← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المخالفين فذكر له خلاف ابن المواز وابن حبيب مع موضعها من العلم وتصنيفهما فيه الكتب التي ما سبقا إلى مثلها فقالوا: ما سمعنا بها ولا القوم ولا عرفنا في الفقهاء من يسمي بهذا الاسم أفترى أن هؤلاء القوم لا نعلم أنهم كانوا موجودين علمًا ضروريًا لا يخالفنا فيه شك ولا ريب على حد ما نعلم وجود مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولكن قلة المخالطة والنظر في كتب المخالفين وسماع الأخبار بجلب هذا، ولسنا نخصكم بذلك، بل علينا مثله فيما نقل فيه مخالطتنا وسماع أخبار الناقلين له، فحصل من هذه الجملة أنه ليس كل ما علمه بعض الناس متواتر الأخبار مما يحتاج إلى حرف من العناية والبحث، ومطالعة الأخبار، ومخالطة الناقلين؛ فيجب أن يعلمه من لم يشاركه في ذلك. ويقال لأصحاب الشافعي خاصة: ألستم تحتجون على أبي حنيفة بالنقل المتواتر في الصاع والمد؟ أيمكنكم إذا جاء بكم أصحابه بمثل ما اعترضوا علينا به من أن ذلك لو كان متواترًا لعلموه كما علمتموه أن تجيبونهم إلا بمثل ما أجبناكم به؟؛ فاعلموا أنكم إذا اعترضتم بمثله علينا فإن اعتراضكم عائد عليكم؛ فجوابه يسقط عنا. وأما قولهم لو كان ذلك معلومًا ضرورة لم يحسن الخلاف فيه: فدعوى؛ لأن ذلك غير ممتنع فيما يحتاج إلى مخالطة وبحث؛ على ما ذكرناه في كثير من الأخبار. ولأن كثير من أهل الأصول يتقول وقوع العلم الضروري بمخبر خبر المتواتر ويحسن مناظرته عليه؛ ويبين ذلك أنه قد لا يحسن الخلاف في جملة خبر مقبول ويحسن الخلاف في تفصيله؛ ألا ترى أن "الموطأ" لمالك "والكتاب" لسيبويه معلوم في الجملة لا يحسن الخلاف

стр. 527

فيه ويحسن في تفصيله ومسائله؛ إذ قد يعلم الجملة من لا يعلم التفصيل؛ ولذلك حسن تجاحد أشياء معلومة هي معلومة بالتواتر أو بالآحاد، وهل هي معلومة ضرورة أو استدلالاً لما كان الحال فيها ما وصفناه!. فأما قولهم على هذا أنه يوجب أن يكون من خالف جاحدين للضرورة: فجوابه أنا لا ندعي عليهم ذلك مع علمهم به، ولكن كما يدعون علينا مثله في بسم الله الرحمن الرحيم وغيرها، فأما أصحاب الشافعي فيلزمهم الاحتجاج على أهل العراق بنقل الصاع والمد مثل ما ألزمونا، ويقال لهم في جوابه هذا لو لم يكن ذلك معلومًا ضرورة، لكن مالك بن أنس وأصحابه وغيرهم من فقهاء المدينة ﵃ يدعون الضرورة فيما هم غير منظرين إليه ولا عالمين به؛ فما يستحسنون من الجواب في هذا فيجب أن يرضوا بمثله، وما ذكروه من خبر الواحد، وأنه لا يجوز أن يخفي على مسلم إلا أن يبين كذب مدعيه أو أن يرد على وجه مخالف العادة في الأخبار. فإن قالوا: فقد ثبت في الجملة أن كل خبر متواتر فإنه حجة يلزم المصير إليه فما فائدة تخصيص أهل المدينة ومثله لازم في نقل كل أهل بلد؟ قيل لهم: لسنا نزعم أن الخصة تخص نقل أهل المدينة فقط دون غيرهم من أهل البلاد، ولكن لم يتفق لغيرهم من ذلك ما اتفق لهم، ولو اتفق لغيرهم مثل نقلهم لكان حجة، وليس ذلك لمعنى يرجع إلى البلاد ولا إلى من ولد فيه وأقام فيه، ولكن لأمور اتفقت لهم عدمت فيمن سواهم من مصاحبة الرسول ﷺ ، وكونه بينهم، ومشاهدتهم لما يقوله ويفعله ويقر عليه أو يتركه إلى أن مات؛ فتوارثوه بينهم نقلاً كما توارثت أهل كل بلد

стр. 528

نقل سيرة سلطانهم وما كان تعاملهم به واستفاض بينهم معرفة غيرهم منهم؛ فكذلك سبيل غير اهل المدينة مع نقل أهل المدينة أنهم يعرفون ما عرفه أهل المدينة من قبل نقلهم إليهم؛ فكان أصل التواتر بها. فهذا وجه اختصاصهم بثبوت الحجة بنقلهم. هذا عمد ما يورده المخالفون، وما نجده من كلامهم سواه فإنما هو على ظنهم أنا نقوله؛ فمن ذلك إفسادهم الاحتجاج لإجماع أهل المدينة للأخبار المورثة في فضلها، وهذا لا يتعلق به نحن ولا غيرنا. ومن ذلك قولهم أن أهل المدينة بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم، وأن الدليل إنما قام على عصمة جميع الأمة دون بعضها. وهذا أيضًا لا تعلق فيه؛ لأنه كلام على من يزعم أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وليس هذا مسألتنا. ومنه أيضًا قولهم: إنه قد ذهب عليهم ما استعملوه من غيرهم ولهذا لا تمنع الحجة بمتواتر نقلهم كما لم يمنع ذلك في نقل الأمة. ونحن نعقب هذا بالكلام من إجماعهم من طريق الاجتهاد إن شاء الله. فصل قد بينا أن الإجماع من طريق النقل حجة، وأما إجماع أهل المدينة من طريق الاجتهاد فاختلف أصحابنا فيه على مذهبين: أحدهما: أنه حجة يلزم المصير إليه. والآخر: أنه ليس بحجة على انفراده، ولكن يرجح به اجتهاد غيرهم من أهل العلم كما يرجح سائر المذاهب المقتضية للترجيح. وهذا مذهب

