Полный текст (831 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قال ﵀: "ويؤخذ من تجار الحربين العشر، إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك".
قال القاضي ﵀: هذا لأن المعنى الذي له أخذت من أهل الذمة موجود في تجار أهل الحرب، بل هم أولى به، وعموم الخبر ينتظمهم، فلذلك أخذ منهم. فإن بدلوا أكثر منه جاز أخذه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وفي الركاز- هو دفن الجاهلية- الخمس على من أصابه".
قال القاضي ﵀: وهذا لقوله ﷺ : "المعدن جبار، في الركاز الخمس".
فأوجب أن يؤخذ منه الخمس، وأخبر أنه غير المعدن، لأنه لو كان هو المعدن لكان مكررا للكلام من غير فائدة.
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، فأغنى عن إعادته. وبالله التوفيق.
стр. 422
باب في زكاة الماشية
مسألة
قال القاضي أبو محمد- ﵀: قد دللنا على وجوب الزكاة في الجملة بظواهر من الكتاب والسنة وما ذكرناه من إجماع الأمة، والكلام على تفصيل ذلك يأتي في أعيان المسائل، ووجوب الزكاة في الماشية داخل فيما قدمناه.
ومن الدليل على ذلك أيضا: ما رواه ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "من كانت له إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها على ما نفذت أخراها عادت عليه أولادها".
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: القاع: المكان المستوي ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض.
قال أبو عبيدة: وهو القيمة أيضا، قال الله : ﴿كسراب بقيعة﴾، القيعة جمع قاع، القرقر: المستوى.
أيضا قال عبيد بن الأبرص يصف الإبل:
стр. 423
هذلا مشافرها بما حناجرها ... تزجي مرابعها في قرقر ضاحي
فالقرقر: المكان المستوي.
والضاحي: الظاهر البارز للشمس.
وقد روى في بعض الحديث: "بقاع قرقر" وهو مثل القرقر في المعنى.
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل: ففيها جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسعة.
ثم في العشرة: شاتان إلى أربعة عشر.
ثم في خمس عشرة: ثلاث شياه إلى تسع عشرة.
فإذا كانت عشرين: فأربع شياه إلى أربع وعشرين.
ثم في خمس وعشرين بنت مخاص- وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر- إلى خمس وثلاثين.
ثم في ستة وثلاثين بنت لبون- وهي بنت ثلاثين سنين- إلى خمس وأربعين.
ثم في ست وأربعين حقة- وهي [ق/٩٤] التي يصلح على ظهره الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين- إلى ستين.
ثم في إحدى وستين جذعة- وهي بنت خمس سنين- إلى خمس
стр. 424
وسبعين.
ثم في ست وسبعين ابنتا لبون، إلى تسعين.
ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة.
فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فقال القاضي أبو محمد بن علي- ﵀: أما نفيه الصدقة عما دون الخمس من الإبل فلما رواه مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبي سعيد الخدري أن رسولا لله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
ولا خلاف في ذلك.
وأما إيجاب الصدقة فيها على الترتيب الذي ذكره، فلتواتر الأخبار عن النبي ﷺ بذلك، فروى يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، فذكر إلى أن قال:
стр. 425
"وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثون، فإذا زادت على خمس وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت على الستين واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت خمس وسبعين واحدة ففيها بنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى أن تبلغ مائة وعشرين، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل".
ورواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن عمارة بن عونة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن هذا كتاب رسول الله ﷺ ثم ذكر نحوا من لفظ الحديث الأول.
وروى حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا، وكتبه له فإذا فيه: "هذه فريضة الصدقة".
وقد روى مسندا متصل السند من غير طريق حماد: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى المالكي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين ابن إسماعيل الباهلي قال: حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا محمد بن
стр. 426
عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثنا أبي عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة أن أنسا حدثه أن أبا بكر الصديق- ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض الله على المسلمين التي أمر الله بها رسول الله ﷺ فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطها: في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فيها بنت مخاض أنثى فابن لبون وليس معه شيء. فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون. فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. فإذا بلغت واحدا وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستة وسعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل. فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة ... " وذكر باقي الحديث.
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر- ﵁ حتى قبض، ثم عمل به عمر- ﵁ حتى قبض، وكان فيه: من خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى
стр. 427
خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وقد رويت على هذا الترتيب أخبار كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ولا خلاف أنه لا شء فيما دون الخمس من الإبل وإن كان في الخمس شاة وفي العشر شاتين، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه. والدلالة [ق/٩٥] عليه ما قدمناه من الأخبار.
فصل
وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهو قول الفقهاء كافة، وحكى عن علي بن أبي طالب- ﵁ أنه كان يقول: في خمس وعشرين خمس شياه.
وذكر أهل الخلاف أنه قول الشعبي وشريك، فروى أبو بكر بن الجهم قال: حدثنا بشير بن موسى قال: حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: في كل خمس وعشري خمس شياه.
стр. 428
قال: وحدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبي قال أبو نعيم بهذا الحديث، ثم قال فيه قال سفيان: كان علي أفقه من أن يقول هذا.
قال لي موسى: أتراه اتهم أبا أسحاق؟ ما وقعت التهمة إلا على عاصم.
واستدل لهذا القول بحديث روى بهذا الإسناد عن علي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال: "خمس وعشرين من الإبل خمس شياه".
ولأن الخمس التي فوق العشرين نصاب وقصه أربع، فوجب أن يكون فرضه شاة.
أصله: الخمسات التي قبل العشرين، وإن شئت قلت: كل فرض يتغير بخمس من الإبل، فالواجب فيها شاة اعتبار بما دون العشرين.
ودليلنا: ما رويناه من حديث عمرو بن حزم، وابن عمر، وأنس عن النبي ﷺ وفيها: في خمس وعشرين بنت مخاض.
فدل ذل على ضعف ما رووه.
