← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فسقطتا. وعلى أن ما رووه مقدم، وما رويناه هو المتأخر؛ لما روي عن عبد خير أنه قال: (قبض علي- رضوان الله عليه- وهو يكبر أربعا) فكان هذا ناسخا لما قبله. وعلى أنه لو لم يثبت عنه رجوعه لكان غيره من الصحابة بإزائه في الخلاف؛ فيجب النظر. وقولهم: إن حكم حمله الصلاة على الجنازة حكم الركعة الواحدة باطل؛ لأنه دعوى لا دليل عليها بل حكمها حكم عدد ركعات أطول الصلوات، وهذا الاعتبار أولى؛ لأنه اعتبار الصحابة ﵃ على ما بيناه. وقولهم: إن الأخذ بأزيد الأخبار أولى. فهذا إذا لم يكن منسوخا، ولا في مقابلته إجماع، والله أعلم. مسألة قال ﵀: يرفع يديه في أولهن، وإن رفع في كل تكبير فلا بأس. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى ابن عبد الحكم عنه أنه استحسن أن ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز. قال ابن القاسم: وصليت معه على جنازة فلم أره رفع يديه لا في تكبيرة الإحرام، ولا في ما عداها.

стр. 107

وروي عنه أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام دون ما سواها. فوجه قوله: "أنها ترفع في كل التكبيرات". ما روي أن رسول الله ﷺ [ق/٢٤] كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولأنها تكبيرة في القيام؛ فأشبهت تكبيرة الإحرام، ولأنها تكبيرة متوالية؛ فأشبهت تكبيرات العيد. ووجه قوله: "أنه لا يرفع يديه أصلا". قوله ﷺ : "كفوا أيديكم في الصلاة"، وقوله في حديث ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، ولم يذكر تكبيرات الجنازة. ولأنها تكبيرات في صلاة لا ركوع فيها؛ فأشبهت التكبير في سجود التلاوة. ووجه قوله: "أنه يرفعهما في تكبيرة الإحرام دون ما سواها". هو أنها صلاة شرعية تشتمل على تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؛ فكان المستحب رفع اليد مع تكبيرة الإحرام، وترك ذلك فيما بعدها، واعتبارا بسائر الصلوات. مسألة قال ﵀: وغن شاء دعا بعد الأربع ثم [يسلم] وإن شاء

стр. 108

سلم بعد الرابعة مكانه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأن القيام كله موضع للدعاء في صلاة الجنازة، فإن شاء دعا بعد الرابعة، وإن شاء سلم ولم يدع؛ لأنه قد دعا [فيما] تقدم. مسألة قال ﵀: ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها. [وهذا على جهة الاستحباب، فلو عكس صحت الصلاة]. قال القاضي أبو محمد- ﵀: وهذا لأن ذلك مروي عن جماعة من الصحابة والسلف ﵃؛ فاستحب الاقتداء بهم فيه. وقد رويت فيه أخبار مرفوعة مختلفة بهذا وغيره، إلا أن المستحب ما ذكرناه. مسألة قال ﵀: والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفيفة للإمام والمأموم. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قوله: "إنها واحدة" فلأنها تحليل من الصلاة؛ فأشبهت سائر الصلوات. وأما استحباب إخفائها فكذلك روى عن الصحابة ﵃،

стр. 109

وروي أن عليا- ﵁ صلى على يزيد بن المكفف بتسليمة خفيفة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى، وخلق كثير من الصحابة ﵃ والتابعين. مسألة قال ﵀: وفي صلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا. قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- ﵀: روى ذلك أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد". ولا خلاف أن وقت استحقاق القيراط الأول هو الفراغ من الصلاة. وأما وقت استحقاق القيراط الثاني فيجب أن يكون بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك. ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحق بوضع الميت في اللحد. والثاني: أنه يستحق بدفنه، وضم التراب عليه. والثالث: أنه يستحق بالفراغ [الكلي] منه ومن أموره. والدلالة على ما قلناه قوله ﷺ : "ومن تبعها حتى تدفن فله

стр. 110

قيراطان"، وظاهر هذا يقتضي الفراغ من الدفن وتوابعه، والله أعلم. مسألة قال ﵀: ويقال في الدعاء على الميت [محدود] غير شيء وذلك كله واسع، ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، [جئنا] شفعاء له فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له؛ إنك ذو وفاء وذمة. اللهم قه [من]، فتنة القبر ومن عذاب جهنم. اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز [عن سيئاته]. اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما

стр. 111

لا طاقة له به. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. نقول هذا بإثر كل تكبيرة، [ونقول] بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا، وميتنا [وحاضرنا]، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا، ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا [ومسرتنا]. ثم يسلم. وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ... ثم [يتمادى] بذكرها على التأنيث، غير إنك لا [تقل]: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجة [في الجنة] لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبقين بهم بدلا. والرجل يكون له زوجات كثيرة [ق/٢٥] في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما سقوط التوقيف في الدعاء فلأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله

