← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قيل له: إن كان قادرا عليه وجب عليه عندكم، وإن كان غير قادر عليه لم يصلح أن يقال: إن شاء تطوع؛ لأنه لا يتطوع بما لا يقدر عليه. ومما يدل على ما قلناه: ما رواه ابن وهب قال: أخبرنا عمر بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر حدثه أن عباد ابن عباد بن عبد الله حدثه أنه سمع عائشة ﵂ تقول: أتى رجلا النبي ﷺ فقال: أصبت أهلي. فقال: "تصدق" قال: والله ما لنا شيء، وما أقدر. قال" "اجلس" فجلس .... ووجه الاستدلال منه: أنه أمره بالتصدق، ولم يأمره بالإعتاق؛ فبطل بذلك الترتيب. ومن جهة القياس: أنها كفارة وجبت عن غير عود ولا إيلاف؛ فكانت على التخيير؛ اعتبارا بكفارة اليمين. فأما الأخبار فقد أجبنا عنها، وأما ما رووه بأن عليه ما على المظاهر فمصروف إلى الأصناف التي تجب على المظاهر. وأما قياسهم على كفارة الظهار بأن فيها صوما هذا بدل ففيه خلافنا؛ لأن وجوب الإطعام كوجوب الصيام عندنا، وترتيبه كترتيبه؛ فليس ببدل له. على أن كفارة الظهار لا تجب بنفس الظهار، بل بأمر آخر وهو العود، وليس كذلك مسألتنا؛ لأن الكفارة هاهنا تجب بنفس الفطر. وقولهم: لأنه صوم تبع العتق شرعا لا نسلمه.

стр. 282

وقولهم: أردنا به ورود الأخبار بالصوم بعد العتق باطل من وجهين: أحدهما: إن هذا لا يوجب أن يكون الصوم تبعا للعتق. فإن قالوا: هذا الذي أردناه. وقيل لهم: لا ننكر أن تكونوا أردتم شيئا وعبرتم عنه بغير عبارته وبما يفيد غير معناه؛ فلا يلزمنا قبوله. والوجه الآخر: إن الأخبار قد وردت أيضا بالتساوي بين الصوم والعتق؛ فلم يكونوا بأن يقولوا: إن الصوم تبع العتق في الشرع لأجل أخبارهم بأولى منا أن نقول: لأنه ليس بتبع له؛ لأخبارنا. وقولهم: إن الكفارة إذا بدئ فيها بالأغلظ كانت على الترتيب؛ فالبداية إذا لم تكن بحرف الترتيب لم توجب الترتيب. ويبطل بكفارة الصيد؛ لأنه بدئ فيها بالهدى، وهو أغلظ من الصيام والإطعام، وهو مع ذلك على التخيير. والله أعلم. فصل فأما اختيار الإطعام: فلأنه أعم منفعة؛ لأن العتق يخص المعتق فقط، والصيام لا منفعة فيه غير الصائم، والإطعام يسقط الفرض وتعم منفعته جماعة المساكين؛ فلذلك استحبه. وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال للذي سأله: "تصدق"؛ فأمره بالإطعام.

стр. 283

مسألة قال ﵀: "وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: وهذا لأن الكفارة إنما تجب لانتهاك حرمة الشهر. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه. مسألة قال ﵀: "ومن أغمي عليه ليلا، فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وهذا لأن عليه أن يدخل في الصوم من حيث يعلمه، ويشعر به، فإذا منعه عن [ق/٦٤] ذلك مانع غير معتاد، ولا مشقة تلحق فيه كالنوم وجب أن لا يصح دخوله فيه؛ لأن النوم معتاد لا يزيل حكم التكليف على الإطلاق، وتلحق المشقة في صرفه، وانتظار طلوع الفجر. وليس كذلك الإغماء. ويبين ذلك أن الإغماء لا يلزم معه قضاء الصلوات الفوائت. وليس كذلك النوم؛ فثبت أنه أخف حكما من الإغماء. والله أعلم.

стр. 284

مسألة قال ﵀: "ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته". قال القاضي- ﵀: قد ذكرنا هذا في كتاب الصلاة، وبيناه بما يغني عن إعادته. مسألة قال ﵀: "وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه، ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وذلك لما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة؛ فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل. فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم". وروى المقبري عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله فيه حاجة أن يدع طعامه وشرابه". وروى عمرة بن أبي عمرة عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش،

стр. 285

ورب قائم حظه من قيامه السهر". فثبت بهذه الأخبار أن الإنسان مأمور بحفظ لسانه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والزور، وقول الهجر، وغير ذلك مما في معناه. فإن فعل شيئا من ذلك فقد أساء، وصومه ماض، وهو قول كافة الفقهاء، إلا ما حكي عن الأوزاعي إن صح عنه أنه قال: إن فعل ذلك فقد أفطر؛ لقوله ﷺ : "خمس يفطرن الصائم"؛ فذكر فيهن الغيبة والنميمة والكذب. وهذا عندنا على وجه التغليظ والمجاز. ومعناه، سقوط الثواب بذلك عليه إن كان جنس لا يفطر المباح منه لم يفطر محظوره؛ كالقبلة، واللمس باليد، وكذلك الضرب باليد، وما أشبهه. ويشهد لذلك من العكس أن كل ما أفطر مباحه فطر محظوره كالزنا ووطء الزوجة. وقد ثبت أن مباح الكلام لا يفطر؛ فكذلك محظوره. والله أعلم.