стр. 529

أصحابنا البغداديين، وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو بكر الأبهري، ويحكيه عن ابن [ق/ ١٢١] بكير، وابن متاب، وأبي الفرج، وأبي يعقوب. والأول قول قوم من متقدمي أصحابنا، وهو الذي يدل عليه قول ابن مصعب الزهري وأحمد بن المعدل وغيرهما، وإليه أشار أبو محمد بن أبي زيد في مقدمة كتاب الكبير، وقد نصره قاضي القضاة أبي الحسن بن أبي عمرو في مسألته في إجماع أهل المدينة التي عملها نقضًا على أبي بكر الصيرفي الشافعي، واحتج من نصر هذا بأن قال: لأن المدينة لما كانت عرصة النبوة، ودار الوحين وأهلها قد شاهدوا التنزيل، وسمعوا ألفاظ الرسول ﷺ كانوا أعرف بطرق الأدلة وأبصر من غيرهم ممن ثبت له هذه المزية بوجوه الاجتهاد وطرق الاستخراج والاستنباط. قالوا: ولأن السنن والأحكام منها ابتدئت، وعنها انتشرت إلى أهل الآفاق، وقد كان الحكم مستفيضًا بها، ثم لا يعلم بغيرها إلا بعد مدة من نقل من ينقله إليهم، فإذا وجدناهم مجمعين وترك غيره من الأقيسة؛ لأن ذلك محمول على أنه عن توقيف علموه أنه نسخ لذلك الخبر فاستغنوا عن إيراده اكتفاء بإجماعهم على خلافه كما تستغني الأمة عن نقل ما عنه اجتمعت على الحكم؛ لأنه ليس إلا ذلك. أو القول بأنهم تركوا التوفيق عنادًا إلى قول ابتدعوا، وذلك باطل. واحتجت الفرقة الأخرى من أصحابنا بأن قالوا: إنهم بعض الأمة، والعصمة إنما تثبت لجميعها، فلا يؤمن من وقوع الخطأ منهم فيما اجتهدوا

стр. 530

فيه، وبذلك فارق النقل. قالوا: وقد قال الله تعالى:﴾ فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول ﴿وقال:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿، وهذه سبل لبعض المؤمنين. وقال شيخنا أبو بكر: وعلى هذا معنى السلف الصالح من أمة نبينا ﷺ ومن بعدهم إلى هذا العصر، ولم يحك عن أحد فيما طريقه الاجتهاد أنه قال لمن خالفه: اتبعني في الاجتهاد ودع اجتهادك من غير حجة يقيمها له أو برهان يبرهنه. قال: ولأن طريق الاستدلال مبذول مفتوح لأهل العلم لجعلهم الله فيه شرعًا واحدًا، وإن كان قد فضل بعضهم على بعض في الفهم فلا يجب أن يكون حجة عليه. قالوا: فأما ما تعلقوا به من معرفتهم بأسباب التأويل وطرق الدلالة: فالأمر فيه على ما قالوه، ولكنه يصلح أن يرجح به اجتهادهم. وقولهم: إن ذلك محمول على أنه توفيق من علمهم بنسخ أو تخصيص: فبإزائه أن يقال ذلك في اجتهاد غيرهم. فإن قالوا: فهذا ينقض ما عليه كافة فقهاء أصحابنا من ثبوت المزية لهم على غيرهم، وفضيلتهم بالمشاهدة، واختصاصهم بالقرب والمعاينة على من نأى ولم يشاهد واعتمد على خبر ينقل إليه دون المعاينة. قلنا: ليس الأمر كذلك؛ بل كل هذه المزية ثابتة في الترجيح

стр. 531

باجتهادهم؛ على ما ستذكره. وأما في تحريم غيره وترك سائر الأدلة له فلا. وكذلك فقد أثبتنا في إجماعهم من طريق النقل وهو الذي يعتمد في كثير من المسائل. وأما تقسيمهم أن ذلك لا يخلو أن يكون عن سنة عملوها أو بدعة أحدثوها فقد أخلو فيه بقسم آخر؛ وهو أن يكون عن اجتهاد واعتقاد كون الأمر على ما صاروا إليه، وليس في هذا أنهم أحدثوا شرعًا ابتدعوه، ولا أنه لابد أن يكون الأمر على ما ادعوه. والله أعلم. فصل فإذا ثبت هذا فمتى نزلت حادثة لا نص فيها فقال أهل المدينة فيها قولاً من طريق الاجتهاد، وأدى غيرهم من أهل الأمصار اجتهادهم إلى قول يخالفه؛ فرجح القولان؛ فإن اجتهاد أهل المدينة أولى من اجتهاد غيرهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه الشافعي: إن اجتهادهم واجتهاد غيرهم سواء. ورأيت بعض من صنف الأصول من أصحاب الشافعي يذكر أن الخبرين إذا تعارضا وقد عمل بأحدهما أهل المدينة فإنه يرجح على الخبر الآخر؛ ويحتج في ذلك بما نحتج في هذه المسألة. والذي يدل على ما قلناه: أن الترجيح إنما يثمر قوة الظن فيكون القول الذي يقاربه أقرب إلى الحق، وأولى إلى الصواب، ووجدنا العلماء قد