стр. 112

عنهم في ذلك مختلفة، ولم يرد توقيف على شيء منها معين، بل ورد الأمر بالدعاء والإخلاص فيه مطلقا؛ قروى أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"، وإذا كان الأمر كذلك وجب أ، يكون أي ذلك فعل حسنا. والأدعية المروية في هذا هي التي ذكرها صاحب الكتاب ونحوها. ونحن نذكر جملة منها إن شاء الله، فروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى النبي ﷺ على جنازة فقال: "اللهم أغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وكذلك وأنثانا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده". وروى علي بن شماخ قال: شهدت مروان سأل أبا هريرة كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بشرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها. وروى حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك قال:

стр. 113

رأيت رسول الله ﷺ ، صلى على ميت فقال: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خير من زوجه، وأدخله الجنة، ونجه من النار، وقه عذاب القبر". وروى هشام بن عروة عن أبية عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر له، وصلى الله وبارك له، وأورده حوض نبيك". وروى الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: سمعت يونس بن مسيرة قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على رجل: "اللهم إن فلانا في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار؛ إنك أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم". هذا بعض ما روى عن النبي ﷺ في ذلك. فأما ما روي عن الصحابة ﵃: فروى أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- كان إذا صلى على جنازة قال: (اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة، والذنب عظيمي [وأنت] غفور رحيم).

стр. 114

وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة عليه إن كان مساء: أمسى عبدك، وإن كان صالحا: أصبح عبدك قد تخلى من الدنيا وتركها لأهلها، واستغنيت عنه وافتقر إليك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك ﷺ فاغفر له ذنبه. وروى أبو الأحوص عن منصور عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان علي- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيتنا، واجعل قلوبنا على قلب خيارنا، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارجعه إلى خير ما كان عليه. وروى عن مالك عن سعيد المقبري أنه سأل أبا هريرة كيف يصلي على الجنازة؟ فقال: أنا- لعمر الله- أخبرك؛ أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله جل وعز، وصليت على نبيه ﷺ ، ثم أقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وروي ذلك عن عبد الله لن أبي أوفى وغيره، والألفاظ تتقارب. وإنما لم نقل في المرأة: وأبدلها زوجا خير امن زوجها؛ لما ذكر من أن نساء الجنة مقصورات على أزواجهن، والرجل تكون له زوجات كثيرة، وقوله: إنه يسوق لفظ الدعاء لها على التأنيث؛ فلأن الخبر بذلك ورد،

стр. 115

وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته. وبالله التوفيق. مسألة وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته. وبالله التوفيق. مسألة قال ﵀: ولا بأس أن [يجمع] بين الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه أو الصبيان والنساء من وراء ذلك [إلى القبلة] ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب الإمام أفضلهم. قال القاضي- ﵀: أما جواز الجمع بين الجنائز في صلاة واحدة فلأنه لا فضل بين ذلك وبين أفراد كل واحدة بالصلاة؛ لأن سائر الشروط التي تفعل في الإنفراد في الصلاة تفعل في حال الاجتماع؛ وقد روي عن [ق/٢٦] جماعة من الصحابة ﵃ والتابعين أنهم جمعوا بين جماعة جنائز في صلاة واحدة. فأما استحبابه أن يلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء إلى القبلة، فهذا قولنا وقول كافة الفقهاء. وحكى عن الحسن البصري أن الرجل يجعل مما يلي القبلة والمرأة مما يلي الإمام. قال: لأن من سنة الرجال أن يقرب من القبلة؛ ألا ترى أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا خلف الإمام جعل الرجال مما يلي الإمام لقربهم من

стр. 116

القبلة، والنساء أبعد؟ والدلالة على ما قلناه الإجماع والنظر. فأما الإجماع: فما روي عن عثمان- ﵁ وعمار أنهما كانا يجعلان الرجل مما يلي الإمام. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي- رضوان الله عليه- وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يجعلون الرجل مما يلي الإمام. وروى سفيان الثوري عن عثمان بن وهب قال: شهدت ابن عمر وأبا هريرة صليا في جنازة رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يلي الإمام. وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع مولى ابن عمر قال: وضعت جنازة أم كلثوم وابنها زيد والإمام سعيد بن العاص- فوضع الغلام مما يلي الإمام، وفي الناس ابن عباش وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة؛ فقالوا: هي السنة وروى إسماعيل بن عياس عن عمر بن مهاجر قال: صليت مع واثلة بن الأسقع على ستين جنازة من الطاعون فجعل صف الرجال مما يلي الإمام. هذا ما روي عن الصحابة ﵃، ولا مخالف لهم. وروى أبو الزناد عن المشيخة السبعة وغيرهم من نظرائهم أنهم كانوا يقولون: يقدم النساء إلى القبلة، ويجعل الرجال مما يلي الإمام.

