Полный текст (831 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فصل
فإذا وطئ دون الفرج فأنزل، أو قبل فأنزل، أو باشر فأنزل: فسد حجه.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسد حجه؛ لأن الوطء في الفرج إذا خرج مع غيره كان له مزية على [ق/١٥٦] ما حرم معه فلولا أن الحج يفسد بالإنزال عن القبلة والمباشرة فيما دون الفرج لأدى ذلك إلى سقوط مزيته.
ولأنه إنزال بما لا يوجب جنسه الحد.
دليله: إذا هزته الدابة، أو نظر فأنزل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾، وهذا من الرفث.
ولأن الإنزال هو المقصود من الجماع، وهو أبلغ من الإيلاج فجاز أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج إذا انفرد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج فالإنزال مع المباشرة تفسدها، اعتبارًا بالصوم.
ولأنه إنزال حصل عن نوع من الاستمتاع والملامسة فأشبه الإنزال في الفرج.
فأما المزية التي ذكروها فغير مسلمة لهم، لأنه لو ثبتت في بعض المواضع لم نسلمها في هذا الموضع.
стр. 702
وأما من هزته الدابة، أو نظر: فقد نص مالك- ﵀ على أنه إذا استدام ذلك حتى أنزل فسد حجه.
فبطل ما قالوه.
على أن فساد العبادة بالجماع لا على ما يوجب منه الحد أو لا يوجبه كالصيام والاعتكاف.
ويبطل أيضًا بوطء البهيمة في الفرج؛ لأن الشافعي يوافقنا على فساد الحج به وإن لم يوجب حدًا.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة يوم النحر فسد حجه، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل حجه.
وقيل: إن عن مالك رواية مثل قول أبي حنيفة، واستدل من ذهب إلى ذلك بقوله ﷺ : "من صلى معنا صلاتنا، ووقف موقفنا بالأمس من ليل أو نهار فقد أتم حجه، وقضى تفثه".
ولفظة التمام ترد في أمرين:
أحدهما: الفراغ من العبادة.
والآخر: لقطع تطرق الفساد عليها.
стр. 703
وقد ثبت أنها ليست في هذا الموضع للفراغ من الفعل؛ فثبت أنها لنفي الفساد.
ولأنه رفث قد أمن فيه الفوات فالوطء فيه لا يفسد الحج.
أصله: إذا جامع بعد الرمي.
ولأن الفساد معنى يوجب القضاء؛ فوجب ألا يلحق بعد الوقوف.
أصله: الفوات.
ولأن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب فساد الحج بالجماع؛ فكذلك بقاء الرمي؛ بعلة أن كل واحد منهما لا يوجب الفوات.
ولأن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف لا للرمي؛ بدلالة أنه يمنع أيضًا منه بعد الرمي ما لم يطف، وأن بقاء الرمي بعد الطواف والحلاق لا يمنع، فإذا كان بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج بالجماع فبقاء الرمي أولى بأن لا يوجب ذلك.
ولأن ترك الرمي لا يوجب فساد الحج فالجماع الذي هو ممنوع لأجله أولى أن لا يفسده.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
وهذا صيغته صيغة الخبر، والمراد به النهي؛ فتقديره: لا ترفثوا في الحج.
وإذا ثبت ذلك فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
стр. 704
وإن حملناه على ظاهره- وهو الخبر- صح التعلق به أيضًا؛ لأنه تعالى ذكره جعل من وصف الحج لا رفث فيه؛ فوجب أن يكون ما وقع فيه الرفث فليس بحج شرعي.
ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدًا لم يقع منه تحلل؛ فأشبه الوطء قبل الوقوف بعرفة.
فأما الخبر: فلا تعلق فيه؛ لأن حقيقة اسم التمام للفراغ من العبادة وأنه لم يبق منها شيء. فإن استعمل في غيره فمجاز. وقد يستعمل مجاز في عدة مواضع منها: القرب من الفراغ، والإتيان بكثير الفعل ومعظمه؛ فيعبر عما قارب الفراغ من العبادة بأنه قد أتمها كما قال تعالى ذكره: ﴿فإذا بلغنا أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾.
أراد: إذا قاربن انقضاء عدتهن دون حقيقة البلوغ؛ لأن الريبة لا تكون مع انقضاء العدة.
وكذلك ما روي: "إذا فعلت هذا- يعني: التشهد- فقد تمت صلاتك" معناه: قاربت الإتمام.
