالة على ما قلناه أنه يوم محكوم له بأنه من شعبان؛ فصح أن يصام تطوعا على كل وجه سواء الاستقبال. أصله: ما قبل ذلك الشهر. أو نقول: كل يوم صح أن يتطوع به على وجه صح أن يتطوع به على كل وجه. أصله: ما ذكرناه.

стр. 165

ولأنه يوم يصح أن يصام عن قضاء رمضان؛ فصح أن يصام نفلا كسائر الأيام، ولأن الفرض آكد من النفل فإذا جاز أن يصام فيه الفرض كان النفل بالجواز أولى. ولا تعلق لهم بما روي أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الشك؛ لأن معناه أن يصومه على وجه الشك، فأما إذا صامه لا على هذا الوجه بل على وجه التطوع فإن ذلك جائز؛ بدلالة جواز صومه إذا وافق صوما كان يصومه. ولا يصح احتجاجهم بقوله ﷺ : "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين"؛ لأن هذا لا يتناول موضع الخلاف؛ لأنا نمنع أن نصومه بنية تقديم الشهر واستقباله على وجه التعظيم، وإنما خلافنا إذا صامه تطوعا ابتداء، لا على هذا الوجه. ولا معنى لقولهم إذا صام رمضان فرض، وصم يوم شعبان نفل، وإنه يجب أن يحافظ على الفرض بأن يترك صوم هذا اليوم ليقوى على أداء الفرض؛ لأن هذا يسقط به إذا وافق صوما كان يصومه، ولأن في صومه معنى آخر؛ وهو أن يخف عليه صوم الفرض ويسهل عليه ويعتاده؛ فلم يكن منعه بما قالوه بأولى من جوازه بما قلناه. ولا يصح تعلقهم بما روي أن عمارا أتى بشاة مصلية فقال: كلوا فامتنع القوم، فقال عمار: (من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ ؛

стр. 166

لأن ذلك ليس بأكثر من صريح نهيه ﷺ عن صومه، وقد بينا أن معناه أن يصام على وجه الشك، ولأن هذا يلزم في الموضع الذي يجيزه مخالفنا؛ وهو إذا وافق صوما كان يصومه. ولأن أكثر ما في هذا أن يكون عمار اعتقد أن صومه على كل وجه لا يجوز فأضاف ذلك إلى النبي ﷺ لاعتقاده. وفي المسألة خلاف وبإزاد عمار غيره من الصحابة وإذا صح هذا سقط ما تعلقوا به. مسألة قال ﵀: "ومن أصبح [ولم] يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم [يجزئه]، وليمسك عن الأكل في بقيته، [ويقضه]. قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب- ﵀: إنما لم يجزه؛ لأنه أصبح مفطرا بترك النية وإن لم يكن أكل؛ لأنه يفطر بترك النية كما يفطر بترك الإمساك، والنية عندنا لا تصح بعد طلوع الفجر؛ فلذلك لم يجزئه. وإذا لم يجزئه وجب أن يقضيه كما لو أكل لكان عليه أن يقضيه؛ لأنه

стр. 167

مفطر في الموضعين. وإنما أمرناه بالكف في بقية اليوم سواء أكل أو لم يأكل؛ لأنه إذا ثبت أن اليوم من رمضان ولم تكن هناك رخصة في إفطار اليوم مع العلم بكونه أنه من رمضان كان ذلك يقتضي الكف في بقية اليوم؛ يبين ذلك أنه لو علم قبل الفجر بأن اليوم من رمضان لم يكن لهم أن يفطروه مع العلم فإن أكل هذا الذي أمرناه بكف بقية اليوم على وجه التأويل فلا كفارة عليه. وأما إن أكل على وجه العمد والهتك لحرمة الشهر والعلم بما على الأكل في نهار رمضان من غير عذر فإن ابن القاسم قال: عليه الكفارة، ورواه عن مالك. وهذا يجب أن يكون استحسانا، وليس بقياس. وأما القياس: فإنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تتعلق بالأكل الذي به يفسد الصوم، لا بالأكل الذي يقصد به الهتك مطلقا؛ يبين ذلك أنه لو أفسد صومه بالأكل من غير عذر لوجبت عليه الكفارة. فلو أكل ثانية على الوجه الذي أكل عليه أولا من قصد هتك حرمة الشهر لم تلزمه كفارة أخرى؛ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ وهو أن هذا الأكل لم يتعلق به إفساده الصوم فلم تجب به كفارة. فبان بذلك أن الأمر على ما ذكرناه. وإنما قلنا: إن عليه أن يقضيه سواء كان نوى التطوع من الليل أو لم ينو أصلا؛ لأنه إن كان لم ينو فقد أصبح مفطرا بترك النية، وإن كان قد نوى تطوعا لم تنبت له عن نية الفرض؛ لأن تعيين النية واجب عندنا.