стр. 286

مسألة قال ﵀: "ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا بمباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك في ليله". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: أما الوطء: فلا يجوز للصائم بوجه كما لا يجوز له الأكل والشرب؛ لأن ذلك لو جاز لجاز له الفطر. فأما ما دون الوطئ من المباشرة للذة بالتقبيل وغير ذلك فإنه يكره له أيضا؛ لأنه من دواعي الوطئ؛ فلا يؤمن أن يؤديه إلى إفساد الصوم فإن فعل ذلك وسلم فلا شيء عليه وغن كان قد غرر؛ لأن ما يخاف منه إفساد الصوم فقد سلم منه. وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: كان رسول الله يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وتضحك. وروى الأغمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه. وكان مالك يقول: بلغني أن عائشة كانت تقول إذا ذكر لها أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ .

стр. 287

وقد روي كراهة ذلك عن قوم من الصحابة والتابعين. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس سئل عن القبلة للصائم فرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينهي عن القبلة والمباشرة للصائم. وذكر مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: لم أر القبلة تدعو إلى خير. فأما قوله: ولا يحرم ذلك عليه في ليله: فلأنه ليس بمعتكف ولا محرم، وإنما يستوي منع ذلك في الليل والنهار للمعتكف والمحرم، إلا أن المحرم لا يبطل إحرامه بالقبلة والمباشرة للذة إذا سلم، والمعتكف يبطل اعتكافه بذلك؛ وبين ذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله ﴿فالآن باشروهن﴾ فقال أهل التفسير: إنه كان في أول الإسلام إذا صليت العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء إلى الليلة الأخرى. وقالوا: إن رجلا وطئ امرأته وكان قد أعفى، وفيه نزلت هذه الآية

стр. 288

مسألة قال ﵀: "ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء". قال القاضي ﵀: قد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه. مسألة قال ﵀: "ومن التذ في نهار رمضان أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: أصحابنا يقولون: إن هذا استحباب، وليس بإيجاب. ووجهه هو جواز أن تكون القبلة حركت المني عن موضعه. فأما إن سلم من ذلك فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا، ولأن ما يوجب الوجوء لا يقع به الإفطار كاللمس للذة والبول. مسألة قال ﵀: "وإن تعمد ذلك [ق/٦٥] حتى أمنى فعليه الكفارة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وهذا لأنه قاصدا للإفطار في رمضان من غير عذر فكان كالواطئ. وقد ذكرنا هذا؛ فلا معنى لإعادته. مسألة قال ﵀: "ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 289

وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به. والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن قام في بيته [وهو] أحسن لمن قويت نيته وحده. وكان السلف يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام. ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر. وكل ذلك واسع. ويسلم من كل ركعتين. وقالت عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: أما الفصل الأول: فإنه لفظ النبي ﷺ رواه مالك وغيره عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ وصدر من خلافة عمر ﵁.

стр. 290

وروى سفيان عن أبي سلمة عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من صلى رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". وقوله: إن قام بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به، فلأن الصلاة قربة وفعل خير، ومن أفضل الأعمال، وأفعال القرب والطاعات يرجى بها التكفير والعفو. والأصل في قيام رمضان ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ . فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان. وروى داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ يعني: رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت الليلة السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل. قال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة" فلما كانت الرابعة لم يقم بنا. فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: وما

стр. 291

الفلاح؟ قال: السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا ليلة وشد المئزر، وأيقظ أهله. وروى ابن وهب قال: أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وإذا ناس يصلون في ناحية المسجد فقيل: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ : "أصابوا، ونعم ما صنعوا". وقوله: إن كانوا في المسجد قياما؛ فلأن النبي ﷺ صلى التراويح بأصحابه في المسجد جماعة وكان هو إمامهم. وكذلك روى من حديث أبي بن كعب. وكذلك جمع عمر ﵁ بالناس، وكافة السلف. وقوله: إن من قوى أن يصليها في بيته فذلك حسن؛ فلما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا ابن أبي أويس عن سالم عن أبي النضر عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة المرء في