стр. 532

سلكوا فيما هذه سبيله طرقًا فمنها: كثرة عدد رواة الخبر، ومنها كون رواته أبصر بالحكم وأعرف وأخبر بالقصة التي ينقلها؛ كنقل أبي رافع تزويج النبي ﷺ بميمونة حال إحلاله، ونقل ابن عباس لذلك أنه كان حال إحرامه، وإن أبا رافع كان السفير بينهما؛ فالظاهر أن السفير يخبر عن أمر القصة ما لا يخبره غيره. ومثل كون الراوي أقدم صحبة للرسول ﷺ ، وأكثر اجتماعًا به منه؛ كما قال الشافعي في رواية أسامة: "إنما الربا في النسيئة": إن عمر وعبادة والمشيخة أعلم برسول الله ﷺ من أسامة. وكذلك في تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر أو عمله به أو تعليله قولاً لصحابي، والآخر عريًا من ذلك، وأن أحد المذهبين يعضده قول صحابي والآخر قول تابعي، وما جرى مجرى ذلك. وإذا ثبت هذه الجملة وجدنا الترجيح لاجتهاد أهل المدينة ثابتًا من عدة وجوه: منها ما ذكره أصحابنا في الفصل الذي قبل هذا؛ وهو أن لهم من حرمة القرب والمشاهدة والمعرفة بمخارج الكلام وأسباب الأحكام ما ليس لغيرهم ممن يرجع إلى أمر ينقل له وخبر يروى له؛ فكان اجتهادهم أولى؛ لأن سببه الذي بني عليه أقوى كما حكينا في وجوه ترجيحات الأخبار؛ ويدل على ذلك قوله ﷺ : "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز [ق/ ١٢٢] الحية إلى جحرها"؛ وهذا يدلك على أن ما يصيرون إليه أقرب إلى الحق والصواب من قول غيرهم كما رجح بعض من يخالفنا اجتهاد عمر ﵁ على اجتهاد غيره بقوله ﷺ : "الحق ينطق

стр. 533

على لسان عمر وقلبه"؛ ويدل عليه أن الصحابة كانوا يتوقفون على الفتيا في الحادثة إذا نزلت وهم غائبون عنها، ويؤخرون ذلك إلى وقت عودهم إليها، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر، وأشار عبد الرحمن به على عمر فقال: أمهل يا أمير المؤمنين لتقدم دار الهجرة وبها الصحابة. وقد علمنا أن ذلك لاعتقادهم أن النفوس تكون بها أشرح والاجتهاد فيها أقوى والتبين لأسبابه أمكن. وهذه طرق واضحة في وجوب ترجيح اجتهادهم على اجتهاد غيرهم. وبالله التوفيق. وبمثل ذلك قال الشافعي للربيع: يا بني إني والله لك ناصح إذا جاءك الأصل من أصل أهل المدينة فاشدد يديك به. وقال: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أكثر صوابًا من كتاب مالك ﵀. فصل أما الكلام في عملهم المتصل إذا عارضه خبر واحد، وأن المصير إلى عملهم هو الواجب وترك الخبر الواحد له: فالذي يدل عليه أنه إذا ثبت أن هذا العمل طريقه طريق النقل لا الاجتهاد دخل فيما دللنا عليه من أ، هـ نقل تواتر، فإذا ورد في مقابلته آحاد وجب تركها له عما يجب ذلك في تركها للقول؛ لأن الحجة في النقل المتصل عملاً كان أو قولاً.

стр. 534

وقد أكثر المخالفون التشنيع على أصحابنا في ذلك بتقويلهم ما لا يقولون من أنه لا يقبل الخبر إلا إذا صحبه على أهل المدينة، ورووا أخبارًا لم يصحبها عمل أهل المدينة، ولا كان عندهم علم بأحكامهم حتى رجعوا إليها من رجوع عمر في الجزية إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وفي توريث المرأة من دية زوجها إلى حديث الضحاك بن سفيان وغيره. وكل هذا تقويل لنا غير قولنا، وإنما مذهبنا أن الخبر إذا روى لم يخل حاله من عمل أهل المدينة من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون عملهم مطابقًا له؛ فهذا يؤكد العمل به والأخذ بموجبه. أو أن يكون عملهم بخلافه؛ فهو الذي يقول: إن عملهم أولى منه، وأن الخبر يجب أن يترك له؛ ويريد بذلك العمل المنقول. أو أن لا يكون عندهم عمل به ولا يخالفه في المسألة لا يتصور إلا على هذا الوجه. فأما أن نقول: لا يقبل الخبر حتى يصحبه العمل فمعاذ الله، وليس إذا قلنا أن العمل أولى منه متى كان بخلافه فوجب أن نكون قد قلنا: إنه لا يقبل حتى يصحبه العمل؛ فبان بذلك غلطهم علينا فيما يضيفونه إلينا. وهذا الذي يذهب إليه مالك وأصحابه من ترك الخبر للعمل المنقول ليس بمذهب انفردوا به؛ بل هو مذهب أكابر التابعين؛ قال أبو الزناد في خبر وجد العمل بخلافه ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد. وقال غيره: لو رأيتهم يتوضئون إلى الكوعين وأنا أقرأ إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين.

стр. 535

وذكر عن جماعة من التابعين أنهم يتركون أحاديث إذا سئلوا عنها قالوا: ما نجهل هذا، ولكن وجدنا العمل على غيره. وروى أن أبا بكر بن محمد بن حزم، وكان إذا قيل له: لم لم تقض بحديث كذا؟ يقول: لم أجد العمل عليه. والكلام في فصول هذه المسألة طويل، وقد ذكرنا ما فيه إن شاء الله مقنع وبلاغ، وأشبعنا ذلك في مقدمات كتاب "الفروق"، وتكلمنا فيه كلامًا شافيًا، والله ولي التوفيق، ثم عدنا إلى الكتاب. مسألة قال ﵀: "وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو إقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز. وقيل: إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه. وهو حب صغير يقرب من خلقة البر". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀ أعلم أن أول ما في هذا أن زكاة الفطر متعلقة بالأقوات فلا يجزئ أن يخرج فيها ما ليس بقوت. هذا قولنا، وقول الشافعي. وحكى عن أبي حنيفة جواز إخراج كل مأكول في زكاة الفطر حتى ذكر عن يونس بن بكير أنه حكى عنه أنه قال: إن أخرج صاعًا من الهليج أجزأ عنه. وهذا يدل على أنه لا يعتبر بالقوت، ولا يجوز أن يحمل ذلك على

стр. 536

أنه قال على أصله في القيمة؛ لأنه اعتبر الصاع. والدلالة على ما قلنا: قول ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير الخبز"؛ فوجب بذلك حصرها على قدر ما ذكر فيها إلا أن تقدم دليل. وقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وقد علم أن غناءهم إنما هو بتحصيل أقواتهم؛ لأنهم لا يستغنون بالهليج، ولأنه ليس بقوت؛ فأشبه غير المأكول. فصل ولا خلاف في جواز إخراج البر في زكاة الفطر، وذهب بعض من لا يعتد بخلافه إلى منعه قال: لأنه روى عن ابن عمر أنه كان لا يخرج إلا الشعير، فقيل له: قد وسع الله الخير والبر. فقال: إن أصحابي يسلكوا سبيلاً أريد أن أسلكه. وعندنا أن هذا القول خرقًا للإجماع؛ فلا يعتبر به، ليس في هذه الحكاية عن ابن عمر أنه كان لا يجوز إخراج البر، ولا أصحابه كانوا لا يجوزون ذلك؛ فلا تعلق فيها. ثم الذي يؤكد ما قلناه: ما رواه الزهري عن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو شعير. وروى وكيع عن داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي

стр. 537

سعيد قال: "كنا نخرج صدقة الفطر إذ كان فينا رسول [ق/ ١٢٣] الله ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط". ولأنه قوت؛ فجاز إخراجه في صدقة الفطر؛ اعتبارًا بالتمر. فصل وأما الأقط فإن إخراجه جائز لأهل البادية. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يجوز إخراجه. والآخر: أنه لا يجوز. ومن أصحابه من قال: أنه علق القول فيه. ونكتتهم في منع إخراجه أنه قوت لا تجب في عينه الزكاة؛ فلم يجز إخراجه في زكاة الفطر؛ اعتباره اللحم و []. والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد أنه سمع أبا سعيد يقول: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب". ورواه داود بن قيس عن عياض عن أبي سعيد فزاده فيه: "إذ كان فينا رسول الله ﷺ " ولا يجوز أن يحمل ذلك على عدم إذنه؛ لأن أبا سعيد أخرج ذلك مخرج الاحتجاج وفعله بغير إذن صاحب الشريعة لا حجة فيه.

стр. 538

وروى كثير بن عبد الله بن عمر، والمزني عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رجالاً من أهل البادية قالوا: يا رسول الله إنا أولوا أموال فهل تجوز عنا من زكاة الفطر؟ قال: لا؛ فأخروجها عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والعبد والحر، صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير". وقال أصحابنا: ولأنه مقتات مدخر مستفاد من أصل تجب الزكاة في عينه يجزء منه الصاع؛ فأشبه الحبوب. وما ذكروه ليس بقوت عام، والسنة أولى منه. وأما جواز إخراج الزبيب فلا خلاف فيه بين فقهاء والأمصار، وحكى عن بعض المتأخرين منعه. والدلالة على جوازه ما روى الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن أبيه "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من بر". وهذا نص. وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر أو شعير أو زبيب". ورواه ابن عباس أيضًا. ولأنه قوت مدخر؛ فأشبه التمر. فصل فأما التمر والشعير: فلا خلاف في جواز إخراجهما؛ ويؤكد ذلك ما رويناه من الأخبار فيه. فأما ما عدا ذلك مما ذكرناه فإنها أقوات عامة؛ فإذا كانت عيش قوم جاز إخراجها في الزكاة؛ اعتبارًا بالمنصوص فيما يخرجه بعيش أهل البلد غالبًا.

стр. 539

فإن كان ممن يخص نفسه بقوت أعلى منه استحب له أن يخرج الزكاة مما يقتاته، فإن أخرج قوت أهل البلد أجزأه. وإن كان يقتات دون قوت أهل البلد، وهو قادر على قوت أهل البلد لزمه إخراج ما يقتاته غالب الناس، ولم يجزئه إخراج ما يأكله هو. وزعم عبد الملك بن حبيب أن هذا في غير التمر والحنطة والشعير، فأما في هذه الثلاثة الأشياء فإنه مخير يخرج. فحصل من هذا أنه إذا كان غالب قوت أهل البلد الحنطة فأخرج هو شعير أنه لا يجزئه. وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا. والآخر مثل قول ابن حبيب. والدلالة على ما قلنا: قوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم". والطلب إنما هو للقوت، فإذا أعطاهم الشعير وقوتهم الحنطة فلم يغنهم عن الطلب. ولأنه لما كان عليه إذا كان يقتات أعلى من قوتهم أن يخرج من قوتهم الغالب، ولا يلزمه أن يخرج مما يقتاته؛ كذلك إذا كان يقتات دونه فالواجب أن يخرج من غالب أقواتهم. ووجه قول ابن حبيب قوله ﷺ : "صاعًا من تمر أو شعير"، وذلك يفيد التخيير بين هذه الأشياء؛ فمن أيها أخرج أجزأه. والله أعلم.

стр. 540

مسألة قال ﵀: "ويخرج السيد عن عبده، والصغير الذي لا مال له يخرج عنه والده، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته، وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه، لأنه عبد له بعد". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: اعلم أن قولنا وقول فقهاء الأمصار أن على الإنسان إخراج صدقة الفطر عن من تلزمه نفقته في الجملة وإن اختلفنا في تفصيل ذلك على ما سنذكره. وعند داود: أنه لا يلزم الإنسان زكاة الفطر عن أحد غيره، لا عن ولده ولا عن عبده. والدلالة على بطلان قوله ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "أدوا زكاة الفطر عن من تمونون". وروى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون". وروى ابن وهب قال: كتب إلى كثير بن عبد الله عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لقوم من أهل البادية في زكاة

стр. 541

الفطر: "أخرجوها عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعبد والحر صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب. ولأنها طهرة تحري مجرى المؤنة، فأشهبت النفقات. فصل فأما ولده الصغير إذا لم يكن له مال فيلزمه عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي إخراج زكاة الفطر عنه فأما الكبير الزمن إذا لم يكن له مال، وقد لزمته نفقته فيجب أن تلزمه زكاة الفطر عنه، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك. ودليلنا: قوله ﷺ : "عمن تمونون" ولأنه ممن تلزمه مؤنته مع كونه من أهل الطهرة، فأشبه الصغير. ولأن البلوغ لا يمنع من وجوب فطرته على غيره إذا كانت مؤنته لازمة لغيره، وكان من أهل الطهرة في نفسه، اعتبارًا بالعبد. وإن قاسوه على الحر البالغ الموسر قلنا: المعنى فيه أنه [ق/ ١٢٤] لا تلزمه نفقته. فصل ويلزمه عندنا أن يؤدي زكاة الفطر عن زوجته المسلمة وإن كانت موسرة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، لما روى أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر عن كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين، وظاهر هذا العموم

