Полный текст (831 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وقوله : ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾.
قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج إلى المصلى لصلاة العيد.
وممن روى عنه ذلك أبو العالية، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز.
وقوله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.
يعني: الزكاة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بها صدقة التطوع.
والصحيح هو الأول؛ ويدل على قوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم".
وإنما عني به قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وكذلك قوله ﷺ لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم".
ويبين ذلك ما روى في الحديث أن العرب لما منعت الزكاة قالوا لأبي بكر رضوان الله عليه: إنا لا نؤدي الزكاة إليك؛ لأن الله يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ قالوا: وهذا خطاب للنبي ﷺ ، ولم ينقل عن أبي بكر إنكار عليهم لتأويلهم هذه الآية في الزكاة، ولا أنه قال
стр. 317
لهم: ليس الأمر على ما قلتم لأن الصدقة التي أمر بأخذها بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
هي التطوع أو صدقة غير الزكاة، بل أقرهم على هذا التأويل، واستعمل معهم مناظرة.
وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها﴾ إلى قوله: ﴿ما كنتم تكنزون﴾.
فروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتى به وبماله فأحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جنباه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا أتى به وبإبله على أوفار ما كانت يعني يوم القيامة فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها كر عليه أولها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيلة إما إلى الجنة وأما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أتى به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها رد عليه أولها
стр. 318
وتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولاجلحاء حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال النبي ﷺ "أيما مال أدى [ق/٧١] زكاته فليس بكنز.
وروى عن عجلان عن سعيد المقبري قال: باع رجل أرضا له. فقال له عمر: احرز مالك؛ احفر له تحت فراش امرأتك.
فقال يا أمير المؤمنين: أليس كنزا؟ قال: ليس كنزا ما أدى زكاته.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في المال: إذا أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت الأرض السابعة السفلى، وإن لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان على ظهر الأرض.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يسأل عن الكنز ما هو. قال: المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.
стр. 319
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. وقوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾.
فروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: من حبس زكاة ماله جعل له يوم القيامة شجاعا أقرع يطوقه في عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه في كتاب الله : ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾.
وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ وقيل في التفسير: المراد به الزكاة.
وروى عن جماعة سمن التابعين.
فهذا من الكتاب.
وأما السنة: فقوله ﷺ : بني الإسلام على خمس ... " فذكر إيتاء الزكاة.
وقوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمين: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم".
стр. 320
وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الكتاب.
وأما الإجماع: فالخبر المشهور فيما مضى لأبي بكر الصديق ﵁ مع أهل الردة؛ وذلك أن العرب منعت الزكاة فعزم أبو بكر على قتالهم؛ فقال له عمر: أتقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ " فقال له أبو بكر: فالزكاة من حقها يا عمر.
والله لو منعوني عقالا- وروى عناقا- مما كانوا يدفعونه إلى النبي ﷺ لجاهدته عليه.
فاستقر الإجماع على ذلك.
وفي هذه الجملة كفاية فيما ذكرناه.
مسألة
قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: "وزكاة العين والحرث والماشية فريضة.
فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:
قد بينا وجوب الزكاة في هذه الثلاثة الأجناس في الجملة، وسنبين ذلك في التفصيل عند البلوغ إلى مواضعها من الكتاب.
فأما اعتبار الحول في العين والماشية: فلما رواه ثابت عن أنس قال:
стр. 321
قال رسول الله ﷺ : "ليس من مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
وروى مالك عن محمد بن عقبة عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر ﵁ لا يأخذ عن مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
وروى مثله عن علي بن أبي طالب ﵁.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
ولا خلاف في ذلك إلا ما حكى عن ابن عباس وابن مسعود فيمن ورث مالا أن عليه الزكاة حال ما ورثه من غير اعتبار بحلول الحول عليه.
واستدل لهذا القول بأنه مال مستفاد من غير عوض؛ فلم يعتبر فيه حلول الحول.
دليله: المعدن والثمار والزروع.
والأصل في هذا قوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
وروى: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول".
ولأنه مال مستفاد من مالك متعين تتكرر في عينه الزكاة؛ فأشبه ما يملك بعوض.
فأما المعدن: فإنه مشبه بالزرع.
стр. 322
والمعنى في الزرع والحب أن نماءه يحصل في وقت واحد، وليس كذلك العين
والله أعلم.
مسألة
قال ابن أبي زيد ﵀: "ولا زكاة [في] الحب والثمر في أقل من خمسة أوسق؛ وذلك ستة أقفزة وربع قفيز.
والوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد بمده ﷺ ".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أعلم أن زكاة الحب والثمار يعتبر فيها نصاب معلوم كما يعتبر ذلك في زكاة العين والماشية؛ وذلك النصاب خمسة أوسق، لا زكاة فيما دون ذلك.
هذا قول أصحابنا.
وروى عن جابر بن عبد الله، وأبي قلابة، وسعيد بن المسيب، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن، نوهو قول المشيخة السبعة.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وعند أبي حنيفة أنه ليس هناك نصاب معتبر، وأن العشر أو نصف العشر يجب في القليل والكثير.
واستدل أصحابه بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.
وهذا عام في القليل والكثير.
стр. 323
وبقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾؛ فأصاب الحق إلى جميعه.
وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر".
فعم، ولم يخص مقدارا من مقدار.
وروى أبان بن أبي عياش عن أنس أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله ﷺ لمعاذ: "خذ الحب من الحب" فم ولم يخص.
ولأن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة؛ فوجب [ق/٧٢] سقوط اعتباره في الزرع والثمار؛ اعتبارا بالحول.
ولأنه حق يجب في مال لا يعتبر فيه الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب.