стр. 117

وروى ابن وهب عن القاسم وسالم وعمر بن عبد العزيز ﵃ مثله. وأما من وجهة النظر: فلأن كون النساء أبعد من الرجال أستر لهن، وهذا أمر معتبر في النساء؛ فوجب أن يكون ذلك هو السنة فيهن. ولأنه لا خلاف أن الحال التي تلي الإمام أشرف وأفضل؛ فيجب أن يكون الرجال أولى بها من النساء؛ لفضيلتهم عليهن. ولأن الرجال والنساء إذا اجتمعوا في الصلاة خلف الإمام كان الرجال أولى مما يلي الإمام؛ كذلك إذا اجتمعوا للصلاة عليهم. وبهذا ينتظم الجواب عما قالوه، والله أعلم.

стр. 118

مسألة قال ﵀: وأما [في] دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة. قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما روي جابر- ﵀ أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما كان أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد. ولأنه لما كان القرب من القبلة أشرف وجب أن يكون من هو أفضل أولى به كما أنه كان في الصلاة القرب من الإمام أشرف كان أفضلهم أقرب إليه.

стр. 119

مسألة قال ﵀: ومن دفن [و] ووري ولم يصل عليه فإنه يصلى على قبره. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا لأنه لا يجوز أن يدفن بغير صلاة، ولا يجوز نبشه بعد دفنه، فإذا فاتت الصلاة عليه بدفنه صلى على قبره؛ لأن هذا حكم من لم يسقط الفرض بالصلاة عليه حتى يدفن. والأصل في ذلك ما روي في حديث المسكينة التي ماتت، وأمرهم النبي ﷺ بإعلامه بها، فخرجوا بها ليلا وكرهوا أن يوقظوه، فلما أصبح ﷺ صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات. أرسل هذا الحديث مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل. ووصله غيره عن أبيه سعل بن حنيف. وقد ذكرناه. فيما تقدم.

стр. 120

مسألة قال ﵀: ولا يصلى على من قد صلي عليه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا قولنا وقول أهل العراق. وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن وبعده. والدلالة على ما قلناه: أن الصلاة على الميت من فروض الكفايات؛ فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإذا ثبت ذلك سقط الفرض بهذه الصلاة؛ فكان ما بعدها نفلا، والنفل غير جائز على الميت. وأيضا: فإن الميت إذا غسل غسلا واحدا لم يغسل ثانية؛ فكذلك الصلاة؛ لأن كل واحد منهما حكم وجب فيه بالموت، ولا يلزم عليه التكفين إذا كفن في ثوب أنه يكفن في ثان؛ لأن ذلك كله كفت واحد. ونفرض الكلام في أنه لا يصلى على القبر، والدلالة على ذلك أنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به رسول الله ﷺ ؛ لأن في الصلاة عليه من الفضل والبركة ما ليس في الصلاة على غيره، وفي ترك المسلمين الصلاة على قبره دلالة على منع ذلك. وأيضا فلو لم يكن دفن الميت مانعا من الصلاة عليه لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها؛ لأنه ليس بعض الأوقات في ذلك بأولى من بعض.

стр. 121

واحتج من خالفنا بأن الناس صلوا على رسول [ق/ ٢٧] الله ﷺ أفواجا؛ فدل ذلك على جواز إعادة الصلاة على الميت. وما روى أن رسول الله ﷺ صلى على قبر امرأة مسكينة. ولأنه قول عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأبي موسى وابن عمر وعائشة ﵃، ولا مخالف لهم. ولكن من جاز أن يصلى على الميت قبل دفنه، فإذا لم يصل جاز أن يصلى عليه بعد الدفن. أصله إذا صلى عليه غير الولي. فالجواب: أن ما ذكروه من الصلاة على النبي ﷺ لا حجة لهم فيه؛ لأن كل واحد كان مسقطا للفرض عن نفسه؛ لأن الصلاة عليه كانت واجبة على كافتهم. ولأن خلافنا في الموضع الذي يتعلق به حكم الولاية، وهذا غير موجود في الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن في الصلاة عليه ولاية. وما رووه من صلاته ﷺ على القبر لا دلالة فيه؛ لأنه مخصوص بذلك لعلة لا توجد في غيره؛ وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلما حتى أصلي عليها"، وهذا معلوم في غيره ﷺ . وأيضا: فإنه ما دام موجودا متمكنا من الصلاة فالفرض لا يسقط بصلاة غيره.