стр. 542

يقتضي أن تكون فرضًا عليها عن نفسها. ولأن كل من خوطب بإخراج زكاة الفطر عن رقبته وجب أن يكون مخاطبًا بذلك عن نفسه. دليله: الرجل. ولأن الزوج لما لم يلزمه أداء زكاة الفطر عن رقيقها لم يلزمه أداؤها عنها، اعتبارًا بالأجنبية ولأن منافعها مستحقة بعوض فلم يلزم مستحقها أداء الفطر عنها. دليله: الأجير. ولأنها زكاة فلم يتحملها عنها الزوج، اعتبارًا بزكاة المال، ولأنها عبادة متعلقة بالمال، فأشبهت الكفارات. والدلالة على صحة قولنا: ما روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون. والزوجة ممن يمونها الإنسان، فلزمه أداء زكاة فطرتها عنها بهذا الظاهر. وروى أن النبي ﷺ قال: "أدوا زكاة عمن تمونون". ولأنها من أهل الطهرة، فوجب أن يلزم فطرتها من تلزمه مؤنتها إذا كان قادرًا على ذلك. أصله: الولد الصغير. ولأنه التزم نفقتها بسبب يوجب التوارث من الطرفين، فوجب أن تكون فطرتها على من تلزمه النفقة الراتبة إذا كان من أهل الطهرة.

стр. 543

أصله: الأبوان، والولد الصغير. ولأنها مستباحة البضع بالعقد فأشبهت الأمة. ولأن الفطرة تابعة للمؤنة فيمن هو أهلاً للطهرة، بدلالة أن العبيد لما لزمت ساداتهم مؤنتهم لزمتهم فطرتهم. فأما قوله ﷺ : "على ذكر وأنثى" فمعناه: من يمون نفسه دون من تلزم غيره مؤنته، بدليل خبرنا. ولا يصح قياس الزوجة على الزوج، لأن مؤنته على نفسه، والفطرة تابعة للمؤنة، وليس كذلك الزوجة. على أن إخراجها زكاة الفطر عن رقيقها دليلنا، لأنه إنما لزمه ذلك لا لتزامها مؤنتهم، فلما كان الزوج ملتزمًا لمؤنتها لزمه أداء فطرتها كما لزمها هي في رقيقها. ولا يصح اعتبارها بالأجنبية، لأنه لا يلزمه مؤنتها، ولا بالأجير أيضًا، لأن مؤنتها يقصد بها الوصلة لا المعاوضة المحضة، ففارقت الأجير. ولا يصح اعتبارها بزكاة المال، لأن موضوعها يختلف، وذلك أن زكاة المال طريقها طريق العبادات، فالإنسان يختص به في نفسه من غير أن يخاطب غيره به عنه، وما طريقه المؤن فهو تابع للنفقة، ألا ترى أن مخالفنا قد فرق بينهما في اليتيم فأوجب في ماله زكاة الفطر دون زكاة المال، وتفارق الكفارات، لأنها لا تصح النيابة فيها على وجه. وليس كذلك الفطرة، لأن التحمل يصح فيها، بدلالة أن على الرجل أن يخرجها عن أصاغر ولده وعن عبيده، والله أعلم. فأما عبده المكاتب فعنه في إلزامه إخراج فطرته روايتان:

стр. 544

أحداهما: أن ذلك يلزمه. والأخرى: أنه لا يلزمه. فوجه قوله إنه يلزمه، اعتبارًا بالعبد والأمة وأم الولد والمدبر، بعلة وجود الرق مع كونهما من أهل الطهرة. ووجه قوله إنه لا يلزم أن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فلما لم يلزم السيد النفقة على مكاتبه لم يلزمه إخراج فطرته. فصل فأما اشتراطه أن يكون المخرج عنه مسلمًا فهو قولنا، وقول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يخرج عن عبيده الكفار زكاة الفطر، لقوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر". ولقوله: "ممن تمونون" فعم. وفي الأخبار على كل حر وعبد مسل أو نصراني. ولأن المؤدي من أهل الطهرة فوجب أن تلزمه نفقة رقيقه. أصله: إذا كان العبد مسلمًا لمسلم. ولأن كون العبد كافرًا لما لم يمنع وجوب الزكاة فيه للتجارة لم يضع وجوب الفطرة عنه إذ الاعتبار بالسيد المزكي عنه، لا بالعبد. والدلالة على ما قلنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعماً للمساكين.

стр. 545

وفي حديث آخر: زكاة الفطر بلى ذكر فرض. فأخبر عن صفة الزكاة، وعن علة فرضها، وهي كونها طهرة للصائم، فنفى بذلك وجوبها عن الكافر، ولأنه ليس بصائم، فلا تكون طهرة له. فإن قيل: فليس في الخبر ذكر لصائم دون صائم، فيقول: إنها طهرة للسيد. قلنا: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: إن الظاهر أن المراعي في الطهرة للصائم والمخرج عنه، لا المخرج، لأن ما طريقه التكفير من اللغو والرفث لا يحصل بالأداء عن الغير. والوجه الآخر: إن الإجماع حاصل على أن طهرة الشخص الواحد صاع واحد، وأنتم توجبون عليه صاعين: أحدهما عنه، والآخر عن غيره، فيصير الصاع الآخر طهرة عن ليس بصائم. وأيضًا قوله ﷺ : "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" فدل ذلك على أن الكفارة بخلافهم، وأنه ليس من أهل الطهرة، فلم يلزم أن تخرج عنه الفطرة. دليله: العبد الكافر إذا كان لكافر، والأبوان الكافران. ولأن حال السيد آكد من حال عبده، وقد ثبت أن السيد لو كان كافرًا لم تلزمه فطرة نفسه، فبأن لا تلزمه عن غيره أولى. ولأن الاعتبار بالمؤدي عنه لا بالمؤدي، يدلك عليه أن المسلم يلزمه أداء

