Полный текст (831 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقال سبحانه:﴾ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴿فإن كانت القلوب لا تتوهم في غير الصدور وكان دخول الألف واللام في التبين للجنس يفيد العموم عند مثبتيه، وكذلك لفظ كل وجميع؛ فبطل هذا الاعتراض والإعنات.
стр. 562
فصل
فأما قوله: إن الحج يجيب مرة في العمر؛ فلقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿، وذلك يفيد أول ما يقع عليه الاسم؛ فروى أبو الأحوص عن على - رضوان الله عليه - قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قالوا: يا رسول الله الحج كل عام؟ فسكت؛ فنزلت﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ﴿. قال رسول الله ﷺ : "ولو قلت نعم لوجبت".
ورمى شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قال رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "حج حجة الإسلام التي عليك، ولو قلت نعم لوجبت عليكم".
وروى محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله فرض عليكم الحج". فقام رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ فسكت، ثم أعاد فسكت، فأعاد الثالثة: فقال النبي ﷺ : "لو قلت نعم وجبت عليكم، ولو وجبت ما قلتم بها".
стр. 563
وروى: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس كتب عليكم الحج". فقيل يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتها لوجبت. الحج مرة فمن زاد فقد تطوع".
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رجل للنبي ﷺ : أتكفى حجة واحدة؟ قال: "نعم، فإن زدت فهو خير لك".
ولا خلاف في أن الحج لا يتكرر وجوبه. وقد يفرق بينه وبين سائر العبادات من الصلاة والصيام بأن الحج يتعلق بأمور يلحق فيها التكلف والمشاق فمنها: الإحرام المانع من كثير من الملاذ، وما يلحق فيه من العنت والتعب.
ومنها: قطع المسافة البعيدة التي تلحق فيها المشقة الشديدة والمخاطرة العظيمة كما قال تعالى:﴾ وتحمل أثقالكم [ق/ ١٢٨] إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴿.
فإن كل هذا يلحق في فعله مرة واحدة في العمر فما قولك فيه لو تكرر وجوبه في كل عام. وكل هذا معدوم في الصلاة والصيام وسائر العبادات؛ فجاز أن تتكرر.
стр. 564
فصل
فأما اشتراطه الاستطاعة في الوجوب؛ فلتعليق الله تعالى ذكره إيجاب الحج بها بقوله:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿إلى حج البيت من الناس سبيلاً أن يحج البيت. وهذا هو بدل الشيء من بعضه؛ لأن المستطعين بعض الناس؛ كما تقول: ضربت زيدًا رأسه؛ فجعل رأسه بدلاً من زيد، وهو بعضه. ولا خلاف في أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وإنما الخلاف في تعيينها على ما سنذكره إن شاء الله.
стр. 565
فصل
فأما اشتراطه الإسلام: فلأن الكافر لا يصح منه التقرب بالعبادات مع الإقامة على كفره.
وروى أن النبي ﷺ قال: "أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعله حجة فعلهي حجة الإسلام إذا هاجر".
معناه: قبل أن يسلم.
فصل
فأما اشتراطه البلوغ في وجوب الحج: فلأن عبادات الأبدان المتقرب بها لا تلزم من لم يبلغ، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث ... " فذكر الصبي حتى يبلغ. ورفع القلم عنه هو إسقاط التكليف عنه.
وروي يزيد بن ربيع حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن
стр. 566
يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم أخذنا ابن لهيعة عن معذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "ولو حج الصغير عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يكبر".
فصل
فأما اشتراطه الحزية: فلأن النبي ﷺ قال فيما رواه ابن عباس عنه بالإسناد الأول "أيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهعية عن معاذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ولو حج العبد عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يعتق".
ولأن العبد يملك سيده منافعه فليس له إبطالها عليه بخروجه إلى الحج والجمعة والجهاد إلا حيث يدل عليه الدليل.
وقد دخل في ذلك اشتراط العقل وإن لم يعرج به؛ وذلك لأن غير العاقل لا يصح تكليفه؛ وقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة ... " فذكر المجنون حتى يفيق.
ولأن الحاج يحتاج إلى نية، ولا يصح ذلك من غير العاقل، ولا خلاف في ذلك.
стр. 567
فصل
قال: وإمكان المسير من شروط وجوب الحج، وذلك يختلف باختلاف الأوقات والعادات؛ فإذا أمكنه الوصول إلى البيت على ما جرت به عادة الناس لزمه ذلك.
فإن كان في طريقه عدو وقد تحقق أمره، وعلم أنه لا طاقة له به بطلب النفوس والأموال والغارة وما أشبه ذلك فلا يلزم الحج؛ لقوله تعالى:﴾ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿، ولقوله:﴾ ولا تقتلوا أنفسكم ﴿.