стр. 122

وما رووه عن الصحابة ﵃ فينظر فيه ولا يسلم ما قالوه من أنه لا مخالف فيه. فأما إذا صلى عليه غير الولي، فإن قلنا: إن الصلاة لا تعاد فسقط السؤال. وإن قلنا: إنها تعاد؛ فلأن الغرض لا يسقط إلا بقيام من له الحق، وهذا الموضع الحق فيه للأولياء؛ فلا يسقط بقيام غيرهم. والله أعلم.

стр. 123

مسألة قال ﵀: ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: لا خلاف في أنه يصلى على أكثر الجسد؛ لأن حكم الأكثر حكم الجميع، وإنما الخلاف في العضو الواحد كالأصبع واليد والرجل. فعندنا وعند أبي حنيفة لا يصلى عليه. وعند الشافعي أنه يصلى عليه. قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه، وينوى بذلك الميت قليلا كان الموجود أو كثيرا. واستدل من نصر ذلك بأنه قال: إجماع الصحابة ﵃ لما روى أن طائرا ألقى يدا في وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلى الناس عليه- قيل: كان أصبع طلحة- رضوان الله عليه، وقيل: عتاب بن أسيد ﵁، وذلك بمحضر الصحابة ﵃ والمهاجرين فلم ينكر أحد منهم ذلك. وروى أن أبا عبيدة بن الجراح- رضوان الله عليه- صلى على رؤوس

стр. 124

بالشام، وعمر- رضوان الله عليه- صلى على عظام بالشام. قالوا: ولأنه بعض من خلقة الأصل من جملة يصلي عليها؛ فوجب أن يصلي عليه اعتبارا بأكثر البدن. قالوا: ولأن حرمة الجزء القليل كحرمة الجزء الكثير؛ ألا ترى أنه ممنوع من إتلاف القليل كما هو ممنوع من إتلاف الكثير. والدلالة على ما قلناه: أن هذه المسألة مبنية على أن الصلاة على الميت لا تعاد، وإذا صح هذا كنا لو قلنا إن اليد والرجل يصلى عليها قائلين بما منعنا منه لا به إذا وجد باقي أعيدت الصلاة. وأيضا: فلأنه جزء من البدن يسير؛ فوجب ألا يصلى عليه بانفراده. أصله: السن والظفر والشعر. فإن قيل: يصلى على هذا عندنا. قيل له: لا يحفظ هذا عن أحد؛ فهو خرق الإجماع. فإن قيل: المعني في الأصل أنه ليس بخلقة الأصل، وليس كذلك هذا؛ لأنه من خلقة الأصل. قيل له: هذا لا يؤثر في منع الصلاة عليه؛ ألا ترى أنه يصلى عليه إذا كان مع أكثر البدن وإن لم يكن خلقة الأصل؟ فأما دعواهم الإجماع فباطل؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال:

стр. 125

(لا يصلى على عضو من الميت)؛ فسقط ما قالوه، على أنه لم يذكر أن الذين صلوا على اليد التي ألقاها الطائر من الصحابة ﵃؛ لأن المدينة إذ ذاك خالية من الصحابة ﵃ بتفرقهم مع علي ومعاوية، والأقرب أن يكون الذين صلوا عليه من غير الصحابة؛ فلا يكون فعلهم حجة. فأما أذا وجد أكثر البدن، فإنه إذا صلى عليه لم يؤد ذلك إلى الصلاة على الميت مرتين، وليس كذلك في الجزء اليسير. وأيضا: فلأن اعتبار الأكثر بالأقل لا يصح؛ لأن حكم الأكثر حكم الجملة في غالب الأصول، وقياسهم على ذلك ينتقض بالسن والظفر. والله أعلم.

стр. 126

باب في الدعاء للطفل [وغسله] والصلاة عليه مسألة قال ﵀: تثني على الله ﵎، وتصلي على نبيه ﷺ ، ثم تقول ... إلى آخر الفصل. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قد ذكرنا ما روي عن النبي ﷺ وعن الصحابة ﵃ في الدعاء في الصلاة على الجنازة في الجملة، وقد دخل هذا في جملة ما رويناه عنهم، وذلك مغن عن إعادته. فأما ذكره الاستعاذة من فتنة القبر فكذلك روي عن الصحابة ﵃. وروى مالك بن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: صليت [ق/٢٨] وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط. قال: سمعته يقول: اللهم وأعذه من عذاب القبر. مسألة قال ﵀: ولا يصلى على من لم يستهل صارخا، ولا يرث، ولا يورث.

