Полный текст (831 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد روى ابن وهب قال: حدثنا عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد الليثي عن نافع أن ابن عمر كان يكبر يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره.
ولأن التكبير بتكبير الإمام كأنه بأمر الإمام؛ لأن التكبير في هذا اليوم مشروع للناس كلهم، فكأن الإمام إذا كبر فقد استدعى ذلك من الناس.
واحتج المغيرة بأن قال: لأن شروع الإمام في الخطبة يقطع الكلام جملة.
أصله في غير التكبير، وقول مالك أولى؛ لما ذكرناه، والله أعلم.
مسألة.
قال ﵀: فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى؛ يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: اختلف الناس في وقت التكبير خلف الصلوات وانقطاعه؛ فمذهب أصحابنا ما وصفه في الكتاب من التكبيرات، وهو قول ابن عمر.
وقال أبو حنيفة: أول التكبير صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر.
стр. 37
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: من وقت صلاة فجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وللشافعي ثلاثة أقوال:
أحدها: مثل قولنا.
والثاني: يبتدئ ليلة النحر بعد المغرب، ووافقنا في آخره.
والثالث: مثل قول أبي يوسف.
والدلالة على ما قلناه أن الله تعالى ذكره خاطب بالتكبير أهل منى؛ فكان الناس تبعا لهم؛ فقال : ﴿واذكروا اسم الله﴾، وقال الله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾.
وقد ثبت أن أول التكبير هو عيد النحر بعد رمي جمرة العقبة، فأول صلاة تلي ذلك هي الظهر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وروى ما قلناه عن ابن عمر وغير من الصحابة ﵃.
مسألة
قال ﵀: والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر، الله أكبر. فغن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
стр. 38
وقد روى عن مالك هذا، والأول، [وكل [واسع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا لأن كل ذلك قد روى عن الصحابة ﵃ والتابعين والسلف، فأي ذلك فعل كان واسعا؛ فالأول هو نفس التكبير مجردا وله أصل في الشريعة؛ وهو التكبير في الصلوات، والثاني أحسن؛ لأنه يجمع تجميدا وتهليلا وهو كالتكبير في الخطبة؛ فلذلك كان الجميع واسعا.
وروى الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ أنه كان يكبر في أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
وروى نحوه عن أبي سعيد.
وروى حميد عن الحسن البصري: كان يكبر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر؛ ثلاث مرات.
وقد روى فيه لفظ آخر ذكره عبد الملك؛ فرواه يزيد بن زريع عن النهاش بن قهم عن عطاء أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والله أمبر على ما هدانا.
مسألة
قال ﵀: والأيام المعلومات: أيام النحر الثلاثة، والأيام
стр. 39
المعدودات: أيام منى؛ وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: تحصيل هذا أن من هذه الأيام ما هو معلوم غير معدود، ومنها ما هو معدود غير معلوم، ومنها ما يجتمع فيه الأمران؛ فأما المعلوم الذي ليس بمعدود يوم النحر، والمعدود الذي ليس بمعلوم رابع النحر، والمعدود المعلوم ما بينهما.
وهذا الذي كرنا هو مذهب ابن عمر.
وقال الشافعي: الأيام المعلومات أيام العشر كلها.
والدليل على أن يوم النحر معلوم أن النحر يقع فيه، والنحر لا يقع إلا في يوم معلوم.
والدليل على أنه ليس بمعدود أن النفر لا يجوز في غده، ولو كان معدودا لجاز النفر في غده؛ لأن النفر لا يجوز في الثاني من المعدودات.
وهذه المسألة ترد مستفاضة في كتاب الضحايا إن شاء الله [ق/٩ أ].
مسألة
قال ﵀: والغسل للعيدين حسن، وليس بلازم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما رواه شعبة عن عرو بن مرة عن زاذان أن [رجلا سأل] [على] بن أبي
стр. 40
طالب ﵁ عن الغسل فقال: اغتسل كل يوم إن شئت. فقال: لا؛ بل الغسل الذي هو الغسل؟ فقال: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة.
وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو.
وفي رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل للعيدين ولأنه يوم عيد؛ فوجب أن يستحب فيه الغسل كالجمعة.
وهذا التعليل قد ورد به الخبر؛ فروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا فيه".
وعلى أن الغسل له لكونه عيدا؛ فكان كل عيد مثله؛ ولأن ما له استحببنا ذلك في الجمعة موجود في العيدين؛ وهو التنظف وإزالة الأوساخ والروائح كما روى في الحديث أن الناس كانوا عمال أنفسهم، وكانوا
стр. 41
يأتون الجمعة بهيئة عملهم، فقيل: لو اغتسلتم؟.
قال القاضي أبو حمد عبد الوهاب: وقوله: (ليس بلازم) فلأنه غسل مقصود به النظافة والزينة، ولأن غسل الجمعة آكد منه بتأكيد الجمعة على العيدين، وقد ثبت أنه غير واجب؛ فغسل العيدين بذلك أولى.