أصله: خمس الغنيمة.
стр. 324
ولأن النصاب وضع للتوقية كالحول، فلما لم يعتبر في الزرع حول فكذلك النصاب.
ولأن النصاب إنما يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزروع لا يتكرر فيها ذلك؛ فلم يعتبر فيها نصاب.
ولأن كل مال اعتبر النصاب في تعلق الحق به فلا بد من حصول عفو فيه في ثاني؛ اعتبارا بالمواشي، فلما لم يكن في الثمار والحبوب عفو بعد الوجوب علم أنه لا نصاب فيها.
ولأنه لو اعتبر في الخارج من الأرض نصاب لوجب أن يختلف النصاب باختلاف أجناس الأموال؛ ألا ترى أنه لما اعتبر النصاب في زكاة العين والماشية كان نصاب المال غير نصاب الماشية، فلما قلتم: إن النصاب خمسية أوسق في الأجناس كلها غير مختلف دل ذلك على أن النصاب غير معتبر فيه.
ولأن العشر يسقط بعدم الانتفاع بالأرض كالخراج، فلما لم يعتبر في وجوب أخذ الخراج نصاب من الزرع؛ فكذلك العشر.
والدلالة على صحة قولنا: ما روى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذو صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد
стр. 325
الخدري عن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة".
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى ابن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوثق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة".
وهذه الأخبار نصوصا في موضع الخلاف.
فإن قيل: إنه لا دلالة في هذه الأخبار على موضع الخلاف؛ لأنه ليس فيها إلا نفي الزكاة والصدقة عن ما دون الخمسة الأوسق، ونحن كذلك نقول: إنه لا زكاة فيه أو صدقة، ولكن فيه العشر أو نصفه، وذلك ليس زكاة عندنا ولا صدقة.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: إن العشر زكاة وصدقة، ونحن ندل على ذلك فإذا ثبت كونه زكاة وصدقة صح الاستدلال بالخبر والذي يدل على ذلك أشياء:
أحدها: إن الذي نفاه عما دون الخمسة الأوسق هو الذي أثبته فيها، فلما كان المثبت فيها هو العشر وجب أن يكون ذلك هو المنفي عما دونها.
стр. 326
والثاني: اتفاقنا على أنه يصرف مصرف الزكوات، ومصرف ربع العشر المأخوذ من الذهب والورق، فدل ذلك على أنه لا زكاة؛ ألا ترى أن الغئ والجزية وعشورة أهل الذمة لما لم يصرف شيء منهم مصرف الزكوات لم تكن زكاة ولا صدقة؟.
والثالث: ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا.
فسمى المأخوذ من النخل والتمر زكاة وصدقة.
والرابع: إن هذا العشر محرم على النبي ﷺ تحريم الصدقة؛ فصح بذلك كونه صدقة.
يبين هذا أن الجزية وعشور أهل الذمة ليست محرمة عليه تحريم الصدقة، وإذا صح أن العشر صدقة وزكاة، وقد ورد الخبر بنفيها عما دون خمسة أوسق بطل ما قالوه.
ويدل أيضا على ما قلناه ابتداء وجوابا عن سؤالهم ما رواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمين: "وما كتب الله على المؤمنين من العشر ما سقت السماء، أو كان سحاء أوكان بعلاء ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما
стр. 327
يسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق".
وروى ابن وهب عن أبيه عن ابن لهيعة عن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﷺ لعمر بن حزم في النخل والزرع قمحه وسلته وشعيره؛ فما يسقى من ذلك له نصف العشر، وما يسقى بالعين أو كان عثريا تسقيه السماء أو كان بعلا لا يسقى العشر، وليس في تمر النخل صدقة حتى يبلغها خرصها خمسة أوسق، فإذا بلغت خمسة أوسق ففيها الصدقة كلها.
فشرط في أخذ العشر أو نصفه بلوغ المأخوذ منه خمسة أوسق.
وروى محمد بن مسلم بن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في شيء من الكرم والنخل والزرع شيء حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الدراهم حتى تكون مائتي درهم".
ومن جهة الاعتبار: لأنه مال تجب فيه الزكاة في عينه؛ فوجب أن يكون في أوله عفوا حتى يبلغ نصابا واحدا؛ اعتبارا بالماشية والعين.
فإن قيل: لما اعتبر في ذلك الحول اعتبر فيه النصاب، وها هنا فالحول غير معتبر؛ فلم يعتبر النصاب.
قيل له: هذا ينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها، والحول غير معتبر.
قياس آخر: لأنه حق يجب في المال يصرف مصرف الزكوات؛ فانقضى
стр. 328
[ق/٧٣] وجوبه نصابا في الابتداء؛ بزكاة الذهب والورق.
وإذا لبث هذا فظواهرهم عامة، وأخبارنا خاصة؛ فوجب القضاء بها عليها.
فأما قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" فعنه جوابان.
أحدهما: أنه قد نقلنا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق" والزيادة مقبوله إذا أتى بها الثقة.
والثاني: أنه مخصوص ما ذكرناه.
قالوا: على هذا الجواب إذا ورد خبران: أحدهما: متفق على استعمال بعضه، والآخر: مختلف في استعمالها كان ما اتفق على استعمال بعضه أولى.
قالوا: وقد اتفقنا على أن خبرنا مستعمل في الخمسة أوسق فما فوقها، وخبركم مختلف في أصله؛ فكان خبرنا أولى.
فالجواب أنا لا نعتبر ما ذكروه، بل يقضى بالخاص على العام؛ على أن خبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو ما رويناه عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيه الزكاة".
وما رويناه عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ .
وجواب آخر: وهو أن المقصود بقوله: "فيما سقت السماء العشر".