стр. 127

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا يخالفنا فيه أبو حنيفة والشافعي؛ لأن من مذهبهما أنه إذا تحرك ثم مات صلى عليه، وعندنا أنه لا يصلى عليه إذا لم يكن غير الحركة. والأصل في هذا أنه إنما يصلى على من كان حيا ثم مات؛ بدلالة أنها لو وضعته ميتا لم يصل عليه، وإذا صح هذا فدلالة حياته الصراخ أو ما يقوم مقامه؛ لأن الذي لا روح فيه لا يصيح ولا يستهل، وإذا فقدت دلالة الحياة لم تجز الصلاة عليه، والحركة لا تدل على حياته؛ لأنها قد كانت موجودة فيه حال كونه في بطن أمه، ولا اعتبار بها. وأيضا ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان؛ فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه صلى الله عليهما". وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل إنسان تلده أمه بلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها صلى الله عليهما". ألا ترى أن الصبي إذا سقط من أمه كيف يصيح فذلك حين يلكزه الشيطان. وروى سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله- ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث الصبي حتى يستهل".

стр. 128

والاستهلال الصياح والبكاء. وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استهل المولود صارخا صلى عليه، ووجب ميراثه، ووجبت ديته". وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قال: (إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه، وورث). مسألة قال ﵀: ويكره أن يدفن السقط في الدور. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأنه من جملة موتى المسلمين؛ فوجب أن يدفن في مقابر المسلمين. ولأن حرمته ثابتة- وإن ولد ميتا- فكان كسائر الأموات. مسألة قال ﵀: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين [و] سبع. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: لأنه يجوز لهن أن ينظرن إلى بدنه؛ لقوله تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾؛ فلذلك جاز له غسله. والله أعلم.

стр. 129

مسألة قال ﵀: ولا يغسل [الرجل] الصبية. واختلف [فيها] إن كانت [ممن] لم تبلغ أن تشتهي. والأول أحب إلينا. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: أما إن كانت ممن تشتهى فلا يجوز للرجال أن يغسلوها؛ لأنهم ممنوعون من لمسها والنظر إليها للذة؛ فكان حكمها حكم النساء البوالغ. وإذا كانت ممن لا يشتهى مثلها- مثل ابنة ثلاث سنين وما قارب ذلك- فالأولى أن يجوز لهم غسلها كما جاز غسل ابن ثلاث سنين وأربع. والله أعلم.

стр. 130

كتاب الصيام قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: الأصل في الصيام الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾؛ يعني: فرض واجب عليكم كما وجب على من كان قبلكم، فهذه الآية تدل على وجوب الصيام في الجملة من غير تعيين. ثم فسر الصيام الواجب في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ...﴾ إلى قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ...﴾ فأمر بصيام شهر رمضان، وألزم من كان حاضرا صومه، ورخص للمسافر أن يفطره ويقضيه. وقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر؛ فهو على وجوبه. هذا من الكتاب. وأما السنة: فقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،

стр. 131

وصيام شهر رمضان". وفي حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن الإسلام، وأنه ﷺ قال له: "وصيام شهر رمضان". قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع". وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الصيام كما أنه معلوم ضرورة من دينها وجوب الصلاة. فصل فأم المعنى في اللغة فهو: الإمساك عن الطعام والشراب. ويقال لمن أمسك عن الكلام هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾؛ أي: صمتا. ويقال: صام النهار، إذا وقفت فيه الشمس، وصامت الخيل، إذا وقفت عن السير والحركة، ومنه قول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما قال القاضي ﵀: وذكر أهل اللغة أن الصائم يسمى سائحا؛ لتركه الطعام والشراب. قالوا وهو تأويل قوله تعالى: ﴿السائحون الراكعون

стр. 132

الساجدون﴾ يريد بقوله [ق/ ٢٩] (السائحون) أي: الصائمون. وقوله: ﴿عابدات سائحات﴾ يريد: صائمات. وقال أبو طالب: وبالسائحين لا يذوقون نظرة لربهم ... والراتكات العوامل يريد الصائمين. قالوا: وأصل السائح هو الذاهب في الأرض، الممتنع من الشهوات؛ فشبه الصائم به لامتناعه عن المطعم والمشرب. فإذا تقرر هذا الصوم في عرف [الشرع] هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع بنية في زمن مخصوص فإن لم تقارنه نية فليس بصوم في الشرع. وهذه جملة كافية في هذا الفصل. مسألة قال ﵀: وصوم شهر رمضان فريضة؛ يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته- كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما- فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الذي قبله ثم يصام، وكذلك الفطر. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما قوله: "أن صيام شهر رمضان فريضة". فلذلك لما ذكرناه من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوبه؛