ومنها الإتيان بالفرد المقصود الذي هو عظم العبادة والمقصود منها فيقال فيه: إذا أتى به قد أتمها. معناه: قد أتى بالمقصود منها وما يؤمن معها فواتها؛ مثل قوله ﷺ : "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها". معناه: قد أمن أن تفوته، لا أنه قد أمن من طروء الفساد
стр. 705
عليها.
وإذا كانت الحقيقة في استعمال هذه اللفظة ما ذكرناه، ولم تكن هي المراد في هذا الموضع لم يكن لهم حمله على بعض ما يصلح أن يتحرز به فيه إلا ولنا حمله على غيره؛ لأن كل ذلك مجاز واتساع، مع أن ما نذكره هو الأسبق إلى فهم السامع؛ وهو أنا قد أتى بالمقصود الذي تفوت العبادة بفواته وإن لم يمنع ذلك من طروء الفساد كما ذكرناه في إدراك الصلاة مع الإمام.
ولأن الأمن من طروء الفساد لا يحصل عندنا إلا مع الفراغ من العبادة فالأمر يعود إلى ما ذكرناه من أن الحقيقة من الإتمام الاستيفاء والفراغ.
فأما قولهم: لأنه وقت قد أمن فيه من الفوات فلم يلحقه الفساد بالوطء كما لو وطأ بعد الرمي: فليس بصحيح؛ لأن الأمن من فوات الشيء لا يمنع طروء الفساد عليه؛ اعتباراً بالأصول كلها؛ ألا ترى أن العمرة وصوم الكفارة مأمون الفوات وغير مأمون الفساد؟
وكذلك إذا أدرك الصلاة مع الإمام فقد أمن فواتها معها، ومع ذلك يلحقها الفساد.
فإن قيل: هذا لا يلزم على ما قلنا؛ لأن العمرة لا تطرق للفوات عليها؛ فلم يمتنع أن يلحقها الفساد، وليس كذلك الحج؛ لأن الفوات يلحق فيه؛ فكان الأمن أمناً من الفساد.
قيل له: هذا باطل بالعمرة المنذورة في وقت معين؛ لأن الفوات يلحق فيها ثم لو أحرم آخر الشهر الذي قدرها فيها لكان قد أمن الفوات، ولم يأمن الفساد.
стр. 706
ويبطل أيضًا بما ذكرنا من إدراك الصلاة مع الإمام، وبالجمعة؛ لأنها يخشى فواتها والظهر ولا يخشى فواتها، والفساد غير مأمون فيها.
وجواب آخر عن أصل القياس؛ وهو أن المعنى في الأصل أنه وطء صادف إحرامًا قد تحلل منه بعض التحلل؛ ألا ترى أن بعد الرمي قد أبيح له لبس [ق/ ١٥٧] الثياب؛ وقتل القمل وغير ذلك ما لم يكن مباحًا له فقد انحل من حرمة إحرامه؛ فلذلك لم يفسد [...] حجه وليس كذلك قبل الرمي؛ لأن حرمة الإحرام مبقاة على حالها فكان بمنزلة الوقوف.
فأما اعتبارهم الإفساد بالفوات فإنه باطل؛ لأنه لا يجوز أن يعلق امتناع أحدهما بامتناع الآخر، وإمكانه بإمكانه؛ لأن معنى الفوات يقضي الوقت الذي تعلق الفعل به ولم يؤت به فيه؛ فلا يجوز أن يقابل عليه الفساد في أنه إذا أمن أحدهما أمن الآخر؛ لأن بعد الوقوف قد تقضي زمن الفعل الذي كان متعلقًا به فلحق الفوات إن لم يؤت به فيه، والفساد ليس بمتعلق بوقت من أوقات العبادة يأمن منه إذا انقضى ذلك الوقت؛ لأنه ما دام فيها فوروده جائز؛ فعلم بهذا أن الفوات أمن بعد الوقت لا لأنه يوجب القضاء لكن ليقضي الوقت الذي علق به. وليس كذلك الفساد على ما بيناه.
فأما قولهم: إن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب إفساد الحج فكذلك بقاء الرمي: فلا معنى له؛ لأنا لم نعلل الفساد ببقاء الرمي، وإنما عللناه ببقاء حرمة الإحرام وأنه ما لم يرم في وقت الرمي فلم يتحلل، وبالرمي يتحلل بعض التحلل ويكمل بالطواف، وقد يتحلل بالرمي في وقته تارة وينقضي وقت الرمي وإن لم يرم فيه أخرى؛ فليس المؤثر بقاء الرمي، وإنما المؤثر
стр. 707
عدم التحلل من الإحرام؛ فبطل ما قالوه.