стр. 292

بيته أفضل من صلاته في جماعة إلا المكتوبة". وقد نبه الله تعالى على ذلك في آية الصدقة حيث قال: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾. فكان ذلك أصلا في انتفاء كل ما يفعله الإنسان من التطوع مما ينفرد به دون الناس. قال أصحابنا: ولأن في ذلك سلامة من الرياء والسمعة؛ فهو أفضل. وقد روى ما ذكرناه عن جماعة من السلف. وقال مالك: وليس كل الناس يقوى على ذلك؛ قد كان ابن هرمز ينصرف يقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد واحد ينصرف ولا يقوم مع الناس. فأما المختار من القيام عندنا فهو ستة وثلاثون ركعة سوى الوتر. قال مالك: بعث إلى في أن ينقص من ذلك فنهيت عن ذلك، ومنعت منه. وقد كان الناس يقومون بعشرين ركعة، والذي ذكرناه هو فعل أهل المدينة، وذلك أقوى عندنا من غيره، وسيما إذا لم يكن شيئا باجتهادهم. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع قال: لم أر الناس إلا وهم يقومون تسعا وثلاثين ركعة، ويوترون منها بثلاث. فأما تطوع النبي ﷺ وما ذكر عن عائشة رضوان الله عليها فقد ذكرناه فيما سلف بما يغنى عن إعادته. وبالله التوفيق.

стр. 293

كتاب الاعتكاف [ ق/٦٦] مسألة قال ﵀: "والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف: الملازمة" قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: وهذا لما روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعله. وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وقوله: ﴿طهرا بيتي للطائفين والعاكفين﴾. فأما معنى الاعتكاف: فهو الملازمة واللبث. والعكوف: اللزوم. ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ أي: ملازمون

стр. 294

وقوله: يعكفون على أصنام لهم. أي: يلازمون. وقولهم: (قد عكف فلان على عمله) معناه: قد أقبل عليه ولازمه. وهو أشهر في اللغة من أن يذكر فيه أكثر من هذا. مسألة قال ﵀: "ولا اعتكاف إلا بصيام". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: هذا قول أصحابنا جميعا، وهو قول القاسم بن محمد وناف، وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق ﵃ أجمعين. وذهب الشافعي ﵀ إلى أن الاعتكاف ليس من شرطه الصيام. والدلالة على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. ووجه الاستدلال من هذا هو أن هذا خطاب للصائمين؛ لأن أول الآية استفتح بها الخطاب للصائمين؛ وما بعد ذلك من الخطاب عطف عليه؛ وذلك أنه تعالى قال: ﴿أجل لكم الصيام الرفث﴾ إلى قوله: ﴿فالآن

стр. 295

باشروهن﴾ إلى قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وكان في صدر الإسلام إذا نام الإنسان منع من الأكل والشرب والجماع، فلحق الناس في ذلك مشقة؛ فأصاب بعض الصحابة ذلك والقصة معروفة؛ فنسخ الله تعالى ذلك بقوله سبحانه: ﴿فالآن باشروهن﴾، ثم عطف عليه قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فبين أن تلك الإباحة هي لمن كان صائما غير معتكف؛ فلو كان الاعتكاف يصح بغير صوم لم يكن لقصر الخطاب بالمنع من ذلك على الصائمين معنى؛ لأن من يخالفنا لا يفرق في ذلك بين أن يكون المعتكف صائما أو غير صائم؛ فثبت بما قلناه أن الصوم شرط في الاعتكاف. ويدل على ذلك أيض ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا بصيام". وهذا نص. فإن قيل: لا دلالة في هذا الظاهر؛ لأن النفي تعلق بوجود؛ وذلك أن الاعتكاف يوجد وإن لم يقارنه صوم؛ فإذا المراد نفى حكم من أحكام الاعتكاف، وذلك الحكم غير مذكور يحتمل أن حمله الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال فليس لكم حمله على أحدهما إلا ولنا حمله على غيره.

стр. 296

فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: إن النفي تعلق بنفس الاعتكاف لا بحكم من أحكامه؛ لأن قوله: (لا اعتكاف) نفى الاعتكاف الشرعي. ونحن نقول: إن اللبث في المسجد وإن كان بنية الاعتكاف إذا لم يقارنه صوم فليس باعتكاف شرعي؛ فبطل هذا السؤال. والجواب الآخر: هو أن المقصود بهذا اللفظ كون الشيء شرطا فيما علق به وإن كان لفظه النفي فليس المقصد النفي؛ إذا الشرع ليس هو للنفي وإنما هو الثبات إلا أن يراد بلفظ النفي الإثبات على ما بيناه. وإنما يعبر عنه بلفظ النفي لكونه آكد في الكشف عن الغرض المقصود؛ فكأنه ﷺ قال: الصوم شرط في الاعتكاف. وإذا صح بطل ما قالوه. ويدل على ذلك أيضا ما رواه عبد الله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم". هذا أمر فهو على وجوبه. ويدل عليه ما قاله أصحابنا إن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص؛ فوجب أن لا يكون قربة بمجرده دون أن ينضم إليه معنى آخر قربة في