على أنه مقابل بالأخبار التي رويناها، ونرجحها بأنه لم يختلف على رواتهان وبعلم الأئمة والخلفاء وكافة أهل العلم، وبشهادة الأصول أيضا لها، وذلك أنهم ليس في أصول صدقة الماشية اتصال فرضين من غير
стр. 429
وقص يتخللهما، فإيجاب هذا خلاف الأصول.
وإذا جعلنا في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ستة وعشرين بنت مخاض فقد أوجبنا خلاف الأصول.
فاما قياسهم على الخمس قبل العشرين فالمعنى فيه أنه يليه نصاب هو خمس، فلذلك كان فيه شاة، وليس كذلك الخمس الزائدة على العشرين.
والله أعلم.
فأما قوله: إن الشاة التي تؤخذ في الإبل من غالب أغنام أهل ذلك البلد، فلأن النبي ﷺ لما أطلق ولم يعين فقال: "في خمس من الإبل شاة" لم تكن الشاة مأخوذة من مال له موجود وجبت فيه معتبر به وجب أن يرجع فيها إلى غالب أغنام أهل ذلك البلد، لأنه ليس إلا هذا.
وتكليفه الأعلى فيكون في ذلك إضرار به، فكان العدل ما قلناه.
إذا ثبت أن في خمس وعشرين بنت مخاض فإن وجدها الساعي في إبله أخذها، فإن لم توجد في إبله فابن لبون ذكر.
وإنما قلنا ذلك لما رويناه في حديث عمرو بن حزم، وأنس وابن عمر أن في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر.
فأما وجه قيام ابن لبون مقام بنت مخاض من وجهة المعنى فقد قيل فيه: إن ابن لبون فيه شرف من وجه ونقص من وجه، كما أن في بنت مخاض شرفا من وج ونقصا من وجه، فشرفها الأنوثية، ونقصها قصورها أن ترعى من الإبل أو ترد الماء لصغرها.
وأما فضيلة ابن لبون فتكمنه من ورود الماء مع الإبل، لأنه أكبر سناً من
стр. 430
بنت مخاض، ونقصه كونه ذكرا.
فكان في النظر والعدل جعله بدلا منها.
فصل
إذا وجد في مال رب المال بنت مخاض لم يكن للساعي أخذ ابن لبون ولا غيرهن وبه قال الشافعي.
وقال ابن حنيفة: يجزئه إخراج ابن لبون مع وجود بنت مخاض إذا تساوت قيمتها.
وبناه على أصله في جواز اخذ ابن لبون موقوفا على عدم بنت مخاض لوجب اعتبار عدمها من ملكه وعدم ما يشتريها به، واعتبارا بسائر الأبدال لما اعتبر في جوازها عدم الأصل اعتبر أيضا عدم القدرة على شرائه، ألا ترى أن القادر على شراء رقبة في الكفارة كالمالك لها، وكذلك القادر على ابتياع ماء في الطهارة كالمالك له. وفي اتفاقنا على جواز أخذ ابن لبون مع القدرة على شراء بنت مخاض دلالة على أن جواز أخذه غير موقوف على عدمها.
قالوا: ولأن ابن لبون لما كان فرضا ينوب مناب فرض مقدر في الصدقات لم يقف جواز أحدهما على عدم الآخر.
دليله: المائتان من الإبل إذا اجتمع فيه الفرضان.
قالوا: ولانه لما تعتبر القدرة على بنت مخاض لم يعتبر وجودها في ملكه، اعتبارا بسائر أنواع الحيوان.
стр. 431
والدلالة على ما قلنا ما رويناه من حديث عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن.
وفي الحديث: "فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر".
وفي حديث أبي بكر الذي كتبه لأنس: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ . فذكر إلى أن [ق/٩٦] قال: فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر.
وكذلك في حديث ابن شهاب في الكتاب الذي استنسخه عمر بن عبد العزيز.
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض، فهي واجبة سواء أخرج ابن لبون أم لا.
وإذا صح أن وجوبها باق ثبت أن ابن لبون لا يجزئ إخراجه مع وجودها.
والوجه الآخر: أنه شرط في إخراج ابن لبون عدم بنت مخاض في المال، فقال: "فإن لم توجد فابن لبون"، وهذا لفظ الشرط بلا خلاف.
وإذا ثبت ذلك وجب إذا أخرجه مع جودها ألا يجزئه، لعدم الشرط الذي جوز إخراجه معه.
وأيضا فلأن كل حق تعلق بمال ونقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجود أصله، اعتباراً بالكفارات.
стр. 432
فأما قولهم: لو كان عدمها شرطا لكان عدم ثمنها شرطا: فدعوى عارية عن حجة، على أن يبطل على أصلهم بالقادر على أن يتزوج حرة، لأن له عندهم أن يتزوج أمه وإن كان قادرا على الحرة، وليس له ذلك إذا كانت الحرة تحته. فقد فرقوا بين وجود العين وبين القدرة عليها.
على أن الفرق بين الزكاة والكفارة تتعلق بالذمم دون الأعيان، والزكاة تتعلق بعين المال دون الذمة، فاعتبر وجود المبدل في المال دون غيره.
وأيضا فإن عدم القدرة إنما يشترط في موضع تمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يصح.
ومن معه خمس وعشرون من الإبل فمعلوم أنه قادر على شراء بنت مخاض، فلا يجوز أن يقال: إنه لو كان عدمها شرطا لكان عدم القدرة عليها شرطا، لأن عدم القدرة هاهنا لا يصح، ويبين ذلك أنه لو صرح فقال: من كان عنده خمس وعشرين، وليس معه بنت مخاض، ولا يمكنه شراؤها فليخرج ابن لبون لكان ذلك مناقضة، فبان بذلك أن ما اعتبروه لا يصح في هذا الموضع.
فأما بناؤهم ذلك على جواز أخذ القيم في الزكاة فإنا نخالفهم فيه، ونحن نتكلم عليه في موضعه إن شاء الله.