وأما قولهم أن بقاء طواف الإفاضة لأجله منع من الوطء بعد الوقوف لا لأجل الرمي: فإنه باطل؛ لأن المنع إنما هو لعدم كمال التحلل الذي لا يكون إلا بالطواف.
فأما إذا أفاض قبل الرمي فقد مالك- ﵀: يعيد الإفاضة.
واختلف أيضًا أصحابه إذا قدم الطواف على الرمي ثم وطئ قبل الرمي؛ فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يبطل حجه.
وقال ابن وهب وأشهب: إذا أفاض ثم وطئ يوم النحر قبل الرمي بطل الحج.
ثم يقال لهم: فاعلموه على أنا سلمنا لكم أن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف ما الذي يوجب ذلك. فإن قالوا: إذا كان بقاء الطواف الذي لأجله منع الوطء لا يوجب الفساد فبقاء الرمي أولى.
قلنا: قد بينا أن أصحابنا مختلفون في فساد الحج بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف؛ فبطل سؤالهم من هذا الوجه.
ثم لو لم نقل بذلك لم يلزم ما قالوا؛ لأن بقاء الطواف الذي لأجله منع من الوطء إنما لم نوجب الفساد؛ لأنه قد تقدمه بعض التحلل، وأن حرمة الإحرام ليست بمبقاة.
وقولهم فبقاء الرومي أولى أن لا يفسده: باطل أيضًا؛ لأنا قد ذكرنا القول بأن الفساد ليس من أجل بقاء الرمي، لكن لعدم التحلل على ما بيناه. فأما قولهم أن ترك الرمي لما لم يوجب فساد الحج فالوطء الذي منع لأجله أولى: فغير مسلم؛ لأن الوطء لم يمنع لأجل الرمي لكن لعدم
стр. 708
التحلل، والتحلل يقع بالرمي والطواف؛ يدلك عليه أنه لو تقضى وقت الرمي لجاز له الوطء إذا طاف؛ لأنه قد تحلل بتقضي الوقت فهو كالمنع من الكلام بعد فراغه من التشهد في الصلاة حتى يسلم لا لأجل السلام، لكن لبقاء كونه في الصلاة، ولكن بالسلام يقع التحلل.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فإذا وطئ بعد الرمي وقبل الطواف لم يفسد حجه وبه قال الشافعي- ﵀.
هذا هو المعتمد من قول أصحابنا.
وذكر ابن الجهم أن رواية وقعت إليه عن أبي مصعب عن مالك أن حجه يفسد متى وطئ قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
قال ابن الجهم: وهو أقيس عندي، ووجهها قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، وما لم يحصل كمال تحلله فقد أوقع الرفث في الحج؛ فيجب فساده.
ولأنه حال هو ممنوع فيها من الوطء لبقاء الإحرام؛ فوجب أن يفسد الحج بوقوعه فيها؛ اعتبارًا بوقوعه قبل الرمي.
ولأنها حال لو قتل فيها الصيد لزمه الجزاء؛ فوجب إذا وطئ فيها أن يفسد حجه.
стр. 709
أصله: قبل الرمي والوقوف.
ولأنها عبادة من شرطها الطواف المشروط يفسدها.
أصله: العمرة.
ولأن الوطء مع بقاء نسك من مناسك الحج ركن يوجب فساد.
أصله: إذا وطء قبل الوقوف.
قال ابن الجهنمي: ولأن أول الإحرام مرتبط بآخره فلما كان الوطء محرمًا عليه في آخره كما هو محرم عليه في أوله فسد أوله بآخره؛ كالصلاة والصيام.
وروى ذلك عن ابن عمر من طرق، وادعى أنه إجماع؛ لأنه لا مخالف له.
والدلالة على الرواية المشهورة.
ولأنه لا يوجب ذلك فساد الحج هو أنه وطء صادف إحرامًا قد انحل شيء من حرمته فلم يفسد الحج.
أصله: إذا وطئ بعد الطواف.
فإن قيل: إذا طاف طواف الإفاضة فقد كمل تحلله فلا يقال: انحل شيء من حرمته؛ لأن هذا يفيد أنه قد بقى شيء من التحلل.
قيل له: هذا منع عبادة لا طائل في منعها؛ لأن مرادنا من ذلك أن الوطء لم يصادف إحرامًا منعقدًا، وهذا معنى معقول موجود في مسألتنا.
وأيضًا فلأنها حال أبيح له فيها اللباس من غير فدية، أو لأنه لو تطيب
стр. 710
فيها لم تلزمه فدية؛ فأشبه ما بعد الطواف.
