Полный текст (831 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حضر فاشهدنا، فأرسل يعزيها وقال: "لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل"، فأرسلت تقسم عليه فأتاها فوضع الصبي في حجر رسول الله ﷺ ونفسه تقعقع ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال له سعد: ما هذا؟ فقال: "إنها رحمة يضعها [ق/١٦ أ] الله في قلب من يشاء، إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وروى ثابت عن أنس قال: رأيت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يكبد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله، وأنا بك يا إبراهيم لمحزون".
فدل هذان الحديثان على إباحة ذلك.
وروى مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك؛ وهو عبد الله بن عبد الله أبو أمامة أنه أخبره أن جابر ابن عتيك أخبره أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه؛ فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع"؛ فصاح النسوة وبكين؛ فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ : "دعهن، فإذا وجبت فلا تبكين باكية". قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت".
стр. 72
وإنما كان التعزي والاسترجاع أحسن لمستطيعه؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؛ فندب الله- جل ذكره- إلى هذا القول عند المصيبة، ومدح قائله.
وروت أم سلمة- ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "فإذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها".
وروى مالك عن ربيعة عن أبي سلمة أنه قال لأم سلمة: يا أم سلمة: لقد سمعت من رسول الله ﷺ كلاما لهو أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، فقال: وما هو؟ قال أبو سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصيب بمصيبة فليقل كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها فعل الله تعالى ذلك به". قالت أم سلمة: فلما توفى أبو سلمة قلت ذلك، ثم قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ فتزوجها رسول الله ﷺ .
وروى شعبة عن ثابت عن أنس قال: أتى نبي الله ﷺ على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق الله واصبري"، فقالت: [وما تبالي]
стр. 73
أنت مصيبتي، فقيل لها: هذا النبي ﷺ ؛ فأتته فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"،أو عند أول الصدمة.
وروى ذلك عن أفاضيل السلف ﵃.
مسألة
قال ﵀: وينهى عن الصراخ والنياحة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:
روى ذلك أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت: نهى رسول الله ﷺ عن النياحة.
وروى أبو سعيد الخدري قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة.
وروى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من
стр. 74
حلق ومن سلق ومن خرق".
وروى أبو زيد عن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذه علينا ألا نعصيه فيه إلا نخمش وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا.
مسألة
قال- ﵀: وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى، ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في [الآخرة] كافورا، [ويستر] عورته، ولا [يقلم] أظافره، ولا يحلق له شعر، ويعصر بطنه عصرا [رفيقا]، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب، ويقلب لجنبه في الغسل أحسن [وليس بواجب] وإن جلس فذلك واسع.
стр. 75
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قوله: (وليس في غسل الميت حد) يعني: عددا معلوما يكون عنده الإنقاء، لكن القدر الذي يكون عنده طهوره.
ويستحب له أن يكون وترا من العدد؛ لما رواه مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا سول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني بها". قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة فقال: "أشعرنها إياه"- يعني إزاره. ورواه أبو داود قال: حدثنا محمد ابن عبيد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك.
وزاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا، وزادت فيه: "أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيته".
وقوله: (بماء وسدر وفي الآخرة كافورا)؛ فلما رويناه في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيء من الكافور".
وقوله: (ويستر عورته) [ق/١٧ أ] فلأنه لما وجب سترته وهو حي كذلك بعد موته؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي.
стр. 76
وروي عن محمد بن سيرين أنه غسل أنس بن مالك فلما بلغ إلى عورته قال لأهله: أنتم أحق. دونكم فاغسلوها، فجعل الذي غسلها على يديه خرقة، وجعل على عورته ثوبا، ثم غسل عورته من وراء الثوب.
ومنعه أن يقلم ظفره أو يحلق شعره. خلافا للشافعي حيث استحب ذلك، ولأحمد بن حنبل حيث استحب أخذ العانة والأظفار؛ فلأن الأصل ألا يفعل في الميت إلا بشرع، ولم يرد شرع بأخذ أظفاره وقص عانته.
ولأن الختان آكد من تقليم الأظفار وحلق العانة؛ لأن من الناس من يوجبه، وليس فيه من يوجب ما تنازعناه- أعني بذلك عن الحي دون الميت، وإذا صح هذا فلم يجب إذا مات وهو أغلف، أن يختتن كان بأن لا يفعل به ما ذكرناه أولى، ونحرر منه قياسا فنقول: لأنه إزالة شيء متصل بالبدن فأشبه بالختان.
ويفارق الدرن والوسخ وما يخرج من بطنه وفيه، لأن ذلك كله منفصل غير متصل.
واحتج مخالفنا بالحديث الذي رووه عن النبي ﷺ أنه قال: "افعلوا بموتاكم ما تفعلوه بعروسكم" وهذا غير محفوظ عن النبي ﷺ ، وإنما
стр. 77
هو معروف عن آل ربيعة بن الحارث، ولو ثبت لكان معناه من الغسل دون غيره.
قالوا: ولقوله ﷺ : "عشر من الفطرة" فذكر حلق العانة، ونتف الإبط، ولم يخص حي من ميت.