ولأنه لما كان إن أحصر بعدو بعد أن أحرم بالحج يُحل منه، ولا يلزمه بعد التلبس به القضاء فيها ولا قضاؤه؛ فكذلك قبل الدخول فيه؛ بل هو أولى. فأما إن علم من حال هذا العدو أنه إنما يطلب شيئًا من المال ويمكن الناس من الخروج ويسلمون منه مع بذل ما يطلبه فذلك على وجهين:
إن كل الذي يطلب أمرًا يخرج عن العادة في العظم والكثرة وقدر الجحف ويؤثر فذلك مسقط لتطيق الوجوب ما دام هذا العدو قائمًا ولا طريق إلى الحج إلا عليه.
وإن كان الذي يطلبه قدرًا لا يؤثر فيها لكونه يسيرًا لم يسقط بذلك فرض الحج.
وكان القاض أبو عبد الله البصري المالكي المعروف بفلفل يقول: إذا لم
стр. 568
يوصل إلى الحج إلا ببذل شيء من المال لم يلزمه الحج، سواء كان الذي يطلبه قليلاً أو كثيرًا.
حكى هذا عنه أبو جعفر الأجهرى.
ويعتد في ذلك بأن هذا جور ممن يفعله؛ فلا يؤمن أن يخضر الأمانة وينكث؛ فيحصل الإنسان مغررًا بنفسه وبماله معه، وهذا ممنوع. قال: ولقوله :﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿، وهذا من قبيله؛ لأن بذل هذا المال لا يتيقن معه الوصول إلى البيت لا محالة، وبلوغ الغرض في بذله، ولا يؤمن من نكث العدو وجوره وغدره؛ فيذهب المال باطلاً، ويحصل التغرير به في النفس، ولا شيء يمنع من أن يكون هذا العدو الجائر يأخذ المال ويبذل الأمان حتى إذا صار الناس بحيث لا طاقة لهم به غدرهم وطالبهم بكل ما معهم واحتال في قتلهم؛ فحصل تغريرًا من هذا الوجه. وإذا بلغ جوره إلى أن يبذل الطريق الذي لا ملك له عليه إلا بسخت يأخذه جاز أن يبلغ جوره إلى أن يخضر الأمانة.
وإذا صح هذا سقط فرض الحج ما دام هذا العدو قائمًا،. وصار في منزله من قيل له: إن في هذا الطريق سبعًا ولصًا لا يكاد يسلم منه أحد.
وهذا الذي قاله ليست بصحيح؛ أما قوله: إن مثل هذا لا يؤمن أن خفر الأمانة فليس على ما قال؛ لأن العادة إذا كانت قد جرت معه بأن يمكن الناس من حجهم ولا يعارضهم إذا أدوا إليه ما صالحوهم عليه حصلت الثقة بذلك من جهة العادة وغلبهم الظن، اللهم إلا أن يكون النكث معلومًا
стр. 569
من حاله، والغدر متكررًا منه.
فأما ما لم يحصل ذلك منه فتجويره لا يستطيع الحج إن كان بإزائه ما ذكرناه من الثقة بالعادة.
وليست ذلك بأكثر من الكفار الذين أمر الله تعالى أن تبذل لهم الأموال ليستعين بهم المسلمون مع العلم أن ذلك لا يؤمن منهم.
وأما قوله: إذا استجاز إباحة ما لا يستحقه على سبيل الجور جاز أن يغدر بهم وبخفر الأمانة: فليس بصحيح أيضًا؛ لأن العادة تؤثر في هذا الباب تأثيرًا يقع العالم بحاله معه أو غلبة الظن القائمة مقام العلم، فقد يكون ممن له غرض [ق/ ١٢٩] في هذا المقدار فقط، وذلك نعلمه بتكرر الخروج معه ومر الأوقات؛ فيسقط ما قالوه.
وأيضًا ما ذكره يبطل ما اتفقت عله من جواز استنجاز الإنسان من يخفره من الأعراب واللصوص، فإن كان جائزًا أن يخفر الأمانة ويسلمه إلى عدوه، فلو أثر ما قاله في سقوط الوجوب لأثر في جواز الفعل. ولا نعلم ذلك، قولاً واحدًا.
فأما تعلقه بقوله تعالى:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿فغير صحيح؛ لأن هذا له مذموم؛ وهو النهي عن القمار والغرر وما أشبه ذلك، وما تنازعناه فليس من هذا في شيء؛ لأنا قد بينا أن العادة إذا جرت بالوفاء مع القدر الذي يطلبه حصلت الثقة بذلك.
والله أعلم.
стр. 570
فصل
فأما الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج فقد اختلف الناس فيها؛ فعندنا أن الاعتبار فيها بحال المستطيع؛ فإن كان ممن يمكنه الوصول إلى البيت ببدنه مع عدم الراحلة لزم ذلك، وإن كان ممن لا يمكنه إلا براحلة وإن كان يقوى على المشي ولا مال له وليس من عادته المسألة لم يلزمه. وإن كانت المسألة عادته لزمه الحج.
وجملته أن الاستطاعة: القوة والصحة والتمكن. ورويت هذه الجملة عن عبد الله بن الزبير وأبى جعفر والضحال وعكرمة.
وليس يحفظ عنهم التفصيل الذي ذكرناه.
