Полный текст (831 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ولا خلاف أيضًا في منع المحرم الرجل من تغطية رأسه، وقد بينا ذلك فيما سلف.
فأما تغطية الرجل وجهه في الإحرام فإنه ممنوع منه ندبًا، إلا أنه إن غطاه فقد أساء، ولا كفارة عليه واجبة وذلك ما فوق الذقن.
وعن أبى حنيفة أنه واجب عليه كشف وجهه كوجوب كشف رأسه.
وعند الشافعي أنه ليس عليه كشف وجهه في الإحرام.
وإنما قلنا: إن عليه كشف وجهه من طريق السنة؛ لقوله ﷺ : "المحرم أشعث أغبر" فجعل من وصفه أن يكون كذلك؛ فيقضي نفي كل ما نفى عنه هذا المعنى. والوجه اختص بهذا المعنى من غيره من الأعضاء.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم.
ولأنه محرم؛ فأشبه المرأة.
فإن قيل: إن ابن عمر إنما ذهب إلى ذلك؛ لاعتقاده أنه من الرأس لا لأن الوجه يجب تغطيته.
قلنا: لا نظن بابن عمر أن الوجه يسمى رأسًا.
على أن الفرض تغطية ما فوق الذقن دون تسمية، وأنتم تقولون: لا يغطى على كل الوجه.
فإن قيل: فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد
стр. 737
عن الفرافصة بن عمير الحنفي أنه رأي عثمان -رضوان الله عليه -بالعرج يغطى وجهه وهو محرم.
قيل له: قد يفعل الصحابي ما الأولى غيره لضرب من العذر؛ فلا تعلق في هذا.
فإن قيل: لأنه شخص تعلق به حكم الإحرام؛ فوجب ألا يلزم كشف عضوين؛ اعتبارًا بالمرأة.
قيل له: المرأة يلزمها كشف عضوين عندنا وهما: الوجه والكفان؛ حتى إن لبست القفازين لزمتها الفدية.
فأما تعلق الفدية بتغطية الوجه: فالذي نص عليه مالك أن إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وأنه لا يغطى رأسه ولا وجهه، وأنه إن غطى رأسه فكأنه من حر أو برد افتدى.
وقال ابن المقسم: لم أسمع منه في الفدية إذا غطى وجهه شيئًا، وأنا أرى ألا فدية عليه؛ لما جاء عن عثمان -رضوان الله عليه -أنه كان يغطي وجهه وهو محرم. وفيه نظر.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يلبس الرجل الخفين، إلا أن لا يجد نعلين
стр. 738
فليقطعهما أسفل من الكعبين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وذلك لما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال ﷺ : "لا يلبس المحرم القمص ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فيلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين".
ولا خلاف في منع ذلك مع وجود النعلين، وأن الفدية تتعلق به.
فأما إذا عدم النعلين لبس الخفن، وقطعهما أسفل من الكعبين؛ لما رويناه في الحديث.
ولا خلاف أيضًا في جواز ذلك وأنه لا فدية فيه.
فأما إذا لبسهما مع عدم النعلين من غير قطع وجب عليه الفدية كما لو لبسهما مع وجود النعلين هذا قولنا، وقول أبى حنيفة والشافعي [ق/ ١٦٤]، وكافة الفقهاء.
وحكى عن قوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجد النعلين لبس الخفين التامين ولم يقطعهما؛ لما رواه أبو الزبير عن جابر، وجابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ -قال: "إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين"؛ فأطلق ولم يأمر بالقطع.
стр. 739
قالوا: ولأن في ذلك إضاعة المال وإتلافه -أعنى: قطعه أسفل من الكعبين؛ فوجب ألا يلزمه.
قالوا: ولأنه لما جاز له عند عدم الإزار أن يلبس السراويل على جهته من غير أن يفتقه، ثم جاز له عند عدم النعلين أن يلبس الخفين وجب جواز لبسه لهما على جهتهما من غير أن يقطعهما.
والدلالة على ما قلنا: ما رويناه من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ -قال: "إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"؛ ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه أمر بالقطع، وذلك على الوجوب.
والآخر: أنه استثناء من حظر على صفة -وهي القطع -فدل ذلك على أن ما خالفه على أصله الذي هو المنع. ولأنها حال إحرام من رجل؛ فوجب ألا يجوز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطعه؛ اعتبارًا بحال وجود النعلين.
فأما خبرهم فإنه مجمل، وخبرنا مفسر.
فأما قولهم أن ذلك إضاعة المال: فغلط؛ لأن أوامر الشرع إذا تعلقت بإتلاف لم يكن امتثالها إضاعة.
واعتبارهم بالسراويل باطل؛ لأن الغرض منه ستر العورة، وإذا فتق لم يوجد منه هذا المعنى.
على أن السروال إذا لبس على جهته ففيه الفدية عندنا؛ لأنه ليس ما ينوب عنها، وقطع الخفين حال العذر بانت الفدية.
وبالله التوفيق.
стр. 740
مسألة
قال ﵀: "والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران، فمن قرن أو تمتع من غير [أهل] مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى أن [أوقفه] بعرفة.
وإن لم [يوقفه] بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل. فإن لم يجد هديًا [فصيام] ثلاثة أيام في الحج [يعني] من وقت يحرم إلى يوم عرفة.
فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع. وصفة التمتع أن يحرم [بعمرة]، ثم يحل منه في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد.
ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها، ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر متى يخرج إلى الحل.
وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معًا، [ويبتدئ] بالعمرة في
стр. 741
نيته.
[فإن] أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن.
وليس على أهل مكة هدى في تمتع [أو] قران.
ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵁: اعلم أن إذا أجملنا مسائل الباب لتعلق الكلام على بعضها بالكلام على بعض، وللحاجة إلى تقديم بعض ما أخره صاحب الكتاب وتأخر بعض ما قدمه على ما رأيناه من حق الترتيب، ونحن نستوفى الكلام على جميعها، والله الموفق للصواب.
اعلم أن الإفراد عندنا أفضل من التمتع والقران. هذا قول جميع أصحابنا، وروى عن جماعة من الصحابة ﵃، والسلف ﵃.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: إن القران أفضل من الإفراد والتمتع.
ووافقنا الشافعي في أن الإفراد أفضل من القران، وله في الإفراد والتمتع قولان:
أحدهما: أن الإفراد أفضل مثل قولنا.
стр. 742
والآخر: أن التمتع أفضل.
وحكى التنوخى عن إسحاق بن راهويه أنه إن ساق في قرانه هديا كان القران أفضل، وإن لم يسق هدياً كان الإفراد أفضل.