فأما الظاهر: فإنه مخصوص في الوطء الذي يكون في إحرام منعقد لم ينحل شيء منه؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقولهم أنها حال منع من الوطء فيها لبقاء الإحرام مثل قبل الرمي: غير صحيح؛ لأنه لا يمنع من الوطء لبقاء الإحرام نفسه، وإنما منع لعدم كمال التحلل؛ فالوصف غير موجود في الفرع، والمعنى في الأصل لبقاء حرمة الإحرام التي لم يحصل منها تحلل أصلاً. على أن علة الفساد غير علة المنع؛ لأن علة المنع بقاء شيء من حرمة الإحرام، وعلة الفساد عدم التحلل على وجه؛ فلا يجب إذا امتنع الوطء أن يفسد الحج.
فإن قيل: ما أنكرتم [ق/١٥٨] أن تكون العلة في الأمرين عدم كمال التحلل.
قلنا: لا يجوز ذلك؛ لأن الفساد إنما يتوجه إلى إحرام منعقد، وحصول شيء من التحلل يمنع الفساد؛ لأن الفساد لا يكون مع الخروج عن العبادة بالتحلل أو يبعضه والمنع فقد يكون في إحرام منعقد وغير منعقد؛ لأن التحلل منه ما لم يكمل لا ينافي استصحاب المنع؛ فبان بذلك الفرق بين الموضعين.
وقولهم: لأنها حال لو قتل فيها الصيد للزمه الجزاء؛ فوجب أن يفسد الحج الوطء فيها غير صحيح.
إنما تجب الفدية بفعل يخالف موضوعه ما يجب الفساد به؛ لأن الفساد يتعلق بإحرام منعقد، والجزاء والفدية تتعلق بكمال التحلل؛ لأنه منع من
стр. 711
ذلك ما (بقي) من حرمة الإحرام شيء؛ فطريقتهما مختلف.
وقياسهم على العمرة باطل؛ لأن التحلل منها قبل الطواف لا يصح.
فإذا وطئ قبل أن يطوف فالوطء صادف إحرام منعقد؛ فنظيره في مسألتنا أن يطأ قبل الوقوف أو بعده وقبل الرمي. فأما في مسألتنا فيخالف ذلك.
وهذا أيضًا هو الجواب عن قولهم أن الوطء مع بقاء ركن من أركان الحج يفسده؛ لأن الاعتبار ببقاء حرمة الإحرام لا ببقاء شيء من الأركان، وها هنا قد أنحل من حرمة الإحرام شيء.
قال ابن الجهنمي: التحلل بلبس الثياب وإلقاء النفث لا يدفع عنه فساد الحج؛ لأن هذه الأمور وإن كانت ممنوعة في الإحرام فإن وقوعها لا يفسد الحج؛ ألا ترى أنها إذا حصلت قبل الوقوف لم تبطل الحج ولو وطئ في تلك الحال؟ فلم يكن تحليل ما لا يفسد الحج بوقوعه مؤثرًا في دفع الفساد بما يفسد الحج بوقوعه.
قلنا: نحن لم نقل أن إباحة اللبس وإلقاء النفث هو الذي منع الفساد بالوطء، وإنما قلنا: بالرمي قد انحل بعض حرمة الإحرام وانحلال بعض الحرمة مانع من الفساد؛ لأنه يرفع الانعقاد فسواء انحل إلى ما كان يفسد الحج بوقوعه أو يوجب فدية من غير إفساد في أنه لا اعتبار بموجب التحلل.
فإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
وأما قوله أن أول الإحرام مرتبط بآخره: فإن أراد مع انعقاده فصحيح، وإن أراد مع التحلل من بعض حرمته فلا نسلمه في باب الفساد؛ لأن ذلك
стр. 712
متعلق بانعقاد حرمة الإحرام وعدم التحلل من شيء منها. والله أعلم.
وعلى هذه النكتة مدار الكلام في هذه المسلة التي قبلها، وما رواه عن ابن عمر فقد روى عن ابن عباس خلافه، وعن غيره أيضاً.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا أجبنا بالرواية المشهورة؛ وهي أن حجة لا يفسد بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف فعليه عندنا العمرة والهدى بعد أن يطوف.
وقال أبو حنيفة والشافعي: عليه الهدى، ولا عمرة عليه.