стр. 133

فأغنى عن رده. وقوله: "يصام لرؤية الهلال، وتكمل العدة إن غم الهلال". فلقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾. ولقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". ولا خلاف في وجوب الصوم بهذين الأمرين- أعني: الرؤية وإكمال العدة- لا يجب الصوم بغيرهما عندنا وعند من يعتمد عليه من أهل العلم. وحكي عن بعضهم أنه أوجب الصوم بقول أهل الحساب وعلم النجوم إذا قالوا إن غدا من الشهر وإن لم تتقدم رؤيا ولم تكمل عدة. وادعوا أن ذلك معني يجب به الصوم كالرؤية. وقد ذكرت لهم شبه ذلك فمنها أنهم تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾؛ فأخبر أن الهداية تحصل لنا بالنجوم، ولم يخص شيئا دون شيء؛ فكان ذلك عاما في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل. قالوا: بقوله ﷺ : "فإن غم عليكم فاقدروا له"؛ وذلك هو الاطلاع عليه في الحساب. والدلالة على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن الصباح

стр. 134

قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن [حراش] عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا الشهر حيى تروا الهلال، [أو] تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"؛ فنص على اعتبار الرؤية والعدد؛ فلم يجز اعتبار ما عداهما. وروى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"؛ فأمر بالصوم للرؤية، ومع عدمها بإكمال العدة، فسقط اعتبار ما عدا ذلك. وروى [زائدة] بن [حوالة] عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأكملوا العدة ثلاثين ثم أفطروا".

стр. 135

فأما الآية فمعناها أن النجوم يستدل بها على جهات الطرق والقبلة، فأما الصوم ومعرفة أوقاته فلا مدخل لذلك فيه، ويقوي هذا قوله ﷺ : "من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " وهذا ينفي الرجوع إليهم. وأما قوله ﷺ : "فاقدروا له" فمعناه: إكمال العدد؛ لأنه قد فسر في الخبر الآخر، وإذا كان كذلك بطل ما قالوه، والله أعلم. فصل فأما قوله: كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما؛ فلأن الشهر يختلف عدده بالزيادة والنقصان؛ فيكون تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين، وقد وردت الرواية بذلك؛ فروى شعبة عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا أنة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا" وهكذا. وهكذا تعني تسعا وعشرين يوما وثلاثين، وحبس الراوي أصبعه في الثالثة. وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وأيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهر تسع وعشرون". وروى عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال: لما صمنا

стр. 136

مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين. فصل وقوله: "إن غم الهلال عدوا ثلاثين يوما من غرة الذي قبله، ثم يصام"؛ فلما رواه عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لم يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام. وروى سماك عن عكرمة عن ابن [ق/ ٣٠] عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين، قم أفطروا". وروى مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه،

стр. 137

فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". مسألة قال ﵀: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه [التبييت] في بقيته". قال القاضي أبو محمد عبد المهاب بن علي- ﵀: اعلم أن هذه المسألة فرع على وجوب النية في شهر رمضان؛ فيجب تقديم الكلام في الأصل؛ لأنه إذا لم يثبت وجوب النية فالقول في وقت وجوبها وتقديمها وتأخيرها أبعد عن الثبوت. وإذا صح هذا فالنية عندنا واجبة في صوم شهر رمضان، وعند كافة الفقهاء إلا زفر بن الهذيل فإنه كان يزعم أن النية غير واجبة فيه، وأرى أن عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل يذهبان إلى شبه بهذا؛ لأنهما قالا فيمن أصبح في أول يوم من رمضان وعنده أنه من شعبان، ولم ينو الصوم ثم لم يأكل حتى بلغه الخبر أن يومه من رمضان إنه يمضي ويجزئه عن صومه. وهذا يدل من قولهما على ما ذكرناه. وفرقا بين ذاك بين أن ينوي صيام التطوع ثم يعلم بالشهر بعد أن يصبح فقالا: عليه قضاء ذلك اليوم إذا أصبح نوى به التطوع.

стр. 138

ويجوز أن يكون مرادهما أن نية الإسلام كافية من التجديد ما لم ينقل، فإذا نوى التطوع فقد نقلها؛ فلذلك لزمه القضاء. وهذا أشبه بأن يكون هو المراد من قولهما لولا أنهما فرقا بين أن يعلم الرؤية بالاستفاضة وما دونها. فالذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا أملا بالصيام الشرعي؛ فهو يتضمن وجوب النية؛ لأن مجرد الإمساك لا يكون صوما شرعيا إلا بالنية. وأيضا فإن الأمر بالفعل يقتضي الامتثال، والفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد؛ بدلالة أنه قد يشركه في صورته ما ليس بامتثال، وإنه لا يكون امتثالا إذا وقع ممن لا قصد له كالصبي والمجنون وغيرهما. وإذا صح هذا فقد تضمنت الآية وجوب النية. وأيضا قوله ﷺ : "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل، ولا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل"، ولم يخص شهر رمضان من غيره. ولأنه صوم شرعي؛ فأشبه ما عدا رمضان. ولأنها عبادة تجب النية في نقلها؛ فكذلك في فرضها وجميع جنسها؛ اعتبارا بالصلاة والحج. ولأنه لما لم يجز قضاء رمضان بغير نية مع كونه فرعا له وانخفاض رتبته