стр. 329
بيان القدر المأخوذ، ولم يبين له تحديد المأخوذ منه، ولا بيان أجناسه.
ومن يقول من أصحابنا أن وقف العموم على المقصود واجب؛ فالسؤال ساقط على أصله، ومن لا يقول بذلك يرى هذا الطريق ترجيحا لأحد الخبرين على الآخرين؛ فيحكم به.
وأيضا فإن الترجيح معنا؛ لأنه قد اتفقنا على هذا الاستعمال في نظير مثل أخبارنا؛ وذلك أن النبي ﷺ قال: "في الرقة ربع العشر".
وكان ظاهر ذلك يقتضي عموم الرقة. ثم قال: "ليس فيما خمس أواق صدقة"؛ فحكمنا بخصوص ذلك العموم بهذا الخبر؛ فكذلك يجب أن يكون حكم قوله: "قيما صقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
فإن قيل: إن قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا يجوز أن يكون بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر"؛ لأنه قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا ينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما دون خمسة أوسق صدقة" لاينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما سقت السماء العشر" نظم الموسق وما ليس بموصق. ومن حق البيان أن يككون طبق المبين ووفقه، لا زائد عليه ولا نقصا عنه، ومتى جعلنا قوله "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر" كان ذل عائدا إلى بعض ما شمله العموم، وهو ما يصح أن يكون موسقا دون ما ليس بموسق، وهذا يخرجه عن أن يكون بيانا.
قيل له: لا معنى له؛ لأنه ليس يمتنع أن يكون بيانا لوجوب الزكاة في
стр. 330
الموسق أنه إذا بلغ هذا الحد فالزكاة فيه، وإن أسقطت الزكاة عما عدا الموسق فبديل آخر، فسقط اعتراضهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المنفى بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" هو ما كان واجبا في المال قبل الزكاة من صدقة يأخذها العمال أو غير ذلك مما نسخ بالزكاة.
قيل له: فهذا الضرب من الاحتمال لا ينتقل عن ظواهر الأخبار موجباتها، على أنا روينا نصا: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق"؛ فسقط ما قالوه.
وأما ما رووه عن انس أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره".
فغير معروف ولا محفوظ، وعلى أن طريقه عن رجل مجهول، وليس هو عن انس، ورواه أبو مطيع البلخي وهو مجهول عند أهل النقل
عن أبي حنيفة عن أبان بن أبي عياش وأبان ضعيف عن رجل عن النبي ﷺ وفي هذا ما لا خفاء به.
على أنا لو سلمناه لكان الجواب عنه على ما قلناه؛ وهو أن معناه: إذا بلغ خمسة أوسق؛ بدلالة خبرنا.
فإن قيل: فما الفائدة في هذا التأكيد الذي هو قوله: "في قليلة وكثيره"؟
قلنا: فائدته أنه إذا بلغ هذا الحد وجبت الزكاة فيه، وفيما زاد عليه من
стр. 331
عفو بعد النصاب والوجوب فرقا بينه وبين المواشي التي فيها نصابا وأوقاصا.
فأما قوله صلى الله عليه سلم لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
فالمقصود به أن ما يؤخذ من الشيء من جنسه دون بيان تحديد المأخوذ منه على أنه مخصوص، ولو ثبت عمومه بما ذكرناه.
وقولهم: إن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة فأشبه الحول ينتقض بالإسلام والجزية؛ لأنهما أحد شرطي وجوب الزكاة ومع ذلك معتبرة في الزرع والثمار.
وينتقض على أصلهم بزكاة الفطر؛ لأنه لا تجب عندهم إلا على من يملك نصابا، والحول غير معتبر فيها.
وينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها.
وعلى أن اعتبار النصاب بالحول لا يصح؛ لاختلاف موضوعهما؛ وذلك أن الحول إنما اعتبر ليتكامل نماء المال فيه. وهذا المعنى يحتاج إليه في العين والماشية؛ ليتكامل نماؤها بالتصرف في المال والولادة وزيادة السن في الماشية. وليس كذلك الزرع؛ لأن نماءه يتكامل باستحصاده وبلوغه؛ فلذلك لم يعتبر فيه حول؛ لأن المعنى الذي له نصب الحول معدوم فيه.
وأما النصاب إنما وضع ترفيها لرب المال، وليبلغ المال حدا يحتمل الصدقة [ق/٧٤] ويتسع للمواساة، وهذا ممكن فيما دون الخمسة الأوسق؛ فصح أن يعتبر النصاب في الزرع وإن لم يعتبر الحول.
واعتبارهم بخمس الغنيمة بعلة أنا حق يجب في مال لا يعتبر فيه
стр. 332
الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب ينتقض بالمعنى على أصلنا وزكاة الفطر على أصلهم على الخمس لا يصرف مصرف الزكاة، وليس كذلك العشر.
وقولهم: إن النصاب وضع للترفيه كالحول؛ فإذا سقط أحدهما وجب أن يسقط الآخر: فقد بينا أن الترفيه الذي وضع له النصاب غير الترفيه الذي وضع له الحول بأن قلنا: إن الحول إنما وضع ليتكامل نماء المال، والنصاب إنما وضع ليبلغ حدا يحتمل المواساة؛ فما له أريد الحول لا يحتاج إليه الزرع؛ لأن نماءه يتكامل بلوغه؛ فسقط اعتبار الحول فيه، وبقي الترفيه الذي أريد بالنصاب؛ فلذلك وجب اعتبارهم.
وقولهم: إن النصاب يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزرع لا يتكرر الوجوب فيه فهو قياس عكس غير مردود إلى أصل، على أن المعنى مختلف في الأصلين؛ وذلك أن تكرر الوجوب إنما هو لتكرر النماء واتصاله؛ فلذل تكرر الوجوب.