فأما اعتبارهم بالمائتين إذا اجتمع فيها الفرضان: فباطل، لأن الواجب فيها أخذ السنين على التخيير، فليس كذلك في مسألتنا، لأن الواجب فيها على طريق للبدل والترتيب دون التخيير. واعتبارهم بسائر الحيوان باطل، لأنه لا مدخل له في ذكل، لا بوجوب ولا بغيره. والله أعلم
стр. 433
فصل
فأما قوله: "في ست وثلاثين بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيهما حقتان إلى عشرين ومائة".
فلا خلاف فيه بين أهل العلم أنه على هذا الترتيب.
ويدل عليه أيضا الأخبار التي رويناها، وهي واردة على هذا السياق والنظام.
فصل
وقوله: "وما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فالخلاف فيه من وجوه: فأما أبو حنيفة فإنه يقول: يستأنف الفريضة على ما كانت عليه في الابتداء، فيكون في مائة وعشرين حقتان، وفي ثلاثين ومائة حقتان وشاتان، وفي خمس وثلاثين ومائة حقتان وثلاث شياه، وفي أربعين ومائة حقتان وأربع شياه، وفي خمس وأربعين ومائة حقتان وبنت مخاض، وفي خمسين ومائة ثلاث حقاق، وفي خمس وخمسين ومائة ثلاث حقاق وشاة على هذا الترتيب، وليس في ذلك بنت لبون إلا ما يجئ في الفريضة على حسب الابتداء.
стр. 434
وعلى مذهب مخالفنا لا تتكرر بنت لبون قبل المائة وخمسين وتتكرر بعد ذلك.
وحكى عن حماد بن سليمان، والحكم بن عتبة أن في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض.
وذهب ابن جرير إلى أن الساعي بالخيار إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ حقتين وشاة.
وعندنا وعندن الشافعي وأهل الظاهر أنه يؤخذ منها على حساب كل خمسين حقة، وكل أربعين بنت لبون على اختلاف بيننا في كمية الزيادة على المائة والعشرين سنذكره فيما بعد.
واستدل أهل العراق بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم عن النبي ﷺ أنه قال في كتاب الصدقات: فإذا كانت الإبل مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا كان أكثر من ذلك فاعدد في كل خمسين حقة. وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة. فلا يخلو أن يكون أراد أن ذلك حكم الابتداء أو حكم الزيادة على مائة وعشرين، ولا يجو أن يكون أراد به الابتداء؛ فإنه تقدم ذكره مفسرا حمل ما بعد ذلك عليه يسقط فائدته.
ولأن من حق الكلام أن يرجع إلى ما يليه، ولا يحمل على ما تقدمه إلا بدليل.
وإذا بطل هذا صح أنه أراد به ما زاد على المائة والعشرين [ق/٩٧]
стр. 435
قالوا: وروى الحصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده عمرو بن حزم ذكر فرائض الإبل، وفيه: فإذا كانت الإبل أكثر من عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة فما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم؛ في كل خمس ذود شاة.
قالوا: وروى زهير وشريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة".
قالوا: ولأنه سن يتكرر قبل المائة؛ فوجب أن يتكرر بعد المائة.
أصله: الحقاق، وبنات اللبون.
قالوا: ولأنكم إذا قلتم أن في المائة وأحد وعشرين حقتين وثلاث بنات لبون فلستم تنفكون من مخالفة الخبر الذي رويتموه ومن مخالفة الزكاة؛ وذلك أن النبي ﷺ أوجب في كل أربعين بنت لبون. وعلى قولكم في كل أربعين ثلاث، وهذا خلاف الخبر.
وإن أوجبتم بنات اللبون في المائة والعشرين دون الواحدة الزائدة خالفتم أصول الزكاة؛ لأن أصول الزكاة مبينة على أن كل ما تغير به الفرض فإنه الفرض متعلق به ومأخوذ منه؛ يدل على ذلك الخامسة والعشرون، والسادسة والثلاثون وغير ذلك.
قالوا: وروى ما قلناه عن عمر، وعلين وابن مسعود ولا مخالف لهم.
стр. 436
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه الزهري عن أبي بكر عن عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة- يعني: على تسعين- ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقه الفحل".
وما رويناه من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر كتب له حين بعثه مصدقا بكتاب فيه: هذا فريضة الصدقة التي فرضها الله على عباده، وفيه: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، وإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
ووجه الاستدلال من هذه الأخبار هو أنه لا يخلو أن يكون أراد في كل أربعين وكل خمسين تزيد على المائة والعشرين دون المائة دون المائة والعشرين فهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق.
وهذا فرق الإجماع.
أو أن يكون أراد في الجميع في الزيادة والمزيد على معنى بحساب أن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فهذا نص قولنا، وخلاف قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة يقول: في
стр. 437
مائة وثلاثين حقتان وشاتان، والأخبار التي رويناها توجب أن فيها حقة وابنتا لبون، فما قالوا خلاف الخبر.
ويدل على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب- ﵁.
قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر. فذكر الحديث وقال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق إلى ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وبنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون. أي السنين وجدت أخذت.
وأيضا ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حبيب بن أبي حبيب حدثنا عمرو بن حرام قال: حدثنا محمد بن عبد
стр. 438
الرحمن الأنصاري قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطاب، فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب رسول الله ﷺ ووجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر مثل كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات فنسخا له.
قال محمد بن عمرو بن هريم أنه طلب آل محمد بن بد الرحمن أن ينسخه ما في ذانيك الكتابين [ق/٩٨] نسخ له ما في هذا الكتاب من صدقة الإبل والبقر والغنم والذهب والورق والتمر أو الثمر والحب والزبيب: إن الإبل ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة حتى تبلغ تسعا، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ أربع عشرة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ تسع عشرة فإذا زادت واحدة ففيها أربع إلى أن تبلغ أربع وعشرين ... فذكر إلى أن قال: فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فليس فيما زاد فيها دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقه ... وذكر الحديث.