стр. 168

وفرق عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل بين أن يصبح وقد نوى التطوع وبين أن يصبح ولم ينو شيئا فقالا: إن أصبح ولم ينو صوما أتم بقية اليوم وأجزأه، وإن كان قد نوى تطوعا لم يجزئه وعليه القضاء. وهذا ليس بصحيح- على قول مالك- لوجوب النية في الأصل، ووجوب تعينها على ما ذكرناه. فصل وتعيين النية في صيام رمضان واجب عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك، ولو نوى التطوع أو أطلق لأجزأه عن رمضان، سواء كان حاضرا أو مسافرا. وإن نوى النذر أو الكفارة أجزأه عن رمضان إن كان حاضرا، وعن نذر إن كان مسافرا. والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا أمر يقتضي الامتثال، وقد بينا أن الفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد إلى ذلك. وإذا صح هذا وجب إلا أطلق [ق/ ٣٨] النية ولم يعين أو نوى التطوع ألا يكون ممتثلا؛ لأنه لم يقصد الوجه الذي أمر به؛ لأن الأمر إذا كان بأن يصومه على الوجوب فوجب أن يقصد بالفعل إيقاعه على الوجه

стр. 169

الذي أمر أن يصومه عليه. فإن قيل: هذا وليلنا لأنه يوجب أن يصام صوما شرعيا، والصوم الشرعي يقع تارة مع تعيين النية وتارة بغير تعيين؛ فيجب أن يجزئه على أي وجه أوقعه على وجه يجوز في الشرع. قيل له: ليس الأمر على ذلك؛ لأنه لم يؤمر أن يصومه على وجه يجوز في الشرع أن يصام عليه، وإنما أمر أن يصومه على الوجه الذي أمر به على ما بيناه. فإن قيل: إن الأمر هو بفعل الصوم دون الوقت؛ لأن الوقت لا يتعلق به التكليف؛ فإذا قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فكأنه قال: فليفعل الصوم، فيه، وهذا لا يفيد نية الوقت كما لو قال: (صم يوم السبت) لم يتضمن ذلك إيجاب نية يوم السبت في الصوم. قيل له: إذا أوجب علينا أن نصوم شهر رمضان، واحتجنا إلى الامتثال لزمنا أن نقصد بالفعل الوجه الذي أمرنا أن نصومه عليه. وهذا ظاهر. فأما قولهم: إن الوقت لا يتعلق به التكليف فليس هذا مما نحن فيه، وإنما وجه تعلقنا أن يكون قصد الامتثال مطابقا للوجه الذي يتناوله الأمر، ومعلوم أنه إذا أمر بصومه على وجه الفرض فصامه يعتقد التطوع فإنه لم يأت به على الوجه المأمور به. ويدل على ما قلناه قوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى"،

стр. 170

وهذه الإضافة تدخل لأمرين: أحدهما: اتحاد الفعل وإيقاعه. والآخر: الاحتساب والاعتداد به. وقد علمنا أن المراد به في هذا الوضع أن الاعتداد بالفعل يقع بالنية. وإذا صح هذا وجب متى لم ينو لصوم رمضان أنه على الواجب عليه وأنه تطوع ألا ينوب له عن فرضه؛ لأنه لم ينوه به. فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأنه يوجب أن يكون له ما نواه، وهذا قد نوى الصوم؛ فيجب أن يعتد به. قيل له: هذا لا يصح من جهة النطق، ولا من جهة الدليل؛ وذلك أن من نوى بصوم رمضان التطوع فعندهم أنه يكون له عن رمضان ولا يكون تطوعا؛ فقد بطل أن يكون له ما نواه بنص الخبر، ودليله يوجب أنه إذا لم يصمه بنية الفرض أن لا يكون له عن الفرض؛ لأنه لم ينوه. ويدل على ما قلناه أن صوم رمضان عبادة يلزم تعيين النية في قضائها؛ فوجب أن يلزم في أدائها؛ اعتبارا بالصلاة. وأيضا فلأنه صوم واجب؛ فوجب أن يفتقر إلى تعيين النية، أو فوجب ألا يجزئ بنية النفل. أصله: النذر والقضاء. واحتج من خالفنا بقوله ﷺ : "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولم يفرق بين صيامه بنية النفل أو الفرض.