وليس كذلك الزرع والثمار؛ لأن النماء فيها لا يتكرر؛ فلم يتكرر الوجوب.
وقد علمنا أن تكرر النماء واتصاله لا يؤثر في النصاب؛ فكذلك عدمه.
وقولهم: كل ما اعتبر فيه النصاب فلا بد من عفو بعده قياس عكس
стр. 333
أيضا غير مردود إلى أصل في الطرد، وهو منتقض على أصلنا بزكاة العين؛ لأنه لا عفو فيها بعد النصاب.
على أن ذلك إنما وجب في الماشية؛ لأن المأخوذ منه مختلف غير مقدر، وليس كذلك في الذهب والورق؛ لأنه مقدر بربع العشر.
وكذلك في الحبوب والثمار؛ لأنه مقد بالعشر أو نصفه.
وقولهم: كان يجب أن تختلف النصب باختلاف أجناس الأموال الخارجة من الأرض باطل من وجهين:
أحدهما: أن اختلاف النصب ليس معتبر باختلاف الأجناس؛ لأن نصب الجنس الواحد من المواشي مختلفة مع الاتفاق في الجنس.
والوجه الآخر: أن النصب إنما اختلف لاختلاف القدر المأخوذ من المال. وليس كذلك في الزرع والثمار؛ لأن القدر فيها معروف غير مختلف؛ وهو العشر أو نصفه.
وقولهم: إن العشر يسقط لعدم الانتفاع بالأرض كالخراج إن أرادوا تلف الأرض فالعلة غير صحيحة؛ لأنه إنما يجب عشر زرع قد حصل، فإذا تلف قبل حصوله فلم يجب؛ فلا معنى لأن يقال: سقط وجوبه.
وإن أرادوا بعدم الانتفاع بالأرض كثرة المؤنة ولزوم نفقة على الزرع أضعاف ما يساوى فإن هذا لا يسقط الزكاة عندنا.
على أن طريق الخراج طريق الأجرة، وطريق الزكاة المواساة؛ فموضوع الأمرين مختلف.
وبالله التوفيق.
стр. 334
فصل
فأما قوله: يالوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ .
فلا خلاف في ذل أعلمه، وقد وردت الأخبار عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم بذلك.
وروى عمرو بن مرة عن بي البحتري عن أبي سعيد الخدري، والزهري، وعطاء، والشعبي، وابن سيرين، وإبراهيم، وشريك بن عبد الله القاضي، والحسن بن صالح، وغيرهم.
فصل
"وصاع النبي ﷺ أربعة أمداد بمده ﷺ ".
ومده رطل وثلث بالبغدادي، هذا قول أصحابنا كافة، والشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف لما ناظره مالك ﵀ بحضرة هارون الرشيد.
وعند أبي حنيفة أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال بالبغدادي.
والذي يدل على ما قلناه: أنه قال أهل المدينة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وخلفا بعد سلف أن صاع النبي ﷺ هو الذي ذكرناه.
ومثل هذا النقل لا يجوز عليه الخطأ والغلط، ولا اعتماد الكذب؛ لأن ذلك لا يجوز على بعض عددهم، ولأنه لو حاز ذلك عليهم مع اجتماعهم على نقله لجاز عليهم في تقل القبر والمنبر وما أشبه ذلك حتى كنا نجوز أن يكون قبر النبي ﷺ هو غير هذا الذي نشير إليه اليوم،
стр. 335
وكذلك منبره.
فلما كان هذا غير جائز عليهم، وكان الذي أمننا من ذلك اجتماعهم على نقله مع امتناع التساعف والتواطؤ واعتماد الكذب على مثل عددهم، فكذلك سبيل نقلهم الصاع والمد.
فإن قيل: لو كان سبيل نقلهم الصاع والمد سبيل نقلهم للقبر والمنبر لم يقع فيه خلاف، ولم يجز أن يختلف النقل؛ فيروي أهل المدينة شيئا ويروى غيرهم خلافه؛ كما لم يجز مثل ذلك في نقل القبر والمنبر.
فلما وجدنا الخلاف واقعا في ذلك علمنا أنه ليس بنقل منهم خلفا عن سلف، وإنما هو تقليد لبعض أسلافهم، أو غير ذلك.
فالجواب: إن هذا غير صحيح؛ وذلك أن وقوع الخلاف في الشيء لا يسقط قيام الحجة به؛ ألا ترى أن قائلا لو قال: إن النقل المتواتر لا يوجب العلم الضروري لأنه لو وجب ذلك لم يقع عليه خلاف في المشاهدات والمحسوسات وغير ذلك من الضرورات.
لقلنا له: إن هذا لا يقدح في موضع الحجة؛ لأن دفع الدافع للأمر الذي قد علمت صحته [ق/٧٥] وقامت الحجة به ترك قبول لا يخرجه عن موجبه؛ فكذلك سبيل نقل أهل المدينة إذا كان نقلا متواترا يحتج بمثله؛ فلم يسقط بورود خلاف فيه لا يجري مجراه.
ومثل هذا نقل المصحف المجتمع عليه، وما ورد من القراءات الشواذ التي تخالفه في أنه لا يعتد بها ولا تؤثر في صحة نقل المصحف؛ فبان
стр. 336
بهذا أن وقوع الخلاف في الشيء لا يؤثر في قيام الحجة له.
فإن قيل: فقد نقل أهل الكوفة وغيهم أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال، فإن اختلفت الروايات لم يكن أحدا أولى من الآخر إلا بضرب من الترجيح.