وهذان الخبران نصان في موضع الخلاف من عدة وجوه.
على أنه لو اقتصر في الاستدلال على موضع الخلاف كفى.
وأيضا قوله ﷺ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "خذ الإبل من الإبل، والبقر من البقر، والشاة من الغنم".
وهذا يدل على أنه لا يؤخذ من الإبل إلا منها، إلا أن يقوم دليل.
وأما من جهة الاعتبار فهم أنا وجدنا ما قبل المائة والعشرين من النصب أقرب إلى النصب التي تجب فيها الغنم مما دون المائة والعشرين، فلما لم تعد الشاة فيما قبل المائة مع كونها أقرب كانت بأن لا تعود فيما يعدها أولى.
стр. 439
وأيضاً فإن أصول الزكاة مبنية على أن المأخوذ من الشيء من جنسه لا من غير جنسه، ألا ترى أن الواجب في الغنم والبقر والذهب والورق من جنسها لا من غيرها. وإذا صح ذلك ثم وجدنا الإبل تؤخذ في أوائلها من غير جنسها- وهو الغنم- اعتبرنا المعنى في ذلك فإذا أنه من أجل الضرورة، وهو أن الخمس من الإبل مال قليل لا يحتمل المواساة منه، وكذلك العشرة والعشرون لا يحتمل أنه يؤخذ منها الخمس أو العشر. ثم إذا كثرت الإبل واحتملت أن يؤخذ منها أخذ منها، وزال هذا المعنى.
وإذا ثبت ما قلناه، وكان ما زاد عن المائة والعشرين من الكثرة حيث يحتمل المواساة منه، وأن يخرج من جنسه، وجب أن يؤخذ منه ولا يعود إليه شيء من غير جنسه، لزوال المعنى الموجب لذلك.
وأيضا فإن المأخوذ من جنس الشيء آكد حكما من المأخوذ من غير جنسه، لأن الأخذ من الجنس هو الأصل، والأخذ من غيره إنما يكون لمعنى بعرض من ضرورة أو غيرها.
وإذا ثبت ذلك ثم وجدنا الجذعة لا تعود بعد المائة والعشرين وهي من جنس الإبل كانت الغنم التي ليست من الجنس بأن لا تعود أولى.
وأيضا فإنا نعلل على رواية ابن القاسم، وابن عبد الحكم وهو أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة على المائة والعشرين فنقول: لأن ما زاد على أحد وتسعين إلى مائة وعشرين وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بزيادة السن والعدد، فوجب أن يتغير الفرض في بزيادة الواحد عليه، اعتبارا بسائر الأوقاص، ألا ترى أن الوقص الزائد على العشرين أربع لم يتغير الفرض بزيادة الخامسة فتكون فيها بنت مخاض إلى خمس
стр. 440
وثلاثين، ثم يتغير الفرض بزيادة واحدة إلى بنت لبون، وكذلك سائر الأوقاص بعده.
فإن قيل: لسنا نسلم أن وقص الحقتين محدود في الشرع.
قيل له: الذي يدل على أنه محدود قوله ﷺ : "إذا كانت أحد وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة" فجعل المائة والعشرين حدا له، فبطل ما قالوه.
فأن قيل: ينتقض بأوقاص الغنم، لأن في المائتين شاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم لا يتغير الفرض إلا بزيادة مائة أخرى.
قيل له: لا يلزم هذا على ما قلناه، لأنا قد احترزنا منه بأن قلنا: في جنس يتغير الفرض فيه إلى زيادة السن تارة والعدد أخرى، وهذا في الإبل دون الغنم، ألا ترى أن في الخمس وعشرين بنت مخاض، ثم يتغير الفرض إلى زيادة السن، وهو بنت لبون وحقة وجذعة، ثم يتغير بعد إلى زيادة عدد، وليس كذلك الغنم، لأن الفرض لا يتغير فيها إلى زيادة سن، وإنما يتغير إلى زيادة العدد فقط.
وأيضا فإنا نقيس بنت مخاض على الجذعة فنقول: لأنها سن لا تتكرر قبل المائة فوجب ألا تتكرر بعدها، اعتبارا بالجذعة.
فإن قيل: لا تأثير لهذا، لأن ما يتكرر قبل المائة أيضا لا يتكرر عندكم، وهي الغنم.
قيل له: قد وجدنا التأثير في بنات اللبون والحقاق، فكفى في ذلك، ولو قلنا: سن من الإبل لزال هذا الاعتراض.
стр. 441
وأيضا فلأنها عدد من الإبل بل قد أخذ منها من جنسها فوجب ألا يؤخذ منه من غير جنسها، اعتبارا بالمائة والعشرين.
وإذا ثبت هذا فالكلام على أخبارهم من طريقين:
أحدهما: الترجيح.
والآخر: الاستعمال.
فأما الترجيح: فهو أن أخبارنا أصح سندا، وأثبت نقلا، وما رووه مختلف في وفي عدالة ناقليه.
أما ما رووه عن عمرو بن حزم فقد عارضه من طريقه ما رويناه.
وحديث قيس بن سعد فيه من الضعف ما تغني شهرته عن ذكره.
وحديث عاصم عن علي قد ضعف راويه، وقيل: إنه أخطأ فيه. واختلف أيضا فيه هل هو من قول النبي ﷺ أو من قول علي- رضوان الله عليه.
وفيه أيضا حكم [ق/٩٩] قد اتفقنا على خلافه، وهو قوله: "في خمس وعشرين خمس شياه".
وليس في أحاديثنا ما ضعف نقلته واختلف في سنده أو اختلف على راويه.
وأيضا فلأن الأئمة عملت بأخبارنا، روي ذلك عن أبي بكر وعمر- على ما ذكرناه- وروي عن علي- رضوان الله عليه- عن النبي ﷺ مثل ما قلناه.