مسألة
قال ﵀: ويستحب فيها الطيب والحسن من الثياب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵁: وهذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله جل وعز عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك".
فلما ندب إلى التطيب والزينة في الجمعة؛ لكونها عيدا كان كذلك كل عيد.
وروى عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن [غنم] عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله ﷺ إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر
стр. 42
عليه من الثياب.
ولأن العيدين يشاركان الجمعة في المعنى الذي استحب التطيب فيهما؛ وهو إزالة الروائح التي كانوا عليها في العمل والمهن.
وروى هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن علي أن رسول الله ﷺ كان يلبس برده الأحمر، ويعتم للعيدين والجمعة.
قال مالك: وسمعت أهل العلم يستحبون الطيب في كل عيد، وإنهم أدركوا من كان قبلهم على ذلك.
قال مالك: وكنت أرى محمد بن المنكدر يضمخ رأسه ولحيته بالغالية حتى يسود.
باب في صلاة الخسوف
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵁: قال قوم من أهل اللغة: كسفت الشمس، وخسف القمر.
وقال آخرون: كسف وخسف بمعنى واحد، ومعناه: ذهب ضياؤهما. وهو في الأصل مأخوذ من التغطية.
والأصل في صلاة الكسوف ما روى أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ فقال الناس: إن ذلك لموته، فقال النبي ﷺ : "إن
стр. 43
الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة".
مسألة
قال ﵀: وصلاة الخسوف سنة واجبة فإذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، وافتتح الصلاة بغير أذان ولا إقامة، فقرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته أولا، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا ويقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: قوله: إنها سنة واجبة؛ فلأن النبي ﷺ صلاها، ودعا الناس إليها، وجمع فيها، وحث عليها؛ فقال: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، وأمر من ينادي: الصلاة جامعة.
وقوله: إنها بغير أذان ولا إقامة.
فلأنها صلاة غير مرفوضة، ولا أذان لها ولا إقامة؛ اعتبارا بسائر النوافل، ولأنه لم يرو أن النبي ﷺ صلاها بأذان ولا إقامة.
стр. 44
وأما وصف صلاة الكسوف فهو على ما ذكره في الكتاب، وهو قولنا وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصلى ركعتين كسائر الصلوات والذي يدل على ما قلناه:
ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع وقام قياما طويلا؛ وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وانصرف ﷺ وقد تجلت الشمس.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى الناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك.
وروى مالك أيضا عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ (أن الشمس خسفت فقام رسول الله ﷺ فصلى ..)؛ فذكر مثل
стр. 45
الحديث الأول.
وهذه أخبار ثابتة صحيحة، وهي نص قولنا.
واحتج من خالفنا بما روى أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين كهيئة صلاتنا.
وروى قبيصة بن يحيى أن رسول الله ﷺ قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله- بها؛ فإذا رأيتموها فصلوا [كأحداث] صلاة صليتموها من المكتوبة"؛ وهذا يقتضي ألا يركع في كل ركعة إلا ركوع واحد.
وقال ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" المعهودة في الشرع، ولأنها صلاة شرعية؛ فوجب أن تختص كل ركعة منها بركوع واحد كسائر الصلوات، ولأنها لا تخلو أن تكون واجبة أو نفلا، وأي ذلك كانت فيجب أن لا يكون فيها إلا ركوع واحد؛ اعتبارا بسائر الواجبات والنوافل؛ ولأن اختلاف الصلوات في أعداد الركعات، فأما في أعداد الأركان فلا اعتبار بصلاة المسافر والحاصر.
فأما أخبارهم فالكلام عليها من وجهين:
أحدهما: الاستعمال.
والآخر: الترجيح.
стр. 46
فأما الاستعمال فنقول: إنه يحتمل أن يكون أراد كهيئة صلاتنا في عدد السجدات، وصفة القيام والقعود دون عدد الركوع في الركعات بدلالة ما ذكرناه.
فإن قالوا: وأخبارنا أيضا [يحتمل] أن يكون سجد بين الركوعين فلم يروه الراوي، ونقله فعل الركوعين.
قلنا: إن هذا الاحتمال تدفعه العادات؛ فلا يلزم قبوله؛ وذلك أن خبرنا مشتمل على فعلين رواهما جماعة كثيرة من الصحابة ﵃. وليس يجوز في مستقر العادة أن يتفق من عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم من رواة هذه الأخبار في وقت واحد السهو عن سجوده دفعتين في الركعة الأولى وفي الآخرة وحفظ ما عدا ذلك.
ويتحمل الخبر ما تدفعه العادة لا يصح على أنه قد روى ما يسقط هذا؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ وصف صلاة الكسوف على الصفة التي ذكرناها، وقالت في آخر الحديث: (فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات). وهذا يسقط ما قالوه.