стр. 546

الفطرة عن أبيه المسلم، والكافر لا يلزمه أداء الفطرة عن أبيه الكافر، لأن المؤدي عنه ليس من أهل الطهرة. ولو ارتد ابن المسلم لسقط عن أبيه أداء الفطرة، لأن الذي يؤدي عنه صار من غير أهل الطهرة [ق/ ١٢٥]، ويبين هذا عندنا في الابن إذا بلغ زمنًا فقيرًا، أو ارتد أن فطرته تسقط عن الأب. وعلى مذهب أبي حنيفة في الصغير إذا ارتد، لأن ردته صحيحة عندهم. فأما قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" فمفهومه أن عليه أن يؤدي عنه الفطرة في الجملة، وأن الفطرة ليست كزكاة الرقاب. فأما شروطها والأحوال التي إذا كان العبد عليها أديت عنه ينبئ الخبر عنه. وقوله: "ممن تمونون" مقيد بقوله: "من المسلمين" وقوله: "مسلم أو نصراني" غير معروف ولا ثابت، فلا يلزمنا الجواب عنه. وقولهم: إن المؤدي من أهل الطهرة فأشبه إذا كان العبد والسيد مسلمين: لا معنى له، لأن الاعتبار المودي عنه على ما ذكرناه على أن المعنى في الأصل كون المؤدي عنه من أهل الطهرة، وليس كذلك في الفرع. واعتبارهم بزكاة التجارة باطل، لأنها تكون طهرة للسيد، وزكاة الفطر طهرة للمخرج عنه، فإذا لم يكن من أهل الطهرة لم تلزم عنه، على أنه باطل بما ذكرناه من ارتداد الابن. والله أعلم.

стр. 547

مسألة قال ﵀: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر". قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: والأصل في ذلك قوله تعالى:﴾ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم رب فصلى ﴿. قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج لصلاة العيد، فروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا أبو ثابت حدثنا عبد الله ابن نافع المدني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده: سئل رسول الله ﷺ ممن قوله تعالى:﴾ قد أفلح من تزكى ﴿قال: "زكاة الفطر". وروى عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة قال: يا نافع أخرج الصدقة، فإنما أنزلت في هذا:﴾ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ﴿. وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأبي العالية. هذا من الظاهر. فأما من الأثر: فما رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة. وروى حكيم بن حزام عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 548

يقول: "قربوا قبل خروجكم زكاة الفطر". والمعنى في ذلك هو أن يستغني بها الفقير في ذلك اليوم عن الطلب. واستحب قبل الصلاة، ليشتغل الفقراء بالصلاة عن الطلب في ذلك الوقت، وفي جملة اليوم، وقد وردت السنة بهذا، قال النبي ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم". فصل فأما وقت وجوبها فتخرج فيه روايتان: إحداهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان. والأخرى: أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر. وللشافعي ﵁ قولان: وعند أبي حنيفة ﵀ أنها تجب بطلوع الفجر. وكان أبو بكر بن الجهم يقول: الصحيح من قول مالك أنها تجب بطلوع الشمس يوم الفطر وهذا ليس بشيد مما سنذكره. فوجه قوله إنها تجب بغروب الشمس ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان. فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقة ذلك لا تكون إلا بغروب الشمس، لأن ذلك أول فطر يتعقب خروج رمضان.

стр. 549

وسألوا عن هذا فقالوا: إطلاق اسم الفطر لا يتناول إلا زمانًا يصح في مثله الصوم، وزمان الليل لا يصح فيه الصوم، فلم ينتظمه الخبر. الجواب: إن هذا باطل، لأنه لو لم يتناول الليل لما قالوه لوجب ألا يتناول يوم الفطر به أيضًا، لأن صومه لا يصح في الشرع، ولكان لا يجب أن يسمى يوم الفطر كما لا يسمى بذلك، لأن حكم يوم الفطر في أنه لا يصح الصوم فيه كحكم أجزاء الليل، فعلم بذلك بطلان ما قالوه. على أن اسم الفطر متعلق على زمان الليل باللغة والشرع، فأما الشرع: فقوله ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، فسمى زمان الليل زمان فطر. وقوله ﷺ : "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه". فأما اللغة: فإن الفطر ضد الإمساك الذي هو الصيام، لأن الإنسان لا يخلو من هذين الحالين، وهما يتعاقبان عليه الصوم والفطر، فإذا انتفى عنه الوصف لأحدهما ثبت له الوصف الآخر. وسألوا فقالوا: لو تناوله الخبر ليلة الفطر لتناول سائر ليالي رمضان، فعلم بذلك أنه ﷺ لم يرد الليل، لأنه وقت الفطر في تضاعيف رمضان أيضًا. فالجواب: أن هذا لا يعترض على الخبر، لأن لوجوب علق بالفطر في

стр. 550

رمضان، وهذا يقتضي أن يكون فطرًا عن جميع رمضان لا عن بعضه، فبطل ما قالوه. وسألوا أيضًا فقالوا: روى أن النبي ﷺ قال: "فطركم يوم تفطرون" فأضافه إلى اليوم دون الليلة. فالجواب عن هذا أنه خص اليوم بذلك لمعنى، وهو أنه أول فطر من رمضان نهارًا، فأما ليلة شوال فإنه أول فطر يتعلق رمضان ليلاً بالخبر الذي رويناه، فثبت أن اسم الفطر من رمضان يتعلق على الموضعين. فإن قالوا: فلم صرتم بأن تعلقوا حكم الوجوب بالليل بأولى منا أن نعلقه بالنهار؟ قلنا: لأنه أول ما يسبق إلى تناول الاسم كما فعلنا ذلك في الأب وفي التفرق بالقول، وكما فعلناه نحن في الشقيقين، وغير ذلك. وسألوا أيضًا فقالوا: لو كانت ليلة شوال فطرًا من رمضان لم يسم الزمان الذي بعدها فطرًا، ألا ترى أن يوم الفطر لما سمى بذلك لم يسم ما بعده باسم الفطر؟ فالجواب أن هذا حجة حجة لنا، لأن اسم الفطر لا يتناول يوم الفطر إلا بتقييد الزمان، لأنه يقال: [ق/ ١٢٦] يوم الفطر، وهذا يوم الفطر، وقد وجدنا هذا يستعمل في الليلة أيضًا فيقال: ليلة الفطر كما يقال: يوم الفطر. فإن قيل: معنى ذلك الإضافة إلى اليوم الذي يقع فيه الفطر. قيل له: هو للأمرين معًا.