فالجواب: أنه مصور على الأحياء جون الأموات؛ بدلالة أنه ذكر الختان، وليست ذلك في الموتى اتفاقا.
قالوا: ولأن ذلك من النظافة، والنظافة مندوب إليها في الأموات.
فالجواب: أنا مندوبون من ذلك إلى نظافة مخصوصة دون كل ما كان في بابها؛ فيسقط ما قالوه.
فصل
قوله: (ويعصر بطنه).
فلأنه لا يؤمن أن يخرج منه شيء فيلطخ كفنه، وقد روى ذلك من السلف- ﵃. ولأن ذلك أبلغ في النظافة.
فصل
قوله: (يقلبه لجنبه) أي: على جنبه؛ فليتمكن من غسل كل بدنه.
стр. 78
وإن جلس كان واسعا؛ لأنه أكثر في التمكن.
قال عبد الملك بن الماجشون: ينبغي أن يبدأ فيغسل فرج الميت.
قال: لأن الميت إذا مات أضيعت محارزه؛ فقل ميت إلا ويخرج منه شيء.
وعند أبي حنيفة والشافعي يوضأ أولا ثم يعصر بطنه عند آخر غسلة.
والأحوط ما قلناه؛ لما قاله عبد الملك.
وليس الوضوء بلازم في السنة عند أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به في حديثه حيث أمر بغسل بنته.
مسألة
قال- ﵀: ولا بأس [أن يغسل] أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: لا خلاف أن المرأة تغسل زوجها، وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃.
وروى ابن أبي ليلى عن عبد الله بن شداد أن أبا بكر ﵁ وصى أن تغسله أسماء بنت عميس.
стр. 79
وروى إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي أن أبا موسى غسلته امرأته.
وقالت عائشة ﵂: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه). ولم ينكر أحد عليها ذلك.
ولأن الغسل لما كان فيه اطلاع على [الميت] وعلى مواضع من مغابنه لم يكن بذلك أحد أولى من الزوجة.
إنما الخلاف في الزوج هل له أن يغسل امرأته إذا ماتت؟
فعندنا وعند الشافعي: له ذلك.
وروى ذلك عن ابن عباس ﵁ وقاله الحسن. أبو سلمة بن عبد الرحمن.
وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يغسل امرأته. والدلالة على ما قلناه: ما روي أن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵂ وهي تقول: وا رأساه فيقول: "لا عليك، لو من لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" فأخبر أنه ﷺ لو ماتت قبله لغسلها؛ فدل ذلك على أن للزوج أن يغسل امرأته.
стр. 80
وروي أن عليا ﵇ غسل فاطمة ﵍ ولم ينكر عليه أحد.
ولأنها زوجية زالت بالموت؛ فوجب ألا يمنع النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: حصول الموت بين الزوجين لا يمنع غسل أحدهما الآخر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: لأنها فرقة يثبت بها التوارث؛ فوجب ألا يتعلق بها تحريم النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
ولأن كل معنى لم يحرم نظر الزوجة إلى الزوج لم يحرم نظره إليها، اعتبارا بالأصول كلها كالمريض وغيره. عكسه الطلاق.
واحتج مخالفنا بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ووجه الاستدلال هو أنه إذا كانت تحته امرأة وماتت حل له العقد على أختها، فلو جوزنا له الغسل لكنا قد أبحنا له النظر إلى فرجها وفرج أختها، والآية تمنع الجمع بين الأختين في النكاح أو في شيء من أحكامه من نظر أو مس أو غير ذلك.
فالجواب: أنه لا دلالة لهم في هذه الآية، لأن التحريم إنما تعلق بالاستمتاع وما في معناه، ولم يرد به تحريم [ق/١٨ أ] الجمع فيما عداه.
ولأن هذا اللفظ محمول على عادة أهل اللغة في الاستعمال، وعادتهم فيه ما ذكرناه. ألا ترى أنه لا يعقل منه تحريم الجمع بينهما في عقد الشراء.
стр. 81
أو البيع والاستخدام وغير ذل. وإذا صح هذا لم يكن في إباحة غسلها والنظر إليها جمع بينها وبين أختها؛ لأن إباحة النظر إلى أختها هو من طريق الاستمتاع والالتذاذ وليس كذلك النظر إليها في الغسل.
واستدلوا على هذا بقوله ﷺ : "لعن الله من نظر إلى فرج امرأة وابنتها".
والجواب: أن معنى هذا على وجه الاستمتاع بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: ولأن كل من جاز له العقد على أخت زوجته لم يجز له النظر إليها.
أصله: إذا طلقها قبل الدخول.
فالجواب أن ما لم يجز له النظر إليها لأنه لا يجوز لها النظر إليه، وليس كذلك في الموت؛ لأن نظرها إليه حائز؛ فكذلك نظره إليها.
قالوا: ولأن المعنى الذل له جاز أن ينظر إليها هو النكاح، وقد ارتفع بالموت فوجب ارتفاع ما ثبت به، والدلالة على ارتفاعه جواز العقد على أختها، ولو كان حكم النكاح باقيا لم يجز ذلك له، ألا ترى أنه لو طلقها طلاقا رجعيا لم يجز له أن يتزوج؛ لبقاء حكم النكاح.