وقال أهل العراق والشافعي: الاستطاعة: الزاد والراحلة، فمن عدمها أو أحدهما لم يلزمه فرض الحج.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴿.
فأوجب الحج على من حصل مستطيعًا له.
والاستطاعة: صفة المستطيع بها يكون مستطيعًا؛ وذلك يقتضى أن يكون معنى قائمًا به، وليست ذلك إلا ما قلناه.
وأيضًا فإنه ألزم مستطيع الحج أن يحج، ولم يفرق بين أن يكون
стр. 571
مستطيعًا ببدنه وبماله؛ فبأي شيء استطاع لزمه. وهذا إذا سلمنا أن الاستطاعة بالمال استطاعة حقيقية.
فإن قيل: إن في حمل الظاهر على قدرة البدن إسقاطًا لفائدته؛ وذلك أن الله تعالى علق وجوب الحج بشرط الاستطاعة؛ فعلم أنه أراد معني زائدًا على قدرة البدن؛ لأنه لو أراد ذلك لا كتفى بقوله سبحانه:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿.
إذا كانت أدلة العقول قد شرطت حصول القدرة والإمكان مع التكليف فصار مجرد قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿متضمنًا لهذا المقدار، فلما لم يكتف به حتى قال تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿أفاد أمرًا زائدًا عل ذلك. وليس إلا ما قلنا.
فالجواب أن أكثر ما يلزم هذا السؤال أن قوله جل اسمه:﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿قد أفاد معنى زائدًا على قدرة البدن لو تركبا ومجرد قوله :﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿لم يعلقه منه، ونحن نقول بذلك، ولكن لا نحصل منه اشتراط الراحلة؛ لأن سؤالهم يتضمن أنا متي أثبتنا معنى لا يفيد مجرد التكليف فقد وفينا الاستدلال حقه.
فإن قيل: وما ذلك المعنى؟.
стр. 572
قلنا: سقوط تكلف المشاقة الشديدة والمخاطرة العظيمة والخروج عن العادة من عدم الزاد، وتكلف السؤال لمن لم تجر بذلك لعادة، ومع خطر الطرق ومنع العدو، وغير ذلك مما لا يحيل جواز التكليف معه ولا تمتنع صحة التعبد في تحشيه. وإذا صح ذلك بطل سؤالهم.
وجواب آخر؛ وهو أن إحالة العقول للتكليف مع عدم القدرة يوجب أن يكون الظاهر إذا حمل على قدرة البدن فقد أسقطت فائدته؛ لأنه قد يكون ذكر الاستطاعة فيه تأكيدا لما قد ثبت بالعقول كقوله تعالى:﴾ إنما الله إله واحد ﴿و﴾ إنما أنا بشر مثلكم ﴿وغير ذلك.
ودليل آخر: وهو قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ ﴿وهذا لفظه لفظ الخبر، والمراد به الأمر؛ فقد دل الظاهر على وجوب الحج على الراجل والراكب.
ودليل آخر وهو ما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا ... ".
فأخبر هن الأعذار التي يسقط معها الوعيد على ترك الحج، ولم يجعل عدم الراحلة منها.
وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 573
"الاستطاعة الزاد".
قياس معتمد.
ولأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة ولابد؛ فأشبه أن يجد الراحلة.
وقولنا: من غير خروج إلى بدله: احترازًا منه إذا قدر أن يسأل الناس وليست من عادته.
وقولنا: عن عادة: احترازًا من تكلف شدة الطريق في كل وقت.
فإن قالوا: المعنى في واجد الراحلة أن المشقة تسقط عنه بوجوبها، وليس كذلك إذا لم تكن له راحلة؛ لأن المشقة تلحقه.
فالجواب: أن هذه المشقة لا تخلو أن تكون مؤثرة في القدرة على الحج في العادة، وقد علمنا بطلان ذلك، لأن من عادة قطع المسافة البعيدة والمداومة على الأسفار الشاقة مشيًا وهو يتمكن من ذلك في الحج فليس تلحقه في هذا السفر إلا كما تلحق الراكب من التعب، ولو كانت هذه المشقة مؤثرة في القدرة لم يجب الحج معها، أو أن تكون تلحق فيما يجرى مجرى الرفاهة والراحة فهذا لا اعتبار به.
فإن أبو إلا الإجمال نقضاه، فمن شق عليه الخروج من أجل مفارقة وطنه والاستيحاش بالسفر وقلة الحركة والتصرف، فإذا كان ذلك لا معتبر به فكذلك ما ذكروه.
أيضًا فلأنه قادر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادته؛
стр. 574
فأشبه أهل الحرم.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴿.
قالوا: ففي هذه الآية [ق/ ١٣٠] دليلان:
أحدهما: من حيث المعقول.
والآخر: من حيث البيان.
فأما المعقول فهو أن الأمر إذا ورد مطلقًا بالوجوب تضمن القدرة حتى يكون كالمنطوق به.
وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿مجرده كافيًا فيما قلناه. فلما قال :﴾ من استطاع إليه سبيلاً ﴿أفاد أمرًا زائدًا على قدرة البدن؛ فصح ما قلناه.