والاحتجاج لهذه المسألة يقع من طرق ثلاث:
أحدها: في صفة حج النبي ﷺ ؛ فمن ثبت له ما يدعيه فيه ثبت ما ذهب إليه من الأفضل؛ لأنه ﷺ لم يحج بعد وجوب الحج عليه إلا مرة.
والطريق الثاني: في صفة القران والتمتع هل هو دم نسك أو جبران للنقص؟
والثالث: الاستدلال على عين المسألة؛ وهي أن الإفراد أفضل. فأما الاستدلال بصفة فعله، وأنه ﷺ أفرد الحج: فقد روى عن جماعة من الصحابة ﵄؛ منهم ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ -أفرد الحج.
ورواه مالك عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة ﵂ -أن رسول الله ﷺ -أفرد الحج.
وروى الدراوردى عن هشام بن عروة عن عائشة ﵂ -أنه ذكر لها
стр. 743
أن أنسًا يقول: قرن رسول الله ﷺ فقالت: كان أنس صغير. أفرد رسول الله ﷺ الحج. ولم يعتمر. فأما حديث ابن عمر: فروى أبو بكر بن خزيمة حدثنا جعفر بن محمد الثعلبي حدثنا عبد الله بن نافع الصائغ عن ابن حفص -وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه -عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ -وأبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم جردوا الحج ولم يتمتعوا ولم يقرنوا.
وروى [عبيد] الله عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا.
وأما حديث جابر: فرواه عبد العزيز بن أبى حازم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ -أفرد الحج.
وروى ابن جريح عن عطاء عن جابر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ -بالحج خالصًا.
وروى الليث بن سعد [ق/ ١٦٥] عن أبى الزبير عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ -مهلين بالحج مفردًا.
стр. 744
وأما حديث ابن عباس: فروى شعبة عن قتادة عن أبى حسان الأعرج عن ابن عباس أن النبي ﷺ -صلى الظهر بذي الحليفة، وقلد بدنة، ثم أوتى براحلته فلما استوت به بالبيداء أهل بالحج.
وفي بعض طرق حديث جابر أن النبي ﷺ -قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة"؛ فدل ذلك على أنه محرم بحج مفرد. فإن قيل: معناه: لجعلتها عمرة مفردة.
قيل له: يحصل من هذا فضيلة التمتع على القران والإفراد؛ فهو عائد عليك.
وإذا ثبت بما ذكرناه من الروايات المستفيضة في صفة فعله ﷺ للحج أنه كان مفردًا علم أن ذلك هو الأفضل؛ لأنه ﷺ لم يحج بعد الفرض إلا حجة واحدة، وما لم يفعله إلا مرة في العمر فإنه لا يأتي به إلا على أفضل صفاته وأكمل وجهته؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لترك الأفضل أصلاً، وهذا غير جائز وإنما يفعل ذلك في المواضع التي تتكرر منه؛ فيختلف فعله فيها؛ فمرة على الكمال ومرة على الجواز.
وقد اعترضوا على هذه الروايات بما روى في مقابلتها بما ينفيها؛ قالوا: والروايات الظاهرات أن رسول الله ﷺ -كان قارنًا؛ فروى أبو داود حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج حدثنا يونس عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كنت مع علي -رضوان الله عليه -حين أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم
стр. 745
-على اليمن، فلما قدم علي قال: أتيت النبي ﷺ -فقال لي: "كيف صنعت؟ " قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ -ثم قال: "فإني قد سقت الهدى وقرنت". وهذا تصريح منه ﷺ بأنه كان قارنًا.
وروى علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عن علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه -أن النبي ﷺ -قرن بين الحج والعمرة.
وروى يحيى بن أبى إسحاق عن النبي ﷺ -أهل بحجة وعمرة.
وفي حديث آخر أنه قال: سمعته يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا.
وروى يونس بن عبيد عن بكر بن عبد الله المزني قال: سألت أنسًا هل كان رسول الله ﷺ -أهل بالحجج والعمرة؟ قال: نعم أهل بهما جميعًا، وكان يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
وروى شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: جمع رسول الله ﷺ -بين الحج والعمرة.
وروى مروان بن معاوية عن إسماعيل عن عبد الله بن أبى أوفى قال: إنما جمع رسول الله ﷺ -بين الحج والعمرة؛ لأنه علم أنه ليس بحاج بعد ذلك.
وروى الحجاج بن أرطاة عن الحسين بن سعد قال: حدثني ابن عباس
стр. 746
قال: حدثنا أبو طلحة قال: قدم رسول الله ﷺ -قارنًا بالحج والعمرة.
وروى أبو بكر بن خزيمة قال: حدثنا العباس بن أبي طالب قال: حدثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "لبيك بعمرة وحجة معًا".
فهذه رواية جماعة من الصحابة ﵄: علي، وابن عباس، وأبو طلحة، وأنس، وعمران بن حصين، والهرماس، وابن أبى أوفى.
قالوا: وأما حديث جابر، وابن عمر: فقد اختلف عليهما فيه؛ فروى أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ -قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا.
وروى سلميان التيمى عن عطاء ونافع عن ابن عمر وجابر أن النبي ﷺ إنما طاف بحجة وعمرة طوافًا واحدًا وسعى سعيًا واحدًا، ثم لما قدم مكة لم يسمع للصدر.
وقد روى عن ابن عباس مثل هذا أيضًا رواه ابن خزيمة قال: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي حدثنا عمرو بن أبى قيس عن الحجاج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ -طاف طوافًا واحدًا بحج وعمرة.
فالجواب: عن هذه الأخبار من وجهين:
стр. 747
أحدهما: الترجيح.
والآخر: الاستعمال.
فإما الترجيح: فمن وجوه:
أحدها: أن أخبارهم قد تكلم فيها؛ فأما حديث علي -رضوان الله عليه -: فقيل: قد روى: "أما أنا فإني قد سقت الهدى وأفردت"، وهو رووه: "وأقرنت".
وأما حديث أنس: فقد أنكرت عليه عائشة، وابن عمر ذلك. وقالا: إنه كان صبيًا لم يضبط ما ينقله؛ لصغره.
وحديث ابن عباس: رواه الحسن بن سعد، وهو غير معروف. وقد روينا عنه من طريق صحيح. أنه أفرد الحج ﷺ .