وأما الترجيح فمن وجوه:
أحدها: إن رواة أخبارنا أكثر عددا، وطرقها أصح سندا.
ولأن أخبارنا ناقلة ومجددة شرعا، وأخبارهم مبقية على الأصل.
ولأن في أخبارنا زيادة ليست في أخبارهم.
стр. 47
ولأن أخبارنا حكاية مشاهدة وحضور للفعل من أوله إلى آخره، ومفسره لهيئته وصفته، وأخبارهم مجملة على ما رووه.
فأما قوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك؛ فافزعوا إلى الصلاة"، فلو [تركناه] وظاهره لاقتضى ذلك أن يصلى لها كسائر صلوات النفل، ولكن قام الدليل- وهو ما ذكرناه من الأخبار- على أن لنا من التعلق بهذا الخبر مثل ما لهم بل نحن أولى به، وذلك أنه قد روى في أخبارنا أنه قال هذا القول بعد فراغه من الصلاة التي وصفناها؛ فعلم أنه أشار بذلك إليها؛ لأنه أقرب معهود فكان حرف اللفظ إليها أولى. وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
وقياسهم على سائر الصلوات باطل؛ لأنه يدفع السنة، ولأن الصلاة مختلفة في الهيئة والأفعال بزيادة ونقصان، ألا ترى أن صلاة العيدين تخالف سائر الصلوات بزيادة التكبير، وصلاة الكسوف أيضا تخالف بنية سائر الصلوات، سيما على أهلهم في المشي فيها؛ فلم يمتنع أن تخالف صلاة الكسوف أيضا سائر الصلوات فتختص بهذا المعنى.
ولا معنى لتقسيمهم كونها نافلة أو واجبة؛ لأن كونها نافلة لا يؤثر في مخالفة هيئتها لهيئة سائر الصلوات كصلاة العيدين، وكونها واجبة لا يمنع أيضا من ذلك كصلاة الخوف.
وقوله: إن الاختلاف إنما هو في عدد الركعات دون عدد الأركان غير صحيح؛ لأن الاختلاف في الأعداد هو اختلاف في الأركان لا محالة؛ بدلالة أنها تزيد بزيادة الأعداد وتنقص بنقصانها، والله أعلم.
стр. 48
فصل
وقوله: إنها تصلى في المسجد؛ فكذلك روى أن النبي ﷺ صلاها في المسجد.
رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب [ق/١١ أ] عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام فخطب الناس.
ورواه، وذكر الحديث.
فصل
وأما اختياره تطويل القراءة؛ فلما رويناه من حديث عائشة ﵂ وابن عباس وأنه حزر قراءته ﷺ فكان في الركعة الأولى كنحو من سورة البقرة، وفي الثانية نحو من سورة آل عمران.
وتطويل الركوع دون تطويل القراءة؛ على ما روى نصا في الحديث.
فأما السجود فإنه لا يطول كتطويلهما، بل يؤتى به على حسب ما يؤتى في سائر الصلوات.
ومن أصحابنا من يقول أيضا: إن السجود يطول فيه. وقول مالك أصح؛ لأنه لم يذكر في الحديث تطويل السجود.
فرع
رفع رأسه من الركوع الأول من الركعة الأولى، وأراد القراءة فهل يقرأ
стр. 49
"الحمد" أم لا؟
قال مالك: يقرأ "الحمد"، وسورة طويلة. قاله جميع أصحابنا خلا محمد بن مسلمة؛ فإنه قال: يقرأ سورة غير "الحمد" ولا يقرأ "الحمد".
والدليل على صحة قول مالك- ﵀ هو أنها قراءة مستأنفة من أصل بنية الصلاة؛ فوجب أن تتقدمها قراءة أم الكتاب؛ اعتبارا بالركوع الأول.
وإنما قلنا: (مستأنفة)؛ احترازا من المتمادي في القراءة فإنها لا تحتاج إلى استئناف "الحمد"؛ لأنها قراءة مستدامة غير مستأنفة.
وإنما قلنا: (من أصل بنية الصلاة)؛ احترازا من قراءة سجود؛ لأنها لعارض وليس من أصل بنية الصلاة؛ فلم تحتج إلى قراءة "الحمد" لها.
وإنما قلنا: فوجب أن تتقدم "الحمد" لها؛ لئلا يقولوا نحن نقول بموجبها؛ لأنه إذا قرأ "الحمد" في الركوع الأول فقد قدمها لهذه القراءة.
واحتج محمد بن مسلمة بأن قال: لأن "الحمد" لا تقرأ في ركعة واحدة وإن كان فيها ركوعان فلم تتكرر "الحمد" فيها.
فيقال له: ولم إذا كانت ركعة واحدة لم تتكرر فيها قراءة "الحمد"؟.
стр. 50
فإن قال: اعتبارا بسائر الصلوات.
