← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والدلالة على ما قلنا عموم الظواهر؛ مثل قوله: "في مائتين خمسة دراهم"، وفي الرقة ربع العشر، وما أشبه ذلك. ولأنه حر مسلم مالك لنصاب قد حال عليه الحول أخذ الصدقة منه لا يبخس حق غيره؛ فوجب أخذ الزكاة منه. أصله: من لا دين له، أو من عليه دين وفي يده من العين ضعف ما عليه من الدين. ولأنه قادر على الجمع بين أداء الدين والزكاة فوجب ألا يسقط أحدهما الآخر. أصله: إذا كان معه من العين ما يقوم بإزاء الدين، ويفضل معه نصاب. ولأن العروض نوع من المال مأمون؛ فجاز أن يجعل في الدين. أصله: العين. فأما إذا لم يكن له عروض فالمعنى فيه أنه ليس هناك مال مأمون يقوم بإزاء الدين فيدافع الدين الزكاة، وإذا تدافعا كان اليوم أولى؛ على ما بيناه. وليس كذلك في هذا الموضع؛ لأن العروض إذا أقيمت بإزاء الدين سقط التدافع بين الدين والزكاة. والله أعلم. * * *

стр. 387

فصل فأما قوله: إذا كان عليه دين وله ماشية أو زرع فإن عليه الزكاة: فقد ذكرنا فيما تقدم الفصل بين الذهب والفضة، وبين الماشية والزرع؛ فإن النماء يمكن قطعه عن الذهب والفضة بالحجر على من هي في يدهن ولا يمكن ذلك في الماشية والزرع. وبأن أمر الماشية والزرع إلى الأمام، وأمر الذهب والفضة موكول إلى أمانة أربابها. وبيناه بما يغني عن أعادته. * * * مسألة قال ﵀: "ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعوام فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه. وكذلك العرض حتى يبيعه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أعلم أن حكم الدين والعروض واحد عندنا في أنه لا زكاة في الدين حتى يقبض، وفي العروض حتى يباع. فإذا قبض الدين وبيع العروض زكيا لسنة واحدة وإن بقيا أحوال كثيرة إن كان أصلها عين معه. فإن لم يكن أصلها عنده عين فلا زكاة عليه في الدين إذا قبضه، ولا في ثمن العرض إذا باعه. ويستقبل بذلك حول من يوم حصل في يده.

стр. 388

فالأول مثل أن يكون معه مال فيسلفه رجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها من رجل بدين في ذمته: فإن هذا لا زكاة عليه في هذا الدين حتى يقبضه وإن أقام عند من هو عليه أعوام. فإذا قبضه زكاه لسنة واحدة. وإنما زكاه إذا قبضه؛ لحصوله طرفي الحول في يده عين. واقتصر على سنة واحدة؛ لأن ما بين ذلك لم يكن فيه عين؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة. وكذلك إذا كان معه عين فاشترى بها عرض فأقام عنده أحوال ثم باعه فإنه يزكى الثمن لسنة واحدة. والعلة فيه ما ذكرناه في الدين. فأما الفصل الثاني: فمثل أن يرث دين أو يوهب له فيمكث على من هو عليه سنين ثم يقبضه فهذا يستقبل به حول من يوم قبضه؛ لأن أصله لم يكن غني؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة. وكذلك العرض إذا ورثه أو وهب له فأقام سنين ثم باعه فإنه يستأنف به الحول؛ لما ذكرناه. * * * مسألة قال ﵀: "وإن كان الدين أو العروض من ميراث فليستقبل بما يقبض منه".

стр. 389

قال القاضي ﵀: هذا لما ذكرناه من أن المراعى في وجوب الزكاة في الدين والعرض طرفي الحول في يده، فإذا عدم ذلك في الطرفين أو أحدهما لم تكن فيه زكاة. فالدين إذا كان من ميراث فإنما نفى في يده ساعة قبضه، وهو أحد طرفي الحول؛ فلذلك لم تجب الزكاة فيه. * * * مسألة قال ﵀: "وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في الحرث والماشية والعين وزكاة الفطر". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: هذا قولنا، وقول الشافعي- ﵀. وروى عن خلف من الصحابة منهم: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين. وذهب أهل العراق إلى سقوط الزكاة عن اليتيم في ذهبه وفضته وماشيته ووجوبها عليه في حرثه وفي الفطرة.

стр. 390

وزعموا أنه مروي عن ابن مسعود وعن ابن عباس. واستدلوا بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم". ورفع القلم عبارة عن سقوط العبادات عنه، وإيجاب الزكاة عليه ينافي ذلك. ولقوله ﷺ لمعاذ [ق/٨٧] بن جبل: "فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم". فأوجب الصدقة على من يدعي إلى الإيمان، والطفل لا يصح إعلامه ولا دعاؤه. قالوا: ولقول أبي بكر- ﵁ بمحضر من الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه: لا أفرق بين ما جمع الله- يعني بين الصلاة والزكاة- ولأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وفي إيجابها على الصغير مع العلم بأن الصلاة لا تجب عليه تفريق بينهما. قالوا: ولأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن أحد؛ فوجب ألا يلزم الصغير؛ اعتبار بالصلاة والصوم.