على أنها لو تساوت في صحة السند وكثرة العدد لكانت أخبارنا أولى؛ لأن عائشة ﵂ -نقلت أن النبي ﷺ -أفرد الحج، وأنكرت علي من قال إنه قرن، وادعت أنه لم يضبط ما قاله، ولها من الاختصا بالنبي ﷺ ومعرفة خلواته، والوقوف على الظاهر والباطن من أموره ما يعلم معه أنه لا يكاد يخفى عليها حال إحرامه؛ فكان نقلها أولى من نقل غيرها.
وحديث جابر نقل القصة من أولها إلى آخرها؛ فكان أقرب إلى الضبط.
ولأن في أخبارنا قولاً وفعلاً؛ وهو قوله ﷺ : "إني مفرد بالحج".
وقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى
стр. 748
وجعلتها [ق/ ١٦٦] عمرة".
فأما الاستعمال: فيجوز أن يكون من روى أنه ﷺ قرن أراد أنه أتى بالعمرة بعد الفراغ من الحج، وأنه أتى بذلك في سفر واحد؛ كما روى أنه ﷺ جمع بين الصلاتين.
ويجوز أن يكون الراوي سمعه يأمر بالقران، وأضاف ذلك إليه؛ كما رآه أمر برجم ماعز فأضاف ذلك إليه.
وكذلك ما روى أنه ﷺ قال: "لبيك بعمرة وحجة" يحتمل أن يكون الراوي سمعه في وقتين.
وقوله: معا من عند الراوي؛ كما روى أنه نهى عن استقبال القبلتين؛ فالجمع بينهما في اللفظ من عند الراوي.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ لم يرد أن إيمانه مع إيمانهم في وقت واحد.
وما روى أنه ﷺ طاف بحجة وبعمرة طوافًا واحدًا يحتمل أن يكون أراد لكل واحد منهما. وفي هذا نظر، والترجيح أولى.
فإن قيل: نحن نستعمل ما روى أنه أفرد الحج؛ فنقول: أفرد الإحرام.
قيل له: الإحرام عند أبى حنيفة ليس من الحج، وفي الخبر أنه أفرد الحج.
стр. 749
على أن ابن عمر روى أنه لم يقرن، ولم يجمع.
وهذا يسقط استعمالهم.
فإن قالوا: إذا تعارض النافي والمثبت فالمثبت أولى.
قلنا: كلانا مثبت وناف؛ لأن رواة أخبارهم أثبتوا القران ونفوا الإفراد، ورواة أخبارنا أثبتوا الإفراد ونفوا القران؛ لا مزية لأحدهما على الآخر في نفي ولا إثبات.
هذا الكلام في أحد الطرق؛ وهو صفة إحرامه ﷺ .
فأما الطريقة الأخرى: فهي أن ندل على أن الإفراد أفضل. والذي يدل على ذلك ما رواه أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قتادة عن أبى شيخ الهنائي أن معاوية بن أبى سفيان ﵀ -قال لأصحاب النبي ﷺ : هل تعلمون أن رسول الله ﷺ -نهى عن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: أتعلمون أنه نهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا. قال: إنها معهن، ولكن نسيتم.
فإن قيل: أبو شيخ عن معاوية مرسل؛ بدلالة ما روى يحيى بن أبى كثير قال: حدثنا أبو شيخ النهائي عن أبى جمان أن معاوية قال: ... وذكر الحديث. قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: على هذه الصفة قد اتصل، فيجب قبوله.
والآخر: إنه قد روى في الحديث ما يمنع ما قالوه؛ فروى ابن خزيمة
стр. 750
عن (أبي) موسى محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا بهس عن أبى شيخ قال: كنت عند معاوية وعنده ناس من المهاجرين ... الحديث.
ويدل على ذلك أيضًا أن الإفراد هو الأصل، والجمع رخصة وتخفيف؛ لأن الأصل إفراد كل عبارة على وجهها من غير خلطها غيرها. والإتيان بالعزيمة أولى من الرخصة.
ويبين ذلك أيضًا أن القارن والمتمتع يأتيان بالعمرة في أشهر الحج، وذلك رخصة وتخفيف؛ لأن العرب كانت تمنع من ذلك وتعتقده فجورا حتى أمر النبي ﷺ أصحابه ﵃ بفسخ الحج ونقلهم إلى العمرة.
وإذا صح أنه رخصة كان الأصل أفضل منها.
والذي يدل على ذلك أيضًا أن المفرد يأتي بأفعال النسكين على كما لهما وتمامهما، وليس كذلك القارن والمتمتع؛ لأنه يقتصر على فعل أحدهما في الجميع عندنا وفي البعض عند مخالفنا؛ لأن عندنا أنه يجتزئ لهما بإحرام واحد وطواف واحد وسعى واحد وحلاق واحد.
وعند أبى حنيفة في الحلاق والإحرام قضاء.
وإذا صح ذلك وجب أن يكون الإتيان بهما على الوجه الذي يقتضى كمالهما وتمامهما من غير تداخل أولى من أن يؤتى بهما على وجه التبعيض؛ لأن كثرة الثواب بكثرة الأفعال.
ويدل على ذلك أيضًا اتفاقنا على وجوب الدم في القران والتمتع وسقوطه في الإفراد، وذلك الدم إنما وجب جبرانًا للنقص الواقع في الحج؛ فوجب أن يكون الإتيان بالحج على وجه لا نقص فيه لا يحتاج إلى جبران
стр. 751
أفضل وأولى.
والذي يدل على أن الدم الواجب في ذلك للنقص والجبران أنه دم تعلق بالإحرام أو يختص وجوبه بالإحرام؛ فوجب أن يكون لنقص وجبران؛ اعتبارًا بدم الجزاء أو نسك الأذى.
ويدل عليه أيضًا أنه دم يجب بترك الميقات؛ فوجب أن يكون لنقص؛ اعتبارًا بالدم على من جاوز الميقات فأحرم؛ وذلك أن المتمتع إنما سمى بذلك لتمتعه بإسقاط أحد السفرين مع تقديم العمرة على الحج في شهوره؛ لأنه كان عليه في الأصل أن يسافر سفرًا للعمرة وسفرًا للحج، ولما جمعهما في سفر واحد كان ذلك نقصًا؛ بدلالة أنه لو عاد إلى بلده لسقط عنه الدم، وكذلك لو عاد إلى مثله في البعد.
فإن قيل: إن فضيلة العمل كثرة ثوابه، وقد تقرر أن البدر والمسارعة أكثر ثوابًا من التأخر عنها والإبطاء عن فعلها، ومعلوم أن المفرد يأتي بأحد النسكين بعد الآخر والقارن يأتي بهما جميعًا؛ فوجب بذلك أن يكون القران أفضل.