فجواب: ذلك أنه ينتقض بموت الزوج.
стр. 82
فإن قيل: إذا مات الزوج حكم النكاح باق في حقها وهي العدة.
قيل له: ينتقض بالمطلقة ثلاثا؛ لأنه ليس لها أن تغسل مطلقها، وأن حكم النكاح باقيا في حقها وهو العدة، وأيضا فإن النكاح باق في حق الزوج وهو الموارثة.
فإن قالوا: إن الموارثة إنما تستحق عقيب الموت والنكاح يزول بنفس الموت.
قلنا: وكذلك العدة تجب عقيب الموت فلا فصل.
قالوا: ولأنها فرقة يتعلق بها جواز العقد على الأخت وجب أن تمنع المس والنظر.
أصله: انقضاء العدة بالطلاق.
فالجواب: أن المعنى في ذلك أنها فرقة يحرم بها على الزوجة النظر إلى زوجها، وليس كذلك الموت. وبالله التوفيق.
مسألة
قال-﵀: والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا [ذو] محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها.
ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين، إن يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه، فإن كان امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته.
وإن كان مع الميتة ذو محرم [منها] غسلها من فوق ثوب يستر جميع
стр. 83
جسدها.
قال القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر- ﵀: والأصل في هذا أنه لا يجوز لأجنبية أن تمس بدن أجنبي، وكذلك الرجل لا يجوز له أن يمس بدن امرأة أجنبية منه.
وإذا كان كذلك وجب إذا مات من ليست معه إلا امرأة أجنبية أو ليس معها إلا أجنبي أن يقتصر من غسلها على التيمم. وإنما جاز ذلك لأن النظر إلى الوجه والكفين مباح وما سوى هذا من المرأة عورة لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليه ولا أن يلمسه.
والمرأة تيمم الأجنبي إلى المرفقين؛ لأن هذا الموضع ليس بعورة منه.
وإنما وجب أن يعدل إلى التيمم؛ لأن كل غسل وجب في حرمة عبادة متى عدم فيه عين الماء أو وجده لكن لا طاقة له على استعماله فإنه يعدل منه إلى التيمم.
فأما إذا كان مع أحد من هؤلاء ذو محرم فإن له أن يغسله؛ لأنه لا يجوز له النظر إلى بدنه من غير أن يطلع على عورته.
مسألة
قال- ﵀: [ويستحب] أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة، وما جعل له من أزرة وقيص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر.
وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، أدرج فيها إدراجا
стр. 84
صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما استحبابه أن يكفن في وتر؛ فلأن رسول الله ﷺ كفن في وتر؛ فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لعائشة رضوان الله عليها وهو مريض: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قالت: كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. قال أبو بكر ﵁: خذوا هذا الثوب- لثوب قد أصابه مش أو زعفران- فاغسلوه، ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين.
وروى من غير هذا الطريق أنه كفن في ثوبين.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة- ﵇ كفن في ثوب واحد.
قال هشام: كفن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في ثوب واحد.
وقوله: يستحب المئزر والقميص في العدد.
стр. 85
فلأن المستحب أن يكون عدد أثواب الكفن وترا، وكل ثوب حكمه حكم نفسه؛ لا يضاف إلى غيره
مسألة
قال- ﵀: ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وروى مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كفن في قميصه الذي مات [ق/١٩] فيه.
وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: الميت يقمص، ويؤزر، ويلف بالثوب الثالث. فإنه لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه.
مسألة
قال- ﵀: وينبغي أن يحنط، ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأن
стр. 86
رسول الله ﷺ حنط، وكذلك فعل بالصحابة ﵃؛ فروى أن عليا ﵁ أوحى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو فضل حنوط النبي ﷺ .
وروى أن سعيد بن زيد حنط بمسك.
وروى حميد عن أنس أنه جعل في حنوطه صرة من مسك فيه شعر من شعر رسول الله ﷺ .
ويستحب أن يجعل الحنوط في مغابن جسده وفي موضع السجود منه؛ لأن ذلك أشرف موضع في الجسد؛ قال الله تعالى ذكره: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، وقال : ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾.
مسألة
قال ﵀: ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: هذا قولنا وقول الشافعي.
ووافقنا أبو حنيفة في أنه لا يغسل وخالفنا في الصلاة؛ فقال: يصلى
стр. 87
عليه.
وحكي عن سعيد بن المسيب والحسن أنه يغسل ويصلى عليه.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن [جابرا] أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما أكثر أخذا بالقرآن فيقدمه في اللحد. وقال ﷺ : "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، فأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أنس أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم.
وروى عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ مر بحمزة- ﵇ وقد مثل به- يعني: فصلى عليه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره.
وأيضا فإن الغسل متعلق بالصلاة؛ يجب بوجوبها ويسقط بسقوطها؛ اعتبارا بالأصول كلها كالمسلم والكافر والطفل المستهل والجنين الذي لم يستهل، وليس في الأصول غسل ميت بغير صلاة ولا صلاة بغير غسل.