стр. 171

فالجواب أنا نقول بموجب هذا الخبر، ولكنا نمنع أن يكون من أمسك رمضان بنية التطوع صائما لرمضان؛ فبطل الاحتجاج، ولأن في ضمن هذا القول أن يصومه على الوجه الذي أمر به فيجب أن يثبتوه في مسألتنا. واستدلوا بأن رسول الله ﷺ بعث إلى أهل العوالي يأمرهم بصيام عاشوراء ولم يأمرهم بتعيين النية. فالجواب أنه لا دلالة في هذا على سقوط تعيين النية من حيث لم تكن فيه دلالة على سقوط النية على أن أمره لهم إنما كان بالصوم الشرعي، وذلك يتضمن عندنا تعيين النية. واستدلوا بقوله ﷺ : "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا يبيت الصيام. فالجواب أن هذا دليل لنا؛ لأنه لا يخلو أن يكون أراد أنه لا صيام لمن يبيت الصيام على الوجه المأمور به، فإن أراد على الوجه المأمور به وجب بذلك أن من بيت التطوع لصيام رمضان ألا صوم له وهذا ما نقوله، وإن كان أراد لا صيام لمن لم يبيته على خلاف الوجه المأمور به وجب ألا يجزئ من بيت صيامه على الوجه المأمور به وهذا خلاف قول الأمة. فإن قيل: بين هذين منزلة؛ وهي أن يبيته مطلقا. قيل له: هذا أيضا يوجب أن من بيته معينا لم يكن له صوم، وهذا باطل عند كل أحد. واعتلوا بأنه مستحق العين فأشبه رد الوديعة. وهذا باطل؛ لأن الوديعة لا تحتاج إلى نية أصلا فضلا من تعينها

стр. 172

فكيف يعلل لسقوط تعين النية ما لا تحتاج إلى أصل النية؟ قالوا: ولأن النية إنما يحتاج إليها لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة، فإذا ميزت بالنية لم يحتج إلى تعين. وهذا ينتقض بالمسافر وبالنذر والقضاء. وعلى أنه إذا احتيج إلى النية لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة احتيج أيضا إلى تعينها لتمييز كل إمساك عبادة من إمساك غيرها. قالوا: ولأن تعيين الله تعالى آكد من تعيين المكلف؛ لأن ما عينه الله لا يمكن تغييره، وهذا يؤدي إلى سقوط أصل النية بهذا الاعتبار، فإذا كان ما ذكروه لا يؤثر في ذلك فكذلك في التعيين [ق/ ١٣٩]. مسألة قال ﵀: "وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهم الأكل في بقية يومهما". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا قولنا، وقول الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليهما أن يمسكا بقية اليوم؛ قالوا: لما روي أن رسول الله ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء يأمر من لم يكن أكل أن يصوم، ومن أكل أن يتم بقية يومه؛ فأوجب عليهم إمساك بقية يومهم.

стр. 173

قالوا: ولأن كل معنى إذا صادف أول الصوم لزم معه صوم اليوم، فإذا وجد في تضاعيف اليوم لزم به إمساك ما بقى منه. أصل ذلك: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه من رمضان. وبيان هذا أن الإقامة والصحة لو صادفا اليوم لزم معهما الصوم؛ كما أن العلم بكون اليوم من رمضان لو صادف أول اليوم لزم معه الصوم، فإذا وجد ذلك في بعض اليوم لزم معه الإمساك كما يلزم في الموضع الآخر. قالوا: ولأنه صحيح مقيم في نهار رمضان؛ فوجب عليه الإمساك. أصله: إذا دخل من الليل، أو نسى النية. قالوا: ولأن كل معنى أوجب الصوم في المستقبل أوجب إمساك بقية اليوم؛ اعتبارا ببلوغ الصبي أو إسلام الكافر. والدلالة على ما قلناه أن كل من له أن يفطر أول اليوم في الظاهر والباطن فله أن يأكل بقية نهاره، ولا يلزمه الإمساك ما بقي من يومه. أصله: إذا أصبح مسافرا أو استدام سفره إلى الليل، وكذلك المريض. عكسه: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان، ثم ثبت أنه من رمضان فإنه يمسك بقية يومه؛ لأنه وإن كان له في الظاهر أن يأكل في أول النهار فليس له ذلك في الباطن. فإن قيل: ينتقض بالصبي إذا بلغ في بعض اليوم؛ لأنه ممكن كان له أن يفطر في أول اليوم ثم مع ذلك يلزمه الكف. قيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنا نقول: إنه يجب عليه الكف بل يستحب