فالجواب: أن البدار الذي يكثر معه الثواب هو الذي تكثر معه الأعمال لا الذي يسقط الأعمال، وقد علمنا أنه إذا أتى بالنسكين على انفرادها فقد أتى بالعمل بكماله، وإذا أتى بهما مفترقين فقد أسقط أكثر العمل؛ فعاد ذلك بالعكس من الصواب [ق/ ١٦٧]، وصح أن الإتيان بأحدهما بعد الآخر يقتضي كثرة العمل الذي هو العلم على كثرة الثواب.
فإن قيل: لما كانت أشهر الحج أفضل من غيرها وأشرف، وكان الإتيان
стр. 752
بالعمرة فيها أفضل من الإتيان بها في غيرها، ووجدنا القارن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ وجب أن يكون فعله أفضل من الإفراد.
فالجواب: أن الإتيان بالعمرة في أشهر الحج إنما هو رخصة وفي الحج عزيمة، وفعلها في غير أشهر الحج عزيمة، والأخذ بالعزيمة أولى.
وعلى أن شرف الوقت لا يقوم بإزاء سقوط أكثر العمل فكان الإتيان بها على وجه لا يسقط عملها أولى.
فإن قيل: إن القارن يفعل النسكين والمنفرد يأتي بأحدهما؛ فكان فاعل الأمرين أفضل.
قلنا: إن أردتم أنه يفعل النسكين بالنية فصحيح، ولكنه يؤدى إلى نقصان الأفعال؛ على ما ذكرناه، وقد بينا أن الإتيان بالعبادة على وجه يستوفى به عملها أفضل.
فإن قيل: إن الدم الواجب في القران دم نسك، وليست من أجل نقص ولا جبران؛ بدلالة أن أكله جائز؛ لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾، وما أبيح أكله لم يكن جبرانًا؛ لأن الجبران لا يجوز أكله كفدية الأذى وجزاء الصيد.
فالجواب: أنا قد دللنا على كونه نقصًا وجبرانًا فيما سلف بما يغنى عن إعادته، وليس في جواز أكله ما ينفي كونه خسرانًا؛ كالدم الواجب على من أحرم به بعد تجاوز الميقات هو جبران ويجوز الأكل منه.
فأما ما نذر للمساكين فإنما لم يجز الأكل منه؛ لأنه مسمى للمساكين
стр. 753
مخصوص لهم. وكذلك جزاء الصيد ونسك الأذى هو مجعول للمساكين؛ بدلالة الإطعام للمساكين.
والهدى في مسألتنا بدله الإطعام.
وإذا ثبت ذلك بطل أن يكون في جواز الأكل ما يمنع من كونه جبرانًا.
فإن قيل: إن كل دم كان نقصانًا وجبرانًا لم يجز فعل سببه إلا مع وجود عذر؛ كدم الحلاق واللباس، فلما جاز فعل التمتع والقران من غير عذر علم أن الدم الواجب فيهما ليس بدم جبران ولا وجب عن نقصان.
قيل له: ليس بممتنع أن يكون الأفضل للمتمتع إذا أراد الإحرام من مكة أن يحرم من الميقات وإن كان إحرامه من مكة جائزًا له.
وإذا كان كذلك لم يلزم ما قالوه.
فإن قيل: لو سلمنا كونه جبرانًا لم يدل ذلك على نقص القران؛ لأن بالدم ينجبر؛ فيصير كاملاً غير ناقص؛ لأن النقصان قد أنجبر بالدم، وصار الإحرام جامعًا للنسكين معًا.
قيل له: هذا غلط؛ لأن دم الجبران لا يجعل الشيء كالذي لم يفعل فيه ذلك النقص؛ ألا ترى أن الحج الذي لم يتطيب فيه ولا لبس فيه ولا اضطر فيه إلى فعل أمر ممنوع مع عدم العذر أفضل من الذي وقعت فيه هذه الأمور وافتدى لها؟ وكذلك الصلاة السليمة أفضل من التي وقع فيها سهو وجبرت بالسجود؛ فكذلك سبيل مسألتنا.
على أن موجب هذا السؤال تساوى الإفراد والقران في الفضيلة. وهذا
стр. 754
فاسد بالاتفاق.
وبالله التوفيق.
* * *
فصل
فأما من ذهب إلى أن التمتع أفضل فاحتج بما رواه علي، وسعد، وابن عباس أن النبي ﷺ -تمتع بالحج.
وما رواه جابر أن النبي ﷺ -قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى، ولجعلتها عمرة".
ووجه الاستدلال منه أنه تأسف على ترك العمرة؛ فعلم أن التمتع أفضل.
ولأن المتمتع يأتي بالنسكين في أشهر الحج، والمفرد يأتي بأحدهما في أشهر الحج والآخر في غير أشهره؛ فكان بذلك التمتع أفضل.
فالجواب: أن الأخبار الأولى مجملة، وقد أجيب عنها بأن قيل: إن حقيقة التمتع هو التنعيم والترفه من الحلق واللباس والتحلل؛ فمخالفنا يقول: إنه اعتمر ثم تحلل ثم حج، ونحن نقول: إنه حج ثم تمتع ثم اعتمر [] من صاحبه.
على أنا قد دللنا أن حج النبي ﷺ كان مفردًا.
стр. 755
فأما حديث جابر ﵀ -فظاهره متروك؛ لأنه يوجب أنه تأسف على ترك العمرة؛ وذلك يقتضى أنه لم يكن عالمًا وقت أحرم أي النسكين أفضل حتى تأسف بعد ذلك لما انكشف له في ثاني. وهذا لا يجوز أن يقال.
فإن قيل: فما فائدة هذا القول؟
قلنا: فائدته تطيب نفوس أصحابه؛ لأنهم تحللوا وبقى هو على إحرامه؛ فشق عليهم أن يكونوا في نسك والنبي ﷺ -في غيره. ولم يقل ذلك على وجه التأسف؛ على ما بيناه.
وقولهم: إنه يأتي بالنسكين في وقت شريف: فالجواب عنه أن فعل العمرة في هذا الوقت رخصة -على ما بيناه -فهو شريف للحج، رخصة للعمرة.
ولأن دم الحيوان واجب فيه؛ فعلم أنه لضرب من النقص.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا ثبت ما قدمناه من فضيلة الإفراد على التمتع والقران فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز التمتع في الحج، وهو مرو عن جماعة من جلة من الصحابة مثل علي، وسعد، وابن عباس، وابن عمر.
وقد روى عن عمر، وعثمان، وابن الزبير، ومعاوية منع ذلك؛ فأما
стр. 756
عمر: فروى عنه أنه قال: متعتان [ق/ ١٦٨] كانتا على عهد رسول الله ﷺ -أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج.