وأيضا فإن خبرنا متفق على استعمال بعضه- وهو ما دون المائة
стр. 442
والعشرين- ومختلف في بعضه. وخبرهم متفق على ترك بعضه- وهو إيجاب الشاة في خمس وعشرين- ومختلف في البعض- وهو موضع الخلاف.
وأما الاستعمال فهو أن نقول: أما الحديث الذي رويتموه أولا عن عمرو بن حزم، وهو قوله ﷺ : "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة" قيل فيه مثل ما لكم، وهو قوله: "فما زاد على المائة والعشرين فاعدد في كل خمسين حقة"، وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الزيادة وحدها، وإنما أراد الزيادة والمزيد عليه، فحملنا قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين" على الابتداء.
فإن قالوا: لا يصح هذا، لأنه قد ورد في الابتداء مفسرا، فلا يجوز أن يقال بلفظ مجمل.
قلنا: ولا يجوز أن نزيل قوله: "في كل خمسين حقة" عن ظاهره.
وإذا لم يمكنهم استعمال هذا اللفظ على العموم حملوه على ما زاد على الخمس والعشرين، لأجل قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شياه" جاز لنا نحمل هذا على الابتداء ليسلم عموم اللفظ الآخر.
فإن قالوا: ليس في استعمالنا إسقاط لفائدة أحد اللفظين، وفي استعمالكم إسقاط لفائدة لفظنا حمله على التكرار.
قلنا: إذا كان في حمله على الابتداء سلامة لعموم اللفظ في كل زيادة ساغ ذلك كما ساغ لكم تخصيص لفظنا ليسلم لكم حمل لفظكم على الاستئناف. على أن في حمله على الابتداء فائدة، وهي التأكيد وإيراده
стр. 443
فلفظ مجموع وليس ذلك في أول الخبر.
فأما قوله: فما زاد استؤنفت الفريضة: فمعناه: استؤنفت الفريضة بترتيب آخر، وفرض مستأنف، وهو في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
فإن قالوا: نحن أيضا نستعمل فنقول: قوله: "في كل أربعين بنت لبون" على سبيل القيمة.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن إخراج القيمة في الزكاة غير جائز.
والثاني: أن القيمة تنوب عن المنصوص، ولابد أن يبين المنصوص حتى تخرج القيمة عنه، والمنصوص هو ابن لبون وحقة، فلم يجز أن يكون هو القيمة.
والثالث: أن هذا المقدار من العدد لا يختص بالقيمة، فلا معنى لحمله عليه، ولا لبنات لبون أيضا اختصاص بالقيمة حتى لا يجزئ إخراج غيرها.
فبطل ما قالوه.
ومن الترجيح أيضا إسناد أخبارنا إلى عموم قوله: "خذ الإبل من الإبل"، وما ذكرناه من شهادة الأصول، لكون المأخوذ من الجنس هو الأصل، وأنه آكد حكما من غيره.
وأما قولهم: إنه سن يتكرر قبل المائة فوجب أن يتكرر بعدها اعتبارا بالحقاق وبنات اللبون فغير صحيح، لأنا قد بينا أن ما كان من جنس الشيء فهو آكد حكما من الذي ليس من جنسه، لأن الآخذ من الجنس هو
стр. 444
الأصل، والآخذ من غيره ليس بأصل، وإنما يكون لعلة أو سبب مراعي، فلم يمتنع تكرار ما هو آكد حكما، ولا يجب لذلك أن يكون الأضعف مثله.
وأما قولهم: إنكم لا تنفكون من مخالفة الخبر أو الأصول، لأنكم إن أوجبتم في كل أربعين وثلاث بنت لبون خالفتم الخبر، وإن أوجبتم في الأربعين وحدها وجعلتم الواحدة وقصا خالفتم الأصول فعنه جوابان:
أحدهما: أنا نقول: إن فرض الحقتين باق إلى أن تكون ثلاثين ومائة على رواية عبد الملك وأشهب عن مالك، وهي القياس عند أصحابنا، فالسؤال غير لازم على هذه الرواية.
والجواب الآخر: هو أنا إن قلنا: إن الفرض يتغير بزيادة الواحدة لم يلزم أيضا ما قالوه، لأنه ليس في ذلك مخالفة الخبر كما نقول: إن في أحد وتسعين حقتين، ولا نقول: إن في كل خمس وأربعين ونصف حقة، بل نوجب ذلك جملة لا تفصيلا.
وليس في ذلك مخالفة الأصول، لأنه قد وجد ما يعتبر به الفرض، ولا مدخل له فيه، وهو الأخوان مع الأبوان يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس، ولا يرثان شيئا.
فإذا ثبت ذلك بطل ما قالوه.
وبالله التوفيق.
стр. 445
فصل
فأما الزيادة التي يتغير فيها فرض الحقتين فقد اختلف أصحاب مالك فيها، واختلف أيضا عن مالك، فروى ابن القاسم، وابن عبد الحكم أن الفرض يتغير بزيادة واحدة، فيكون الساعي مخيرا إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ ثلاث بنات لبون.
وقاله من أصحابنا عبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، ومطرف، وأصبغ.
وهو قول عبد الملك بن حبيب، وروي عنه أن الفرض لا يتغير إلا بزيادة عشرة، فإذا مكث ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنتا لبون. وهي رواية أشهب وعبد اللملك بن الماجشون، وإلى ذلك ذهب المغيرة وعبد الملك.
فوجه رواية ابن القاسم: ما روى في حديث عمرو بن حزم وأنسب أن في أحد وتسعين حقتين إلى [ق/ ١٠٠] عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فأطلق الزيادة ولم يقيدها، فوجب أن يتعلق الحكم بأي زيادة كانت.
وفي حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب- ﵁ أقرأنيها سالم بن عبد الله ... فذكر إلى أن قال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بالزيادة في
стр. 446
السن والعدد، فوجب أن يتغير فرضه بزيادة الواحدة.