стр. 391

وقولهم: لا تلزم أحد عن أحدن احتزاز من زكاة الفطر، لأنها تلزم الرجل عن أهله. قالوا: ولأن الصبي ممن لا يصح منه في هذه الحال اعتقاد الإيمان، فأشبه الكافر. قالوا: ولأنه ممن لا يتصرف في ماله بالفرض والهبة ونحوها، فأشبه المكاتب. والدلالة على صحة قلنا قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر". وقوله: "في أربعين شاة شاة"، فعم ولم يخص. وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وهذا نفي عام عن كل مالك. فدليله أن الصدقة في خمس أواق فما فوقها في كل مالك، لأن حكم الإثبات في العموم هاهنا حكم النفي. وقد استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم﴾ ولم يخص الصغار من الكبار. واعترضوا على هذا بأن قالوا: إن هذه الكناية عائدة على البالغين، لأنه نسق على قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية فلا تتناول الصغار، وهذا لا معنى له، لأن الظاهر أنها كناية عن الأمة، وليس هاهنا ضرورة

стр. 392

توجب حملها على من ذكره، لأنه ليس هاهنا حرف عطف، ولا كلام الأول مفتقر إلى أن يتم بهذه الآيةن فكان الظاهر أنها كناية عن الأمة. فإن قيل: أقل الأحوال أن يكون محتمل. قيل له: ليس الأمر كذلك، لأن النبي ﷺ إذا خوطب بأمر أو نهب أو عبادات يلزمها غيره بلفظ كناية، فالظاهر عود تلك الكناية على الأمة، إلا ما يكون هناك ما يضطر إلى حمله على غير ذلك. ويدل ما قلناه: ما رواه الأعمش عن أبي وائل عن معاذ أن النبي ﷺ لم وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة. وعموم هذا يشمل الصغير والكبير. ويدل على ذلك قوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم". فهذه الكناية عائدة على أمته، فعم ولم يخص صغير من غنى كبير. ويدل على ذلك ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحق قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولى يتيم فكان له مال فليتجر فيه لا تأكله الزكاة".

стр. 393

فهذا صريح أن الصدقة في مال اليتيم. قال الراوي: قد قيل: إن أصل الحديث إنما رواه عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر، وغلط فيه من رواه عن النبي ﷺ فيقال له: هذا إن كان قد قيل فليس كل شيء قيل يجب أن يسمع ويعمل عليه إلا أن يبين قائله دلالة أو يأتي بحجة ولا يلزم تقليده وقبول قوله من غير دلالة على صدقه. ولأن كل زكاة لزمت الكبير في لازمة للصغير، اعتبار بزكاة الحرث والفطر. ولأنه ممن تلزمه زكاة الفطر في ماله، فوجب أن تلزمه زكاة عينه وماشيته. أصله: الكبير، ن أو نقول: لأنه مسلم حر تام الملك، فأشبه الكبير. وإذا ثبت فاستدلالهم بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" وذكر الصبي في ذلك غير صحيح، لأن رفع القلم عنه لا ينافي الحقوق التي تثبت في ماله، ألا ترى أنها لا ينافي أخذ إخراج العشر من زرعه، وإخراج صدقة الفطر، وغير ذلك مما يلزمه في ماله. فبان بهذا سقوط تعلقهم بالخبر. ويؤيد ما قلناه تسويته ﷺ وبين النائم في رفع القلم، وذلك يفيد تساويهما في كل ما يوجبه، فإذا كان وصف النائم بذلك فيه سبب مما قالوه فكذلك وصف الصبي بذلكن وإنما فائدة رفع القلم سقوط خطابه بالتكليف، وإيجاب عبادات الأبدان التي يحتاج فيها إلى القصود. فأما

стр. 394

حقوق الأموال فلا تدخل في هذا. وقوله ﷺ لمعاذ: "إن أجابوك فأعلمهم أن عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" حجة لنا، لأنه عم الأغنياء بأخذ الصدقة منهم، ولم يخص الكبار من الصغار. فإن قيل: فقوله: من أغنيائهم يعود على المخاطبين، فكأنه قال: تؤخذ من الأغنياء ممن يجيبك. قيل: هذا غير صحيح، وذلك أن الدعوة إذا توجهت إليهم وحصلت منهم الإجابة لزمت الإحكام بجميعهم، ألا ترى أن بإجابتهم يثبت لصبيانهم حكم الإسلام [ق/٨٨]، فبان أن قوله: "من أغنيائهم" عائد على جميعهم لا يخص صغير منهم دون كبير. وقول أبي بكر ﵁: لا أفرق بين ما جمع الله: يريد أن الله أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فلا أدعهم وما راموه من أنهم يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة. ولم يعن به: أي: لا أوجب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة، فلا معنى للتعلق بذلك. ويقال لهم: إن كان في إيجاب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة تفرق بينهما فيجب أن يكون في إيجاب الصلاة على من لا زكاة عليه تفريق بينما. ويورد عليهم ما ألزمهم أصحابنا من إسقاط الزكاة عن الحائض،