وروى حماد بن سلمة عن علي بن يزيد، وعاصم الأحول عن أبى نضرة عن جابر قال: تمتعنا متعتين على عهد رسول الله ﷺ -فلما كان عمر فنهانا فانتهينا.
وأما عثمان: فروى إبراهيم التيمى عن أبيه عنه أنه سئل عن المتعة في الحج فقال: كانت لنا، وليست لكم.
وأما معاوية: فإنه كان ينهى عن المتعة فقال: انظروا فإن وجدتموها في كتاب الله ، وذكر الحديث.
وهذه الأخبار لها تأويلات يمكن أن تكون هي المرادة بها دون تحريم المتعة، ونحن نذكرها بعد أن ندل على جواز المتعة وأنها غير ممنوعة.
والذي يدل على ذلك ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "من شاء أن يهل بالحج فليفعل، ومن شاء أن يهل بالعمرة فليفعل".
وأيضًا فإن الصحابة ﵃ قد تمتعوا على عهد رسول الله ﷺ -ومعه في حجه فلم ينقل عنه ﷺ أنه نهى عن ذلك ولا منع منه، بل
стр. 757
نقل إباحته إياه وإطلاقه له وتصويب الكل في ذلك.
وقد استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ فأوجب الدم ولم ينه عنها.
وما قدمنا أولى بأن يعتمد لأنه ليس في هذه الآية أكثر من وجوب الدم على المتمتع، والإخبار عن وجوب الدم بفعل من الأفعال فلا يدل على إباحته ولا حظره. وأما ما روى عن عمر -رضوان الله عليه -من منع ذلك فإنه على الاحتياط والاستحباب؛ لأنه كان يذهب إلى أن الإفراد أفضل، وإلى أن سبيل الحاج أن يكون أشعت أغبر كما قال النبي ﷺ : "الحاج أشعث أغبر" يريد أن ذلك أفضل أحواله، وإذا تحلل من العمرة ثم أحرم بالحج زال الشعث عنه؛ لأنه يحرم بالحج وقد ترفه بالإحلال.
وقد روي هذا المعنى سعيد بن المسيب عن عمر ﵁.
وروى عنه أيضًا أن ذلك لأن إيقاع العمرة في غير أشهر الحج هو الأتم؛ فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ -قال: افصلوا ابن حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها. فقيل له: فإنك تخالف أباك. قال: إن عمر لم
стр. 758
يقل الذي تقول، إنما قال عمر: (أفردوا الحج عن العمرة؛ فإنه أتم للعمرة)؛ أي: إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا أن يهدى وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحجج، فجعلتموها أنتم حرامًا وعاقبتم الناس عليها، فقد أحلها الله ، وعمل بها رسول الله ﷺ ، فإذا أكثروا قال: أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟.
وروى الحارث بن أبى أسامة حدثنا روح حدثنا شعبة عن الحكم عمارة ابن عمير عن إبراهيم بن أبى موسى عن أبى موسى أنه كان يفتى بالمتعة -يعني في الحج -فقال له رجل: يا عبد الله بن قيس رويدك بغض فتياك فإنك لا تدرى ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك. قال: فجعل كأنه ينهى عنه حتى لقيه فسأله. فقال عمر بن الخطاب ﵁: قد علمت أن النبي ﷺ -فعله وأصحابه، ولكنى كرهت أن تظلوا في الأراك معرسين، ثم يروحوا بالحج تقطر رؤوسهم.
وقد تأول بعض الناس منع عمر ﵁ -من ذلك على المنع من مثل المتعة التي فعلها الصحابة ﵃؛ لأنهم فسخوا الحج ثم اعتمروا وتمتعوا، وهذا بأن يجعل تأويلاً لخبر عثمان ﵁ -أولى؛ لأن عمر قد صرح بالمعنى الذي له منع من ذلك؛ فلا معنى لحمله على غيره. ولأن عثمان ﵁ -أخبر بأن ذلك الفعل كان للصحابة الذين فعلوه خاصة، وهذه إشارة إلى ما قلناه دون غيره.
стр. 759
وقد روى مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج؛ فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله.
فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي.
قال الضحاك: إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.
فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ -وصنعناها معه -يعني بقوله: صنعها أي: جوزها، وأذن فيها -.
وروى الحارث بن أبى أسامة حدثنا روح حدثنا شعبة عن مسلم القرى قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها. فكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم [ابن] الزبير تحدث أن رسول الله ﷺ -رخص فيها، فادخلوا عليها فسلوها. قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء قالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها.
أخبرناه الثقة عن أحمد بن يوسف بن خلاد عن الحارث.
وإذا ثبت هذا صح ما قلناه. والله أعلم.
* * *
стр. 760
فصل
فأما صفة التمتع الذي يجب به الدم فقد ذكره صاحب الكتاب، وجملته: أن يحرم بعمرة، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل أن يرجع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد؛ فيجب عليه [ق/ ١٦٩] الدم للمتعة.
فمتى انخرم بعض هذه الأوصاف بشيء لم يكن متمتعًا تمتعًا يلزم به الدم. وفي هذه الأوصاف ما يتفق على اعتباره وفيها ما يختلف فيه، ونحن نبين ذلك.
فمما لا يختلف فيه أن تقدم العمرة على الحج في شهور الحج؛ لأنه إن حج ثم اعتمر في تلك السفر عقيب فراغه من الحج فليس بمتمتع.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾.
والمتمتع هاهنا هو المترفه بإسقاط أحد السفرين؛ لأنه كان عليه في الأصل أن ينشئ سفرًا من دويرة أهله للعمرة، وسفرًا للحج، فإذا جمعهما في سفر واحد فقد تمتع بإسقاط أحد السفرين.
وإذا ثبت ذلك، وكأن الله تعالى إنما علق وجوب الدم بأن يتمتع بالعمرة إلى الحج؛ اقتضى ذلك أن يكون مقدمًا للعمرة على الحج في أشهره التي هي أخص به، فمن قدمه عليها لم يكن متمتعًا.
ولأن الإحرام بالعمرة لمن قد حج لا يكون بعد الفراغ من عمل الحج،
стр. 761
وذلك إنما يكون بتقض أشهره عند من يراها شوال وذا القعدة وعشرًا من ذي الحجة.
فأما اشتراطنا أن توقع العمرة في أشهر الحج فهذا مما لا اختلاف فيه.