وقد علمنا أنه كان للنبي ﷺ صيعان مختلفة؛ فقال ابن عمر: كنا تخرج صدقة الفطر بالصاع الأول.
وقال أنس: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاغ.
والمد: رطلان.
وقال مجاهد: أخرجت إلينا عائشة عسا فقالت: كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا.
فالعس ثمانية أرطال أو تسعة أرطال أو عشرة أرطال.
وإذا صح هذا.
ثم روى عن عمر ﵁ أنه قدر الصاع لإخراج الكفارات ثمانية أرطال بمحضر من الصحابة من غير أن ينكر أحد منهم عليه.
صح أن هذا تقدير صاع النبي ﷺ .
فالجواب أن هذه الروايات التي ذكروها لا يجوز أن يعارض بها نقل أهل
стр. 337
المدينة؛ لأن أهل المدينة لذلك نقل تواتر متصل منذ كون النبي ﷺ وإلى زمان مالك ﵀، يتداولونه خلفا عن سلف مع شدة حاجتهم إليه في بياعاتهم وأشريتهم ومعاملاتهم وتصرفهم، ولم يكن مما انقطع في وقت من الأوقات، ولا مما ينذر وقوعه فيختلف الحال في نقله.
ونقل الأخبار التي ذكروها نقل آحاد منقطع غير متصل؛ فلم يجز أن يعارض بنقل أهل المدينة الذي وصفه ما ذكرناه. وهذا مثل ما ذكرناه في أمر المصحف سواء؛ وذلك أن نقل هذا المصحف متواتر مجتمع عليه، وقد علمنا أنه تروى أحاديث بقراءات تخالفه؛ فلا يعترض بها عليه؛ لأن نقله نقل استيفاض وتواتر لا يعترض عليه بأخبار آحاد يجوز في نقلها السهو والغلط واعتماد الكذب.
فأما خبر مجاهد فلا يسوغ التعلق به؛ لأنه لو ورد صريحا أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال لم يقبل إذا كان في مقابلته نقل أهل المدينة؛ فكيف ومجاهد لم يقف على مقداره وإنما حرزه متفاوتا.
وخبر عمر يجوز أن يكون وضعه للتعامل به، لا لوجوب الرجوع إليه في تقدير الشريعة.
ومثل هذا غير ممتنع.
فإن قيل: فقد نقل عن أهل المدينة أن هذا الصاع بقدر صاع النبي ﷺ وروى يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى أنه قال: عيرنا صاع أهل المدينة فوجدناه يزيد على الحجاجي مكيالا.
وذكر عبد الله بن داود أنه سأل مالكا عن صاعهم الذي في أيديهم ما
стр. 338
أوله فقال: هو تحري عبد الملك بن مروان.
قيل له: أما نقلهم أن هذا قدر صاعه فليس فيه ما يوجب الخلاف؛ لأنه لا فضل بين أن يقولوا: هذا صاعه وهذا قدر صاعه إذا كان ذلك نقلا متواترا متصلا.
وما رووه عن ابن أبي ليلى فطريقه ضعيف.
على أنه روى خلافه عن إبراهيم، وإنه قال: القفيز الحجاجي هو الصاع.
وروى عن موسى بن طلحة قال: الحجاجي هو صاع عمرن وما زكروه عن مالك لا أصل له.
لا يحتج بنقل أهل المدينة خلفا عن سلف عن عصر النبي ﷺ إلى وقته أن هذا هو الصاع؛ فكيف يقول من بعد أن هذا تحري عبد الملك ابن مروان؟
وقال لما كلمه أبو يوسف بحضرة الرشيد: هذا صاع رسول الله ﷺ ينقله الخلف عن السلف، ثم استدعى أهل الأسواق فكلهم يقولون: حدثنا أبي عن جدي أن هذا صاع رسول الله ﷺ .
وذكر إسحاق بن سليمان الرازي فقال: قلت لمالك: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال: من قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية آصع. فقال مالك: ما يحفظون في هذه؟ فقال أحدهم: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ بهذا الصاع.
وقال الآخر: حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع
стр. 339
إلى رسول الله ﷺ .
فقال مالك ما معناه: أبلغه أن الأمر بخلاف ما قال.
فبان بهذه الجملة بطلان ما حكوه عن مالك في هذا.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: "إنه ستة أفقزه وربع قفيز".
يعني: كيل الخمسة الأوسق، فلا أعرف بأي مكيلة أراد؛ لأن هذه المكيلة غير معروفة عندنا، ولا بالعراق أصلا.
ويجوز أن يكون أراد بقفيز المغرب والأندلس، بل هذا مراده لا محالة؛ لأني رأيت ابن حبيب ذكر أن الخمسة الأوسق ثلاثون قفيزا بالقفيز القرطبي.
والجملة لا خلاف في مقدارها.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ويجمع القمح والشعير والسلق في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعهم خمسة أوسق فليزك ذلك.
وكذل تجمع [أصناف] القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر،
стр. 340
وكذلك أصناف الزبيب والأرز.
والدخن والذرة كل واحد صنف لا [ينضم] إلى الآخر في الزكاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:
أما الجمع بين القمح والشعير والسلت في الزكاةفهو قول كافة أصحابنا، وروي ذلك عن الحسن وعكرمة وطاوس والزهري.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجمع شيء من ذلك إلى غيره.
والكلام في هذه المسألة في موضعين:
أحدهما: أن ندل على منع التفاضل بين القمح والشعير، وإذا ثبت ذلك فلا قول إلا قولنا.
والآخر: أن ندل على وجوب ضم أحدهما إلى الآخر.
والدلالة على جوب الضم في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر".
وقوله لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
وكل هذا عموم في قليل هذا وكثيره.