стр. 395

لسقوط الصلاة عنها، وإسقاط الصلاة عن الفقير، لسقوط الزكاة عنه. وهذا لا فصل فيه. ويقال لهم: إذا أوجبتم الزكاة في حرثه، وألزمتم وليه إخراج صدقة الفطر من ماله فقد فرقتم بين الصلاة والزكاة، لأن أبا بكر ﵁ لما قال: لا أفرق بين الصلاة والزكاة لم يكن مراده زكاة دون زكاة. فإذا كان هذا ليس تفريق فكذلك زكاة ماله وماشيته. وقولهم: لأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن غيره فأشبهت الصلاة: ينتقض بزكاة الحرث. على أن المعنى في الأصل أنه من عبادات الأبدان المفترقة إلى المقصود. وليس كذلك الزكاة، لأنها عبادة في المال دون البدن. واعتبارهم بالكافر باطل، لأن الكافر لا تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه. على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه. على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه زكاة ماله. وليس كذلك الصبي، لأنه ممن تلزمه صدقة الحرث والفطر في ماله، فكان بالبالغ أشبه. والمعنى في المكاتب أنه ليس بتام الملك، لأنه على الرق الجزية أحد شروط وجوب الزكاة. والله أعلم.

стр. 396

مسألة قال ﵀: ولا زكاة على عبد، ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وهذا لأن الحرية من شروط الزكاة كالإسلام، بدلالة أن البد غير مستقر الملك، لأن لسيده أن ينتزع ماله إذا شاء ذلك، على ما سنذكره في مسألة ملك العبد. وإذا كان كذلك لم تجب الزكاة عليه، لأن الزكاة لا تجب إلا على تام لملكن لا على من ملكه مراعي غير مستقر. فأما من فيه بقية رق فحكمه حكم العبد، فلذلك لم تجب عليه الزكاة. وكذلك المكاتب لا زكاة عليه، خلافا لأبي ثور حيث قال: إن حكمه حكم الحر، لأنه كالعبد في الملك، بدلالة أنه لا تجوز له الهبة ولا التصرف فيه إلا بإذن سيده. وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق". ويشبه أن يكون صحيحا موقوفا. وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا

стр. 397

محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: ليس في مال المكاتب زكاة، ولا العبد حتى يعتق. وروى مالك عن نافع أن ابن عمر قال: ليس على المكاتب، ولا على العبد زكاة في ماله. وروى القاضي إسماعيل حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع عن أبيه أنه سأل عمر ﵁ فقال: أزكى وأنا مملوك؟ قال: لا. مسألة قال ﵀: "فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله". قال القاضي: وهذا لأنه من ذلك الوقت تكاملت شروط وجوب الزكاة فيه، فوجب أن يستأنف الحول من ذلك الوقت. مسألة قال ﵀: "ولا زكاة على أحد في عبده، وخادمه، وفرسه، وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض".

стр. 398

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- ﵀: وهذا ما لا خلاف فيه أعلمه أن العروض إذا لم يرد بها التجارة فلا زكاة فيها. والأصل في ذلك أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهي العين والحرث والماشية. وهذه الأشياء قد سقط النماء فيها، وليس في أعيانها الزكاة، فلا زكاة فيها. وقد قال ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة". وقال: "ليس في الخيل والرقيق صدقة". مسألة قال ﵀: "ولا فيما يتخذ للباس من الحلي". قال القاضي ﵀: هذا قول أصحابنا كافة، وقول الشافعي وروى عن مر وعائشة وجابر ﵃. وقال أبو حنيفة: فيه الزكاة. ورووه عن ابن مسعود وغيره. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.

стр. 399

وقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر". وقوله: في مائتي درهم خمسة دراهم. وكل هذه الظواهر تعم الحلي وغيره. وروى عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله: أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكى ليس بكنز". فأخبر أن ما لم تؤد زكاته [ق/٨٩] فهو كنز. وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يدي ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب. فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيمة بسوار من نار". وهذا نص فيما قلناه. وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن زينب الثقفية امرأة عبد الله سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي طوقا فيه عشرون مثقالا