стр. 297

نفسه. دليلة: الوقوف بعرفة. فقال المخالفون: نحن نقول بموجب هذه العلة؛ وهو أنه لا يكون قربة بمجرده إلا بالنية. فأجاب أصحابنا بأن النية على انفرادها ليست قربة؛ لأنها من شرط كل قربة لبثا كان أو غيره. فإن قيل: فكذلك الإحرام الذي ضم إلى الوقوف بعرفة ليس بقربة في نفسه. قيل له: بل هو قربة؛ بدلالة أنه قد تعلق به أحكام الشيء الذي أحرم به. وقد اعترضوا فقالوا بعكسه فتقول فوجب ألا يكون من شرط صحته الصوم. أصله: الوقوف. والجواب: أن الوصف لا يؤثر في هذا الحكم؛ لأن اللبث ليس من شرط الصوم سواء كان في موضع مخصوص عندهم أو غير مخصص. ويدل على ذلك أيضا أنا قد اتفقنا على أن لزوم الاعتكاف بالنذر وكل عبادة لزمت بالنذر فلا بد أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع؛ كالصلاة والصيام، وكل ما لا يلزم بالنذر لم يلزم هذا فيه؛ كالمشي في الأسواق وغيره. وإنما صح لزوم الاعتكاف بالنذر ولم يكن من جنسه ما هو واجب

стр. 298

بأصل الشرع علم أنه إنما وجب بالنذر لا من شرط صحته ما هو واجب بالشرع؛ وهو صوم. فإن قيل: ينتقض بالعمرة تلزم بالنذر، وليس من جنسها ما هو واجب بأصل الشرع. قيل له: من جنسها الحج، وهو واجب بأصل الشرع [ق/٦٧] فإن قيل: الوقوف بعرفة من جنس الاعتكاف، وهو واجب بأصل الشرع. قيل له: الوقوف ليس باعتكاف، ولا له أحكام الاعتكاف. واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وهذا منتظم لكل معتكف. فالجواب: أنا لا نسلم أن غير الصائم معتكف اعتكافا شرعيا. فإن قيل: حقيقة الاعتكاف هو اللبث واللزوم. قيل له: قد انتقلنا عن حقيقة في اللغة إلى أحكام تثبت له في الشريعة فمنها: لزوم جنس مخصوص، وتحريم أشياء تنضم إلى اللبث، ولبث في مكان مخصوص، وغير ذلك؛ فلا يجوز التعلق بالاسم في اللغة. قالوا: وروى طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه". فالجواب أن ظاهر هذا أنه ليس عليه صوم لأجل الاعتكاف، ونحن

стр. 299

كذلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف، ونحن كلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف أن يكون في صوم، سواء كان لنفسه أو لغيره، وليس يلزم مريد الاعتكاف أن يفرده بصوم له. فإن قيل: ألستم توجبون عليه إذا نذر اعتكاف شهر أن يصوم ذلك الشهر؟ قيل له: بلى. فإن قال: فقد جعلتم عليه أن يصوم للاعتكاف. قيل له: هذا خطأ؛ لأنه لو أراد أن يصوم ذلك الشهر قضاء أو تطوعا أو عن نذر لجاز له هذا على قولنا. فأما على قول عبد الملك فلا يجزئه إلا أن يصومه للاعتكاف. قالوا: وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن أبيه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك". فوجه الدلالة منه أن الاعتكاف يصح بالليل؛ ذا يقتضي أن الصوم ليس من شرطه. فالجواب أنه يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة بيومها؛ لأن العرب تعبر عن الأيام بالليالي؛ ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾؛ يريد بأيامها.

стр. 300

على أن ذلك قد روى من طريق آخر أيضا. وأيضا فإنا قد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "أوف بنذرك وصم". واعتكاف الليل يصح عندنا مع النهار على وجه التبع. وقالوا: روى أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال؛ وهذا يقتضي أن يكون اعتكف يوم الفطر، وصم يوم الفطر غير جائز، ولا يصح اعتكافه عندكم. فالجواب أن اللفظ إذا أطلق وجب حمله على عادة الاستعمال وعلى ما ينفيه دليل العرف، وقد علمنا أنه ﷺ لا يترك أن يصلي العيد مع أصحابهن ويتشاغل بالاعتكاف وغير ذلك مما يتعلق بأحكام العيد؛ فعلم أن قصد الراوي بتركه الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أن الاعتكاف في العشر الأوائل من شوال دون بيان أول وقت الاعتكاف من العشر. وأيضا فقد دل الدليل بما ذكرناه أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم؛ فحملنا قوله: اعتكف العشر الأول من شوال على ما عدا يوم العيد، أو أنه دخل معتكفه قبل غروب الشمس من يوم الفطر بما قدمناه. قالوا: ولأن الليل زمان يصح الاعتكاف فيه؛ فجاز أفراده بالاعتكاف فيه. أصله: من النهار. فالجواب: أنا لا نسلم هذا الإطلاق؛ لأن الليل إنما يصح الاعتكاف فيه