стр. 88
وإذا ثبت ذلك وكان الشهيد لا يغسل ثبت أنه لا يصلى عليه.
واحتج المخالف بما رواه يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يوضع بين يديه يوم أحد [أحد عشر- رجلا فيصلي عليهم وعلى حمزة]، ثم ترفع العشرة ويبقى حمزة، ثم يوضع العشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة.
وروى عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين من مقتلهم صلاته على الميت.
ولأن وجوب الصلاة على الميت متعلقة بالموالاة؛ بدلالة أن انقطاعها متعلق بالبراءة وقطع الموالاة اعتبارا بسائر الأصول.
ولأنه ميت من أهل الإسلام والطاعة فأشبه غير الشهيد.
ولأنه ليس قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا، والشهادة لا تمنع الصلاة عليه كسائر الشهداء.
فأما الحديث الأول فالجواب عنه أنه ضعيف السند؛ لأن يزيد بن أبي زياد مطعون عليه عند أهل النقل. ومقسم فقد تكلم فيه أيضا.
وحكى عن أبي داود الطيالسي أنه قال: قال لي شعبة: ألا ترى إلى هذا المجنون جرير بن حازم يسألني ألا أتكلم في الحسن بن عمارة، كيف لا أتكلم فيه وهو يروي عن الحكام بن عينية عن مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد. وهذا حماد بن أبي سليمان حدثنا عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد.
стр. 89
وأيضا فإن أصحاب أبي حنيفة لا يمكنهم الاحتجاج بهذا الخبر؛ لأن من أصلهم أن ما تعم البلوى به لا يقبل فيه خبر الواحد، وصلاته على الشهداء مما تعم البلوى به؛ فيجب ألا يثبت بهذا الخبر.
وأيضا فإنا قد روينا أنه لم يصل عليهم ولم يغسلهم، والخبران إذا تعارضا وأحدهما قد أجمع على استعمال شيء منه فإنه يسقط ما لم يجمع على استعمال شيء منه، وقد أجمع في خبرنا على استعمال ترك الغسل؛ فسقط به خبرهم.
وأيضا فإنا نستعمل خبرهم على أحد أمرين: إما على الصلاة التي هي الدعاء، أو على الصلاة المعروفة في غير المقتول في المعترك؛ بدليل خبرنا.
فإن قيل: يستعمل أيضا خبركم فنقول: إن ما روى أنه لم يصل على قتلى أحد معناه: لم يتول ذلك بنفسه.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لم يكن يتولى الصلاة على الجنائز في وقته ﷺ أحد غيره؛ ألا ترى في قصة المسكينة أخبروني لأصلي عليها [ق/٢٠].
فإن قيل: خبركم ناف وخبرنا مثبت؛ فالمثبت أولى من النافي.
قلنا: إن النفي إذا ضامه إثبات كان كالإثبات المجرد الذي لا نفي معه.
وأيضا فإن الترجيح معنا من وجهين.
أحدهما: أن خبرنا ناقل، وذلك أن الأصل في الموتى أنه يصلى
стр. 90
عليهم، فإذا ورد خبر أنه لا يصلى عليهم فذلك ناقل، والناقل أولى من النافل.
والوجه الآخر: أن راوينا شاهد الحال، وراويهم نعلم أنه لم يشاهد الحال؛ لأن إثبات الصلاة على الشهيد لم يروه إلا ابن عباس، وكان له يوم أحد سنتان؛ لأن النبي ﷺ مات وله تسع سنين، وكانت أحد قبل موته ﷺ بسبع سنين؛ فعلم أنه لم يشهد الحال.
فأما حديث عقبة بن عامر فالمراد به الدعاء؛ لأن الصلاة على الموتى بعد ثمان سنين لا تجوز، ولأن ذلك قد فسر في حديث آخر رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ أتى قتلى أحد بعد ثمان سنين فسلم عليهم.
وقولهم يتعلق بالموالاة ينتقض بالغسل؛ لأنه أيضا يتعلق بالموالاة، ومع ذلك فلا يفعل بالشهداء.
فإن قالوا: الغسل لا يتعلق بالموالاة؛ لأن المسلم يغسل أباه الكافر.
قيل له: لا يغسله عندنا؛ فسقط هذا.
واعتبارهم بغير الشهيد باطل؛ لأنه ميت يلزم غسله وليس كذلك الشهيد.
وقوله: ليس في قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا أو الشهادة. لا تمنع الصلاة. لا معنى له؛ لأنا لم نقل أنه لا يصلى عليه لمجرد كونه شهيدا فقط، لكن لكونه مقتولا في المعترك على نصرة أعلى الأمور منزلة وأعظمها قدر وخطرا- وهو التوحيد، لا لكونه شهيدا على الإطلاق؛
стр. 91
فسقط ما قالوه، وبالله التوفيق.
فصل
فأما إذا حمل فعاش بعد ذلك ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه بمنزلة سائر الشهداء الذين عدهم رسول الله ﷺ من المبطون وصاحب الهدم وغيرهما.