أصله: سائر الأوقاص.
ولأن الوقص لا يلي وقصا، فلو اعتبرنا المائة والعشرين عشرا أخر كنا قد اعتبرنا وقصا بعد وقص، وهذا خلاف ما بنيت عليه أوقاص الإبل وفرائضها.
ووجه رواية عبد الملك وأشهب وهو ما رويناه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كتب كتاب الصدقة. فذكر الحديث إلى قوله: "ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" فاعتبر في تغيير الفرض على المائة والعشرين أن تكثر الإبل عنها، وزيادة الواحدة لا تكثر بها المائة والعشرون.
وأيضا ما رواه محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب النبي- ﷺ وكتاب عمر في الصدقات، فنسخا له. فذكر الحديث إلى قوله: "فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة، وليس فيما زاد فيما دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة"
وهذا نص.
ولأن أصول الزكاة موضوعة على أن كل زيادة غيرت فرضا كانت داخلة فيه، فلو قلنا: إن الفرض يتغير بالواحدة والاثنين لكان في ذلك مخالفة الخبر، وإيجاب لبنت لبون في كل أربعين وثلاث وذلك خلاف الخبر.
وإن قلنا: إن الفرض يتغير بها ولا تدخل فيه كان في ذلك خلاف
стр. 447
الأصول.
فإن قيل: نقول في هذا كما نقول في أحد وتسعين أن فيها حقتين في الجملة ولا نفصل.
قيل له: لا يصح ذلك، لأن في أحد وتسعين تعلق الفرض بالجملة، فلم يحتج إلى التفصيل، وفي أحد وعشرين ومائة تعلق الفرض بالتفصيل، لأنا نأخذه منها على حسب كل أربعين.
وإذا كان كذلك بان سقوط ما ذكروه.
فأما قوله: (فما زاد على ذلك)، وتعلقهم بأن إطلاق الزيادة تتضمن الواحدة والعشرة: فإنه دليلنا، لأن النبي ﷺ اعتبر الحساب بهذين العددين، فوجب أن يشترط في ذلك عددا يصح فيه، وليس ذلك إلا في ثلاثين ومائة دون ما دونها.
فإن قيل: ولم قلتم ذلك وما أنكرتم من حمل قوله: (وإن زادت) على العموم في القليل والكثير؟
قلنا: من قبل إنه ﷺ لما قال: ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون نبه بذلك على عدد يكون أربعينات وخمسينيات.
فإن قيل: إنما أراد بحساب كل خمسين وكل أربعين بنت لبون.
قلنا: يجوز أن يكون أراد الحساب مفردا من غير اعتبار عدد المال، ولكن الظاهر أنه أراده في مال لم يكن ذلك فيه، ويبين ذلك أنه لم يذكر حكم الوقص الباقي عنها بشيء كما بين حكمه فيما قبل المائة، فدل ذلك على أن العدد الذي اعتبره لا وقص فيه.
стр. 448
وأما ما رووه من قوله: (فإذا زادت واحدة): فليس بمحفوظ من طريق صحيح. ولو صح لكان معارضا بما ذكرناه، ومرجحا عليه بأن خبرنا وارد بلفظين: صريح، وكناية وهو قوله: (فإذا كثرت الإبل) والمعنى في سائر الأوقاص دخولها في الفرض، فلذلك غيرته وليس كذلك الواحدة الزائدة على المائة والعشرين.
وقوله: (الوقص لا يلي وقصا): ينتقص بزكاة الغنم، لأن في المائتي شاة وشاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة شاة، ثم لا شيء في الزيادة حتى تكمل مائة.
ويمكن أن يقال: لأنه وقص محدود يعتبر الفرض بعده بحساب عدد علق عليه، فوجب ألا يعتبر الفرض فيه إلا بحصول عدد لا وقص فيه، اعتبارا بالغنم، لأن الوقص بعد المائتين والشاة هو إلى الثلاثمائة ثم ما زاد على ذلك وقص إلى المائة، كذلك ما بعد الأحد والتسعين إلى المائة والعشرين، وما زاد على ذلك إلى المائة والثلاثين.
وبالله التوفيق.
стр. 449
فصل
إذا أجبنا برواية ابن القاسم أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة فإنه يتغير إلى تغيير الساعي بين حقتين والثلاث بنات لبون.
وذهب ابن القاسم والشافعي إلى أن فيها ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو قول الزهري. واستدلوا بحديث ابن شهاب أنه قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ في الصدقة أقرأنيها سالم بن عبد الله ... وقد ذكرناه فيما تقدم: "وإن كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون" وهذا نص [ق/ ١٠١].
فالدلالة على ما قلناه قوله ﷺ في سائر الأخبار: فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
فإذا اعتبرنا تغيير الحكم بزيادة الواحدة ورجعنا إلى الحساب كان فيه إما ثلاث بنات لبون لثلاث أربعينيات، أو حقتان لخمسينيتين، فلذلك كان الساعي مخيرا.
وإذا جمعنا بين خبرهم وخبرنا لم يتنافيا فنقول: ثلاث بنات لبون بخبرهم، والتخيير بخبرنا.
والله أعلم.
стр. 450
فصل
إذا زاد على المائة والعشرين بعض بعير لم يتغير الفرض، وبه قال أصحاب الشافعي، وحكي عن بعضهم أنه يتغير الفرض بزيادة الجزء وكما يتغير بالبعير الكامل.
قال: لقوله ﷺ : "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة" فعم.
واعتبارا بزيادة التغير الكامل.
والدلالة على ما قلنا: قوله ﷺ : "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة" والكثرة لا تكون بزيادة بعض بعير.
وما رويناه من حديث ابن شهاب أنه قال: أقرأني سالم بن عبد الله كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات، وفيه: "إذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون"، فلم يحكم بتغير الفرض إلا بزيادة واحدة.