فإن قيل: هذا كله عموم يخصه قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة
стр. 341
أوسق صدقة".
قيل له: أيضا هذا دليلنا؛ لأن يوجب الصدقة في الخمسة الأوسق من أي جنس كانت؛ لأن مفهوم في مقابلة النطق عاما؛ كذلك دليله ومفهومه.
فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "الصدقة من أربعة: القمح، والشعير، والزبيب، التمر، ولا زكاة في كل جنس منها حتى يبلغ خمسة أوسق".
ذكر هذا الحديث أبو الحسن الطبري في مسائله، وقال: أو كلمة كان معناها. وذكر أن بعض شيوخه ذكر هذا الحديث.
وهذا غير محفوظ ولا معروف في شيء من كتب الحديث.
على أنه منقول على المعنى دون اللفظ.
وإذا قلنا: إن الحنطة والشعير كالجنس الواحد قلنا بموجب الخبر.
ولا يبقى لهم إلا أن يقولوا: لما أفرد كل واحد منهما باسم وجب بذلك كونهما أجناسا.
وليس الأمر كذلك عندنا لما سنذكره.
ويحتمل أن يكون معناه: إذا انفرد عما ينضم إليه.
ويدل على ما قلناه أيضا: أن هذه المسألة مبينة على معنى التفاضل بين الحنطة والشعير، فإن سلم ذلك صح ما قلناه، وإن لم يسلم دللنا عليه بما
стр. 342
روي أن النبي ﷺ قال: "الطعام بالطعام ربا، إلا يدا بيد مثلا بمثل".
فعم، ولم يخص. فإن قيل: المراد بها البر؛ لأنه قد فسر في حديث آخر؛ فقال: "البر بالبر مثلا بمثل".
قيل له: هذا ذلك بعض ما شمله عموم خبرنا؛ فلا يعترض عليه به، ولا له دليل خطاب فيخصه.
فإن قيل: إن الشعير لا يتناوله اسم طعام على الإطلاق؛ لأن ذلك مختص بالحنطة.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن الطعام اسم عام يدخل تحته جميع أنواعه، وإن اختص كل واحد منها باسم؛ مثل: الحنطة، والشعير، وما أشبه ذلك.
ويبين ذلك أن قائلا لو قال: والله لا أكلت طعاما فأكل شعيرا لحنث.
وكذلك لو قال: ما أكلت طعاما وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكا قد أكل شعيرا لم يكن كاذبا.
فبان بذلك بطلان ما ذكروه.
ويوضح ما قلناه ما روى أن معمر بن عبد الله منع غلامه أن يأخذ من
стр. 343
السلت أكثر من الحنطة، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
واحتج الصحابي بمنع التفاضل بين الحنطة والشعير بهذا الخبر، وعقل من قوله ﷺ : "الطعام بالطعام" وأنه يتناول الشعير كي يبين ذلك بقوله: وكان طعامنا يومئذ الشعير.
وهذا بين فيما قلناه.
وأيضا فقد ذكر أصحابنا أن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروى عن عمر ابن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومعمر بن عبد الله، وعبد الرحمن ابن عبد يغوث، ومعيقب الدوسي، ولا مخالف لهم نعرفه.
وأيضا فإن منافعهما متقاربة، وأغراض الناس فيها غير متفاوتة، وهما مجتمعان في المنبت والمحصر؛ فوجب أن يكون حكمهما واحد في الضم ومنع التفاضل؛ كالعلس مع الحنطة، والسلت مع الشعير.
فإن قيل: إن العلس هو حنطة، والسلت هو شعير فالاسم جار عليهما والحنطة لا تسمى شعيرا.
فإن قيل: هذا غلط؛ لأن العلس مخالفا للحنطة في الخلقة والصورة والطعم، وكذلك السلت مخالفا للشعير؛ فبطل بهذا أن يكون العلس حنطة، وثبت بهذا أن حكمه حكمها؛ لكونه غير منفكة منه. واحتج من قال بأن قال: لأنهما جنسان؛ بدلالة تباين منافعهما وأسمائهما؛ فلم يجب ضم أحدهما إلى الآخر كالتمر والأرز، والحنطة والزبيب.
стр. 344
والجواب: إن افتراقهما في الأسماء لا يمنع من وجوب الضم؛ فلا يوجب كونهما جنسين كالضأن والمعز، والشعير والسلت؛ فبطل ما اعتبروه.
وما ادعوه من تباين المنافع فيهما متقاربة، وهذا موضع، وإنما الذي تتباين منافعه: التمر والأرز، والحمص والزبيب. هذا هو الذي تختلف منافعه وتتباين تباينا شديدا.
فأما الحنطة والشعير فمنافعهما متقاربة غير متباينة.
قالوا: ولأنه قوت منفرد باسمه لا يرجع إلى الآخر بحكم النوع؛ فأشب البر والأرز، وهذا يبطل بالعلس والحنطة.
ولو ادعوا رجوعه إليه بحم النوع لم نسلمه إلا على الوجه الذي يقتضي رجوع الشعير إلى البر بهذا المعنى.
قالوا: ويروى أن النبي [ق/٧٧] ﷺ قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل".
فأفرد كل واحد من هذه الأجناس باسمه، فدل ذلك على أن لكل واحد منهما حكم نفسه، ولو كان الشعير والبر جنسا واحدا لكان يكفي في ذلك أن ينص على أحدهما.
فالجواب: أنه لو ذكر الحنطة باسمها الأعم لكان يلزم ما ذكروه، فأما إذا ذكروه باسمها الأخص فلا يعقل من ذلك الشعير؛ لأنه لا يطلق عليه اسم حنطة؛ كما إذا ذكر الضأن باسمها الأخص لم يتناول المعز.