وقد روى أن النبي ﷺ صلى على عبيدة بن الحارث وكانت قطعت ساقه فبرئ منها فمات.
فأما المطعون وسائر الشهداء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم، وليسوا كالمقتول بين الصفين؛ لأن ذلك حرمة منهم لما بيناه.
وقد قيل: أكثر الصحابة ﵃ شهداء فغسلوا وكفنوا وصلى عليهم؛ منهم عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.
مسألة
قال ﵀: ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلى [عليهم] الإمام.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما رواه
стр. 92
ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"؛ فعم ولم يخص.
ولأن هذه الأفعال لا تخرجه عن أحكام المسلمين، ألا ترى أنهم يورثون ويدفنون في مقابر المسلمين فكذلك حكمهم في الصلاة عليهم.
وإنما لم يصل الإمام على المقتول في حد أو قود؛ ليرتدع غيرهم عن مثل أفعالهم؛ إذ رأى الأئمة وأهل الفضل قد امتنعوا من الصلاة على من فعل فعله.
ولأن الإمام كأنه خصم له؛ فوجب أن يصلى عليه غيره.
وقد روى أبو [برزة] الأسلمي أن رسول الله ﷺ لم يصل على ماعز ابن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه.
وروى سماك [عن] جابر [بن] سمرة أ، رجلا مرض فصيح عليه. وفي الحديث: أن جارا له رآه قد نحر نفسه بمشقص معه، فانطلق
стр. 93
فأخبر النبي ﷺ فقال: "إذا لا أصلي عليه".
فأما إذا جلد الإمام رجلا في زنا أو شرب فمات من ذلك فإنه يصلى عليه؛ لأن الإمام لم يقتله، وإنما مات من مرض وهم ألم السياط.
وغنما يمتنع الإمام من الصلاة على من قتله دون من فعل به، وربما أدى إلى القتل وربما لم يؤد إليه.
مسألة
قال- ﵀: ولا يتبع الميت بمجمرة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما روى أن النبي ﷺ قال: "لا يتبعالميت بصوت ولا نار"؛ فكره التجمير عنده من أجل النار.
مسألة
قال- ﵀: والمشي أمام الجنازة أفضل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا قولنا وقول الشافعي- ﵀ وقال أبو حنيفة- ﵀: المشي خلف الجنازة
стр. 94
أفضل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه سفيان بن عيينة عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر- رضوان الله عليهما- يمشون أمام الجنازة.
ورواه مالك عن ابن شهاب قال: كان النبي ﷺ يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، والخلفاء إلى هلم جرا، رضوان الله عليهم.
ولفظة (كان) تفيد المداومة والتكرار، ومعلوم أنهم لا يداومون إلا على أفضل الأعمال.
فإن قيل: لا دلالة له فيما ذكرتم لأنه ليس فيه بيان موضع [ق/٢١] الفضيلة، ونحن لا ننكر إباحة المشي أمامها وإ، قلنا: إن المشي خلفها أفضل.
قلنا: لا معنى لهذا الاعتراض، لأنا لم نستدل بمجرد فعله وإنما استدللنا بمداومته عليه، وقلنا: إنه لا يداوم على أفضل الأعمال؛ لأن ما يفعله ليدل به على الإباحة والتعليم إنا يفعله مرة في العمر.
وأيضا فإنا قد علمنا من قصد الراوي أنه أراد أن يخبر عن عادتهم في المشي وما كانوا يداموا عليه.
стр. 95
فإن قيل: هذا [معارض] بما روى يونس عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ كان يمشي أما الجنائز وخلفها.
قلنا: هذا لا يعارض خبرنا؛ لأن خبرنا يفيد فضيلة المشي أمامها لمداومته عليه، وخبركم ليس يفيد أن المشي خلفها أفضل وإنما يفيد تساويهما، وهذا المعنى ساقط بالاتفاق؛ لأن أحدا لا يساوي بينهما وإذا كان ما يقتضيه الخبر متروكا لم تقع به معارضة.
فإن قيل: لفظة (كان) إنما تفيد الماضي دون المداومة والتكرار.
قلنا: في مثل هذا الموضع تفيد التكرار والمداومة بالعرف؛ لأن القائل إذا قال: كان فلان يتصدق ويصوم ويقرى الضيف.
لم يفهم منه أنه فعل ذلك مرة في عمره، بل فهم منه أنه يداوم على هذه الأفعال إلى أن مات، وإنما انقطع بموته.
ويدل على ما قلناه أيضا ما رواه محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ تقدم الناس أما زينب بنت جحش رضوان الله عليها.
فأما من جهة العبرة فقد ذكر فيه أشياء.
أحدها: أن حامل الجنازة لما كان أفضل من الماشي معها بدلالة أن لحاملها أجرين وللماشي أجر واحد، ثم كان الحامل لها من قدام أفضل من
стр. 96
المؤخر؛ كان كذلك الماشي.