والدليل على ما قلناه من وجوب العمرة: أنه لما وطئ قبل كمال التحلل إذا كان كمال التحلل لا يحصل إلا بأن يطوف طواف الإفاضة كان قد أتى بركن من أركان الحج وهو الطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ لأنه وطئ قبل كمال التحلل منه وعليه أن يأتي به في إحرام صحيح الجملة غير ناقص؛ فوجب أن يمضي فيه كما يمضي في الإحرام الفاسد ويوقع الطواف في إحرام مستأنف لم بتداخله شيء من الفساد؛ فلذلك أمرنا بالعمرة؛ لأن الطواف في إحرام لا يكون إلا في حج أو عمرة.
وقد روى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة لا أظنه إلا عن ابن عباس في الذي يصيب أهله قبل أن يفيض قال: يعتمر ويهدى.
فإن قيل: كل وطء لم يفسد ماضي الحج لم يفسد بقيته.
стр. 713
أصله: وطئه بعد الطواف.
قيل له: إذا وطئ بعد الطواف فقد وطئ خارجًا عن الإحرام جملة؛ فلم يتعلق به فساد. وليس كذلك الوطء قبل الإفاضة.
فإن قيل: فكذلك إذا وطئ بعد الجمرة وقبل الطواف فإنما وطئ بعد الخروج من الإحرام.
قيل له: ليس هذا بصحيح عندنا؛ لأن ما بقى عليه شيء من فرائض الحج فالإحرام باق عندنا.
فإن قيل: كل عبادة لا تبعض فلا تبعض إفسادها كالصلاة والصيام. وقد ثبت أن ما مضى من الحج لا يفسد؛ فكذلك ما بقى.
قيل له: قد تبعض الإفساد فيما لا تبعض. أصله: الوضوء؛ ألا ترى أنه إذا مسح على خفية ثم خلعه فقد بطلت طهارة رجليه ولم يبطل ما مضى من طهارة باقي الأعضاء؟؛ فأنتفض ما ذكروه.
على أن الإحرام يمضي في فاسدة وتتعلق به من الأحكام ما تتعلق بالصحيح، وليس كذلك سائر العبادات.
ولسنا نعني بقولنا أنه فسد ما نعنيه بالفساد قبل التحلل، ولعمري إن الفساد قبل التحلل لا تبعض، وإنما نريد أنه يأتي بهذا الركن في إحرام قد حصل فيها فساد بعد التحلل وقبل كماله؛ فلم يبلغ به أن يكون كوروده على كمال حرمته وانعقادها قبل التحلل. والله أعلم.
فأما وجوب الهدى: فما رواه مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهو بمبنى قبل أن
стр. 714
يفيض فأمره أن ينحر بدنه.
ولأنه أوقع نقصُا في حجة بإتيانه بالطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ فوجب أن يجبره بالهدى.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا أفسد حجه عليه القضاء والهدى، ولا خلاف بين المسلمين في وجوب القضاء إذا كان الحج فرضًا أو نذرًا؛ لأن الفرض باق في الذمة على ما كان عليه؛ لأنه كان يلزمه أداء حجة صحيحة، والفاسد لا يبرئ من الصحيح.
وإن كان الحج تطوعًا فالقضاء واجب أيضًا؛ لأن التطوع يلزم بالدخول [ق/١٥٩] فيه، فإذا أفسده وجب قضاؤه، بناء على العبادات كلها؛ لأن كل عبادة لزمت بالدخول فيها لزم قضاؤها.
وأما الهدى فلأنه لما كان يجب بالنقص الذي يوقعه من ترك شعيرة من شعائره كان النقص بالفساد أولى بأن يجب به.
ولأن تأخر الحج عن وقته بالفوات يوجب الهدى؛ فكذلك بالفساد.
وقد روى ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة ﵁ أنهم سئلوا عمن أصاب أهله وهو محرم فقالوا: عليهما حج قابل، والهدى.
стр. 715
وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة عن يزيد عن أبي حبيب عن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرجل رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ :"أتما حجكما وأرجعا، وعليكما حجة أخرى وهديان".
* * *
فصل
والهدى الذي يجب بفساد الحج بدنه. فإن أخرج شاة مع القدرة على البدنة فقال مالك: يجزئه على تكره منه.
وقال أبو حنيفة فيما حكاه والكرخي: عليه شاة، والبقرة والجذور أفضل.
وعند الشافعي أن الواجب بدنه لا يجوز غيرها.
والذي يدل على وجوب بدنه أنه مذهب الصحابة ﵃.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن أشعت عن الحكم عن علي- ﵁ قال: على كل واحد منهما بدنه.