стр. 400

أفأؤدي زكاته؟ قال: "نعم، نصف مثقال" قالت: فإن حجري بني أخ لي يتامى أفأجعله فيهم؟ قال: "نعم". وروى محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن عائشة قالت: دخلت على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق. فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: "أتؤين زكاتهن" قلت: لا. قال: "هو حسبك من النار". ولأنه نصاب من ذهب أو ورق، فأشبه الدراهم والدنانير. ولأنه مصوغ من ذهب. دليله: إذا كان للتجارة. والدلالة على صحة قولنا: أنه مال مقصود للاقتناء وترك التمني على وجه مباح، فوجب ألا تجب فيه الزكاة. أصله: عروض القنية. وأيضا فإن المعتبر في وجوب الزكاة هو النماء دون غيره، لأن الزكاة تجب بوجوده وتسقط بعدمه. ويبين ذلك أن الأموال على ضربين: منه ما تجب في عينه الزكاة كالذهب والفضة، وضرب آخر لا تجب في عينه الزكاة كالعروض. ثم اتفقنا على أن ما لا تجب في عينه الزكاة إذا قصد به التمني وطلب

стр. 401

الفضل وجبت الزكاة لطلب النماء به، فوجب أن يكون ما يجب في عينه الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء على وجه مباح أن تسقط الزكاة فيه. ورأيت في بض كتب أصحابنا حديثا عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة" ولم أره في شيء من كتب الحديث، والله أعلم. فإذا ثبت ما ذكرناه فالظواهر التي تلوها مخصوصة بما ذكرناه. وحديث أم سلمة يحتمل أن تكون لبسته لا للتجمل لكن للقنية والدخر. وكذلك حديث عائشة. ويحتمل أن يكون ذلك وقت كان النساء منهيات عن لبس الذهب. ويحتمل أن تكون اعتقدته كالعقدة، وتزينت له بها في بعض الأوقات. وكل هذه الأخبار قضايا في أعيان لا تحمل إلا وجها واحدا. وما رووه من حديث المرأة التي كانت في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ففيه ما يدل على أن الحلي لم يكن للبس، وذلك أنه قيل فيه أنهما غليظتان، فكأنهما خرجتا عن حد ما يتخذ من الحلي إلى حد ما يتخذ من الأواني، لأن الغرض لم يكن للسرف والتزين به، لأنه لو كان هذا غرضا لاتخذته على نحو ما يتخذه الناس، فدل هذا أيضا على ما قلناه. وحديث زينب الثقفية فلم يذكر أكثر من أن لها طوقا فيه عشرون مثقالا، ولم يقل أنه للبس، ويحتمل أن تكون اتخذته للبس.

стр. 402

فإن قيل: فقد أطلق، ولم تستفصل. قيل له: يحتمل على الوجه الذي قلناه بالدليل. واعتبارهم بالدراهم والدنانير باطل، لأنها لم تنقل عن طلب النماء إلى التجمل والتزين. وليس كذلك حال اللبس، لأنه معدول به عن طلب التمني. وكذلك الجواب عن قياسهم على حلي التجارة. والله أعلم. فصل فأما حلي التجارة ففيه الزكاة سواء كان مدارا أو غير مدار، ولا أعلم خلافا في ذلك بين أحد من أهل العلم. فأما حلي الكراء: ففيه روايتان. إحداهما: أنه لا زكاة فيه. وهي رواية القاسم، وابن عبد الحكم. والأخرى: إن فيه الزكاة. ذكرها ابن الجلاب. والذي أعرفه أنه قول محمد بن مسلمة فوجه سقوط الزكاة فيه حبس عينه عن طلب النماء والزيادة، فأشبه حلي اللبس والنماء الحاصل عن إجارته لا اعتبار به إذا حبست عينه كالعبيد. وإذا كانوا للقنية ولهم علة فلا زكاة في أثمانهم. ووجه إيجاب الزكاة فيه وجوب النماء فيه، فأشبه حلي التجارة.

стр. 403

مسألة قال ﵀: "ومن ورث غرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاة فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع فيستقبل به حولا من يوم قبض ثمنه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما إذا ورث عرض أو وهب له فلا زكاة عليه إذا باعه، لأنه لم يحصل علينا في طرفي الحول، وقد قلنا فيما سلف أن الزكاة إنما تجب في أثمان العروض إذا كان أصلها عينا. وأما الزرع إذا زكاه فلا زكاة عليه إذا باعه حتى يستقبل بثمنه حولا، لأنه العروض الذي لم ينض طرفي الحول. ولأنه لما زكاه لم يزكه ثانية، لأنه يصير ثمنه فائدة. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزنه عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه". وكذلك ما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة.