وقيل أيضا: إن في مشي الناس أمامها إذنا بها؛ ليتأهب للصلاة عليها، وهذا معدوم في المشي خلفها؛ لأن الناس لا يعلمون ذلك إلا بعد جوازها فربما فتتهم أو ضاق عليهم التأهب للصلاة عليها.
وقيل أيضا: إن الناس إذا تقدموا الجنازة سارت على حسب سيرهم؛ فلم يلحقهم تفاوت في المشي، وإذا ساروا خلفها ساروا بسيرها؛ فربما أبطأ الثقيل المشي عن اللحوق بها.
وقيل أيضا: عن في تقدمهم ضربا من التسلية لأهل المصيبة؛ لأنهم لا يشاهدون الجنازة وحمل ميتهم، وفي كونهم خلفها تجديد المصيبة عليهم ولزومها لهم [كلما] شاهدوها ورأوها.
واحتج من خالفنا بما رواه عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال أبو سعيد الخدري لعلى بن أبي طالب- ﵇: يا أبا الحسن أخبرني عن المشي مع الجنازة أي ذلك أفضل أمامها أم خلفها، فقال علي- ﵇: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على التطوع. قال: يا أبا الحسن أبرأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ .
стр. 97
وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة".
قالوا: والمتبع للشيء هو التأخر عنه لا المتقدم أمامه.
وروى عن علي ﵁ أنه كان يمشي خلفها. وكان أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يمشيان قدامها. فقيل له في ذلك فقال: إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس.
ولأن الجنازة إنما تتبع تعظيما للميت، والمشي خلفها أبلغ في التعظيم؛ فيجب أن يكون أولى وأفضل.
ولأن المشي معها للصلاة عليها فإذا كان الوقوف للصلاة عليها خلفها كان كذلك المشي معها. ولأن المشي خلفها أبلغ في الموعظة ولتتذكر من المشي أمامها؛ لأنه يراها فيتجدد له برؤيتها الخشوع والاتعاظ فكان أفضل.
فالجواب: أن ما رووه من حديث أبي سعيد قد قيل: لا أصل له، ومن أقرب ما يدل على ذلك أن الصحابة والأئمة ﵃ لو عملت صحته لم تكن لتخالفه وتعدل عنه، على أن خبرنا أولى؛ لأنه خبر عن مداومة فعله ﷺ .
وقوله: الجنازة [متبوعة] وليست بتابعة.
لا دلالة فيه؛ لأنه ليس معنى اتباعه لها أن يكون خلفها؛ لأن المتبع قد يكون أما المتبع وخلفه على حسب العادة في ذلك.
стр. 98
وما رووه عن علي في [باب] أبي بكر وعمر ﵄ فالأقرب أنه يكون باطلا؛ لأنه يوجب أنهما تركا الأفضل لا لمعنى يقتضي تركه؛ لأنه ليس في المشي خلفها تثقيل على الناس ولا مشقة [ق/٢٢] حتى يدعاه إلى ما هو أقل ثوابا منه، وعلى أن قد روينا عن عمر رضوان الله عليه خلاف ذلك، وأنه كان يحث الناس على المشي أمام الجنازة فلا ينتقل عن هذا الظاهر بظن عليهم أن مذهبهم خلافه.
وقولهم- المشي خلفها أبلغ في التعظيم- دعوى لا حجة معها؛ لأن المشي أمام الشيء المتبرع قد يكون أبلغ في تعظيمه وذلك على حسب ما جربت به عادة الناس في وجوه ما يتعاطونه من التعظيم، وما مضى عليه من وهم، وليس المرجع في هذا إلى المذاهب واعتبارهم المشي بالوقوف للصلاة باطل؛ لأن ذلك من شروط الصحة، وما تنازعناه فطريقه الفضيلة.
وقولهم: إن المشي خلفها عظة وتذكار.
فبإزائه أن في المشي أمامها تسلية وتخفيفا عن أهل الميت، والموعظة مع ذلك لازمة غير مزايلين لها، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما
стр. 99
رويناه عن النبي ﷺ أنه قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة".
وقد روينا عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين أنهم أوصوا أن يفعل ذلك بهم حال النزع وحال الدفن.
فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه.
فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان.
وقوله: ينصب عليه اللبن؛ فلأن ذلك هو بعد استقرار دفنه، وقد روى أن النبي ﷺ ألحد لابنه إبراهيم، ونصب اللبن على لحده.
مسألة
قال ﵀: ويقول حينئذ: اللهم إن صاحبنا نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك؛ اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما لا طاقة له به، [محمد ﷺ ] وألحقه بنبيه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأن ذلك الوقت أحوج ما يكون إلى [الدعاء] ليصحبه عند نزوله إلى قبره؛ فلذلك استحب.
ومهما قاله من الدعاء جاز، ويستحب ما ذكره؛ لأنه أشبه، وروى عن السلف ﵃ مثله وما في معناه.
стр. 100
مسألة
قال ﵀: ويكره البناء على القبور وتجصيصها.
قل القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: هذا لأن النبي ﷺ نهى عن تجصيص لقبور.
وروى ذلك أيوب عن أبي الزبير عن جابر- ﵀ أن النبي ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه.