قيل له: المعنى فيها أن الركوع لا يتكرر في الركعة الواحدة فيها، وليس كذلك صلاة الكسوف، والله أعلم.
فصل
ويسر القراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجهر فيها بالقراءة؛ لما رواه الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ بالعنكبوت والروم.
ولأنها نافلة يسن لها الجماعة؛ فوجب أن يكون من سنتها الجهر؛ اعتبارا بصلاة العيدين والاستسقاء.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الكسوف فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة.
وهذا يدل على أنه أسر القراءة؛ لأنه لو كان جهر بالقراءة لذكر ما قرأ به ولم يحتج إلى تقديره وحزره.
ومن طريق آخر عن ابن عباس أنه قال: (وكنت وراءه فلم أسمع منه حرفا).
стр. 51
وفي حديث سمرة بن جندب (أن رسول الله ﷺ صلى بهم فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا يسمع له صوت ..) إلى آخر الحديث. وفي كل ذلك يقول: لا أسمع له صوتا.
فأما ما رووه عن عائشة ﵂ فقد اختلف عليها فيه؛ فروى سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة ﵂ قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى بالناس فقام فحزرت قراءته، وأرى أنه قرأ سورة البقرة). وذكرت إلى أن قالت في الركعة الثانية:
стр. 52
(وحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران). وهذا يفيد الإسرار بالقراءة، فتعارضت الروايتان فسقطتا، ورجعنا إلى ما لا معارض له.
وما رووه من أنه قرأ بالعنكبوت فليس في الخبر أنه سمع منه في الصلاة، ويحتمل أن يكون أخبر بذلك وقال: إني قرأت بالعنكبوت يحتمل أن يكون جهر قدر ما يسمع نفسه ومن يقرب منه، وهذا في حكم الإسرار، ألا ترى أن مثله يجوز في الظهر والعصر، والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنها نافلة يسن لها الخطبة وليست كذلك صلاة الخسوف عندنا على ما سنذكره.
فصل
وعن مالك ﵀، في وقت صلاة الكسوف ثلاث روايات:
إحداهن: أنها تصلى في كل الأوقات.
والثانية: أنها تصلى في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة دون غيرها من الأوقات التي تكره فيها صلاةالنفل.
والثالثة: أنها تصلى ما لم تزل الشمس.
стр. 53
فوجه الرواية الأولى عموم قوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يعلق ذلك بوقت دون وقت، ولأنها آكد من سائر النوافل أيضا وهي مخالفة لها في البنية؛ فجاز أن تخالفها في الوقت.
ووجه الرواية الثانية: ما روى عن نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؛ فعم ولم يخص.
ولأنها صلاة نفل فأشبهت سائر النوافل.
ووجه الرواية الثالثة: أنها صلاة نفل يعقبها ذكر وعظة؛ فوجب أن يكون وقتها قبل الزوال؛ [ق/١٢ أ] اعتبارا بالعيدين والاستسقاء.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة
ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وهذا لعموم قوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة". وهذا عام في الجماعة والانفراد.
ولأنها صلاة نفل فجاز أن يصليها المنفرد كسائر النوافل.
مسألة
قال ﵀: وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل
стр. 54
الناس عند ذلك [أفذاذا والقراءة فيها جهرا] كسائر ركوع النوافل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: اعلم أن هذا قولنا وقول أهل العراق، وقال الشافعي: من سنة صلاة خسوف القمر الاجتماع لها؛ واستدل عنه بقوله ﷺ : "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"؛ ففيه دليلان:
أحدهما: أنه قرنه بالشمس، فلما كان من سنة صلاة كسوف الشمس الاجتماع؛ فكذلك القمر.
والآخر: أنه أمر بالصلاة أمرا عاما، ولم يفرق بين الاجتماع والانفراد.
وروى أن ابن عباس صلى في خسوف القمر، ثم خطب ثم قال: (أيها الناس إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة، وإنما فعلت كما رأيت رسول الله ﷺ فعل).
أصله كسوف الشمس، والأصل في هذا قوله ﷺ : "خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة"، وهذا يفيد سقوط الاجتماع لها ولغيرها من النوافل إلا ما قام عليه الدليل.
стр. 55
ويدل على ذلك أيضا أن القمر قد انكسف على عهد رسول الله ﷺ دفعات كثيرة ولم ينقل أنه صلى له في جماعة، ولا أنه دعا إلى ذلك، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون إشارة جنس الكسوف أنه يصلى له، وليس في خطبته دلالة على أنه صلاها في جماعة؛ لأنه لما خطب فيها وليس من سنتها الخطبة عند مخالفينا؛ فجاز أن يكون صلاها منفردا ثم خطب.
وأيضا فلأنها صلاة نفل في الليل ليست لسنتها وقت مخصوص، أو نقول يجوز أن تفعل قبل المكتوبة فلم يكن من سنتها الاجتماع كالركوع بعد المغرب.