стр. 551

وجواب آخر: وهو أنه إنما يسمى ذلك، لأنه أول فطر من جنس زمان صوم رمضان، فلم يقع الاسم على ما قبله من جنسه. هذه جملة الأسئلة على الخبر. ومن الدلالة على ما قلنا: ما رواه ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر طهارة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. فأخبر عن المعنى الذي من أجله فرضت، وهو أن تكون طهرة للصائم أو من هو في حكم الصائم، وذلك يفيد أن من صام رمضان ثم مات قبل طلوع الفجر فقد وجبت عليه الزكاة. فأما من ولد بعد غروب الشمس فلم يدرك الصوم ولم يحصل له تحرم بإدراكه فلم يتعلق به حكم الوجوب، ولأنه لم يدرك شيئًا من رمضان فلم يلزم إخراج الفطرة عنه. أصله: إذا ولد بعد طلوع الفجر يوم الفطر. ولأن كل ليلة فحكمها حكم اليوم الذي بعدها إلا ليلة عرفة، يبين ذلك أن ليلة شوال من شوال، وكذلك ليلة رمضان، وكذلك إذا أراد الاعتكاف دخل قبل غروب الشمس إلى معتكفه ليستوفي اليوم بليلته. وإذا ثبت ذلك ثم اتفقنا على أن من ولد يوم الفطر لا يحرم إخراج الفطرة عنه، كذلك من ولد ليلة الفطر. فهذا وجه هذا القول. ووجه القول أنها تجب بطلوع الفجر ما روى أنه ﷺ فرض زكاة الفطر

стр. 552

من رمضان. وإطلاق الفطر من رمضان لا يفهم منه إلا يوم الفطر. وقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، فنبه بذلك على ما تعلق الوجوب باليوم. ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريقة المواسة، فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر. أصله: الأضحية. ولأنه فطر في ليل، فأشبه تضاعيف الشهر. ولأنه أدرك طلوع الفجر يوم الفطر وهو في ماله، فأشبه إذا أدرك الطرفين. فهذا وجه هذا القول. والأول أنظر وأقيس، وقد مضى في أدلته ما هو جواب عن هذا. وبالله التوفيق.

стр. 553

مسألة قال ﵀: "ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، ويستحب في العيدين أن يمضى في طريق ويرجع في أخرى". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: قد بينا ذلك في باب صلاة العيدين بما يغني عن إعادته، فلذلك لم نعده هاهنا. كمل آخر كتاب الزكاة.

стр. 554

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في الحج والعمرة مسألة قال الشيخ: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد ﵁ وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلاً من المسلمين الأحرام استطاع إلى ذلك سبيلاً من المسلمين الأحرام البالغين مرة في عمره. والسبيل: الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة إما [راجلاً أو راكبًا]، مع صحة البدن". قال القاض ألو محمد عبد الوهاب بن على ﵀: علم بدئًا قبل الكلام على ما ذكره أن الحج ف اللغة: القصد؛ تقول العرب: حجنا البيت نجحه أي: قصدناه قال الشاعر: أما والذي حج المصلون بيته ... مشاة وركبانًا محرمة البزل أراد: قصد المصلون بيته. وقال: يحجن باليقظ حفاف الروح ... حج النصارى العيد وم الفصح أراد: يقصدون.

стр. 555

ويقال: الحج، والحج: بفتح الحاء وكسرها؛ فإذا كسرت فهو الاسم، وإذا فتحت كان مصدرًا؛ حججت أحج، حجًا. وقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قد قرئ بالوجهين جميعًا. وحكى عن الخليل أنه قال: الحج: هو كثرة القصد إلى من تعظم. قال الشاعر: وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان الزعفرا قال السب: العمامة. وكان الزبرقان يصبغ عمامته فكانوا يقصدون صبغ عمائمهم بمثل صبغه. والنسك في اللغة: العبادة؛ يقال: رجل ناسك أي متعبد، ومنه قوله تعالى:﴾ فإذا قضيتم مناسككم ﴿أي: متعبداتكم. وقيل: إن أصل النسك في اللغة: الغسل، وقولهم: نسك ثوبه معناه: غسله. ومنه قول الشاعر: ولا ينبت المرعى سباخ عراير ... ولو نسكت بالماشية أشهر

стр. 556

فهذا معناه في اللغة، إلا أنه في استعمال الشرع: العبادة؛ على ما بيناه من قولهم: فلان ناسك ومتنسك أي: متعبد. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج يوم الأضحى فقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة، ثم الذبح"؛ فسمى الصلاة نسكًا، فأما تسمية الذبح نسكًا فمن هذا المعنى إذا كان على وجه القربة ومنه قوله تعالى:﴾ ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ﴿، وقوله:﴾ وأرنا مناسكنا ﴿معناه: أفعال حجنا. وقوله ﷺ : "خذوا عنى مناسككم". معناه: أفعال حجكم فهذا معنى النسك فأما العمرة فقد اختلف في معناه؛ فقال قوم من أهل اللغة: معناه القصد بمعنى الحج، واستدلوا بقول الشاعر: لقد سمى ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدًا من بعيد وضبر يريد: حين قصد ما فعله وطلبه. وقال آخرون: معنى الاعتمار: الزيادة؛ يقال: اعتمر فلان إذا زار.

стр. 557

وأنشدوا: يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر يريد: الزائر. فأما معناها [ق/ ١٢٧] في الشرع: فهو قصد البيت على وجه مخصوص. فأما تسمية البيت بأنه عتيق في تأويل قوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿ففيه عن أهل اللغة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه سمى بذلك؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة. هذا يروى عن مجاهد. والثاني: أن الله تعالى أعتقه من الغرف في زمان طوفان نوح ﵇. والثالث: أنه سمى بذلك لكرمه، والعتيق عند العرب: الكريم، يقال: حسب عتيق، وفرس عتيق. وأنشد الفراء: أما والله لو كنت حرًا ... وما بالحر أنت ولا العتيق أي: ولا الكريم.