ولأنها زيادة كسر في ماشية فوجب ألا يتغير بها فرض، اعتبارا بالبقر والغنم.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد فوجب ألا يتغير الفرض فيه بزيادة دون الواحد، اعتبارا بسائر الأوقاص.
فأما قوله: (فما زاد) فمحمول على البعير الكامل، بدلالة ما قلناه.
واعتبارهم بالبعير الكامل باطل بما ذكرناه.
والله أعلم.
стр. 451
فصل
فأما صفة الأسنان المأخوذة في صدقة الإبل فقد ذكره أصحابنا منهم: الفضل بن المعدل، وعبد الملك بن حبيب، وغيرهم.
ونحن نذكر جملة مما ذكروه ومما قال أهل العربية فيه: قالوا: إذا استكمل الفصيل الحول، ودخل قي الثاني فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وإنما سمي بذلك، لأنه لما فصل عن أمه لحقت أمه بالمخاض- وهو الحمل- وسواء حملت أو لم تحمل فلا يزال موصوفا بابن مخاض حتى يستكمل السنة الثانية. فإذا دخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون. وإنما سمي بذلك، لأن أمه أرضعته في السنة الأولى ثم حملت في السنة الثانية ثم وضعت، فصارت لبونا في السنة الثالثة، فلا يزال كذلك حتى يستكملها.
فإذا دخل في الرابعة فالذكر حق، والأنثى حقة وإنما سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل [] ويركب، فلا يزال كذلك حتى يدخل الخامسة فيصير جذع والأنثى جذعة.
وليس في الصدقة ما يزيد على ذلك من السن، فلذلك اقتصرنا عليه.
стр. 452
مسألة
قال ﵀: "ولا زكة في البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع: عجل جذع قد أوفى سنتين ثم كذلك حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين، وهي ثنية.
فما زاد ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع".
قال القاضي ﵀: أعلم أن هذه الجملة لا خلاف فيها بين فقهاء الأمصار والمعتمد عليهم من أهل العلم.
وقد وردت روايات متضادة أكثرها من طرق ضعيفة، ولا يثبت بمثلها حكم بأحكام مختلفة، ففي بعضها أن حكم البقر حكم الإبل في خمس شاة، وفي بعضها في كل عشرة شاة، وفي بعضها في كل خمس وعشرين بقرة تبيع. ونحن نذكرها لتعرف.
فمن ذلك ما روي عن عكرمة بن خالد أنه قال: استعملت على صدقات عك فلقيت أشياخا من صدق على عهد رسول الله ﷺ فاختلفوا علي، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل، ومنهم من قال: في كل ثلاثين تبيع، ومنهم من قال: "في كل أربعين مسنة".
وروي عن عكرمة بن خالد أيضا [عن رجل] حدثه عن مصدق أبي
стр. 453
بكر- ﵁ أنه أخذ من كل عشر بقرات بقرة.
وروى عبد الرازق عن معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا من النبي ﷺ إلى مالك بن كفلان فيه: والبقر مثل الإبل.
وروى حماد عن قتادة عن أبي قلابة، والزهري أنهما قالا: في خمس بقرات شاة.
وروى همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة: في صدقة البقر في كل خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياة، وفي عشرين أربع، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا جاوزت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا جاوزت ففي كل أربعين مسنة.
وروي عن خالد بن أبي عمر أنه قال: سألت القاسم، وسالما، وسليمان بن يسار عن صدقة البقر فقالوا: كان يقال: في خمس وعشرين تبيع، وفي أربعين مسنة.
وروى ابن إدريس عن ليث عن شهر بن حوشب قال: في عشر من البقر شاة، وفي عشرين شاتان.
وكل هذا شاذ لا يلتفت إليه، وإنما ذكرناه لئلا يظن أن هناك خلافا ما عرفناه.
والأصل في هذا الباب الذي يجب أن يصار إليه، ويعول عليه ما رواه
стр. 454
ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي بكر عن عطاء ابن يسار عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة [ق/١٠٢] من البقرة".
وروى الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، فأتى بما دون ذلك فلم يأخذ منه شيئا، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا، حتى ألقاه فأسأله. فتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة- ومن أربعين مسنة.
وفي حديث سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة. وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ : في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين بأسانيد صحاح لولا
стр. 455
كراهية التطويل لذكرتها وقد تكلف الناس إيراد سمعته لبعض ما قدمناه من الأقاويل المختلفة؛ فقالوا: يمكن أن تحتج لذلك بما روى في حديث عمرو ابن حزم أن النبي ﷺ ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه وقال: وكذلك البقر.
وهذا الذي قالوه غير محفوظ في نقل صحيح. وقد روينا صدقة البقر مفسرة من طريق عمرو بن حزم وغيره.
ويحتمل ذلك- إن صح- يكون عطفا على وجوب الزكاة دون صفتها.
قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن الواحد منها يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت مثلها في صفة نصب الزكاة.
وهذا غير صحيح عندنا؛ لأن الاشتراك في الأضحية لا يجوز على أصلنا.
فبطل ما قالوه، والله أعلم.
فصل
وفي أربعين من البقر مسنة، ثم لا شيء في زيادتها إلى الستين فيكون فيها تبيعان.
وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد.
وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما: مثل قولنا.
والأخرى: أن ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك؛ فيكون على هذه
стр. 456
الرواية في إحدى وأربعين مسنة وربع عشر مسنة.
هذه رواية أبي سيف. ذكر هذه الجملة الطحاوي.
قال الرازي: وعنه رواية أخرى؛ وهي أنه ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ خمسين فيكون فيها مسنة وربع مسنة.
واستدلوا عليه بأن قالوا: لأن زكاة البقر تزيد بزيادة السن مرة، وبتكرار العدد أخرى؛ فوجب أن يكون بين ابتدائه وتكراره فرضان.
أصله: زكاة الإبل.