وروى أن ابنا لزيد بن أرقم مات فجاء غلامه بجص وآجر لتجصيص قبره ويبنيه. فقال زيد: لا يقربه شيئا مسته النار.
مسألة
قال ﵀: ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأن الغسل تابع للصلاة فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما فيجب لذلك ألا يغسله، ولأن الغسل إنما جعل للمسلم طهارة له، والكافر ليس من أهل الطهارة فلم يغسل.
وروى أن عليا- ﵇ جاء إلى النبي ﷺ فأخبره أن أباه أمت فقال: "اذهب فواره"، ولم يأمره بغسله.
стр. 101
وقد روى بعضهم أنه أمره بغسله. وليس له أصل.
فأما إذا خاف أن يضيع فإنه يواريه؛ لأنه إنما يتركه إذا ناب عنه غيره فيه، فإذا لم يكن له من يكفيه ذلك تعين عليه القيام بأمر مواراته.
مسألة
قال ﵀: واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق؛ وهو أن يحفر للميت تحت الجرف حائط قبله القبر، وذلك إن كانت تربة صلبة لا تتهيل وتنقطع، وكذلك فعل برسول الله ﷺ .
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللحد لنا، والشق لغيرنا".
وروى أن رسول الله ﷺ ألحد لابنه إبراهيم ﵇، ونصب اللبن على لحده.
وهذا إذا كانت أرضا تحتمل ذلك، فأما إذا كانت رخوة يخاف أن تتهيل وتنقطع جاز الاقتصار على الشوق للعذر، والله أعلم.
стр. 102
باب في الصلاة على الجنائز
والدعاء للميت
مسألة
قال ﵀: والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا قولنا وقول كافة فقهاء الأمصار.
وروى عن عمر وعلي ﵄، وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس، وابن أبي أوى، وأبي هريرة، وعمير بن سعيد، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين.
وحكى عن [عبد الرحمن] بن أبي ليلى أن التكبير [ق/٢٣] على الميت خمس، وإليه ذهب الشيعة.
وعن بعض المتقدمين أنه ثلاث، وعن آخرين أن أقله ثلاث وأكثره سبع.
والدليل على ما قلناه السنة والإجماع.
فأما السنة: فروى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى
стр. 103
المصلى فصفهم، وكبر عليه [أربع] تكبيرات.
وروى مالك عن أبي أمامة بن سهل، ووصله غير مالك عن أبيه سهل ابن حنيف أن رسول الله ﷺ صلى على مسكينة، فكبر أربعا.
وروى أحمد بن حنبل عن هشيم عن عثمان بن حكيم الأنصاري عن خارجة بن زيد بن ثابت [عن يزيد بن ثابت] قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما أوردنا البقيع فصفنا خلفه فكبر أربعا.
وروى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أمه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فكبر عليها أربعا.
ورواه ابن عباس وجابر وغيرهم.
وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جميعا عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: صلوا على الميت أربع تكبيرات في الليل والنهار سواء.
وروى بعض من وافقنا عن ابن عباس وابن أبي أوفى أنهما قالا: آخر
стр. 104
ما كبر رسول الله ﷺ على الجنازة أربعا.
وهذا ينسخ كل ما تقدمه مما يخالفه. هذا من السنة.
وأما الإجماع: فما روى عامر بن شقيق عن أي وائل قال: جمع عمر ﵁، الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة؛ فقال بعضهم. كبر النبي ﷺ سبعا، وقال بعضهم: خمسا، وقال بعضهم: أربعا. فحملهم عمر- رضوان الله عليهم- على أربع كأطول الصلاة.
وفي حديث آخر أنه قال: [انظروا] أمرا نجتمع عليه، فاجتمعوا على هذا.
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: سئل عبد الله عن ذلك فقال: كل ذلك قد صنع، ورأيت الناس قد اجتمعوا على أربع.
وفي هذا أشياء:
أحدها: أنه توقيف على الإجماع وأخبار ثبوته.
والثاني: أن ما روي مما يخالف هذا إنما كان قبل الإجماع.
وأما الاعتبار: فقال أصحابنا: لأن التكبير على الجنازة جعل بإزاء عدد ركعات الصلاة، فلما كان أكثر ذلك أربعا كان التكبير على الجنازة مثلها.
وهذا متى سئلنا عن دلالته لم يكن لنا طريق إليه إلا ما رويناه عن عمر
стр. 105
-رضوان الله عليه- أنه جعله أربعا كأطول الصلاة، وذلك بمحضر الصحابة ﵃ فلم ينكر أحد عليه؛ فيعود الأمر إلى الإجماع الذي قلناه.
واستدل من خالفنا بما رواه شعبة عن [عمرو] بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وغنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها.
وروى عن علي- رضوان الله عليه- أنه كبر على سهل بن حنيف خمسا.
ولأن حكم جملة الصلاة على الجناة حكم الركعة الواحدة؛ فوجب أن يكون فيها من عدد التكبير مثل ما في الركعة. ولأن الأخبار لما اختلفت وجب الأخذ بأزيدها.