والله أعلم.
стр. 345
فصل
وأما القطنية فإما وجب ضم بعضها إلى بعض لهذا المعنى أيضا؛ وهو تقارب منافعها وأغراض الناس فيها.
وليس كذلك سائر الحبوب؛ لأن منفعة الدخن غير منفعة الأرز، وأغراض الناس فيها متفاوتة؛ فلم يكن كالقطاني.
مسألة
قال ﵀: "وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطة".
[ق/٧٦] قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا لأنه نظر لأرباب المال والفقراء؛ لأنا إن ألزمنا أن يؤدي الزكاة من أعلاه أضررنا به، وإن أمرنا يخرجنا من أدناه أضررنا بالفقراء، فكان العدول والنظر أن يخرج من الوسط.
ومن أصحابنا من قال: يخرج من كل واحد بقدره. قال: لأن الوجوب لما كان جاريا على الجميع وجب أن يؤخذ من كل صنف بقدر ما يخصه، وأحسب أنه رواه أشهب عن مالك ﵀، وهو قول محتمل، والأول أظهر.
مسألة
قال ﵀: "ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته.
ويخرج من [الجلجلان] وحب الفجل من زيته.
стр. 346
فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: أما وجوب الزكاة في الزيتون فهو قولنا، وقول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: إن فيه الزكاة.
والآخر: إن لا زكاة فيه.
واستدل أصحابه على خلافنا بقول ﷺ :
"ليس في الخضروات صدقة"؛ فعم ولم يخص.
وقوله لمعاذ: لا تأخذه الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
ولأنه لا يقتان؛ فأشبه التين.
والدلالة على صحة قولنا:
قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ فعم.
وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ولم يخص.
والحق: هو زكاته.
وقوله النبي ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" فعم.
وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
ورواه أصحابنا عن عمر، وابن عباس.
ولأنه حب يقتات زيته غالبا؛ فوجب أن تجب فيه الزكاة.
أصله: السمسم.
ولأن الزكاة لما وجبت في الحمص واللوبيا، وكان الزيتون أعم منفعة
стр. 347
في باب الأقوات كان بأن تجب فيه الزكاة أولى.
فأما قوله ﷺ : "ليس في الخضروات صدقة"، فلا يتناول الزيتون من حيث لم يتناوله الرطب وغيره، لأن اسم الخضروات يتناول البقول والبصل، فأما لثمار فله اسم أخص بها.
وما رووه من حديث معاذ غير محفوظ على الوجه الذي ذكروه، على أنه مرتب على ما قلناه.
واعتبارهم بالتين عنه أجوبة:
أحدهما: أنا لا نسلمه؛ لأنه من قول جماعة من أصحابنا فيه الزكاة؛ منهم: عبد الملك بن حبيب وغيره.
وأظنه قد روى عن مالك.
والثاني: أنا لا نسلم وصف العلة؛ لأن الزيتون يقتات زيته في الغالب؛ فسقط ما قالوه.
فصل
فأما قوله: يخرج من زيته. وكذلك السمسم، وحب الفجل؛ فلأن الزكاة إنما تؤخذ منه إذا تناهى وصار إلى حد يقتان.
ونهايته هو أن يصير زيتا لأن اقتياته هو في هذه الحال؛ كما أن زكاة الرطب إذا صار تمرا، والعنب إذا صار زبيبا؛ لأن اقتياتهما هو في هذه الحال.
فما بيع من ذلك جاز أن يخرج من ثمنه، على اختلاف في ذلك؛ أن ابن القاسم قال: لا يجوز أن يخرج من ثمنه. وهو أقيس على الأصول؛ اعتبارا بالزكاة كلها.
стр. 348
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الفواكه والخضر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا قول أصحابنا كافة، وروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵃، ومن التابعين عن المشيخة السبعة، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، والحسن، ومكحول، وربيعة ﵃.
ومن الفقهاء: الشافعي، والأوزاعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة- ﵀: تجب الزكاة في جميع ذلك بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ فعم.
ولقوله: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
ولا حق فيه سوى الزكاة.
ولقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر".
ولأنه زرع يطلق بزراعته نماء الأرض في العادة؛ فأشبه الزرع المقتات.
ولأنه تجب في جنس المال لا تتكرر؛ فوجب ألا يختص به الجنس؛ اعتبارا لخمس الغنيمة.
والدلالة على صحة قولنا:
ما روى علي وطلحة ومعاذ عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى محمد بن عبد الله بن جحش أن رسول الله ﷺ لما بعث [ق/٧٨] معاذا إلى اليمين قال له: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى سفيان الثوري عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى
стр. 349
ومعاذ بن جبل حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر.
وقال معاذ: فأما البطيخ والقثاء والخضروات معفو عفا الله عنه.
قالت عائشة ﵂: جرت السنة ألا زكاة في الخضروات.
وأيضا فقد كانت هذه الخضروات موجودة في زمان النبي ﷺ وخلفائه فلم يأخذ منها شيئا، ولا أحد من الخلفاء بعده.
فإن قيل: يجب أن ينقلوا أنه لم يأخذ، ولم يكتفوا بأنه لم ينقل أنه أخذ؛ لأنه قد يفعل أشياء لا تنقل قيل له: القدر الذي ذكرناه كاف؛ لأن الزكاة أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإسلام، والعادة قد جرت بنقل ما يأخذه ﵇ من الزكوات وما يظهر من قول أو فعل في ذلك.
ألا ترى أنهم قد نقلوا أخذ الزكاة من الذهب والحنطة والتمر وغير ذلك، فلما لم يره نقل عنه ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء بعده أنه أخذ من الخضروات شيئا؛ علمنا بذلك أنه لم يأخذ منها شيئا.