فأما قوله ﷺ : "فافزعوا إلى الصلاة" فإنه دليلنا؛ لأنه أمر بها مطلقا، ولم يقل مجتمعين ولا مفترقين؛ فوجب أن يستوي في ذلك الأمران.
وأما الاقتران في اللفظ فلا يوجب عندنا الاقتران في الحكم إلا بدليل.
واعتبارهم بصلاة كسوف الشمس غير صحيح لأنه يقع نهارا، فلا تلحق فيه مشقة.
وليست كذلك خسوف القمر؛ لأنه يقع ليلا؛ فيلحق في الاجتماع فيه مشقة شديدة.
وليس له أيضا وقت محصور؛ لأنه قد يتقدم في أول الليل وقد يتأخر
стр. 56
إلى آخره، وفي الاجتماع له كلفة شديدة.
مسألة
قال ﵀: وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: خالفنا أهل العراق والشافعي، وقالوا: إنه يخطب بعدها، واستدلوا بما رواه مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الكسوف ثم انصرف فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه.
ولأنها صلاة نافلة تسن لها الجماعة تنفرد بوقت؛ فوجب أن يكون من سنتها الخطبة كالعيدين والاستسقاء، ولا تدخل عليه الوتر والتراويح؛ لأنها لا تنفرد بوقت بل تقع في وقت غيرها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الكسوف، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، ثم قال ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ".
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن [عمرة] عن عائشة رضي الله
стр. 57
عنها أن رسول الله ﷺ لما انصرف من صلاة الخسوف قال: ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر، ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار أنه خطب.
وقد روى صلاة الكسوف جماعة من الصحابة ﵃ منهم: علي ابن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وجابر وأبو هريرة، وغيرهم، وليس فيهم من نقل أنه خطب. ولأنها صلاة نفل لا يجهر فيها بالقراءة؛ فلا خطبة فيها اعتبارا بسائر النوافل. عكسه العيدان والاستسقاء.
فأما الخبر الذي رووه فمعناه أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد لله وصلاة على رسول الله ﷺ وموعظة على سبيل ما يؤتى به في الخطب؛ فلذلك سمتها خطبة؛ وعلى أنا قد روينا عنها من غير هذه الطريق وعن العدد الذي ذكرناه من الصحابة صفة صلاة الكسوف، وليس في ذلك ذكر للخطبة، وليس يجوز أن تكون خطبة وأغفلتها ولا كلهم ذلك مع نقل كل ما تعلق بتلك الحال؛ فوجب حمل تسميتها ذلك بأنه خطبة على الوجه الذي ذكرناه.
وفائدة الخلاف في ذلك [ق/١٣ أ] هو أنه من سنة الخطبة في الشريعة أن تكون على منبر، وأن تكون خطبتين يجلس في أولها ووسطها، أو في وسطها دون أولها في غير الجمعة. وهذا غير مراعى عندنا في صلاة الكسوف.
والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنهما يجهر فيهما بالقراءة، وليس كذلك صلاة الكسوف.
стр. 58
باب: صلاة الاستسقاء
مسألة
قال ﵀: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلى بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿والشمس وضحاها﴾ وفي كل ركعة سجدتين وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم، ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه [يجعل] ما على منكبه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك.
وليفعل الناس مثله، وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون، ولا [يكبر] فيها ولا في الخسوف غير [تكبيرة الإحرام و] والخفض والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: اعلم أن قولنا
стр. 59
وقول الشافعي أن صلاة الاستسقاء سنة، وقال أبو حنيفة: لا يصلي في الاستسقاء.
وقال أبو بكر الرازي: ليس في كراهية الصلاة فيها رواية.
ويشبه أن يكون مراده أنه ليس فيها صلاة مسنونة كالعيد، وأن الإمام مخير إن شاء فعلها وإن شاء تركها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله ﷺ خرج بالناس ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، فحول رداءه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة ﷺ .
وروى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي ﷺ صلى ثم خطب.
وروى أنس بن عياض عن حمزة عن عبد الواحد عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن جابر بن عبد الله، أو عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ استسقى فصلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة.
وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج في الاستسقاء متواضعا متخشعا متضرعا متوسلا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
ولأن الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة كخطبة العيدين والجمعة.
واحتج من خالفنا بما رواه أنس أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم
стр. 60
الجمعة فجاءه رجل فقال: يا رسول الله: هلكت المواشي والزروع، فرفع النبي ﷺ يديه ودعا فجاء المطر.
فدل هذا على أنه ليس من سنة الاستسقاء أن يصلى، ولأنه لو فعل ذلك لم يخف على الصحابة ﵃.