وذلك أن بين بنت لبون في الابتداء وبين تكررها فرضان وهما: الحقة، والجذعة. كذلك يجب أن يكون بين التبيع والتبيعين فرضان: المسنة، وجزء المسنة.
قالوا: العشر الزائد على الأربعين عشر زائد كامل على عدد نصاب في البقر؛ فوجب أن يتغير به حكم الفرض.
أصله: العشر الزائد على الثلاثين.
قالوا: ولأن الؤقاص في صدقة البقر بعد تقرر الفرض تسعة تسعة؛ اعتبارا بالأوقاص بعد الثلاثين وبعد الستين والسبعين، فلو قلنا: لا شيء في الخمسين لكان الوقص تسعة عشر، وهذا خلاف الأصول.
وهذا الذي ذكروه غير صحيح.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه أبو بكر بن الجهم حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية قال: حدثنا المسعودي عن الحكم عن طاوس عن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى
стр. 457
اليمن سأله عن الأوقاص قال: ليس فيها شيء.
وروى أبو بكر حدثنا أبو بكر بن شاذان أخبرنا المعلي أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة-، ومن أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتابيع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرين ومائة ثلاثة مسنات وأربع أتابيع، وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك شيء من سائر الأوقاص حتى تبلغ مسنا أو جذعة.
وأيضا فلأن في إيجاب جزوء من مسنة مخالفة لأصول زكاة المواشي؛ لأنه ليس في شيء منها كسور، وكذلك زكاة البقر.
وتحريره أن يقال: لأنها زيادة على نصاب في ماشية تجب في عينها الزكاة؛ فوجب ألا يتغير الفرض بها إلى كسر؛ اعتبارا بالغنم والإبل.
ولأن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين:
إما أن يشتري الساعي بقية تلك البهيمة؛ فيؤدي ذلك إلى إخراج القيمة في الزكاة، وذلك غير جائز. أو أن يشتري الرجل؛ فيؤدي إلى شراء الصدقة، وهذا أيضا ممنوع.
ولأن في إيجاب الكسور ضررا على أرباب المال وعلى المساكين؛ أما
стр. 458
أرباب المال: فيصير له شريكا في الملك؛ وذلك إضرار به.
وأما المساكين: فإنهم لا يمكنهم استيفاء حقوقهم- وهو الجزوء- من الحيوان؛ وذلك ضرر.
قال أصحابنا: ولأن أبا حنيفة أولى [ق/١٠٣] بالامتناع من إيجاب الكسور لا يمتنع من ذلك فيما لا ضرر فيه؛ وهو ما زاد على المائتي درهم والعشرين دينارا، ففي الموضع الذي يدخل فيه الضرر على الفريقين أولى؛ فوجب ألا ينتقل منه إلى كسر.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
ولا يصح عكسه بأن يقال: لأنها زيادة على نصاب في صدقة البقر؛ فوجب أن يتغير به الفرض.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
لأنه بطل بزيادة الجزوء، وبزيادة الواحدة على الثلاثين. ولأن أصول الزكاة مبنية على أنه يؤخذ من كل شيء من جنسه، وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم جعل في خمس من الإبل شيئا من غير جنسها؛ لأنها لا تحتمل أن يؤخذ منها؛ فلو كان للأجزاء والكسور مدخلا في زكاة الماشية لأوجبه ولم يعدل إلى إيجاب شيء من غير الجنس.
فدل ذلك على ما قلناه.
وأما قولهم: إن السن إذا وجبت لم تتكرر إلا بعد فرضين بين ابتدائها وتكررها: فإنه ينتقض بالشاة في أول فرض الإبل؛ لأنها تتكرر في غير تخلل فرض آخر، وبابنتي لبون في ست وسبعين؛ لأنها تتكرر بعد المائة
стр. 459
والعشرين بعد تخلل فرض واحد؛ وهو الحقاق فقط. فلأن ذلك إنما وجب في الإبل لإمكان أخذ فرضين كاملين الابتداء والإعادة. وليس كذلك في صفة البقر؛ لأنه لا يمكن أخذ سنينين كاملين فافتقر على واحد.
وقياسهم على العشرة الزائدة على ثلاثين قد أجبنا عنه.
ولأنه إنما تغير الفرض به؛ لأنه يخرج منه إلى سن كامل، وليس كذلك مسألتنا.
وقولهم: لو لم يوجب في العشر الزائد على الأربعين شيئا لأدى ذلك إلى أن يكون الوقص أكثر من تسعة، وذلك مخالف لأصول الزكاة: فعنه جوابان.
أحدهما: أنه باطل بالتسعة والعشرين الأولى.
والثاني أن الأوقاص لا يقاس بعضها على بعض؛ لأنها قد تختلف الجنس الواحد؛ ألا ترى أن أوقاص الإبل منها أربعة ومنها عشرة، وغير ذلك؟
فلم يجب ما قالوه؟
والله أعلم.
فصل
وأما وصف التبيع فهو العجل الذي قد دخل في السنة الثانية وفطم عن أمه؛ فهو تبيع أمه، ويقوي على ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أنه الذي استوى قرنا وأذناه، وروي هذا عن الشعبي وغيره.
стр. 460
وروي عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: هو الحولي- يعني الذي أتى عليه الحول-.
وقالوا: المسنة: التي قد دخلت في السنة الثالثة، وأتت عليها سنون فلم تلد سميت مسنة.
وقال بعض أصحابنا: هي التي دخلت في السنة الرابعة.
وإنما سميت ثنية؛ لأنها تلقي ثنيتها في السنة الثالثة.
وأما قوله: إن التبيع يؤخذ جذعا أو جذعة: فذلك لما رواه الحاكم عن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة، ومن أربعين مسنة.
وروى الأعمش عن سفيان عن مسروق [عن معاذ بن جبل] قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعة أو تبيع، ومن كل أربعين بقرة بقرة.
فأما المسنة فلا تؤخذ إلا أنثى، ووافقنا على ذلك الشافعي إذا كانت
следующие страницы →