والأصل في ذلك أن الرخصة إنما وردت بإيقاع العمرة في أشهر الحج التي الحج أولى بها؛ لأن العرب كانت تمتنع من فعل العمرة في أشهر الحج، وترى ذلك من أعظم الفجور؛ ولذلك روجع النبي ﷺ -لما أمرهم أن يحلوا بعمرة؛ فروى وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم رسول الله ﷺ -صبح رابعة مهلين بالحج أمرهم أن يحلوا فتعاظم ذلك عندهم؛ فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: "الحل كله".
وإذا صح ذلك -وكانت رخصة المتعة متعلقة بارتفاع العمرة في أشهر الحج التي الحج أولى بها -وجب سقوط الدم مع عدمها؛ لأنه لم تحصل المتعة لإيقاعها في وقت ليس للحج فيه مدخل؛ فلم يترك التشاغل بالحج لأجلها.
وذلك مروى عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين لا خلاف بينهم فيه -أعنى: اعتبار وقوع العمرة في أشهر الحج.
وليس من شرطه عندنا أن يبتدئ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنه
стр. 762
لو أحرم بها من شعبان أو رمضان ثم استصحبها واستدامها حتى حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إذا حج على الصفة المشترطة.
وإنما المعتبر أن يفعلها أو يجعل محرمًا بها في أشهر الحج، سواء كان بإحرام مستأنف أو مستدام.
هذا قول أصحابنا، وأهل العراق، وروى عن جماعة من التابعين منهم: النخعى، وعطاء، والحسن.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والآخر: أنه لا يكون متمتعًا إلا بأن يبتدئ للإحرام بالعمرة في أشهر الحج.
والدليل على ما قلناه: أن الدم إنما يجب لجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد في شهور الحج، ولا فصل بين أن يفعل ذلك بإحرام مستأنف أو مستصحب؛ لأنه في الحالين موقع للعمرة في أشهر الحج على الصفة التي ذكرناها.
فإن قالوا: لأنه إحرام بعمرة في رمضان لا يصح فيه التمتع؛ فأشبه من فرغ من العمرة قبل أشهر الحج. وعكسه إذا أحرم بها في أشهر الحج؛ لأنه أحرم بها في زمان يصح فيه التمتع.
قلنا: إذا فرغ منها قبل أشهر الحج فلا يأت بها في أشهر الحج فلم يحصل منه التمتع؛ لأنا متفقون على اعتبار التشاغل بها في شهور الحج التي هي بالحج أولى منها بالعمرة.
стр. 763
فإن قالوا: المعنى في الأصل أنه أحرم بالعمرة في زمان يصح فيه التمتع، وليس كذلك في مسألتنا.
قلنا: علتنا تنتظم الأصل، وهذا الإعلال أيضًا؛ لأن من أحرم في زمان يصح فيه التمتع إنما كان متمتعًا لتشاغله بالعمرة في أشهر الحج.
والله أعلم.
* * *
فصل
فأما اشتراطنا أن يحج من عامه ذلك؛ فليحصل متمتعًا بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد، فإذا لم يحج فلم يحصل منه هذا المعنى.
ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
فدل ذلك على أنه يجب أن يكون جامعًا بينهما في سفر واحد.
وقد روى هشام عن قتادة عن سعيدة بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أهلوا بالعمرة في شهور الحج ثم لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا.
* * *
стр. 764
فصل
وأما اشتراطنا أن لا يرجع إلى بلده أو إلى مثل بلده في البعد فإن الشافعي يخالفنا في ذلك فيقول: إن رجع إلى الميقات فأحرم منه بالحج لم يكن متمتعًا.
وعندنا أن التمتع لا يسقط عنه إلا أن يرجع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه.
وإن سافر من مكة دون ذلك فهو متمتع؛ مثل البغدادي إذا خرج من مكة إلى المدينة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك، فإن خرج إلى مثل مصر أو الشام ثم حج من عامه فليس بمتمتع.
وحكي عن الحسن البصري أنه يكون متمتعًا رجع أو لم يرجع.
فالذي يدل على بطلان هذا أولا أن معنى التمتع هو الترفه بإسقاط أحد السفرين في الجمع بين الحج والعمرة؛ لأنه كان عليه في الأصل أن ينشئ لكل واحد [ق/ ١٧٠] منهما سفرًا من دويرة أهله، فإذا عاد إلى أهله ثم سافر إلى الحج فلم يحصل منه تمتع. ولعل من حجته أن الاعتبار بالإتيان بالعمرة في أشهر الحج سواء رجع أو لم يرجع.
فالجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأن مجرد فعل العمرة في شهور الحج ليس بمتمتع إلا أن يحصل هناك ترفه في السفر.
وعلى ما قلناه روى نافع عن ابن عمر -رضوان الله عليه -قال
стр. 765
[من]: أهل بالعمرة في أشهر الحج، ثم أقام حتى الحج فهو متمتع، وإن رجع إلى أهله من عامه ثم رجع فليس بمتمتع.
فأما ما يدل على أن الرجوع المسقط للدم هو الرجوع إلى أفقه أو مثله في البعد؛ فلأن معنى المتعة لما كان الترفه بإسقاط أحد السفرين وجب أن يعتبر بموضع السفر، فإن وجد مترفهًا فيه بإسقاط أحدهما فقد وجد فيه معنى التمتع، والبغدادي إذا أحرم بالعمرة ثم خرج إلى المدينة أو الطائف ثم أحرم بالحج أو أحرم به من الميقات فلم ينشئ سفرًا من بلده أو ما يوازي مسافة بلده؛ فقد حصل متمتعًا لا محالة بإسقاط أحد السفرين جامعًا بين الحج والعمرة في سفر واحد، وإذا كان كذلك وجب عليه الدم.
وقد روى وكيع عن سفيان المكي عن عبد الكريم عن يزيد الفقير قال: عرجنا مهلين بالعمرة في أشهر الحج من البصرة، فلما قضينا عمرتنا أتينا المدينة بدا لنا فحجبنا من عامنا قبل أن نأتي البصرة، فسألنا ابن عباس فقال: أنتم متمتعون.
وروى هشام عن قتادة عن ابن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ -إذا أهلوا بالعمرة في أشهر الحج ثم لم يحجوا من عامهم لم يهدوا.
وروى عمر -رضوان الله عليه -قال: إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فهو متمتع، وإن رجع إلى أهله من عامه ثم حج فليس بمتمتع.
стр. 766
فصل
فأما صفة القران فهو الجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد، وذلك على وجهين:
أحدهما: أن يبتدئ الإحرام لها بنية القران؛ فيكون قارنًا.