وأما البيان فهو أن الله تعالى شرط الاستطاعة في وجوب الحج ولم يبينها ولا ذكر جنسها فوردت السنة بتفسيرها.
وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: لما نزل قوله تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلاً﴾.
стр. 575
قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث بن على عن النبي ﷺ قال: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت وهو يهوديا أو نصرانيا"؛ وذلك لأن الله تعالى يقول:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴿.
فالجواب: أن تعلقهم بمفعول اظاهر ليس بصحيح بما بيناه من أنا نقول بموجبه، ولا يحصل منه سقوط الحج مع عدم الراحلة.
وأما الأخبار التي رووها فإنها ضعفية؛ لأن إبراهيم بن يزيد الحوزي ضعفه أهل النقل؛ ضعفه يحيي بن معين وغيره.
على أن الجواب عليه من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز أن يكون بيانًا؛ لأن من حق البيان أن يكون طبق المبين منتظمًا له، وألا يخصص ببعضه دون بعض، ومتى لم يكن به ذلك لم يكن بيانًا.
وإذا صح هذا، وكانت الآية عامة في كل من يلزمه الحج سواء كان ممن
стр. 576
الراحلة من شرط استطاعته أو لا لم يجز أن يكون قوله: السبيل: الزاد والراحلة بيانًا لآية؛ لأن السبيل المذكور فيها سبيل كل من اشتملت عليه وفيهم من ليست الراحلة من اسطاعته، وصار الخبر متوجهًا على بعضه، ومنهم من يحتاج إلى الراحلة؛ فخرج لذلك أن يكون بيانًا.
وقد اعترضوا على هذا الجواب بشيئين:
أحدهما: أن قالوا: إنما كان يلزم ما قلتموه لو كان قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿يتناول أهل مكة وغيرهم، وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإن الظاهر يتناول إلا من عدا أهل مكة؛ بدلالة قوله :﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿، والمراد بالبيت الحرام، ومن هو في الحرم لا يقال له: اقصد الحرم، وإنما يقال ذلك لمن نأى عنه.
وهذا الاعتراض باطل من قبل أن الظاهر من الآية العموم والاستغراق، ولا يلزم قولهم أنها خاصة، وإن تخرج عن ظاهرها؛ ليصح كون الخبر بيانًا لها.
واستدلالهم على ذلك بأن من في الحرم لا يقال له: اقصده: باطل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بقوله : "البيت": البيت نفسه دون الحرم ودون مكة، وإن كان قصده مضمنًا بقصدها. ويصح أن يقال لمن هو في الحرم: اقصد مكة، ولأهل مكة: اقصدوا البيت، ولمن هو بباب
стр. 577
المسجد: اقصد البيت، كما يصح أن يقال لمن هو في ناحية من نواحى مكة: اقصد موضع كذا لناحية أخرى منها.
وإذا كان كذلك بطل ما قالواه.
والوجه الآخر: أنا لو سلمنا هذا لم يضر؛ وذلك أنه إنما كان يمتنع ما قالوه لو كان قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿يوجب قصد اللغوي حتى يقال: إنه لا يصح أن يقال لفاعل الشيء في حال فعله: افعله، كما لا يقال للقائم: قم، وللقاعد: اقعد؛ فالمراد به غير ما وضع له في الغة؛ وهي أفعال مخصوصة تشتمل على الطواف والسعي والوقوف وغير ذلك؛ فلا يكون الخطاب الموضوع في اللغة؛ يبين ذلك أن مجرد اقصد إلى البيت في اللغة لا يلزم به طوافه ولا السعي ولا الوقوف بعرفة.
وقد اتفقنا على أن قوله: ولله على الناس حج البيت يتضمن هذا أجمع؛ فثبت أن المراد به غير ما وضع له الاسم في اللغة.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
والاعتبار الآخر أن قالوا: نحن نسلم أن الآية عامة في أهل مكة وغيرهم، وكذلك يجب أن يكون البيان، إلا أن الدلالة منعت من حمل البيان على عمومه؛ فصار كالعموم الذي ظاهره الاستغراق؛ فينتقل عنه بالدليل.
فيقال لهم: أولى في هذا بطلان قولكم أن السائل سأل عن السبيل المذكور في الآية؛ على أن البيان إذا تخصص خرج عن أن يكون بيانًا،
стр. 578
واحتاج إلى بيان، وكأن قصته في ذلك قصة ما هو بيان له؛ وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بيان أصلا، أو إلى أن يكون البيان هو الثاني دون الأول؛ وذلك أيضًا مخرج اللفظ عن أن يكون بيانًا.
على أنهم إذا صاروا إلى هذا جاز لنا أن نقول: إن هذا بيانًا لمن الراحلة من شرط استطاعته، وليس بيانًا لمن بقدر على المشي ببدنه كما قالوا: إنه ليس ببيان لأهل الحرم.