стр. 404

وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أعلم أن المعدن عندنا غير الركاز، لأن الركاز هو دفن الجاهلية، [ق/٩٠] والمعدن هو الموضع الذي نبت فيه الذهب والفضة. والواجب في الركاز الخمس في قليله وكثيره. والواجب في المعدن الزكاة يعتبر فيه النصاب في ذهبه وفضته، وكذلك إذا أصيب بتكلف وعمل يلزمه فيه مؤنة وكلفة. أما ما أصيب بغير مؤنة ولا تكلف عمل ففيه الخمس. وفي الموضعين فلا اعتبار فيه بحول وإنما يخرج ذلك في وقته. وعند أبي حنيفة أن المعدن ركاز، وفيه الخمس. وسواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير ذلك. وحكمه وحكم دفن الجاهلية واحد، يصرفان مصرفا واحد. وللشافعي ثلاثة أقوال: المشهور منها أن الواجب في المعدن ربع العشر سواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير تعب ولا مؤنة. وهذا قول أحمد وإسحاق. والثاني: مثل قول أبي حنيفة. والثالث: مثل قولنا. فالكلام في هذه المسألة من وجوه:

стр. 405

أحدهما: أن المعدن ركاز أم لا؟ والموضع الآخر: هل فيه الخمس أم الزكاة؟ والموضع الآخر: الفرق بين ما يخرج بمؤنة وكلفة، وما يخرج بغير ذلك. والذي يدل على أنه ليس بركاز: ما رواه مالك عن الزهري عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". ففرق بين اسميهما، فدل ذل على بطلان قول من جعلهما واحد، لأن معناهما لو كان واحدا لم يفرق بينهما، ولكن يقول: وفيه الخمس. وأيضا فلأن الركاز مأخوذ من أركز الشيء إذا دفنه. والمعدن عروق أنبتها في الأرض، وليست بوضع آدمي، فوجب ألا تكون ركاز. والذي يدل على أنه فيه الزكاة دون الخمس قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" فعم ولم يخص معدنا من غيره. وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية التي في ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.

стр. 406

ورواه الدارقطني عن ربيعة عن الحارث بن بلال عن أبيه عن النبي ﷺ أنه أخذ من معادن القبلية الصدقة. ولأنه مستفاد من الأرض بكلف ومؤنة لم يملكه غيره، فوجب أن يكون الواجب فيه الزكاة، لا الخمس، كالزرع. وإنما قلنا: لم يملكه غيره، احترازا من الزكاة. ولأن الخمس إنما يجب فيما أخذ من أموال الكفار بالسيف على وجه الغنيمة، أو وجده فيئا، أو يوج بغير تعب ولا مشقة ولا تكلف مؤنة، فيجري مجرى ذلك. فأما المعدن فليس من هذا في شيء إلا أن يكون بدرة وما جرى مجراها. ولأنه خارج من المعدن بمؤنة وكلفة فوجب ألا خمس فيه كالزئبق وما أشبه. واستدلال لأبي حنيفة بما رواه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرةقال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس". قالوا: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت". وبما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجل سأل النبي ﷺ عما يؤخذ في الخرب العادي فقال ﷺ : "وفي الركاز الخمس".

стр. 407

قالوا: ولأن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة. ودل ذلك على أن أصل الركاز هو المعدن. قالوا: ولأن الركاز اسم لما غيب في الأرض وأخفى فيها، ومنه قولهم: ركز رمحه في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿أو تسمع لهم ركزا﴾ يعني: صوتا خفيا. فلما كان ذهب المعدن خفيا مغيبا في الأرض كان ركازا كما كان المدفون ركازا. واستدلوا بوجوب الخمس فيه بقول ﷺ : "المعدن جبار، وفيه وفي الركاز الخمس". قالوا: ولأنه حق متعلق بالمال مقارن لاستفادته، فوجب أن يكون خمسا. أصله: خمس الفيء والغنيمة. قالوا: ولأنه ذهب خارج من المعدن، فوجب أن يخمس. فالجواب: أن الزيادة التي رووها في حديث عبد الله بن سعيد غير محفوظة من طريق يوثق به، وإنما المحفوظ: "وفي الركاز الخمس" فقط. على أنه لو صح لكان الجواب عنه أن يقال: إن السؤال إنما صدر عن معرفة حكم الركاز الذي يؤخذ منه الخمس فأجابهم بأنه الذهب والفضة

стр. 408

المخلوقات. ولم يكن السؤال عن ما الركاز، لأنهم كانوا يعرفونه. وعلى أنه مخصوص بما ذكرناه. وحديث عمرو بن شعيب المراد به أن فيما وجد في الخرب من دفن الجاهلية، وما وجد في العمران أيضا الخمس، وإن كان الكل ركاز. وما قالوه من أنه يقال: أركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة فذلك مجاز واتساع وتشبيه بالركاز، لكثرة منفعته وما يؤخذ منه. يبين ذلك أنهم يقولون في التجارة [ق/٩١] قد أركزت إذا كثرت منفعتها وفائدتها. وقولهم: إن الركاز اسم لما خفي في الأرض وغيب فيها: فهو على ما قالوه في بعض ذلك دون بعض، وليس باسم لكل ما أخفى على الإطلاق. وأما استدلالهم على وجوب الخمس بقوله ﷺ : وفيه "وفي الركاز الخمس" فمحمول على الندرة، لأن فيها الخمس عندنا. واعتبارهم بالفيء والغنيمة والركاز باطل، لأنه لم يملك على مشرك، فلم يجب أن يخمس. أو نقول: إن المعنى في الركاز قلة المؤنة فيه، وليس كذلك المعدن، لأن المؤنة التعب تلحق فيه ما لا يلحق في الركاز، وذلك مؤثر في تخفيف المأخوذ من المال كالعشر ونصف العشر. وكذلك الجواب عن قياسهم على الندرة. والله أعلم.