وروى شريح بن النعمان عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكه قال: سأل رجل ابن عباس فقال: إني أصبت أهلي بعد رمى الجمرة. فقال: أمعك راحلة؟ قال: نعم. قال: أنحرها.
وذكر أصحابنا عن عمر، وابن عمر. ولا مخالف لهما نعلمه.
стр. 716
ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدَا لم يتحلل منه شيء؛ فوجب أن يلزمه بدنه إذا كان قادرًا عليها.
دليله: إذا وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي؛ لأن أبا حنيفة يقول: إذا وطئ قبل الوقوف أفسد حجه، وعليه بدنه.
ولأن الوطء قبل الوقوف أكد حكمًا وأغلظ أمرًا من الوطء بعد الوقوف؛ لأن الوطئ قبل الوقوف متفق على فساد الحج به، وهو بعد الوقوف مختلف فيه، فإذا لزمنه البدنة في الحال الأخف كانت في الحال الأثقل أولى.
ولآن البدنة لما وجبت على القرآن للنص الذي أوقعه بجمعه بين الحج والعمرة في إحرام واحد مع صحة حجة كانت بأن تجب مع النقض بالفساد أولى.
فإن قيل: لما كان الفساد معنى يجب به قضاء الحج والقضاء في الأصول قائم مقام المقضي وجب إذا أتى بالقضاء على الوجه الذي كان أتى بالمقضي أن لا يلزمه حق آخر. وهذا هو مقتضى القياس؛ كمن نذر شهراً معيناً فأفطره لا يلزمه أكثر من القضاء.
فإذا ثبت ذلك كنا لو تركنا القياس لا يوجب عليه سوى القضاء. فلما قامت دلالة لي وجوب الشاة لم يجب ما زاد عليها إلا بدلالة. قيل له: قد تعلق في الأصول بالقضاء الكفارة فلا يسلم قولهم أن القياس يقتضي ألا شيء عليه؛ لكون القضاء قائمًا مقام المقضي؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا كمن أخر
стр. 717
قضاء رمضان عن وقته.
على أنهم اتفقوا على وجوب دم عليه فسقط تعلقهم بالأصل.
فإن قيل: إن قضاء رمضان لا يمكن أن يؤتي به على الوجه الذي كان يأتي بالمقضي؛ لأنه لا تحصل له حرمة الوقت.
قلنا وكذلك الحج إذا أحرم به في سنة فقد لزمه إتمامه، ويثبت الموقوف حرمة الإحرام فليس يقدر أن يأتي بالقضاء في ذلك الوقت.
على أن القضاء لو كان يقوم مقام المقضي لسقطت الكفارة على ما قلناه.
فإن قيل: لو أوجبنا البدنة لكنا قد غلطنا عليه من وجهين: بإيجاب القضاء، وإيجاب البدنة؛ لأن القضاء إيجابه تغليظ، والبدنة تستحق على وجه التغليظ، والجمع بينهما في كفارة الحج خلاف الأًول.
قيل له: هذا لا معنى له؛ لأن إيجاب الكفارة نفسها تغليظ، وكذلك إيجاب شاة تغليظ أيضاً يجب على قولهم ألا تجمع عليه.
وعلى أنهم يقولون: إذا كرر الوطء في مجلس واحد لزمته بدنه.
وعلى أن الأصول لا تنفى التغليظ بوجهين وأكثر؛ كالوطء في شهر رمضان عليه القضاء والكفارة، وكالقاتل خطأ عليه الدية والكفارة.
فبطل ما قالوه.
فإن قيل: إذا لم يتعلق بالفوات بدنه؛ فكذلك الإفساد؛ لأن كل واحد منهما يوجب القضاء.
стр. 718
قيل له: يلزم عندنا بالفوات بدنه؛ فسقط السؤال، لو لم نقل ذلك لجاز أن يفرق بينهما؛ لأن الفوات أخف حالاً من الإفساد؛ لأنه يمكن أن يقيم فيه على إحرامه ليحج الله في العام المقبل، ولا يمكن مثل ذلك في الإفساد؛ لأنه لا يقام على إحرام فاسد، ولأن الفوات في الغالب يقع غالبًا لا عن قصد؛ لأنه إما أن يكون لصد عدو أو مرض أو مانع أو خطأ وقت، والوطء الذي يتعلق به الإفساد لا يكون في الغالب إلا عن قصد؛ فجاز أن يغلظ فيه ما لا يغلظ في الفوات.
فإن قيل: لما لم تجب في اللبس والطيب بدنه لم تجب في الوطء. والمعنى في الجميع أنه فعل محظور في حال الإحرام لأجل الإحرام.