والجواب الثاني من أصل الخبر: هو أنه يجوز أن يكون السائل يسأل عن استطاعه نفسه، وكان ممن لا يستطيع الحج إلا براحلة؛ فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". وهذا غير ممتنع. فإن قالوا: إن القائل قال: ما السبيل؟؛ فأدخل الألف واللام، وليس يخلو دخولها أن يكون للجنس، أو للمعهود؛ فإن كان للجنس فذلك ما قلناه، وإن كان للمعهود فلا معهود إلا السبيل المذكور في القرآن.
قلنا: كيف يمكنكم أن تقولوا: إن كان دخولها للجنس فهو [ق/ ١٣١] قولنا ومن قولكم أن أهل الحرم ليس من شرط استطاعتهم الراحلة.
والواجب أن يكون دخولهما للمعهود، ولكن قلتم: إنه لا معهود إلا ما ذكر في القرآن هذا نفس الدعوى. فإن قالوا: لأن هذا لا يمكن ذكر معهود سواه. قيل لهم: هذه الدعوة الأولى بعينها، فلم قلتم ذلك؟ ثم يقال لهم: ما أنكرتم إنما سأل عن سبيل نفسه، وذلك سبيل معروف معهود.
فإن قالوا: لا يصح حمله على هذا من قبيل أن قول الراوي لما نزل
стр. 579
قوله : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴿قام رجل فقال: ما السبيل؟ فدل على أنه سأل عن السبيل الذي ورد به القرآن. قلنا: إنه ليست يكفى في الدلالة على أن السؤال عن الشيء [] أن السؤال عقيب تزوله؛ لأن سؤال السائل عقيب نزول الآية يحتمل أن يكون سؤالاً عنها، ويحتمل أن يكون سؤالاً عن حال تكليفه والأمر الذي يتعلق به منها، فكون السؤال متعقبًا للآية لا ينبئ عن وجه وقوعه.
على أنه لو قيل: حمل السؤال على هذا أولى لم يكن بعيدًا؛ وذلك أن الظاهر من سؤال السائلين للنبي ﷺ أنهم يسألونه عن أمر أنفسهم؛ وعلى ذلك يجرى أمر الوفود وغيرهم.
فإن تجاوز أحدهم ذلك لم يكن بد من أن يبين ف لفظه، أو يكون السائل من أهل العلم من الصحابة فمن قد عرف بذلك.
فأما الخبر الأخير الذي رووه فإنه ضعيف أيضًا؛ لأنه رواه هلال بن بعد الله مولى ربيعة، وهو ضعيف؛ ذكر أبو بكر بن الجهم أنه سأل إبراهيم الحربي عنه فضعفه جدًا.
على أنه لو صح لم تكن فيه دلالة من قبيل أنه لا يدل على أكثر من أن تكون الراحلة استطاعة تلحق الوعيد بترك الحج معها. وليس في ذلك نفى لكون غيرها استطاعة كما لم ينف ذلك عن أهل الحرم.
стр. 580
وإذا كان كذلك سقط التعلق به.
واعتلوا فقالوا: لأنها عبادة يتعلق أداؤها بقطع مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة شرطًا في وجوبها كالجهاد.
فالجواب: أن هذا الوصف لا يجوز أن يطلق في الحج؛ لأنه يوجد في بعض من يلزمه دون بعض.
على أن من قدر أن يجاهد ببدنه من غير راحلة تبلغه وتعين عليه لو وجد راحلة وكان من عادته المشي فإنه يلزمه.
فسقط ما قالوه.
واعتلوا أيضًا بأن قالوا: لأنه عاجز عما تقطع به المسافة الشاقة غالبًا؛ فلم يلزمه فرض الحج كالعاجز عن المشي والعادم للزاد وليس من عادته السؤال.
وهذا لا نسلمه؛ لأنه غير عاجز عندنا عما يقطع به المسافة إذا كان قادرًا على المشي. ونعكسه فنقول: لأنه قادر على قطع المسافة الشاقة فجاز أن يلزمه فرض الحج كالواجد للراحلة.
واستدلوا بأنه لما يلزمه أن يكرى نفسه ليتوصل إلى الحج للمشقة التي تلحقه؛ كذلك في المشي.
فالجواب أنا قد بينا أن القادر على المشي لا تلحقه مشقة إلا كمثل التي تلحق من لم تجر عادته بالركوب في النضابة له وتكلفه إياه.
على أنه إذ كانت عادته المسألة أو الخدمة لزمه الحج مع هذه الأمور.
وبالله التوفيق.
стр. 581
مسألة
قال ﵀: "وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: والأصل في ذلك أن النبي ﷺ وقت المواقت ليحرم الناس منها؛ فلم يكن لهم أن يحرموا قبلها، ولم يجز لهم تأخير الإحرام عنها.
ولا خلاف نعلمه في أن من أراد الإحرام وبلغ الميقات فليس له تأخير الإحرام عنه، والمعنى في ذلك الترفيه والرخصة؛ لأن الإحرام يمنع من كثير من الملاذ والتمتع من الطيب والنكاح والجماع ولباس المخيط وغير ذلك، فلو لزم الناس الإحرام من بيوتهم لشق عليهم؛ لطول المدة في ذلك؛ فجعل لهم مواقيت يحرمون منها؛ فمن أحرم من منزله جاز ذلك؛ لما بيناه من أن تأخير الإحرام إلى الميقات رخصه كالفطر في السفر، فإذا اختار تركها فذلك له؛ كما إذا اختار الصوم في السفر كان ذلك له.