стр. 409

فصل فأما قوله: "إنه تجب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب"، فلأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلا بد من اعتبار النصاب فيه. أصله: سائر أصول الزكاة. ولقوله ﷺ : "ليس فيما دون مائتي درهم شيء". وسائر ما ذكرناه ما الظواهر. فصل فأما قوله: "إن الزكاة تجب يوم إخراجه من غير اعتبار بحول" فهو قولنا، وأحد قولي الشافعي. وله قول آخر أنه يعتبر فيه الحول، لقوله ﷺ : "لا زكاة فيمال حتى يحول عليه الحول". ولأنها فائدة فوجب أن تزكى لحولها كسائر الفوائد. فالأصل في هذا أنه لما يعتبر الحول في الزرع فكذلك في زكاة المعدن. والمعنى في ذلك انه مال مستفاد من الأرض تجب فيه الزكاة، وهذا القياس يخص الظاهر الذي أوروده.

стр. 410

واعتبارهم بالفوائد ينتقض على أصلنا- بفائدة الماشية إذا كان عنده نصاب منها، وأفاد إليها دون النصاب فإنها لا تزكي لحولها، بل لحول الأولى. فإن قالوا: فوجب فيها حول كسائر الفوائد: ينتقض بالزرع. والله أعلم. فصل فأما قول: "إذا انقطع نيل معدنه، ثم حدث نيل آخر لم يبن الثاني على الأول في النصاب، بل يستأنف له حكم آخر". فلأن بناء أحدهما على الآخر مشروط باتصال خروجهما والعمل فيهما، فإذا انقطع أحدهما عن الآخر كان لكل واحد منهما حكم نفسه. ولا خلاف أن المدة إذا تطاولت بينما فلكل واحد منهما حكم نفسه، فكذلك إذا علم انقطاع اتصالهما. والله أعلم.

стр. 411

باب الجزية قال ﵀: "وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم وتؤخذ من المجوس، ومن نصارى العرب". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: والأصل في الجزية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وأخذ النبي ﷺ الجزية، وأصحابه بعده، ولا خلاف في ذلك. فأما قوله: "إنها تؤخذ من أحرارهم البالغين الرجال"، فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾. فأوجب أخذ الجزية ممن يقاتل، وذلك في الرجال الأحرار، لأن النساء لا يقاتلون. وكذلك الصبيان والعبيد، ولأنهم مال فهم تبع لمالكهم- أعني: العبيد- وكذلك الصبيان لآبائهم ولا تؤخذ منهم جزية. وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا

стр. 412

تجري الجزية إلا على من جرت عليه المواسي". وقال ابن عباس: ليس على النساء جزية وروى عبيد الله عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر ﵁ إلى أمراء الجزية: لا تضعوا الجزية إلا على من جرت عليه الماسي، ولا تضعوا على النساء والصبيان. فصل فأما أخذ الجزية من المجوس فلما رواه مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر- رضوان الله عليه- ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وروى سفيان عن عمر بن دينار عن بجالة قال: أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة أن فرقوا بين كل رحم محرم من المجوس، ولم يكن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر. وروى هشيم عن داود بن أبي هند عن بشير بن عمرو عن بجالة بن عبده عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسبذيين من أهل البحرين- وهم

стр. 413

مجوس أهل هجر- إلى رسول الله ﷺ فمكث عنده، ثم خرج فسأله ما قضاء الله ورسوله فيكم؟ قال: شر. فقلت: مه. قال: الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل الجزية منهم. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي. وروى عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن سعيد أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر أخذها [ق/٩٢] من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من البربر. وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها منهم. ولا خلاف في ذلك. فصل وإنما الخلاف في أنهم أهل كتاب أم لا، فعندنا إنهم ليسوا بأهل كتاب، ولا كانوا أهل كتاب. وللشافعي قولان:

стр. 414

أحدهما: أنهم أهل كتاب، ولكن رفع كتابهم. والآخر: أنهم ليسوا أهل كتاب. واستدل أصحابه على أنهم أهل كتاب بقول عمر بن الخطاب: ما أدري ما أصنع في أمر المجوس. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". فلولا أنهم أهل كتاب، وإلا لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وروى عن علي رضوان الله عليه أنه قال: أنا أعرف الناس بأمر المجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، ثم إن ملكهم وقع على أخته أو ابنته فرآه بعض أهله. فلما أضحى اجتمع أهله ليقيموا الحد عليه فامتنع، وقال: لا أعرف دين خير من دين آدم، إنه زوج بناته من بنيه وأنا لا أرغب بكم عن دينه. ثم أمر أهله فقاتلوا القوم، فأسرى بكتابهم، ورفع من بين أظهرهم، ومحى العلم من صدورهم. ولأنها طائفة تقر على دينها بأخذ الجزية، فوجب أن تكون من أهل الكتاب، اعتبار باليهود والنصارى أو نقول: فوجب أن تحل مناكحم وذبائحهم كاليهود. والدلالة على ما قلناه قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾.