ولأنه نبت لا يقتات؛ فأشبه الحشيش والقصب والحطب.
ولأنه جنس من المال لا يعتبر النصاب في ابتدائه؛ فلم يجب فيه عشر.
أصله: الحطب.
وتفرض المسألة في العدد اليسير من التفاح والقثاء؛ كالثلاثة والأربعة؛ فتقول: لأنه أضعف عن احتمال المواساة.
فأما قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فعام يخصه ما ذكرناه.
وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ لا دلالة فيه؛ لأنه لا يتناول ما
стр. 350
تنازعناه؛ لأنه قال: "يوم حصاده"، وذلك منصرف إلى ما يحصد غالبا، فأما الفواكه والخضروات والبقول فلا يقال فيها حصدت. على أنه مخصوص بما ذكرناه.
وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" عنه جوابان.
أحدهما: أنا قد روينا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق"؛ فعلم أنه أراد به ما يكال أو يوصف، وذلك معدوم في البقول والخضر.
والآخر: أنه مخصوص بقوله: "ليس في الخضروات صدقة"، وما ذكرناه من تركه أخذ الصدقة منها.
فإن قالوا: خبرنا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الزرع والنخل والكرم.
قلنا: وخبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الحشيش والقصب.
واعتبارهم بالزروع المقتاتة ينتقض بالحطب.
والخلاف على أن المعنى في ذلك أنه يقتان مع الاختيار، وليس كذلك الخضروات.
وقياسهم عىل الخمس باطل؛ لأنه لا تسلم له عبارة عن الحكم؛ لأنهم إن قالوا: فوجب ألا يختص ببعض الجنس لم يصح؛ لأن الحشيش والقصب والرطبة لا عشر فيها، وهي من الحشيش.
على أن المعنى في الخمس أنه لا يختص ببعض الماشية؛ ففارق الزكاة.
والله أعلم.
стр. 351
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصف دينار [وهو] ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل.
ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم؛ وذلك خمس أواق، والأوقية: أربعون درهما من وزن سبعة- أعنى أن [كل سبعة] دنانير وزنا عشرة دراهم- فإذا بلغت من هذه الدراهم مائتي درهم ففيها [ربع] عشرها خمسة دراهم، فلما زاد فبحساب ذلك".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: أما إيجاب الزكاة في الفضة والذهب فقد ذكرناه فيما أوردنا من الآية والأخبار، وما نقلناه من إجماع الأمة، وذلك مغن عن إعادته ها هنا.
وأما قوله: ولا زكاة فيما دون عشرين دينارا من الذهب، وأن فيا نصف دينار، وأن لا زكاة في أقل من مائتي درهم من الفضة، وأن فيها خمسة دراهم: فلا خلاف في هذه الجملة مع تواتر الأخبار على هذا الشرح.
وروى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي عن أبي سعيد الخدري
стр. 352
قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أواق صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وروى أبو إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن النبي ﷺ قال: "ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرين دينارا، فأما إذا كانت عشرين وقد حال عليها الحول ففيها نصف دينار".
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي عن النبي ﷺ قال: "ليس في تسعين ومائة درهم شيء، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم".
وروى ابن وهب عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن رسول الله ﷺ قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى تكون مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينار؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
стр. 353
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن في كل خمسة أواق من الورق خمسة دراهم، وفي كل أربعين دينارا دينار.
وقال ﷺ : "في الرقة ربع العشر".
واختلف الناس في اسم الرقة هل هو الذهب والفضة، أم يخص الفضة دون الذب. فأي ذلك كان ففيه دلالة على مسألتنا.
وهذه [ق/٧٩] جملة كافية في هذا الفصل.
وحكى عن الحسن البصري أنه لا زكاة في الذهب حتى يكون أربعين دينارا فيكون فيها دينار.
وهذا فاسد بما قدمناه من نصه ﷺ في العشرين دينارا نصف الدينار.
وبالله التوفيق.
فصل
وما زاد على العشرين أو المائتي درهم فبحساب ذلك- قل أم كثر- فهو قول أصحابنا كافة، وروى عن علي بن أبي طالب ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز، وقال المشيخة السبعة.
وقال أبو حنيفة- ﵁: لا شيء في الزائد حتى يكون
стр. 354
أربعين درهما؛ فيكون فيها درهم، ولا فيما زاد على العشرين حتى يكون أربعين دنانير.
واستدل عنه بما رواه يونس بن بكير عن أبي إسحاق عن المنهال بن الجراح عن حبيب بن يحيى، وعبادة بن نسى عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ أمر حين وجهه إلى اليمين ألا يأخذ من الكسور شيئا؛ إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منا خمسة دراهم، ولا يأخذ مما زاد حتى يبلغ أربعين درهما.
وروى أبو إدريس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون أربعين صدقة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﷺ قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس فيما زاد على المائتين شيء".
ولأن كل مال له نصاب في الابتداء وجب إثبات عفو فيه بعد النصاب.
أصله: المواشي.
стр. 355
والدلالة على ما قلناه: عموم قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر".
وقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة".
مفهومه: إيجاب الصدقة فيها، وفيما زاد عليها.
وروى ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث بن عبد الله الأعور عن علي عن رسول الله ﷺ قال: "هاتوا ربع العشور؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق يمكن إخراج ربع عشرها من غير مشقة.
دليله: الأربعون درهما، والأربعة دنانير.
ولأنه جنس تحب الزكاة في عينه وعلى متلفه مثله؛ فلم يكن فيه عفو بعد الإيجاب الأول.
أصله: الحبوب والثمار.
وإنما قيدناها احتزازا من المواشي.
следующие страницы →