قيل له: ينتقض على أصولكم بالوطء بعد الوقوف؛ لأن فيه بدنه عندهم مع وجود العلة.
ولأن المعنى في الأصل أنه لا يوجب فساداً فلم يغلظ فيه بالكفارة، وليس كذلك الوطء؛ لأن الفساد يتعلق [ق/١٦٠] به، على أن هذا يلزم على أصلهم من قبيل أن جنس اللباس والطيب لما كان لا يفسد الحج لم يختلف الحكم فيه قبل الوقوف وبعده في أن ما يجب به على حد واحد في الموضعين فيجب أن الوطء الذي يتعلق به فساد الحج حكمه فيما يجب به قبل الوقوف وبعده. وقد بينا أن من قولهم أن من وطئ بعد الوقوف فعليه بدنه؛ فيجب أن يكون كذلك الوطء الذي يجب به الإفساد.
والله أعلم.
стр. 719
فصل
إذا أفسد حجه أو عمرته مضى فيها ولم يخر بالفساد من إحرامه وهو على ما كان عليه فيأتي ببقية أفعال الحج والعمرة.
وحكي عن عطاء أنه إذا وطئ قبل عرفة رفضه، وابتدأ إحرامًا جديدًا، ولم يلزمه أن يأتي ببقية أفعاله. وتعلق من ذهب إل ذلك بقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو باطل".
وروى: "فهو رد".
وإذا ثبت بطلان هذا الإحرام بالوطء فيه لزم الخروج منه وترك المضي فيه.
ولأن الحكم بفساد العبادة يمنع المضي في بقيتها؛ اعتبارًا بسائر العبادات.
والدليل على صحة قولنا: إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه روى عن عمر، وعلى رضوان الله عليهما، وابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة. ولا مخالف لهم.
وروى عن يزيد [بن] جابر قال: سألت مجاهد عن المحرم بواقع امرأته فقال: كان ذلك على عهد عمر- رضوان الله عليه- فقال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالًا، فإذا
стр. 720
كان من قابل حجا وأهديا.
وقال مالك: بلغني أن عمر وعليًا وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن ذلك فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجمها، ثم عليهما حج قابل الهدي.
وروى عن عبد الله بن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو فسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فلم يعرفه الرجل. فقال شعيب: فذهبت معه فسأله فقال: بطل حجه. قال: فيقعد؟ قال: لا بل خرج مع الناس فيصنع ما يصنعون، فإذا أدركه قابل حج وأهدى. فرجعنا إلى عبد الله بن عمرو فأخبرناه فأرسلنا إلى ابن عباس. قال شعيب: فذهبت معه فقال مثل ما قال ابن عمر. فرجع إليه فأخبره فقال الرجل: ما تقول أنت؟ قال: مثل ما قالا.
فحصل من الخبر قول ثلاثة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو.
وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أبي الطفيل أن رجلًا قال لجبير بن مطعم أنه وقع على أهله وهو محرم فغلظ عليه وشدد، فلما مضى دعاه ابن عباس فقال: إن هذا قد شدد عليك وغلظ أتفعل ما أمرك به؟ فقال:
стр. 721
لو أمرت بنار فأججت ثم أمرتني أن أقتحمها لفعلت. فقال: الأمر أيسر من ذلك؛ اقضيا حجكما هذا، وحجا من قابل، واهديا هديين.
ومن طريق آخر: اقتضيا ما بقى عليكما من نسككما، وعليكما الحج من قابل.
ويدل على ما قلنا أيضًا: أن الفساد سبب يجب معه قضاء الحج؛ فوجب ألا يخرج به من الإحرام.
أصله: الفوات؛ وذلك أن الحج إذا فاته لم يخرج من الإحرام به، بل يكون مخيرًا بين أن يتحلل بعمل العمرة أو يبقى إحرامه إلى قابل.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج بالفوات.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج الفوات؟
قلنا: ليس الأمر كذلك من قبيل أن الفوات لا يخرج به من الإحرام؛ بدلالة ما ذكرناه أنه لو أقام على إحرامه إلى قابل لكلن له ذلك، ولكن جعل له أن يتحلل بالطواف والسعي.
فأما سقوط الرمي عنه والمبيت فلسقوط الوقوف الذي هذه توابعه، وليس ذلك بخروج من الإحرام، والحج الفاسد بخلاف ذلك؛ لأنه يأتي فيه بالوقوف وإن كان لا يجزئه؛ فلذلك يأتي بتوابعه.