وقد روى أن عمر رضوان الله عليه خرج فاستسقى، وخرج معه العباس ﵁ ولم يصل. فقيل له: ما زدت على الاستغفار. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
ولأنها حادثة يخاف منها الضرر فوجب أن لا يصلى لها كالصواعق والزلازل، ولا يلزم عليه الكسوف؛ لأنه لا يخاف منه ضرر، وإنما هو عجوبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: أما ما رووه من حديث أنس فعنه جوابات:
أحدها: أن دعاءه صادف حالا مشغولا بها عن التأهب لصلاة الاستسقاء، ونحن إنما نقول: من سنة الاستسقاء الصلاة والخطبة إذا تأهب الإمام والناس لذلك.
فأما إذا دعوا دعاء الاستسقاء في عوض غيره من الكلام من غير قصد لإفراده بذلك فليس الصلاة من سنته.
والجواب أنه قد روى من غير هذا الطريق أنه صلى، والزائد من
стр. 61
الأخبار أولى.
وكذلك ما رووه من أن عمر ﵁ استسقى ولم يصل فقد روينا أنه قد صلى، والأخذ بالزائد من الأخبار أولى.
وقياسهم ينقض بالكسوف.
فإن قالوا: قد احترزنا منه بأن قلنا: نخاف منه الضرر، والكسوف لا يخاف منه ضرر بدلالة ما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في الشمس والقمر: "إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما [لهما] آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، فإذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة.
وروى أن الشمس كسفت فخرج ﷺ لابسا درعه، وترك دواءه فزعا حتى أدرك به.
ولي من حيث عرفنا وجه الضرر بتأخر المطر، ولم يفرق بالكسوف يجب أن يحكم بأنه لا ضرر علينا فيه؛ لأنه ليس من شرط ما يخاف الضرر أن يعرف وجه ضرره.
فصل
فصلاة الاستسقاء ركعتان كسائر النوافل، وقال الشافعي ﵀: يكبر فيهما كما يكبر في العيد؛ لما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى فيها
стр. 62
ركعتين كصلاة العيد.
والذي يدل [ق/١٤ أ] على ما قلناه ما رويناه أنه ﷺ استسقى فصلى وكبر واحدة. وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها صلاة في غير عيد فأشبهت سائر النوافل.
وما رووه يحتمل أن يكون أراد به صلى ركعتين فقط، ويحتمل أن يكون أراد به قدم الصلاة على الخطبة، وهذا معنى يختص بالعيد. وخبرنا نص في موضع الخلاف.
فصل
فأما تقديم الصلاة على الخطبة فلا خلاف فيه إلا ما حكى عن عبد الله ابن الزبير أنه قدم الخطبة على الصلاة.
والدلالة على ما قلناه أنها صلاة نافلة وسنتها الخطبة؛ فوجب أن يؤتى بها بعد الصلاة؛ اعتبارا بالعيدين.
فصل
وقوله: لا أذان لها ولا إقامة فيها.
فلأنها صلاة نفل فوجب أن لا يكون فيها أذان ولا إقامة اعتبارا بالنوافل كلها.
ولأنه لم ينقل أنه ﷺ أذن له فيها ولا أقيم.
стр. 63
فصل
فأما تحويل الإمام رداءه ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه فإنه سنة الاستسقاء عندنا، وعند الشافعي.
فأما عند أبي حنيفة فإن ذلك ليس من سنتها.
والدليل على ما قلناه ما رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمر بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه إلى القبلة.
وروى ابن وهب قال: أخبرني رجال من أهل العلم عن أنس بن مالك وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن علي، وغيرهم أن رسول الله ﷺ لما استسقى نظر إلى السماء، ورفع يديه حذو وجهه، وحول ردائه يمينه على شماله وشماله على يمينه.
فصل
وليس تنكيس الرداء من السنة عندنا.
قال الشافعي: تنكيسه سنة.
والأصل في هذا أن كون هذا الفعل سنة لا يثبت إلا بالشرع، ولا شرع في ذلك.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ استسقى وعليه
стр. 64
خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أعلاها أسفلها فثقلت عليه فحولها.
فوجه التعلق من هذا هو أنه أراد تنكيسه، ولكن تركه لعذر ﷺ فعلم أنه مسنون.
فالجواب: أنه ليس في هذا نص عن النبي ﷺ ولا فعل، وإنما هو ظن من الراوي أنه أراد ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة.
فإن قيل: لما كانت السنة سنة جدب استحب أن ينكس رداءه تفاؤلا عن تحويل الجدب إلى الخصب كما استحب تحويله تفاؤلا بذلك.
فالجواب: أن التحويل لم يثبت من حيث صح التفاؤل، وإنما أثبتناه لورود الخبر فيه، ولو كان الاعتبار بالتفاؤل في ذلك لوجب أن يستحب كل ما صح فيه؛ فكان يجب تحويل الخاتم من يد إلى يد، وقلب غير الرداء أيضا، وتحويل العمامة. كل هذا غير مسنون ولا مستحب وإن صح التفاؤل به.