стр. 301

على طريق التبع للنهار؛ فحاله مع النهار كحال الخروج من المسجد لحاجة الإنسان مع حال اللبث في المسجد في أنه يكون معتكفا في ذلك الحال على وجع اتبع، واستصحاب حكم الاعتكاف. وقولنا إنه زمان يصح فيه الاعتكاف يفيد أنه يصح اعتكافه بنفسه لا على اتبع لغيره؛ ويبين ذلك أن جوابنا لمن قاس الكون في غير المسجد على الكون في المسجد بهذه العلة فقال: لأنها حال يصح فيها الاعتكاف فكانت كحال اللبث في المسجد كجوابنا في مثل مسألتنا. قالوا: ولأن كل عبادة صح استفتاحها بغير صوم صح استدامتها بغير صوم كالصلاة. فالجواب أن الاستفتاح الذي يعنونه إنما يصح عندنا على طريق اتبع كحال الخروج من المسجد مع حال الكون فيه؛ فلا يصح أن يعتبر حكم المتبوع الحقيقة بحال ما هو تبع له، ومشبه به على غيره تحقيق. قالوا: ولأنها عبادة من شرطها المسجد؛ فوجب ألا يكون من شرطها الصوم. أصله: الطواف. وهذا غير صحيح؛ لأن قولهم: من شرطها المسجد يفيد أن المكلف أن يوقعه في المسجد، وأنه إن أوقعه في غير المسجد فقد أتى به خلاف شرطه، والطواف بالنية لا يكون إلا في المسجد؛ فليس سبيل ذلك سبيل الاعتكاف في الصوم؛ لأنه لا يتصور إيقاعه في غير المسجد؛ فلا يصح أن يوصف ذلك بوجوبه على المكلف أو انتفاء وجوبه.

стр. 302

على أن المعنى في الطواف جواز وقوفه في أقل من يوم، وليس كذلك الاعتكاف. قالوا: ولأنه لو كان الصوم شرطا في الاعتكاف لم يصح الاعتكاف في رمضان؛ لأن صومه واجب بأصل الشرع. وهذا لا معنى له؛ لأنا لم ينقل إن الاعتكاف لا يصح إلا في صوم يقصد به، وإنما قلنا: إن من شرطه ألا يكون إلا في صوم؛ أي صوم كان. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "ولا يكون إلا متابعا". قال القاضي [ق/٦٨] ﵀: يعني إذا كان الاعتكاف أياما فإن أوجب ذلك على نفسه متتابعا وجب التتابع لا كلام، وإن أطلق فإن الإطلاق يفيد التتابع أيضا؛ ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا شهرا أو عشرة أيام لكان إطلاق ذلك يفيد التتابع، إلا أ، ينوي التفرقة فيكون ذلك معنى زائدا على الإطلاق. مسألة قال ﵀: "ولا يكون إلا في المسجد كما قال الله سبحانه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:

стр. 303

وهذا لقوله: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. ولأن رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه أنه اعتكف في غيره، ولا خلاف في ذلك. غير أن أبا حنيفة جوز للمرأة أن تعتكف في بيتها. قال: لأنها عورة، وكونها في بيتها أستر لها، ولها في خروجها بذلة؛ فكانت معذورة في تركه كما عذرت في ترك صلاة الجماعة. والدلالة على ما قلناه قوله : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فوصف الاعتكاف بكونه في المسجد. ولأنه اعتكاف شرعي؛ فكان من شرطه المسجد كاعتكاف الرجل. ولأن شخص معتكف؛ فأشبه الرجل. ولأن ما هو شرط في صحة العبادة لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيه. أصله: الصوم في الاعتكاف، والطهارة للصلاة. وما قالوه من أن العذر فإنما يؤثر في ترك الفضيلة. لا فيما كان شرطا في العبادات. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "وإن كان في بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة".