والآخر: أن يبتدئ الإحرام باعمرة، ثم يضيف إليها الحج قبل أن يطوف ويركع، أو قبل أن يطوف ويركع، أو قبل أن يتلبس بشيء من الطواف -على حسب اختلاف أصحابنا في ذلك -؛ فهذا يصير قارنًا لجمعه بين الحج والعمرة بإحرام واحد.
فأما إيجاب الدم على القارن والمتمتع فالأصل فيه قوله تعالى ذكره: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
وروى عن عائشة ﵂ -أنها قالت: أهدى رسول الله ﷺ -عن أزواجه البقر، وكن متمتعات.
ولأنه أدخل على حجه نقصًا بمتعته بإسقاط أحد السفرين؛ لأنه كان يجب عليه في الأصل أن ينشئ من بلده سفرًا للحج وسفرًا للعمرة.
ولأن أشهر الحج بالحج أولى منها بالعمرة، فإذا وضع العمرة في أشهر الحج فقد ارتخص بوضعها في موضع غيرها فلزمه الدم لذلك. ولا خلاف
стр. 767
في ذلك.
فأما القارن فعليه الدم أيضًا، ولا خلاف في ذلك بين من يعتمد عليه.
وقد روى وجوب الدم بالقران عن عمر، وعلي، وابن عباس، وجابر والشعبي، والنخعي، والأسود، وسعد بن جبير، وعطاء، ومجاهد.
ولأنه اقتصر على إحرام واحد، وميقات واحد، وطواف واحد، وسعى واحد؛ فوجب عليه الدم لذلك.
ولأنه لما وجب الدم على التمتع لإسقاط أحد السفرين كان القارن أولى بوجوب الدم لإسقاطه كل عمل العمرة.
وفي حديث عائشة ﵂ -أن رسول الله ﷺ -أهدى عنها بقرة لما أدخلت الحج على العمرة.
فصل
قال: ولأهل مكة أن يتمتعوا، ولا دم عليهم؛ وذلك بأن يعتمروا من الحل. فإذا فرغوا من العمرة أحرموا من منازلهم بالحج. وبه قال الشافعي.
وعند أبى حنيفة أنه ليس للمكي أن يتمتع ولا يقرن، فإن فعل فعليه الدم.
فالكلام معه في موضعين:
أحدهما: هل له أن يتمتع أم لا؟.
стр. 768
والآخر: هل عليه الدم أم لا.
وعند عبد الملك وابن الماجشون أن القارن من أهل مكة عليه الدم، ولا دم على المتمتع؛ ففصل بين التمتع والقران.
والدليل على جواز تمتع أهل مكة قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
وهذا خبر عن التمتع يقتضى إباحته على العموم. ثم استثنى أهل مكة من جملة من أوجب عليه الهدى؛ فوجب بذلك جواز التمتع لهم، وسقوط الدم عنهم.
فإن قيل: هذا دليلنا؛ لأن قوله : ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ استثناء؛ فهو عائد على الفعل المباح الذي هو التمتع.
قيل له: لا يصح ذلك؛ لأن الأول بمنزلة اسم مبتدأ لا يفيد بنفسه؛ لا يمكن الاستثناء منه، وإنما يتعلق بما تعلق به من الأحكام؛ ألا ترى أنه لو قال: (من تاب قبلت توبته إلا فلانًا) لم يتناول الاستثناء إلا قبول التوبة دون وقوعها؟ وكذلك قوله: (من دخل دار أبى سفيان فهو آمن) لو وصله باستثناء فقال: (إلا فلانًا) لعاد على الأمن دون الدخول؛ فكذلك في مسألتنا.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن كل من جاز له الإفراد جاز له التمتع؛
стр. 769
اعتبارًا بغير المكي فمر [ق/ ١٧١] الدليل على أنه لا دم عليه قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
فاستثناه من جملة من ألزمه الدم.
ولأنه لم يتمتع بإسقاط أحد السفرين كما تمتع بذلك غير المكي؛ فلا معنى لوجوب الدم.
فأما عبد الملك: فإنه اعتل للفصل بين التمتع والقران بأنه جعل العملين واحدًا -أعنى القران -فلزمه الدم، ولم يلزمه في التمتع؛ لأنه لا يتمتع بإسقاط أحد السفرين.
والصحيح ما قاله مالك؛ لأنه لا فرق بين القران والتمتع، وقد ثبت بما قدمناه أن للمكي أن يتمتع ولا دم عليه؛ فكذلك في القران.
والله أعلم.
فصل
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: اختلف الناس في المراد بقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
فقال أصحابنا: حاضروا المسجد الحرام: أهل مكة خاصة أهل الوادي طوي وما أشبههم دون أهل الحرم وغيرهم.
стр. 770
وروي نحوه على الحسن، وطاوس، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج.
فأما أهل منى وعرفات وما قرب ذلك من المناهل مثل قديد وعسفان ومر الظهران فليسوا من حاضري المسجد الحرام، وعليهما الدم عندنا في التمتع والقران.
وروى عن ابن عباس، ومجاهد أنهم أهل الحرم.
وقال عطاء، ومكحول: هم من دون المواقيت إلى مكة. وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، إلا أنهم قالوا: أهل المواقيت بمنزلة من بعدهم.
وقال الشافعي: هم من كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ فكل من كان بين منزله وبين طرفا من أطراف الحرم من المسافة أقل من حد ما تقصر فيه الصلاة -فهو ستة عشر فرسخًا -فإنه متى تمتع أو قرن فلا دم عليه.
والذي اعتبرناه متفق عليه؛ فلسنا نحتاج إلى دلالة تتناوله، وإنما الخلاف فيما زاد عليه.
والذي يدل على أن من عدا أهل مكة فليس بمراد بالآية أن الله تعالى ذكره علق وجوب الدم بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. والحاضر للشيء هو المجاور له والقريب من موضعه؛ ولك يفيد أن من لم يكن من أهل مكة فليس بحاضر المسجد لأنه غاب عنه.
فإن قيل: إن حاضر الشيء هو الذي يجاوره، لا الذي يحل فيه؛ لأن القائل إذا قال: حضرت زيدًا فمراده: إني جاورته وقريب منه، لا أنى حللت مكانه.
стр. 771
قيل: فأي منفعة لك في هذا، بل هو إلى ما تقوله أقرب؛ لأن أهل مكة هم المجاورن للمسجد المقاربون له، وليسوا حلولاً فيه؛ فهو على نحو ما قلته من قولهم: حضرت زيدًا معناه: جاورته.
فإن قيل: إن ذكر المسجد الحرام في الآية عبارة عن الحرم، لا عن المسجد.