стр. 415

والطائفتان هم اليهود النصارى. ولو كان المجوس أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف. وقوله ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فدل ذلك على أنه لا كتاب لهم. فإن قيل: لولا أنهم أهل كتاب لم يقل: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. قيل له: هذا بالعكس من الواجب لولا أنهم ليسوا بأهل كتاب لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، لأن هذه العبارة تفيد أنهم من أجروا مجراه. فإن قيل: فائدة ذلك أن بلدانهم كانت بائنة عن بلدان العرب، ولم تكن العرب تعرف أن لهم كتاب، فلذلك قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي: الذي تعلمون أن لهم كتاب. قيل له: العبارة عن هذا المعنى أن يقول: سنوا بهم سنة غيرهم من أهل الكتاب، أو أمثالهم. وجملة الأمر أن هذا خلاف الظاهر، فلا سبيل إلى حمل اللفظ عليه إلا بدليل. وقد استدل في ذلك بأن النبي ﷺ كتاب إلى ملوك الكفر، فكتب إلى ملوك قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية. ولم يكتب بذلك إلى كسرى، فدل على أن المجوس لا كتاب لهم.

стр. 416

وأيضاً ما روي أن أبا بكر والصحابة ﵃ كانوا يفرحون لغلبة الروم لفارس، والمشركون يغتمون لذلك، ويحبون أن تغلب فارس الروم. ولم يكن ذلك إلا لأن الروم أهل كتاب وأن المجوس لا كتاب لهم. وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أن أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لم آخذها منهم، لأنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أمر الله أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية. وإن احتجاجهم بالخبر فقد أجبنا عنه. وما رووه عن علي فطريقه ضعيف، على أ، بإزائه غيره من الصحابة. على أن حكم كتابهم قد بطل برفعه، فخرجوا على أن يكونوا أهل كتاب. وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بعبدة الأوثان. ولو سلم لكان المعنى في الأصل بقاء الكتاب، وليس كذلك المجوس، لأن كتابهم رفع عند من يزعم أنم من أهل الكتاب. والله أعلم.

стр. 417

فصل وقوله: تؤخذ الجزية من نصارى العرب، فلعموم الآية. ولأنه ﷺ أخذ الجزية من نصارى نجران، ولأنهم لا فرق بينهم وبين نصارى الروم، لاجتماعهم في التدين بالنصرانية من غير تحرم بالإسلام. فصل ويجوز عندنا أخذ الجزية من كل مشرك غير مرتد، ولا من هو في حكم المرتد من اهل الكتاب وعبدة الأوثان وغيرهم. وقال الشافعي- ﵀ لا يجوز أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من له شبهة، لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، فعم. ولأنه قياس على مشركي قريش. ولقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾، فدل على أن ما عدا أهل الكتاب بخلافهم. ودليلنا أن نقول: لأنه كافر غير مرتد، فأشبه الكتابي. ولقوله ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فنبه بذلك أن أخذ الجزية غير مقصور على أهل الكتاب. فأما الظواهر فمخصوصة، ولا يسلم لهم بالأصل الذي قاسوا عليه. والله أعلم.

стр. 418

مسألة قال ﵀: "والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وأربعون درهما على أهل الورق. ويخفف عن الفقير". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: وهذا لأن عمر بن الخطاب- ﵁ فرضها هذا المقدار على أهل الذمة بمحضر من الصحابة، ولم يحتفظ نكير عليه من أحد [ق/٩٣] منهم، فلذلك قدره بهذا القدر. فإن كان فيهم من يضعف عنه خفف عنهم منه، لأنه على الاجتهاد. وما روى عن النبي ﷺ أنه أمر معاذ أن يأخذ من كل حالم دينارا فيحتمل أن يكون من كان هناك لا يتمكن إلا من ذلك فقط. مسألة قال ﵀: "وتؤخذ ممن تجر منم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مرارا". قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما إيجابه أخذ العشر منهم فلما رواه عطاء بن السائب عن جرير عن عبد الله عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما العشر على اليهود