стр. 304

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: هذا إذا كانت أيام اعتكافه لا يتهللها يوم الجمعة جاز الاعتكاف في أي مسجد شاء؛ لأن من شرطه ألا يكون إلا في المسجد، وليس في شرطه أن يكون في مسجد مخصوص؛ كما أن من شرطه أن يكون في صوم، وليس من شرطه أن يكون في صوم مخصوص. ويدل على ذلك ما احتج به مالك ﵀ من قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. قال: فعم المساجد كلها، ولم يص منها شيئا، ولا خلاف أعلمه في ذلك. فأما إذا كانت أياما تلزمه فيها الجمعة، وكان ممن تجب عليه الجمعة، أو في بلد يلزمه فيه الجمعة فلا يجوز له الاعتكاف إلا في الجامع، لا من أجل أن الاعتكاف لا يجوز في غيره من المساجد، لكن لأنه متى لم يعتكف فيه أدى إلى أحد أمرين ممنوعين: إلا أن يخرج إلى الجمعة؛ فينتقض بذلك اعتكافه؛ لأنه لا يجوز له الخروج إلا لحاجة الإنسان أو لما لعله أن تدعوه الضرورة إليه من شراء طعام وغيره، أو أن يتم على اعتكافه فيترك الجمعة، ووجوبها آكد من الاعتكاف. فكان الوجه في ذلك ما قلناه من أن يبتدئ الاعتكاف في المسجد. والله أعلم.

стр. 305

مسألة قال ﵀: "وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام". قال القاضي ﵀: إنما قال هذا؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ اعتكف أقل من عشرة أيام؛ فلذلك كره الاقتصار عنها. فأما الواجب فهو يوم كامل؛ لأنته أقل زمان يصح فيه الصوم على ما بيناه. مسألة قال ﵀: "ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه". قال القاضي ﵀: هذا لأنه زمان يصح فيه الصوم؛ فلزم الاعتكاف فيه بالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا العقود﴾. ولأن النبي ﷺ قال لعمر وسأله عن نذره الاعتكاف: "في بنذرك وصم". مسألة قال ﵀: "وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة". قال القاضي ﵀: من أصحابنا من قال: لا يلزمه شيء، ومنهم من قال: يلزمه يوم وليلة. فإذا قلنا: لا يلزمه شيء؛ فلأنه بمنزلة من نذر صوم الليل؛ فلا يلزمه.

стр. 306

وإذا قلنا يلزمه؛ فلأن الليلة قد يعبر بها عن يومها. يبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾. وأقل الأمور أن يكون محتملا فيحمل على الوجه الذي تقتضيه الشريعة. مسألة قال ﵀: "ومن أفطر فيه معتمدا فليبتدئ اعتكافه، وكذلك [إذا] جامع فيه ليلا ونهارا، ناسيا أو معتمدا". قال القاضي- ﵀: أما إذا أفطر عامدا فإنه يستأنف؛ لأنه قد اختار قطع التتابع، ومن شرطه أن يكون متتابعا؛ على ما بيناه. وإذا أفطر ناسيا مضى وبني على اعتكافه؛ لأنه لم يختر قطع التتابع، وإنما أفطر لعذر؛ فهو يستأنف، بالمرض والحيض. وإذا كان ذلك بنى ولم يستأنف؛ ألا ترى أن هذه الأعذار إذا طرأت في صيام شهري التتابع يجاز معها البناء، ولم يلزم الاستئناف؟ فأما في فساد الصوم فيستوي حكم المفطر المتعمد وغيره مع العذر وعدمه؛ على ما بيناه في كتاب الصوم، وإنما يختلف الحكم في البناء والاستئناف. وكذلك الاعتكاف يفسد بالأكل أو الجماع بالسهو والعمد، إلا أن في

стр. 307

السهو يبقى في المسجد على حكم المعتكف كما يمسك الآكل ناسيا في الصوم بقية النهار وإن كان صومه قد فسد بالأكل. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "فإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح بني على ما تقدم. وكذلك إن حاضت المعتكفة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وهذا لأن المرض عذر يجوز معه [ق/٦٩] الإفطار والخروج من المسجد، وكذلك الحيض. ولا معنى لكونه في المسجد؛ لأنه عذر يجوز له الفطر في الظاهر والباطن. وليس كالنسيان؛ لأن المفطر ناسيا يبقى في المسجد؛ لأنه معذور في الظاهر، وليس عذره كعذر المريض، ولأن إقامته في المسجد تضر به، لأنه يحتاج إلى علاج ومراعاة وغير ذلك مما لا يجوز أن يفعل في المسجد. وكذلك الحائض لا يجوز لها دخول المسجد لو لم تكن معتكفة؛ لان الحيض يمنع من ذلك؛ فكذلك إذا كانت معتكفة. فإذا زال عذرهما بزوال المرض وانقطاع الحيض بنيا على ما تقدم؛ لأن

стр. 308

العذر لا يمنع البناء؛ على ما بيناه. فإن أخرا ذلك استأنفا؛ لاختيارهما قطع التتابع. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض". قال القاضي ﵀: يعني أنه لا يجوز أن يفعلا ما كانا ممنوعين منه في الاعتكاف مما لا يقتضيه عذرهما الذي هو المرض والحيض، فمتى فعلا ذلك لم يجز لهما البناء واستأنفا؛ كالآكل لماسيا في اعتكافه فإنه يقضي وبيني، فمتى قبل أو باشر بطل اعتكافه واستأنف؛ فكذلك المريض والحائض. مسألة قال ﵀: "فإذا طهرت الحائض، أو أفاق المريض من مرضه في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد". قال القاضي ﵀: وهذا لأن عذره الذي جاز له معه الخروج من المسجد قد زال، فوجب عليه الرجوع إلى المسجد. فإن أخر ذلك استأنف على ما بيناه. مسألة قال ﵀: "ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا

стр. 309

لحاجة الإنسان". قال القاضي- ﵀: هذا لأن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد؛ فلا يجوز للمعتكف الخروج منه. فأما إذا أراد الحاجة فإنه يجوز له الخروج للضرورة التي لا يمكن دفعها ولا الاحتراز منها. والأصل في ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إنسان. مسألة قال ﵀: "وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يرد أن يبتدئ فيها اعتكافه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وهذا ليستوفي الليلة بيومها في الاعتكاف؛ لأن أقل الاعتكاف المستحب هو اليوم والليلة. فأما الواجب فهو أن يدخل قبل طلوع الفجر في وقت يمكنه أن ينوي الصوم فيه؛ لأن الاعتكاف لا يصح إلا بصيام؛ على ما بيناه. مسألة قال ﵀: "ولا يعود مريضا، ولا يصلي على جنازة،

стр. 310

ولا يخرج لتجارة". قال القاضي أبو محمد عبد لوهاب بن علي ﵀: وهذا لأن من شرط الاعتكاف المسجد؛ فلا يجوز الخروج إلا لضرورة حاجة الإنسان، أو للطعام والشراب إذا لم يجد من ينوبه عنه فيه. والأصل في ذلك ما رويناه عن النبي ﷺ أنه إذا اعتكف كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان. مسألة قال رحمه القاضي ﵀: "ولا شرط في الاعتكاف". قال القاضي ﵀: وهذا كما قال: لا يجوز للمعتكف أن يشترط خروجه من اعتكافه لعارض أو غيره. وقال الشافعي: يجوز ذلك. والدلالة على ما قلناه: قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". ولأنها عبادة اشتراط فيها خلاف موجب عقدها المطلق ونقيضه فوجب ألا يصح؛ اعتبارا بالصلاة والصيام.

стр. 311

مسألة قال ﵀: ولا بأس أن يكون [في] إمام المسجد". قال القاضي ﵀: هذا لأن ذلك لا ينافي الاعتكاف ولا يخالف موجبه؛ فجاز فعله. وكذلك كل فعل لا ينافي الاعتكاف ولا يقطعه عن موجبه فجاز فعله. ولأن الصلاة من فعل الاعتكاف ومن موجبه ومن صفة المعتكف. وليس في كون المعتكف إماما ما يمنع ذلك؛ فجاز فعله. مسألة قال ﵀: "وله أن يتزوج، ويعقد نكاح غيره". قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: هذا لأن العبادات كلها سوى الإحرام والعدة لا تمنع عقد النكاح ولا الولاية فيه؛ كالصيام والوضوء وعبادات الكفاية وغير ذلك؛ فكذلك الاعتكاف. والفرق بين الاعتكاف والإحرام أن الإحرام يمنع التطيب؛ فمنع عقد النكاح كالعدة. وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه لا يمنع التطيب فلم يمنع عقد النكاح كسائر العبادات. فأما الظواهر فإنها مطلقة في إباحة عقد النكاح في الأحوال كلها إلا ما

стр. 312

خصه الدليل كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، ولم يخص حال الإحرام والاعتكاف؛ فقامت الدلالة في الإحرام، ولم تقم في الاعتكاف. مسألة قال ﵀: "ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: وهذا لأنه لا يجوز له الخروج إلا بمقتضى مدة الاعتكاف. وانقضاؤها هو بخروج آخر النهار؛ لأن بغروب الشمس يخرج وقت الصوم، ومن شرط الاعتكاف الصوم، فما دام [ق/٧٠] وقت الصوم باقيا فهو معتكف، ولا يجوز له الخروج منه. مسألة قال ﵀: "وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى". قال القاضي ﵀: هذا على طريق الاستحباب دون الوجوب ليتصل العملان والفراغ منهما، وكذلك روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعل. ولأنه إذا رجع إلى أهله لم يترفه بالقدر الذي يحصل عنهم إلى وقت

стр. 313

خروجه لصلاة العيد. والمبيت في المسجد قربة وفعل خير وذكرا لله تعالى؛ فاستحب أن يصله بالاعتكاف. فإن لم يفعل ذلك جاز إذا انصرف بعد غروب الشمس، لزوال مدة اعتكافه. والله أعلم.