стр. 139

عن رتبة أصله كان رمضان بأن لا يجزئ إلا بنية أولى. واستدل عن زفر بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، والصوم والإمساك، فإذا أتى به فقد امتثل ما أمر به. ولأنه مستحق العين للصيام فلا تكون النية فيه كالوديعة لما كانت مستحقة العين للرد لم يحتج إلى نية. ولأن النية إنما يحتاج إليها للتمييز بين ما يؤتى به فرضا ونفلا، وغير رمضان لا يصح إيقال النفل فيها؛ لأنها لا تقع إلا فرضا؛ فلا معنى للنية. فالجواب: أن الظاهر لا تعلق فيه؛ لأنه دليلنا على ما بيناه. ورد الوديعة ليس من شرطها أن تقع قربة؛ لأنها من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين لا يحتاج فيها إلى النية؛ بدلالة وقوعها على الوجه الذي كانت عليه قبل الشرع، وإن يصح وقوعها ممن لا تصح منه النية. واعتباره في ذلك التمييز بين الفرض والنفل باطل؛ لأنه يوجبها مع السفر والمرض مع وجود المعنى المسقط لوجوبها على التمييز الذي ذكره أحد ما تجر له النية. وليست لا تلزم إلا لهذا الوجه؛ لأنها تجب لكون الفعل قربة وطاعة. والله أعلم. فصل ولا يجزئ صيام نفل ولا فرض إلا بنية قبل الفجر ابتداء كان أو قضاء، أداء أو نذرا. وهو قول أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: كل صوم تعلق بالذمة ولم يتعلق وقت معين فلا

стр. 140

يجزئ إلا بنية قبل الفجر؛ كالقضاء والنذر والكفارة، وكل صوم غير متعلق بالذمة وإنما يتعلق بوقت معين أو كان نفلا فإنه يجزئ بنية بعد الفجر؛ وذلك كصوم رمضان والنذر المعين وصوم النفل. وقال الشافعي: كل صوم واجب فلا يجزئ إلا بنية قبل الفجر من غير تفصيل، والنفل من الصوم يجزئ بنية بعد الفجر. واستدل أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. ومن صامه بنية بعد الفجر سمي صائما للشهر. وروي من حديث ابن عمر أنه رأى هلال رمضان؛ فشهد عند رسول الله ﷺ فصام، وأمر الناس بالصيام. ولو كان التبييت شرطا لأمرهم به. وروي في خبر العوالي أن رسول الله ﷺ خرج فرأى قوما فسأل عنهم فقالوا: هم صيام ليوم كان يصومه موسى. فقال ﷺ : "نحن أحق بصيامه .. " وأمر الناس بالصيام فقال: "من أكل فليمسك، [ق/ ٣١ أ] ومن لم يأكل فليتم بقية صومه"؛ فأمر من لم يأكل بالصوم؛ فدل هذا على أن التبييت ليس بشرط في كل صوم مستحق العين. ولقوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى"، ومن نوى بعد طلوع الفجر فقد نوى صوم هذا اليوم؛ فوجب أن يكون له. ولأنه ناو لصيامه فأشبه إذا نوى قبل الفجر.

стр. 141

ولأنه صوم لم يتعلق بالذمة؛ فأشبه التطوع. ولأن النية قد حصلت أكثر نهاره؛ فأشبه من نوى من الليل. والذي يدل على ما قلناه قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل، ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر لا صيام له"؛ فعم ولم يخص فرضا من نفل. وأيضا قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات"؛ فيجب ألا يجزئ من العمل إلا ما قارنته النية، وبعض هذا اليوم قد مضى عريا من النية؛ فوجب ألا يجزئ. وقوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى"، والإمساك الذي مضى لم ينوه؛ فوجب أن لا يكون له. وأيضا فلأنها نية ابتدأت بعد مضي جزء من النهار؛ فلم تجز؛ اعتبارا بالنية بعد الزوال. ولأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل. دليله النذر والقضاء. ولأن النية شرط في الصوم الشرعي؛ فوجب ألا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عريا منها. أصله: الإمساك.