فصل
اختلف أصحابنا متى يحول وجهه إلى القبلة ويدعو؛ فقال مالك: إذا فرغ من خطبتيه جميعا جول وجهه إلى القبلة.
قال أصبغ: إذا أشرف على الفراغ من خطبته الثانية حول وجهه إلى القبلة للدعاء، فإذا فرغ أقبل على الناس بوجهه فأتم الخطبة ثم نزل.
فوجه قول مالك هو أن في ذلك قطعا للخطبة، وتشاغلا بغيرها قبل إتمامها، وذلك مكروه؛ لأنه ليس من الخطبة ما يقطع لتحليله فعل غيره، ولأنها خطبة مسنونة في الاستسقاء فوجب ألا تقطع للدعاء وأصلها الأولى.
стр. 65
ووجه قول أصبغ هو أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن في ذلك زيادة، ولا يعود إلى إتمامهما، وإذا أتى به بعد الفراغ منها كان زيادة مستأنفة؛ فكان الأولى أن يؤتى بها في تضاعيفها، والله أعلم.
فصل
وأما قوله: يجهر فيها بالقراءة.
فلأنها صلاة نفل لها خطبة، وكل صلاة يخطب لها فالقراءة فيها جهرا.
وقوله: يقرأ فيها بسبح، ونحوها.
فلأنها صلاة يخطب لها بعد الصلاة؛ فوجب أن يكون هذا قدر ما يقرأ فيها اعتبارا بالعيدين.
وقوله: إنه يخطب ثم يجلس ثم يقوم ثم يخطب.
فكذلك روى عن النبي ﷺ أنه فعله، فوجب ابتاع فعل في ذلك، والله أعلم.
باب: ما فعل بالمحتضر، وفي غسل الميت
وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه
مسألة
قال ﵀: ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى،
стр. 66
ويلقن لا إله إلا الله عند الموت، [فإن] قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: أما استحبابه استقبال القبلة إذا احتضر حتى يموت كذلك؛ لأن استقبال القبلة أشرف المجالس وأفضلها كما قال النبي ﷺ : "أشرف المجالس ما استقبل القبلة".
وهي من أدب الشرع أيضا في غير [ق/١٥ أ] موضع؛ من ذلك الصلاة، ومنه الذبح، ومنه دفن الميت، وغير ذلك؛ فاستحب توجيهه إلى القبلة في هذه الحال لقربها من الموت؛ ليكون له أشرف وأفضل أن يكون مستقبل القبلة.
وقد وردت الرواية بذلك عن الصحابة والتابعين، وروى أن عمر رضوان الله عليه قال لابنه: إذا حضرتني الوفاة فاحرفني إلى القبلة.
وقال الحسن- يعني البصري: كان يستحب أن يستقبل بالميت القبلة إذا كان في الموت.
стр. 67
وقال عطاء: يستحب أن يوجه الميت عند نزوعه إلى القبلة.
وروى أيضا عن جماعة من التابعين ﵃ منهم: إبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجماعة.
قال مالك ﵀: فإن لم يقدر على ذلك جعلت رجلاه في القبلة واستقبلها بوجهه؛ لأن هذا حكم من استحب له استقبال القبلة إذا لم يقدر على ذلك؛ اعتبارا بحال دفنه، وبالمريض الذي لا يقدر على توجيهه على جنبه للصلاة.
وقد قال ابن المواز في المريض: إذا لم يقدر على توجيهه على جنبه الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره. ويجب على هذا أن يكون كذلك حكم المحتضر. وقول مالك بخلافه على ما بيناه.
فصل
فأما إغماضه إذا قضى؛ فلورود السنة به، فروى أبو إسحاق الفزارى عن خالد [الحذاء] عن أبي قلابة عن قبيصة بن ذؤيب عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه.
стр. 68
وفي بعض الأخبار أن النبي ﷺ قال: "إذا حضرتم موتاكم فغمضوا أبصارهم؛ فإن البصر يتبع الروح".
ولأن في ذلك صيانة للميت، ونفيا للتشويه عنه.
وذلك واجب علينا فعله للميت بعد موته كوجوبه حال الحياة، وقد قال ﷺ : "حرمة المؤمن الميت كحرمته [وهو] حي".
فصل
فأما تلقينه لا إله إلا الله وحده لا شريك له- عند الموت-؛ لقوله ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله عند الموت". رواه عمارة بن مخرمة عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ .
وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فغنها تهدم ما قبلها وما بعدها". قالوا: فكيف هي يا رسول الله للأحياء؟ قال: "هي للأحياء أهدم".
وروى معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من
стр. 69
كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
ولأن في ذلك تجديد اعتقادها إن كان قد ذهل عنه، وقد يموت عقيب ذلك، ويستحب أن يكون آخر عمله.