فأما الاختيار عندنا فالإحرام من الميقات، وللشافعي ﵀ قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والآخر: أن المستحب أن يحرم من منزله.
والدلالة على ما قلنا أن المراقيت رخصة، وروى عن النبي ﷺ أنه
стр. 582
قال: "إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه" وأيضًا فإن رسول الله ﷺ وقت المواقيت لأهل الآفات؛ فثبت أن ذلك هو الأصل في المواقيت؛ فوجب أن يكون الإحرام منها على كل وجه إلا ما قام عليه الدليل.
وأيضًا فإنه ﷺ قد حج واعتمر عمرًا، ولم ينقل أنه أحرم إلا من الميقات؛ فوجب أن يكون ذلك هو الأفضل.
وأيضًا فإن حالة الإحرام حالة تشق وتصعب؛ لما ذكرناه من أنه تمنع الطيب والوطء واللباس وغير ذلك، فإذا أحرم من منزله وقد يكون بعيدًا من الميقات لم يؤمن منه أن يتخطى إلى بعض ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فاستحب له ترك ذلك إلى الميقات؛ ليسلم من التغرير فيه.
وأيضًا فإن الإحرام له ميقاتان: أحدهما: الزمان، والآخر: المكان. فلما كره له التقدم على الزمان؛ فكذلك التقدم على المكان.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى:﴾ وأتموا الحج والعمرة لله ﴿، فقال عمر بن الخطاب [ق/ ١٣٢]،وعلي بن أبي طالب ﵄: إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك.
стр. 583
قلنا: يجوز أن يكون قالا ذلك لمن هو من أهل الحرم على أن هذا يوجب أن هذا يوجب أن يكون من أحرم من الميقات ومنزله أبعد منه فلم يتم حجه. وليس بقول لأحد.
فإن قيل: إذا أحرم من دويرة أهله فقد زاد في النسك؛ فكان أفضل.
قلنا: ينتقض بالإحرام قبل الشهور التي للحج.
على أن المعنى الذي راعيناه أولى؛ وهو أنه لا يأمن أن يؤديه طول المدة إلى أن يقدم إلى فعل ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فيكون في ذلك تغريرة.
والله أعلم.
стр. 584
مسألة
قال ﵀: "وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة.
فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن حرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة".
قال القاضي أبو محمد علي علي ﵀: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذى الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن".
قال عبد الله: وبلغنى أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل اليمن من يلملم".
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يهلوا من ذى الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن.
قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله ﷺ ، وأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: "وأما أهل اليمن فيهلون من يلملم".
وروى ابن وهب عن أبى لهيعة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله
стр. 585
قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل العراق من ذات عرق".
وروى وهيب بن الورد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الخليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، وقال: "هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
وروى ابن نمير من حجاج عن عطاء عن جابر قال: وقت رسول الله ﷺ ... فذكر مثله إلي أن قال: ولأهل نجد قرن، ولأهل العراق ذات عرق.
وروي عبد الوارث عن عبيد بن عبد الملك عن زرارة بن كريم عن الحرث بن عمرو السهمى حدثه أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو بعرفات وقد أطاف به الناس فتجئ الأعراب، فإذا رأوا وجهه ﷺ قالوا: هذا وجه مبارك. قال: "ووقت لأهل العراق ذات عرق".
ومن الناس من ذهب إلى أن توقيب ذات عرق لأهل العراق اجتهاد وليس بنص. ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن الحديث لم يبلغهم، وقد ورد
стр. 586
بعض طرق هذا الحديث من رواية مالك حدثناه أبو حفص عمر بن أحمد ابن عثمان المعروف بابن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد المصري قال: حدثنا يحيي بن عثمان بن صالح قال: حدثنا ابن أبي السرى قال؛: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المشرق ذات عرق.
قال ابن أبي السرى: رجع عنه مالك.
قال: وهو من حديثه القديم فيما قاله عبد الرزاق. قال ابن أبي السرى: وإنما الحديث لعمر بن الخطاب ﵁ من كلامه.
وقوله: إن الأفضل لمن مر من أهل المغرب بالمدينة أن يحرم من ذي الحليفة: فلأنها ميقات رسول الله ﷺ ؛ فلذلك استحبه. فإن لم يفعلوا فلا شيء عليهم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؛ إذا لا يتعداه إلي ميقات له".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رويناه: "هن لهن ولكل آت عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة،
стр. 587
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
ويفارق من ذكرنا من أهل الشام ومصر والمغرب؛ لأن الجحفة ميقاتهم وليست بميقات لأهل العراق.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويحرم الحاج والمعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك أن رسول الله ﷺ أحرم عقيب صلاة؛ قيل نافلة، وقيل مكتوبة؛ فلذلك استحبه.
فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يصلى في مسجد ذي الحليفة، ثم يخرج فيركب، فإذا استوت به راحلته أهل".
وروى حصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه خرج حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أهل بالحج حين فرغ من ركعتيه.
وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أنس أنه قال: صلى رسول
стр. 588
الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات - يعني بها - فلما ركب راحلته واستوت به أهل.
وروى أحمد بن حنبل ﵁ حدثنا روح حدثنا أشعث عن الحسن عن أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل.
فلهذه الروايات استحببنا أن يحرم عقيب صلاة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقد ترك الاختيار.
مسألة
قال ﵀: "ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" [ق/ ١٣٣].
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل.
стр. 589
وروى جعفر بن محمد أبه عن جابر عن النبي ﷺ مثله.
وروى الشرقي بن القطامي عن أبي طلق العائذي عن شراحيل بن القعقاع قال: قال عمرو بن معدى كرب: الحمد لله قد رأيتنا ونحن من قريب إذا حججنا قلنا: لبيك اللهم لبيك تعظيمًا إليك عذرًا هذى زبيد قد أتتك قسرا، تغدو بها مغمرات شزرا، تقطعن خبتًا وجبالاً وعرا، يقطعن من بين غضى وسفرا، وقد تركوا الأنداد خلو صفرا.
ونحن اليوم نقول كما علمنا النبي ﷺ . قلنا: وكيف علمكم؟
قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فأما معنى التلبية: فقد اختلف فيها على أقاويل:
فقال بعضهم: معناها: الإقامة على الطاعة، والإجابة إليها. يقول القائل: لبيك: معناه: إني مقيم على طاعتك وإجابتك.
يقال: لبى في المكان، وألب: إذا أقام فيه.
قال الشاعر:
محل الهجر أنت به مقيم ... ملب ما تزول ولا تريم
وقال آخر:
стр. 590
لب بأرض ما تخاطها الغنم
أي: أقام.
وهذا قول الخليل بن أحمد، وأبي العباس ثعلب، وخلف الأحمر، وغيرهم.
والقول الآخر: إن معنى لبيك: إجابة لك يا رب.
هذا قول الغراء. قال: ونصب (لبيك) على المصدر، وثنى؛ لأنه أراد إجابة بعد إجابة.
والقول الثالث: أن معنى لبيك أي: اتجاهي إليك. وهو مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك: أي: تواجهها.
والقول الرابع: أن معنى التلبية: المحبة؛ فقولهم: لبيك: معناه: محبتي إليك.
وأصل ذلك قولهم: امرأة لبة: إذا أحبت ولدها، وأشتد عطفها عليه.
ومنه قول الشاعر:
وكنتم كأم لبة طعن ابنها ... فما درت إليه بساعدي.
فأما معنى ما في الخبر: لبيك إن الحمد والنعمة لك:
فإنه يقال بكسر إن وفتحها؛ فمن كسر أراد الابتداء، ومن فتح أراد معنى التعليل؛ كأنه قال: لبيك وسعديك.
فقد اختلف في معنى "سعديك" على وجهين:
стр. 591
أحدهما: أنه مأخوذ من المساعدة؛ فيقرب من معنى (لبيك) أي: أنا مقيم على طاعتك على ما تحبه وتريده منى.
والآخر: أن معناها: أسعدك الله إسعادًا بعد إسعاد.
والمعنيات متقاربان.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وينوي ما أراد من حج أو عمرة".
قال القاضي ﵀: والأصل في ذلك أن النية شرط في صحة الإحرام وسائر العبادات المتقرب بها؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى"، ولقوله ﷺ : "ولقوله ﷺ : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه". ولا خلاف في ذلك.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم".
стр. 592
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك ما رواه عبد الله ابن عبد الحكم قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب المدني عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة [بن] زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله ﷺ تجرد لإحرامه واغتسل.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء. فذكر ذلك أبو بكر ﵁ لرسول الله ﷺ فقال: "مرها فلتغتسل ثم تهل". وروى عن ابن عمر أنه قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم.
فإذا أطلق الصحابي السنة فالظاهر أنه سنة رسول الله ﷺ .
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
وعن أبى [نصر] عن علي ﵁ قال: تصب عليك إداوة من
стр. 593
ماء، ثم تحرم.
وأيضًا فإن الإحرام قربة وفعل خير، ومن أفضل العبادات، غير متكرر ولا شاق؛ فاستحب الغسل عند فعله؛ ليأتي به على أكمل أحواله.
والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويتجرد من مخيط الثياب".
قال القاضي ﵁: وذلك لأن المحرم ممنوع من لبس المخيط من الثياب؛ فلذلك وجب إذا أراد الإحرام أن يتجرد منه.
والأصل في ذلك ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا يلبس المحرم القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعها أسفل من الكعبين".
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ... فذكر مثله.
стр. 594
مسألة
قال ﵀: "ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة".