стр. 174

له، وعلى أنا قلنا أفطر وله أن يفطر، وهذا يفيد أن الإفطار مباح له. والصبي لا يدخل في هذا؛ لأنه من لا يلزمه حكم العبادات، ولا يقال له إنه أبيح له أو حظر عليه. فأما حديث عاشوراء فلا حجة فيه؛ لأن الأمر بالإمساك عندنا فيه كان على الندب دون الوجوب. وقياسهم على من أكل وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه رمضان باطل؛ لأنه أفطر، وفي الباطن الفطر غير مباح له؛ فلذلك الإمساك وليس كذلك في مسألتنا. وكذلك اعتبارهم بمن نسي النية، واعتبارهم ببلوغ الصبي لا نسلمه على ما بيناه. مسألة قال ﵀: "ومن أفطر في تطوعه عامدا، أو سافر فيه فأفطر [في سفره] فعليه القضاء. وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أعلم أن هذا الفصل يشتمل على عدة مسائل: أولها: من دخل في صوم التطوع فليس له الخروج منه من غير عذر. والثانية: أنه أفطر من غير عذر لزمه القضاء.

стр. 175

والثالثة: أنه إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه. والرابعة: بيان الأعذار التي تبيح الخروج منه. ونحن نبين ذلك، ونستوفي الكلام عليه إن شاء الله. فصل فأما وجوب إتمام الصوم المتطوع به على الداخل فيه، وإيجاب القضاء على من أفطره بغير عذر فهو قولنا وقول أبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يزيد علينا فيقول: إن عليه القضاء إذا أفطر بعذر وغير عذر، ونحن نسقط القضاء مع العذر، على اختلاف بين أصحابنا في صفة العذر سنذكره. وذهب الشافعي إلى أن الصائم المتطوع بالخيار بين إتمامه وبين قطعه، ولا قضاء عليه، سواء أفطر لعذر أو لغير عذر. فنبدأ بالكلام على الشافعي؛ لأن أصل الكلام معه، والكلام في الفصلين يتقارب. والذي يدل على أن على الداخل في صيام التطوع إتمامه وإنه ليس له الخروج منه من غير عذر قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ فأمر كل عاقد على نفسه عقدا أن يفي به، والأمر على الوجوب. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾؛ فنهى عن إبطال العمل، وفي تركه إتمام الصيام إبطال له؛ فوجب أن يكون ممنوعا منه.

стр. 176

فإن قيل: ليس في إفطاره إبطال لم مضى من الإمساك؛ لأن ثوابه قد حصل له. قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأنه إذا اختار قطعه سقط ثوابه عليه، وصار كأنه لم يفعل شيئا، وإنما حصول الثواب له مشروطا بتمام العمل. ويدل على ما قلناه أيضا قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾؛ فذم من ألزم نفسه طاعة الله ابتداء ثم تركها ولم يرعها، وألحق الوعيد به؛ فكان في ذلك أقوى التنبيه على وجوبه. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾؛ فالتعلق في عموم هذا الظاهر في كل صيام وكل صوم في [ق/ ٤٠ أ] وجوب إتمام إلى الليل فرضا كان أو نفلا. ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ في حديث الأعرابي حيث سأله عن الإسلام فذكر له الصلاة والصيام. فقال: هل علي غيرهن؟ قالا: "لا إلا أن تطوع"، وهذا يدل على أن من تطوع به فقد صار عليه، وإذا صار عليه لزمه إتمامه، ولم يجز له تركه إلا بدليل. فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأن الأعرابي لما سأل عما فرض الله عليه لم يقل له النبي ﷺ في جواب ذلك: وصيام التطوع إذا دخلت فيه. فالجواب أن هذا لا يلزم من وجهين:

стр. 177

أحدهما: أن الأعرابي إنما سأل عما أوجبه الله عليه ابتداء بأصل الشرع لا عن غيره، ولم يسأل عما يصير واجبا بغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن)؛ فلذلك اقتصر به على القدر الذي ذكره. ويبين ذلك أنه لا خلاف في لزوم النذر وإن لم يذكره في الواجبات؛ للمعنى الذي قلناه من أنه اقتصر به على ما أوجبه الله تعالى ابتداء. والوجه الآخر: هو أنه قد ذكر ذلك في سياق الخبر، فكان بمنزلة قوله: وما دخلت فيه من التطوع. فإن قيل: فقد قال الأعرابي: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن) فقد أفلح إن صدق؛ وهذا ينفي وجوب ما عدا ذلك. قيل له: هذا لا تعلق فيه؛ لأنه إنما ينفي وجوب ابتداء ما عدا الصلوات الخمس وابتداء ما سوى صوم رمضان. فأما إتمام ما دخل فيه من التطوع فواجب بقوله: "إلا أن تطوع"؛ ويدل على ذلك ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصم المرأة يوما من غير شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه". ورواه عبد الرازق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصومن المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه".