فصل
فأما استحبابه أن يكون طاهرا هو وما عليه؛ فلأنها حال تقتضى تشريفه، وكذلك أيضا يستحب أن يكون طاهرا هو وما عليه.
وروى أبو سلمة عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب خضر فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وإن [الميت] يبعث في ثيابه التي يموت فيها".
فصل
فأما كراهة قربان الجنب والحائض له؛ فلأنه لما استحب أن يكون هو طاهر فكذلك من يتولى أمره.
وقد قال مالك- ﵀: إنه لا بأس أن يغمضه الحائض والجنب.
والفرق- على هذا القول- بين إغماضه وغسله هو أن الغسل يحتمل
стр. 70
التأخير عن وقت موته، وليس كذلك إغماضه؛ لأنه لا يحتمل التأخير، وإنما يفعله لبقاء لين أعضائه وإمكان ذلك فيهما.
مسألة
قال- ﵀: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك [أمرا] معمول به.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وجه الإرخاص في ذلك ما رواه معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا يس على موتاكم"، وإنما لم يره مالك؛ لأنه لم يجده معمولا به، ولم يدرك أحدا من السلف عليه.
مسألة
قال- ﵀: ولا بأس بالبكاء بلا دموع حينئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما رواه شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا عثمان عن أسامة بن زيد أن بنتا لرسول الله ﷺ أرسلت إليه وأنا ومعاذ وسعد وأحسب أن ابني أو ابنتي قد
стр. 71
حضر فاشهدنا، فأرسل يعزيها وقال: "لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل"، فأرسلت تقسم عليه فأتاها فوضع الصبي في حجر رسول الله ﷺ ونفسه تقعقع ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال له سعد: ما هذا؟ فقال: "إنها رحمة يضعها [ق/١٦ أ] الله في قلب من يشاء، إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وروى ثابت عن أنس قال: رأيت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يكبد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله، وأنا بك يا إبراهيم لمحزون".
فدل هذان الحديثان على إباحة ذلك.
وروى مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك؛ وهو عبد الله بن عبد الله أبو أمامة أنه أخبره أن جابر ابن عتيك أخبره أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه؛ فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع"؛ فصاح النسوة وبكين؛ فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ : "دعهن، فإذا وجبت فلا تبكين باكية". قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت".
стр. 72
وإنما كان التعزي والاسترجاع أحسن لمستطيعه؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؛ فندب الله- جل ذكره- إلى هذا القول عند المصيبة، ومدح قائله.
وروت أم سلمة- ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "فإذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها".
وروى مالك عن ربيعة عن أبي سلمة أنه قال لأم سلمة: يا أم سلمة: لقد سمعت من رسول الله ﷺ كلاما لهو أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، فقال: وما هو؟ قال أبو سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصيب بمصيبة فليقل كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها فعل الله تعالى ذلك به". قالت أم سلمة: فلما توفى أبو سلمة قلت ذلك، ثم قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ فتزوجها رسول الله ﷺ .
وروى شعبة عن ثابت عن أنس قال: أتى نبي الله ﷺ على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق الله واصبري"، فقالت: [وما تبالي]
стр. 73
أنت مصيبتي، فقيل لها: هذا النبي ﷺ ؛ فأتته فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"،أو عند أول الصدمة.
وروى ذلك عن أفاضيل السلف ﵃.
مسألة
قال ﵀: وينهى عن الصراخ والنياحة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:
روى ذلك أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت: نهى رسول الله ﷺ عن النياحة.
وروى أبو سعيد الخدري قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة.
وروى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من
стр. 74
حلق ومن سلق ومن خرق".
وروى أبو زيد عن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذه علينا ألا نعصيه فيه إلا نخمش وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا.
مسألة
قال- ﵀: وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى، ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في [الآخرة] كافورا، [ويستر] عورته، ولا [يقلم] أظافره، ولا يحلق له شعر، ويعصر بطنه عصرا [رفيقا]، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب، ويقلب لجنبه في الغسل أحسن [وليس بواجب] وإن جلس فذلك واسع.
стр. 75
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قوله: (وليس في غسل الميت حد) يعني: عددا معلوما يكون عنده الإنقاء، لكن القدر الذي يكون عنده طهوره.
ويستحب له أن يكون وترا من العدد؛ لما رواه مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا سول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني بها". قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة فقال: "أشعرنها إياه"- يعني إزاره. ورواه أبو داود قال: حدثنا محمد ابن عبيد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك.
وزاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا، وزادت فيه: "أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيته".
وقوله: (بماء وسدر وفي الآخرة كافورا)؛ فلما رويناه في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيء من الكافور".
وقوله: (ويستر عورته) [ق/١٧ أ] فلأنه لما وجب سترته وهو حي كذلك بعد موته؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي.
следующие страницы →