стр. 314

كتاب: الزكاة باب: في زكاة العين، والحرف، والماشية، وما يخرج من المعدن، وما يؤخذ من تجارة أهل الذمة والحربيين . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أعلم أن معنى الزكاة في اللغة: النماء والزيادة. يقال: زكى المال يزكو إذا نما وزاد، وزكى الحرث إذا حسن وزاد وكثر ريعه، وفلان زكى أي: كثر الخير. والأصل في وجوب الزكاة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. وقد سميت في الشرع بغير اسم؛ فمن أسمائها: الزكاة، والحق، والنفقة، والصدقة، والعفو، وغير ذلك. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾؛ ففي هذا دليلان: أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر على الوجوب. والآخر: أنه قرنها بالصلاة وهي من أركان الشرع؛ فكان ظاهر ذلك يقتضي تساويهما. وبهذه الطريقة احتج أبو بكر الصديق ﵁ على من ناظره في قتال العرب حين منعت الزكاة فقال: (لا أفرق بين ما جمع الله)؛

стр. 315

يريد أن القتال على الزكاة كالقتال على ترك الصلاة. وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾. وهذا من آكد ما يدل على وجوب الشيء إذا قرن بالتهديد والوعيد. وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. فشرط في المنع من قتلهم مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وهذا يدل على أن بعض هذه الأمور إذا انخم فالأمر بقتلهم باق. وذلك دال على وجوب جميعها. وقال : ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فشرط في كونهم من أهل الدين أداء الزكاة؛ فدل ذلك على وجوبها. وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. يعني: الزكاة الواجبة فيه؛ فتسمى الزكاة حقا. وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقيل: بل هو حق كان في المال غير الزكاة فنسخته الزكاة. وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ فأخبر أنه أمرهم بالزكاة كما أمرهم بالصلاة.

стр. 316

وقوله : ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾. قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج إلى المصلى لصلاة العيد. وممن روى عنه ذلك أبو العالية، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز. وقوله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾. يعني: الزكاة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بها صدقة التطوع. والصحيح هو الأول؛ ويدل على قوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم". وإنما عني به قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وكذلك قوله ﷺ لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم". ويبين ذلك ما روى في الحديث أن العرب لما منعت الزكاة قالوا لأبي بكر رضوان الله عليه: إنا لا نؤدي الزكاة إليك؛ لأن الله يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ قالوا: وهذا خطاب للنبي ﷺ ، ولم ينقل عن أبي بكر إنكار عليهم لتأويلهم هذه الآية في الزكاة، ولا أنه قال

стр. 317

لهم: ليس الأمر على ما قلتم لأن الصدقة التي أمر بأخذها بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. هي التطوع أو صدقة غير الزكاة، بل أقرهم على هذا التأويل، واستعمل معهم مناظرة. وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها﴾ إلى قوله: ﴿ما كنتم تكنزون﴾. فروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتى به وبماله فأحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جنباه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا أتى به وبإبله على أوفار ما كانت يعني يوم القيامة فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها كر عليه أولها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيلة إما إلى الجنة وأما إلى النار. ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أتى به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها رد عليه أولها

стр. 318

وتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولاجلحاء حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال النبي ﷺ "أيما مال أدى [ق/٧١] زكاته فليس بكنز. وروى عن عجلان عن سعيد المقبري قال: باع رجل أرضا له. فقال له عمر: احرز مالك؛ احفر له تحت فراش امرأتك. فقال يا أمير المؤمنين: أليس كنزا؟ قال: ليس كنزا ما أدى زكاته. وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في المال: إذا أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت الأرض السابعة السفلى، وإن لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان على ظهر الأرض. وروى مالك عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يسأل عن الكنز ما هو. قال: المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.

стр. 319

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. وقوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾. فروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: من حبس زكاة ماله جعل له يوم القيامة شجاعا أقرع يطوقه في عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه في كتاب الله : ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾. وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ وقيل في التفسير: المراد به الزكاة. وروى عن جماعة سمن التابعين. فهذا من الكتاب. وأما السنة: فقوله ﷺ : بني الإسلام على خمس ... " فذكر إيتاء الزكاة. وقوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمين: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم".

стр. 320

وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الكتاب. وأما الإجماع: فالخبر المشهور فيما مضى لأبي بكر الصديق ﵁ مع أهل الردة؛ وذلك أن العرب منعت الزكاة فعزم أبو بكر على قتالهم؛ فقال له عمر: أتقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ " فقال له أبو بكر: فالزكاة من حقها يا عمر. والله لو منعوني عقالا- وروى عناقا- مما كانوا يدفعونه إلى النبي ﷺ لجاهدته عليه. فاستقر الإجماع على ذلك. وفي هذه الجملة كفاية فيما ذكرناه. مسألة قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: "وزكاة العين والحرث والماشية فريضة. فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: قد بينا وجوب الزكاة في هذه الثلاثة الأجناس في الجملة، وسنبين ذلك في التفصيل عند البلوغ إلى مواضعها من الكتاب. فأما اعتبار الحول في العين والماشية: فلما رواه ثابت عن أنس قال:
следующие страницы →