فالجواب أن ما رووه عن زيد بن أرقم لا تعلق فيه من وجهين:
أحدهما: أنا قد روينا أن آخر فعله ﷺ كان الاقتصار على أربع، وهذا ينسخ المتقدم.
والآخر: هو أنه إذا روى أمران وتقرر الإجماع على أحدهما كان ما استقر الإجماع عليه مسقطا لما عداه.
وقد بينا الإجماع على ما قلناه.
وما رووه عن علي- رضوان الله عليه- فقد روينا عنه خلافه، وأنه صلى على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعا؛ فتعارضت الروايتان؛
стр. 106
فسقطتا. وعلى أن ما رووه مقدم، وما رويناه هو المتأخر؛ لما روي عن عبد خير أنه قال: (قبض علي- رضوان الله عليه- وهو يكبر أربعا) فكان هذا ناسخا لما قبله. وعلى أنه لو لم يثبت عنه رجوعه لكان غيره من الصحابة بإزائه في الخلاف؛ فيجب النظر.
وقولهم: إن حكم حمله الصلاة على الجنازة حكم الركعة الواحدة باطل؛ لأنه دعوى لا دليل عليها بل حكمها حكم عدد ركعات أطول الصلوات، وهذا الاعتبار أولى؛ لأنه اعتبار الصحابة ﵃ على ما بيناه.
وقولهم: إن الأخذ بأزيد الأخبار أولى.
فهذا إذا لم يكن منسوخا، ولا في مقابلته إجماع، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: يرفع يديه في أولهن، وإن رفع في كل تكبير فلا بأس.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى ابن عبد الحكم عنه أنه استحسن أن ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز.
قال ابن القاسم: وصليت معه على جنازة فلم أره رفع يديه لا في تكبيرة الإحرام، ولا في ما عداها.
стр. 107
وروي عنه أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام دون ما سواها.
فوجه قوله: "أنها ترفع في كل التكبيرات". ما روي أن رسول الله ﷺ [ق/٢٤] كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولأنها تكبيرة في القيام؛ فأشبهت تكبيرة الإحرام، ولأنها تكبيرة متوالية؛ فأشبهت تكبيرات العيد.
ووجه قوله: "أنه لا يرفع يديه أصلا". قوله ﷺ : "كفوا أيديكم في الصلاة"، وقوله في حديث ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، ولم يذكر تكبيرات الجنازة.
ولأنها تكبيرات في صلاة لا ركوع فيها؛ فأشبهت التكبير في سجود التلاوة.
ووجه قوله: "أنه يرفعهما في تكبيرة الإحرام دون ما سواها". هو أنها صلاة شرعية تشتمل على تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؛ فكان المستحب رفع اليد مع تكبيرة الإحرام، وترك ذلك فيما بعدها، واعتبارا بسائر الصلوات.
مسألة
قال ﵀: وغن شاء دعا بعد الأربع ثم [يسلم] وإن شاء
стр. 108
سلم بعد الرابعة مكانه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا لأن القيام كله موضع للدعاء في صلاة الجنازة، فإن شاء دعا بعد الرابعة، وإن شاء سلم ولم يدع؛ لأنه قد دعا [فيما] تقدم.
مسألة
قال ﵀: ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها. [وهذا على جهة الاستحباب، فلو عكس صحت الصلاة].
قال القاضي أبو محمد- ﵀: وهذا لأن ذلك مروي عن جماعة من الصحابة والسلف ﵃؛ فاستحب الاقتداء بهم فيه. وقد رويت فيه أخبار مرفوعة مختلفة بهذا وغيره، إلا أن المستحب ما ذكرناه.
مسألة
قال ﵀: والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفيفة للإمام والمأموم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: قوله: "إنها واحدة" فلأنها تحليل من الصلاة؛ فأشبهت سائر الصلوات.
وأما استحباب إخفائها فكذلك روى عن الصحابة ﵃،
стр. 109
وروي أن عليا- ﵁ صلى على يزيد بن المكفف بتسليمة خفيفة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى، وخلق كثير من الصحابة ﵃ والتابعين.
مسألة
قال ﵀: وفي صلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا.
قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- ﵀: روى ذلك أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد".
ولا خلاف أن وقت استحقاق القيراط الأول هو الفراغ من الصلاة.
وأما وقت استحقاق القيراط الثاني فيجب أن يكون بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك.
ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يستحق بوضع الميت في اللحد.
والثاني: أنه يستحق بدفنه، وضم التراب عليه.
والثالث: أنه يستحق بالفراغ [الكلي] منه ومن أموره.
والدلالة على ما قلناه قوله ﷺ : "ومن تبعها حتى تدفن فله
стр. 110
قيراطان"، وظاهر هذا يقتضي الفراغ من الدفن وتوابعه، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: ويقال في الدعاء على الميت [محدود] غير شيء وذلك كله واسع، ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، [جئنا] شفعاء له فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له؛ إنك ذو وفاء وذمة. اللهم قه [من]، فتنة القبر ومن عذاب جهنم. اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز [عن سيئاته].
اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما
следующие страницы →