стр. 142

ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن تتقدمها النية؛ اعتبارا بالصلاة والحج. ولأنها عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يستوي وقت النية في الأداء والقضاء؛ اعتبارا بالصلاة. وأما الظاهر فلا تعلق فيه؛ لأنا لا نسلم أن من أمسك في نهار رمضان بنية بعد الفجر فإنه صائم للشهر. فإن بينوا ذلك وإلا فوقف الاحتجاج. وما رووه من حديث ابن عمر لا حجة؛ لأنه ﷺ أمرهم بالصيام الشرعي، وذلك يتضمن عندنا وجوب النية من الليل. وحديث عاشوراء لا تعلق فيه؛ لأنه إنما أمرهم بالإمساك فيحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يكونون بإتمام إمساكهم صائمين؛ ألا ترى أنه قد أمر من أكل أيضا بأن يمسك، ولم يدل ذلك على أنه يصير بإمساكه صائما. وعلى أنه قد روي: "ومن أكل فليصم" فلم يدل ذلك على أنه أراد الصيام الشرعي؛ لتقدم الإخلاص بأحد شرطي الصوم؛ فكذلك هاهنا. وأيضا فلو سلم لهم هذا في صيام هذا اليوم أنه صوم شرعي بعد دخول اليوم فاستحال أن تثبت له النية قبل العلم بشروعه؛ فصار محل المأمورين به محل أهل قباء حين أخبرهم المخبر بتحويل القبلة عن الشام إلى الكعبة وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة، ولم يوجب ذلك أن القصد

стр. 143

بها عند الدخول فيها لا يلزم كذلك ها هنا. وأيضاً فإن صوم عاشوراء لما نسخ لم يجز القياس عليه؛ لأن رمضان وغيره يكون حينئذ فرعاً له ومعتبراً به؛ فلا يجوز أن يبطل حكم الأصل ويثبت حكم الفرع. وتعلقهم بقوله ﷺ : «وإنما لامريء ما نوى» لا يصح؛ لأن النية إنما تكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها؛ لأن الفعل إذا انقضى لم يصح أن ينوى من بعد. واعتبارهم بالنية قبل الفجر بعلة أنه ناو لصيامه غير صحيح؛ لأنه إذا نوى في بعض اليوم فهذه النية لا تتناول ما مضى؛ فلم يكن ناوياً لصيامه، وينتقض بالنذر والقضاء وبالنية في أمس اليوم وعلى أن المعنى في الأصل تقدم النية على الفعل (المنوي). واعتبارهم بالتطوع غير مسلم؛ لأن الباب عندنا واحد في الموضعين. وقولهم: لأن النية حصلت أكثر نهاره كما لو قدمها من الليل غير صحيح؛ لأنه إذا قدمها من الليل لم نقل إنها حصلت أكثر نهاره؛ لأنها قد استوعبت النهار كله، وإنما تغير هذه العبارة ما لم تستوعب، على أن المعنى في ذلك ما ذكرناه من تقدم النية على العمل المنوي، والله أعلم. فصل واستدل أصحاب الشافعي على جواز ذلك في التطوع بقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾، والنافلة فعل خير.

стр. 144

وما روى طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل علي َّ قال: «هل عندكم من طعام؟» فإذا قلنا: لا قال: «إني صائم». وروي: «إني إذاً صائم». وإذا للاستقبال. وروي: «إني إذاً لصوم». وروي: «إني ابتديء فأصوم». وهذه كلها نصوص في موضع الخلاف. وروى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم. ولأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال؛ فأشبهت النية قبل الفجر. ولأن [النفل] قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض؛ بدليل سقوط الكفارة عن الفطر عامداً في صيام التطوع ووجوبها في الفرض، وجواز صلاة النفل على الراحلة ومنع ذلك في الفرض. ولأنها عبادة يجمع جنسها فرضاً ونفلاً يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة؛ وذلك أن الصلاة فرق بين فرضها ونفلها في استقبال القبلة والصلاة في الجلوس.

стр. 145

ولا فرق بين تنفل الصوم وفرضه إلا ما ذكرناه في النية. والأصل في هذا ما قدمناه [ق/ ٣٢ أ] من الظواهر والأقية في صوم الفرض. وأيضا لأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل. أصله: الفرض. ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن يستوي حكم نفلها وفرضها من وقت النية. أصله: الصلاة والحج. ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها؛ فوجب ألا تتأخر النية عن بعض فعلها اعتبارا بالصلاة. فإن قيل: المعنى في الصلاة أنه يجوز التراخي في تقديم النية على فعلها فلم يجز أن تتأخر عنها. وليس كذلك الصوم. لأنه يجوز أن يتراخى بين النية وبين وقت فعله فجاز أن تتأخر عن ابتدائه. قيل له: إن هذا إنما جاز في الصوم من أجل المشقة في مراعاة الفجر، والرخص التي تثبت للمشقة لا يجوز أن يعتبر بها في أحكام تخالف الأصول. ولأنها نية بعد الفجر فأشبهت النية بعد الزوال. ولأن النهار لو كان زمانا تصح فيه نية صيام النفل لصحت فيه نية الفرض اعتبارا بالليل لما صح أن ينوي فيه صوم النفل صح أن ينوي فيه
следующие страницы →