стр. 558

وهذه جملة كافية في معنى هذه الفصول. فأما الدلالة على وجوب الحج: فمن الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب: فتقول :﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر الله غني عن العالمين ﴿. ففي هذه الآية دليلان: أحدهما: إخباره بأنه عليهم، وذلك من ألفاظ الوجوب. والآخر: قوله تعالى:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿. قال الحسن وغيره: "ومن كفر" معناه: من لم ير الحج واجبًا. وقال مجاهد: "من كفر" من إذا حج لم ير أنه فعل برًا، وإن ترك لم ير أنه فعل مانعًا. وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأتموا الحج والعمرة لله ﴿. فإن قلنا: إن إتمام الشيء يعبر عنه عن الابتداء فقد استقدنا بالظاهر الوجوب. وإن قلنا: إن الإتمام إنما هو لما قد دخل فيه استفدنا بذلك وجوب إتمامه على الداخل فيه بالظاهر، واستعذنا وجوب الابتداء بمفهوم اللفظ؛ وذلك أن الأمر المطلق أمر بها لا يتم الشيء إلا به، فلما أوجب علينا إتمام الحج

стр. 559

ولم يكن لنا سبيل إلى إتمامه إلا بالدخول فيه وجب لذلك ابتداءه. وأيضًا قوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ﴿؛ فروى أن اليهود لما سمعت ذلك قالوا: نحن مسلمون فقال الله لنبيه ﷺ حجهم. فقال: إن الله فرض عليكم الحج. فقالوا: ليست هو علينا فأنزل الله :﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿. وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ﴿معناه: مرهم به أو أعلمهم بوجوبه فهذا من الكتاب. وأما السنة: فقول النبي ﷺ : "بنى الإسلام على خمسة ... " فذكر فيهن الحج. وقوله ﷺ للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "وحج البيت". وقوله ﷺ : "حجوا قبل أن لا تحجوا".

стр. 560

وقوله ﷺ : "أفي الله فرض عليكم الحج" فقام رجل فقال: أف كل عام يا رسول الله؟ فقال: "حج حجة الإسلام التي عليك". وقوله ﷺ : "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو إن شاء نصرانيًا". فدلت هذه الأخبار كلها عن فرض الحج ولزومه. وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الحج في الجملة وإن اختلفوا في شروط وجوبه على ما سنذكره مفصلاً في بابه إن شاء الله. فإن قال معنت لأبى محمد ﵀ ما معنى هذا التقييد وفائدة هذا الإحتراز الشديد بقولك: وحج بيت الله الحرام الذي بمكة؟ قيل له: لأن المساجد يطلق عليها أنها بيوت الله تعالى، وليس حجها واجبًا. فإن قال بإطلاق قولنا بيت الله الحرام يكفى ما ذكره فما الفائدة في قوله الذي بمكة؟. قيل له: الفائدة فيه التأكيد وزيادة البان، وذلك غير ممتنع ولا مستهجن، وقد قال الله تعالى:﴾ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾،

стр. 561

وقال سبحانه:﴾ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴿فإن كانت القلوب لا تتوهم في غير الصدور وكان دخول الألف واللام في التبين للجنس يفيد العموم عند مثبتيه، وكذلك لفظ كل وجميع؛ فبطل هذا الاعتراض والإعنات.

стр. 562

فصل فأما قوله: إن الحج يجيب مرة في العمر؛ فلقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿، وذلك يفيد أول ما يقع عليه الاسم؛ فروى أبو الأحوص عن على - رضوان الله عليه - قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قالوا: يا رسول الله الحج كل عام؟ فسكت؛ فنزلت﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ﴿. قال رسول الله ﷺ : "ولو قلت نعم لوجبت". ورمى شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قال رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "حج حجة الإسلام التي عليك، ولو قلت نعم لوجبت عليكم". وروى محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله فرض عليكم الحج". فقام رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ فسكت، ثم أعاد فسكت، فأعاد الثالثة: فقال النبي ﷺ : "لو قلت نعم وجبت عليكم، ولو وجبت ما قلتم بها".

стр. 563

وروى: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس كتب عليكم الحج". فقيل يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتها لوجبت. الحج مرة فمن زاد فقد تطوع". وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رجل للنبي ﷺ : أتكفى حجة واحدة؟ قال: "نعم، فإن زدت فهو خير لك". ولا خلاف في أن الحج لا يتكرر وجوبه. وقد يفرق بينه وبين سائر العبادات من الصلاة والصيام بأن الحج يتعلق بأمور يلحق فيها التكلف والمشاق فمنها: الإحرام المانع من كثير من الملاذ، وما يلحق فيه من العنت والتعب. ومنها: قطع المسافة البعيدة التي تلحق فيها المشقة الشديدة والمخاطرة العظيمة كما قال تعالى:﴾ وتحمل أثقالكم [ق/ ١٢٨] إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴿. فإن كل هذا يلحق في فعله مرة واحدة في العمر فما قولك فيه لو تكرر وجوبه في كل عام. وكل هذا معدوم في الصلاة والصيام وسائر العبادات؛ فجاز أن تتكرر.

стр. 564

فصل فأما اشتراطه الاستطاعة في الوجوب؛ فلتعليق الله تعالى ذكره إيجاب الحج بها بقوله:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿إلى حج البيت من الناس سبيلاً أن يحج البيت. وهذا هو بدل الشيء من بعضه؛ لأن المستطعين بعض الناس؛ كما تقول: ضربت زيدًا رأسه؛ فجعل رأسه بدلاً من زيد، وهو بعضه. ولا خلاف في أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وإنما الخلاف في تعيينها على ما سنذكره إن شاء الله.

стр. 565

فصل فأما اشتراطه الإسلام: فلأن الكافر لا يصح منه التقرب بالعبادات مع الإقامة على كفره. وروى أن النبي ﷺ قال: "أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعله حجة فعلهي حجة الإسلام إذا هاجر". معناه: قبل أن يسلم. فصل فأما اشتراطه البلوغ في وجوب الحج: فلأن عبادات الأبدان المتقرب بها لا تلزم من لم يبلغ، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث ... " فذكر الصبي حتى يبلغ. ورفع القلم عنه هو إسقاط التكليف عنه. وروي يزيد بن ربيع حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن
следующие страницы →