стр. 178

والمعنى في ذلك أنها تمنع زوجها من وطئها؛ وهذا يدل على أن عليها إتمام التطوع إذا دخلت فيه؛ لأنه لو لم يكن ذلك عليها لكان للزوج أن يفرطها للحق الذي له في وطئها؛ ولما كان يضره أن تصوم من غير إذنه لأنه لا حرج عليه في قطع ذلك عليها. وقد روي هذا الذي قلناه في بعض طرق الحديث؛ فروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده؛ فسأله عما قالت: فقال: يا رسول الله أما قولها (يضربني إذا صليت) فإنها تقرأ سورتين وقد نهيتها فقال ﷺ : "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس". قال: وأما قولها: (يفطرني إذا صمت) فإنها تطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها"، وذكر ما في الحديث. فإن قيل: ليس في هذا دلالة على وجوب إتمام ما دخلت فيه عليها؛ لأنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك لأن زوجها يكره أن يقدم على قطعها عن إتمام الصوم وإن كان محتاجا إليها. قيل له: قد أجبنا عن هذا في نفس الاستدلال حيث قلنا: إنه لو كان له أن يفطرها ولو كان لها الإفطار وترك الإتمام لم يكن لإيقاف الصوم على

стр. 179

إذنه معنى؛ لأنه كان يصلي إلى حاجته، ولم يكن دخولها في الصوم مانعا لها من ذلك، وليس يجوز أن يكون الأمر واجبا من أجل ما ليس بواجب. وإذا صح هذا بطل ما قالوه. ويدل على ذلك ما رواه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن عبد [الواحد] بن زيد عن عبادة بن نسي قال: دخلت على شداد وهو يبكي قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرأيت في وجهه شيئا؛ فقلت يا رسول الله: ما هذا الذي أرى في وجهك؟ فقال: "أمران أتخوفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية؛ أما إنهم لا يعبدوه شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكنهم يراءون بأعمالهم". قلت: يا رسول الله، أشرك هذا؟ قال: نعم. قلت: وما الشهوة الخفية؟ قال: "يصبح أحدهما صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيواقعها ويدع صومه". ووجه الاستدلال من هذا الخبر هو أنه حذر من ترك الصوم اختيارا، وأخبر عن شدة خوفه عنه على من يفعله. وهذا أقوى دليل في المنع منه؛ لأنه لو كان مخيرا بين إتمامه وقطعه لم يكن يحذر منه كما لا يحذر من ترك سائر المباحات أو المندوبات، وإنما يشتد الخوف بترك الواجبات.

стр. 180

وإذا صح هذا ثبت ما قلناه. ومن جهة القياس؛ لأنها عبادة مقصودة لنفسها فوجب إذا دخل في فعلها أن يلزمه إتمامها؛ اعتبارا بالحج والعمرة. فإن قيل: المعنى في ذلك أن نفعله كفرضه في تعلق الكفارة به؛ فلذلك ساواه في لزومه بالدخول فيه. وليس كذلك الصوم؛ لأن نفله ليس كفرضه في تعلق الكفارة به فلم يلزمه إتمام نفله. فعن هذا أجوبة: أحدها: أن وجوب الكفارة بإفساد العبادة لا يؤثر في لزوم إتمامها كما لا يؤثر في ابتداء إيجابها؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إن الحجة الثانية لما ساوت الأولى في وجوب الكفارة بإفسادهما وجب لذلك أن تكون واجبة ابتداء؛ فكذلك لا يجب إذا ساوتها في ذلك أن [ق/ ٤١ أ] يكون إتمامها واجبا. والثاني: هو أن الحج إنما استوى نفله وفرضه في تعلق الكفارة به لمعنى يرجع إلى تأخير، وليس كذلك الصوم؛ لأن الكفارة تجب فيه لمعنى يرجع إلى عين زمان له حرمة، لا إلى حال الصوم من وجوب أو غيره. وعلى أن هذه العلة موجودة في القضاء لأن قضاء الحج مساو لأصله في ذلك. ولا يجب بهذا ألا يكون قضاء الصوم واجبا؛ فكذلك وجوب إتمامه. واستدل أصحاب الشافعي- ﵀ بما رواه طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ ذات
следующие страницы →