قيل له: هذا غير الظاهر؛ لا يجب المصير إليه إلا بحجة، والحقيقة هي المسجد نفسه.
فإن قالوا: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾، وإنما أسرى به من بيت خديجة ﵍ -وقوله : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، وإنما أراد الحرم؛ فكذلك في هذا الموضع.
قلنا: إنما حملت هذه الآيات على غير المسجد؛ بدلالة دلت على ذلك، ولولا تلك الدلالة لحملناها على الحقيقة، وليس يجب ترك ظاهر بعض الألفاظ في موضع لتركه في غيره بغير دليل.
على أن الإسراء به ﷺ كان من بيت خديجة ﵂ -وذلك بحضرة المسجد وبقربه.
فإن قيل: كل من كان من البيت على مسافة لا تقصر الصلاة في مثلها
стр. 772
فلا يمتنع عليه؛ اعتبارًا بمساكن مكة [] فوجب أن يكونوا من حاضري المسجد الحرام اعتبارًا بأهل مكة.
قلنا: إن عللتم بسقوط دم التمتع عنهم فعلتنا في الأصل كون أهل مكة حاضري المسجد الحرام، وليس كذلك غيرهم.
وإن عللتم بكونهم حاضري المسجد الحرام فذلك باطل؛ لأن الحاضر ليس هو الحاصل معه المشاهد له، فأما الغائب عنه فليس بحاضر له، ولا فرق بينه وبين من كان على مسافة تقصر الصلاة فيها فإنه في حكم المقيم في الحرم؛ ألا ترى أنه إذا قطع تلك المسافة لم تكن له الترخص بشيء من رخص المسافرين، بل هو في حكم السائر في الحرم؟، وليس كذلك حكم من كان بينه وبين الحرم من المسافة ما تقصر في مثله الصلاة؛ لأنه في حكم المسافر خارج عن حكم المقيم؛ بدلالة جواز السفر له والفطر.
قلنا: إنما وجب ذلك؛ لأن الرخص التي ذكروها من القصر والفطر إنما تعلقت بكون الإنسان مسافرًا، ودلت الدلالة على أن المراد حد من السفر مخصوص، وليس كذلك في المتعة؛ لأن الذي تعلق فيها بأن لا يكون الإنسان حاضر المسجد مطلقًا من غير تحديد.
فبطل بذلك ما ادعوه، والله أعلم.
فأما أصحاب أبى حنيفة فاحتج لهم الرازي بأن قال: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغرر إحرام وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة؛ ألا ترى أن من خرج من مكة فلم يجاوز الميقات فلهم الرجوع
стр. 773
ودخولها بغير إحرام، وكان تعرفهم في الميقات وما دونه كتعرفهم في مكة؛ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة.
وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأنه لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام إلا من كثر منه الدخول والخروج والتردد [ق/ ١٧٢]، كالحطابين وأصحاب الفاكهة، ومن يدخل في اليوم مرارًا من غير أن يفرق بين المواقيت ومن قرب منهم أو بعد.
فبطل ما قاله.
فإن قيل: إن موضع الميقات وهو موضع النسك فوجب أن يكون أهله حاضري المسجد الحرام؛ اعتبارًا بأهل منى وعرفات: فهذا أيضًا غير مسلم لهم، وإن قاسوه على أهل مكة فقد مضى الجواب عنه.
وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ساق القارن أو المتمتع الهدى فإنما يسوقانه من الحل إلى الحرم، فإن اشترياه من الحرم أخرجاه إلى الحل ثم عادا به فنحراه.
فإن لم يشتره من الحل أو لم يخرجه إن اشتراه من الحرم إلى الحل فلا يجزئه.
وعند الشافعي أنه إن اشتراه من الحرم ونحره أجزأه.
والدليل على ما قلناه أن رسول الله ﷺ -ساق هديه من الحل إلى
стр. 774
الحرم، ووقف به بعرفة، ثم أدخله الحرم ونحره؛ فوجب بذلك ما قلناه؛ لأن أفعاله على الوجوب.
ولقوله ﷺ : "خذوا عنى مناسككم".
وروى عن ابن عمر قال: الهدى ما قلد، وأشعر، ووقف به بعرفة.
ولأنه لم يهده من الحل إلى الحرم؛ فوجب ألا يجزئه. أصله: إذا اشتراه في الحل ونحره فيه من غير أن يسوقه إلى الحرم.
ولأن اسم الهدى مأخوذ من الهدية والإهداء؛ فيجب أن يهديه من غير الحرم إلى الحرم.
ولأنه لما كان المحرم -يجمع في إحرامه بن الحل بن الحل والحرم؛ فكذلك في هدية؛ لأن الهدى له محل كما أن الإحرام له محل.
واحتج من خالفونا بقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.
والهدى اسم لما يهدى؛ لأنه مشتق من الهدية، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره فقد أتى بما عليه الاسم؛ فوجب أن يجزئه.
ولأن نحره في الإحرام بسبب الإحرام؛ فوجب أن يجزئه، وأن يكون هديًا؛ اعتبارًا بما أهدى من الحل إلى الحرم.
فالجواب: أن الظاهر يقول بموجبه، ولكن ليس هذا هديًا؛ فوجب أن يثبتوا الاسم.
فأما قولهم أن الهدى اسم لما يهدى: فليس كذلك على التجريد، بل
стр. 775
على وجه مخصوص؛ وهو ما أهدى إلى الحل من الحرم، وليس كل شيء أهو كان هديًا وإن جرى الاسم عليه في اللغة ووجد فيه معنى الاشتقاق الذي هو الفدية؛ لأنه قد تقرر له عرف في الشرع زائد على مجرد الاشتقاق، والمعنى فيه إذا أهداه من الحل أنه مجموع فيه بين الحل والحرم، وليس كذلك إذا اشتراه في الحرم ولم يخرجه إلى الحل.
والله أعلم.
فإن وقفه بعرفة نحره بمنى، وإن لم يقفه بعرفة نحره بمكة؛ لأنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة.
وروى عن النبي ﷺ -أنه قال: "منى كلها منحر فحجاج مكة منحر".
فصل
ولا يجوز نحر هدى التمتع والقران قبل يوم النحر، وهو قول أبى حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز نحره عقيب الإحرام بالحج. واستدل أصحابه بقوله تعالى ذكره: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
فأخبر بوجوب الهدى عليه إذا حصل متمتعًا، ولم يفرق بين جواز نحره عقيب الإحرام وما بعده. ولأنه قال : ﴿فمن لم يجد فصيام
следующие страницы →