стр. 419

والنصارى، وليس على المسلمين عشور". وروى مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، وكنا نأخذ من النبط العشر. قال مالك: سألت ابن شهاب على أي وجه أخذ عمر بن الخطاب من النبط العشر؟ فقال: كان ذلك يؤخذ منهم فني الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب. وقوله: إنه يؤخذ منهم وإن اختلفوا مرارا في السنة: فالمخالف فيه أهل العراق والشافعي، لأنهم يقولون: إنه لا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة في السنة، اعتبارا بالجزية، وهذا خطأ، لأن المعنى في أخذ العشر لو لبسطهم في بلاد الإسلام، وانتفاعهم بالتجارات، وحفظ الطرق لهم، فوجب أن يكون على حسب اختلافه في السنة. ويفارق الجزية، لأنها مقدرة بحقن دمه، لأن ما من أجله أخذت مقدر معروف، فلذلك يقدر وقت أخذها. وقد روى عن عمر- رضوان الله عليه- ما ظاهره يدل أنه يؤخذ مرة

стр. 420

واحدة. وفي الحديث ما ينبئ عن غيره، وهو أنه كان يؤخذ منهم العشر عند إقبالهم، ويثنى عليهم عند رجوعهم فمنعهم عمر- رضوان الله عليه- من ذلك فهذا وجهه. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه". قال القاضي ﵀: هذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر- ﵁ كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر. وقد بين في الحديث المعنى في ذلك، وهو إرادة كثرة الحمل عليهم، لضيق شيء عنهم. والله أعلم.

стр. 421

قال ﵀: "ويؤخذ من تجار الحربين العشر، إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك". قال القاضي ﵀: هذا لأن المعنى الذي له أخذت من أهل الذمة موجود في تجار أهل الحرب، بل هم أولى به، وعموم الخبر ينتظمهم، فلذلك أخذ منهم. فإن بدلوا أكثر منه جاز أخذه. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "وفي الركاز- هو دفن الجاهلية- الخمس على من أصابه". قال القاضي ﵀: وهذا لقوله ﷺ : "المعدن جبار، في الركاز الخمس". فأوجب أن يؤخذ منه الخمس، وأخبر أنه غير المعدن، لأنه لو كان هو المعدن لكان مكررا للكلام من غير فائدة. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، فأغنى عن إعادته. وبالله التوفيق.

стр. 422

باب في زكاة الماشية مسألة قال القاضي أبو محمد- ﵀: قد دللنا على وجوب الزكاة في الجملة بظواهر من الكتاب والسنة وما ذكرناه من إجماع الأمة، والكلام على تفصيل ذلك يأتي في أعيان المسائل، ووجوب الزكاة في الماشية داخل فيما قدمناه. ومن الدليل على ذلك أيضا: ما رواه ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "من كانت له إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها على ما نفذت أخراها عادت عليه أولادها". قال أبو عبيد: قال الأصمعي: القاع: المكان المستوي ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض. قال أبو عبيدة: وهو القيمة أيضا، قال الله : ﴿كسراب بقيعة﴾، القيعة جمع قاع، القرقر: المستوى. أيضا قال عبيد بن الأبرص يصف الإبل:

стр. 423

هذلا مشافرها بما حناجرها ... تزجي مرابعها في قرقر ضاحي فالقرقر: المكان المستوي. والضاحي: الظاهر البارز للشمس. وقد روى في بعض الحديث: "بقاع قرقر" وهو مثل القرقر في المعنى. مسألة قال ﵀: "ولا زكاة في الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل: ففيها جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسعة. ثم في العشرة: شاتان إلى أربعة عشر. ثم في خمس عشرة: ثلاث شياه إلى تسع عشرة. فإذا كانت عشرين: فأربع شياه إلى أربع وعشرين. ثم في خمس وعشرين بنت مخاص- وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر- إلى خمس وثلاثين. ثم في ستة وثلاثين بنت لبون- وهي بنت ثلاثين سنين- إلى خمس وأربعين. ثم في ست وأربعين حقة- وهي [ق/٩٤] التي يصلح على ظهره الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين- إلى ستين. ثم في إحدى وستين جذعة- وهي بنت خمس سنين- إلى خمس

стр. 424

وسبعين. ثم في ست وسبعين ابنتا لبون، إلى تسعين. ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة. فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون". فقال القاضي أبو محمد بن علي- ﵀: أما نفيه الصدقة عما دون الخمس من الإبل فلما رواه مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة". وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبي سعيد الخدري أن رسولا لله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة". ولا خلاف في ذلك. وأما إيجاب الصدقة فيها على الترتيب الذي ذكره، فلتواتر الأخبار عن النبي ﷺ بذلك، فروى يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، فذكر إلى أن قال:

стр. 425

"وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثون، فإذا زادت على خمس وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت على الستين واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت خمس وسبعين واحدة ففيها بنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى أن تبلغ مائة وعشرين، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل". ورواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن عمارة بن عونة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن هذا كتاب رسول الله ﷺ ثم ذكر نحوا من لفظ الحديث الأول. وروى حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا، وكتبه له فإذا فيه: "هذه فريضة الصدقة". وقد روى مسندا متصل السند من غير طريق حماد: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى المالكي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين ابن إسماعيل الباهلي قال: حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا محمد بن
следующие страницы →