قال القاضي ﵀: والأصل في ذلك ما روى عن النبي ﷺ وعن أصحابه أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ فروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يدخل مكة حاجًا ولا معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخلها.
وروى ذلك عن علقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، وجماعة من التابعين ﵃. [ق/ ١٣٤]
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يزال يلبى بدر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق. وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك.
فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطرف ويسعي، ثم يعاودها حتى
стр. 595
تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: وهذا لأن التلبية قربة وفعل خير فيستحب الإكثار منها ما لم يخرج فيه عن الحد والعادة.
وإنما استجبنا ذلك عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب الذكر فيها، ولأنه ذكر من شعار الحاج فكان كالتكبير في أيام التشريق.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عم نافع أن عبد الله بن عمر كان يلبي نازلاً، وراكبًا، وقاعدًا، وقائمًا، ودبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن أفلح بن حميد قال: كان القاسم بن محمد يلبى دبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ارفع صوتك بالإهلال، وأكثر من التلبية ما استطعت كلما أشرفت، وفي دبر كل صلاة؛ فإن تلك السنة.
فأما استحبابه الكف عن التلبية في الطواف والسعي: فإن ذلك حال يستحب فيها الدعاء؛ فيكره الاشتغال بغيره. ولأن الطواف أيضًا مشبه بالصلة.
وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يلبى في طواف. وقال سفيان: ما علمت أن أحدًا لبى في طواف إلا عطاء بن السائب.
стр. 596
فأما قوله: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف. وزالت الشمس فالخلاف فيه مع أبي حنيفة والشافعي ﵄؛ لأنهما يقولان: إنها لا تقطع حتى يرمى أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
واستدل عنها بما روى الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
وما روى عن عمر ﵁ أنه لبى وهو عند الجمرة. فقال له ابن عباس: فيم الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكًا بعد.
وروى عن علي ﵁ أنه كان إذا رمى الجمرة قطع التلبية.
ولأن التلبية لأجل الإحرام، فلما كان ابتداؤها حين الابتداء به وجب أن يكون قطعها إذا ابتدأ بالخروج منها.
والأصل فيما قلناه إجماع السلف عليه؛ فروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عثمان ﵁ كان يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف عشية عرفة.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: كانت
стр. 597
الأئمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وسمى ابن شهاب الزهري أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة وسعيد ابن المسيب ﵄.
وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يلبى في الحج حتى إذا زالت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تدع التلبية إذا راحت إلي الموقف.
قال مالك: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يدع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يعود إلى عرفة، فإذا عاد ترك التلبية.
وروى ابن وهب عن يونس عن ربيعة أنه قال: الأئمة والجماعة كانوا لا يقطعون التلبية ولا يمسكون عنها حتى يروحون إلى الموقف من عرفة، فإذا راحوا إلى الموقف أمسكوا عن التلبية وأظهروا التكبير حتى يحلوا.
وروى مثله عن سعد، وجابر، وابن الزبير، وأم سلمة ﵄.
ومن جهة المعنى: أن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعا إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية
стр. 598
ما أمر به؛ فوجب أن يقطع التلبية؛ لأنه لا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
فأما الحديث الذي رووه محمول على الجواز، وما ذكرنا فهو المستحب؛ لأن الاستحباب لو كان ما ذكروه لم تكن الأئمة لتعدل عنه وتجمع على خلافه فيذهب عليها فعله ﷺ في ذلك. والعمل المتصل عندنا يترك له الخبر.
وما رووه عن عمر وعلي - رضوان الله عليهما - غير محفوظ، بل المشهور عنها ما رويناه عنها وعن جماعة الأئمة والسلف. وقولهم أن التلبية لأجل الإحرام فيجب أن يخرج عنها بالخروج منه: باطل من وجهين:
أحدهما: أنها ليست لأجل الإحرام، ولكن من شروطها أن يبتدئ بها مع الإحرام، وليس كلما ابتدئ مع الإحرام كان لأجله.
والآخر: أن هذا يوجب أن لا تقطع ما بقى من الإحرام شيء. وهذا باطل.
والله أعلم.
стр. 599
مسألة
قال ﵀: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كداء. وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج.
قال القاضي ﵁: وهذا لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك في دخوله وخروجه؛ فروى سفيان بن عيينة [ق/ ١٣٥] عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها. وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا.
وفي حديث آخر: من كداء من ثنية البطحاء، ويخرج من [الثنية] السفلى.
فلذلك استحببناه له.
فإن لم يفعل فلا حرج؛ لأنه لم ترك واجبا ولا مسنونًا.
* * *
стр. 600
مسألة
قال ﵀: "فإذا دخل مكة فليدخل المسجد، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: وذلك لأن المستحب له المبادرة إلى البيت للطواف به، والركوع عنده، وحيازة الثواب بذلك.
وقد روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل مكة لم يلود ولم يعوج - يعني: دون المسجد -.
وروى الليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل مكة لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يدخل المسجد الحرام إذا قدم من باب بني شيبة.
* * *
следующие страницы →