فأما الخبر فلا تعلق فيه؛ لأنه يوجب أن يكون المردود هو المنهي عنه الذي ليس عليه أمره- وهو الوطء- وهذا لا يوجب الخروج من العبادة.
стр. 722
فإن قالوا: إذا ثبت أنه منهي عنه ثبت فساد العبادة فيه، والفساد لا يمضي فيه.
قلنا: هذا بعينه موضع الخلاف فكيف يجوز أن يحتج به فيه؟
فأما الصوم فإنه يمضي في فساده عندنا، وأما الصلاة وغيرها فإنه يخرج منها بالقول، واعتقاد القطع؛ فصح أن يخرج منها بالفساد، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يخرج منه بالقول، ولا بنية القطع فلم يخرج منه بالفساد، والله أعلم.
[] فسد حجة بالوطء وجب عليه الهدى، إن وطئ بعد ذلك فلا كفارة عليه [] المجلس أو بعده كان قد كفر عن الأولى أم لا.
وقال أبو حنيفة [] ومرة بعد مرة في مجلس واحد فعليه لكل مرة دم- وهو شاة-، إلا أن [] الجماع الثاني على وجه الرفض للحج والقطع له والإحلال فإنه لا يلزمه إلا دم واحد.
وقال الشافعي: إن كان قد كفر عن الأول فعليه للوطئ الثاني كفارة، وإن كان لم يكفر عن الأول حتى وطئ ثانيًا فله قولان:
أحدهما: لا كفارة.
والآخر أن عليه الكفارة.
стр. 723
وعندنا أن الهدى يجب بالوطء الذي به يقع الفساد دون ما بعده.
واستدل من خالفنا بأن قال:
إن فساد الحج لا يمنع بقاء حظر الوطء، وإذا ثبت حظر الوطء لحرمة الإحرام كان بمنزلة الوطء الأول في وجوب الكفارة به. ولأنه لما وجبت [ق/ ١٦١] الفدية باللبس والطيب وإن كان الحج فاسدا [] الإحرام كذلك تجب الكفارة في تكرار الوطء؛ لأنه ممنوع بعد الفساد للإحرام.
ولأن الوطء الثاني يتعلق به جميع أحكام الوطء لإفساد الإحرام، ووجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد.
دليله:" اللبس والطيب.
ولأن وطئ الثاني وطئ عمد صادف إحرامًا لم ينحل منه شيء؛ فوجب أن تتعلق به الفدية كالوطء الأول.
ولأن الوطء إتلاف فجاز أن يتكرر الهدى بتكرره كقتل الصيد.
والدليل على ما قلناه: أن الكفارة تجب بالوطء في الحج لأحد أمرين: إما للفساد، وإما للتأخير.
وكل ذلك مستقر بالوطء الأول، لاحظ للثاني فيه؛ فلم تتعلق به الكفارة؛ لأن الفساد لا يتكرر، وكذلك التأخير.
أصله: إذا وطئ بعد التكفير عن الأول.
стр. 724
وعلى وجه الرفض للحج مع أبي حنيفة.
ولأنها عبادة يفسدها فوجب إن أوقع الفساد به وتعلقت الكفارة بوقوعه ألا تلزم كفارة بتكراره.
أصله: الصوم.
فإن قيل: إنما وجب ذلك في الصوم؛ لأنه لا يمضي في فساده فالوطء لا يصادف عبادة، وليس كذلك الحج؛ لأنه يمضي في فساده، فالوطء فيه قد صادف عبادة.
قيل له: الصوم يمضى في فساده عندنا.
فأما قولهم أن الوطء الثاني محظور لحرمة الإحرام فهو كالوطء الأول: فالجواب عنه أن مجرد حظر الوطء ليس هو الموجب للكفارة، وإنما الموجب للكفارة حصول الفاسد به، وذلك معنى يختص بالوطء الأول لا يتكرر.
واعتبارهم باللباس والطيب باطل من قبيل أن المعنى الموجب له يتكرر بتكرره؛ وهو حصوله في إحرام صحيح أو فاسد، وهذا المعنى يتكرر فتعلقت الكفارة به وليس كذلك الوطء. لأن المعنى الذي أوجبت الكفارة فيه هو فساد الحج به وذلك لا يتكرر في الحج كتكرر معنى [].
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المعنى في الوطء هو المعنى في اللبس والطيب واستحالة وقوعه في إحرام فاسد أو صحيح.
قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه تعليل فاسد؛ لأن الكفارة الواجبة بالوطء
стр. 725
في العبادات متعلقة بإفساد العبادة؛ اعتبارًا بالصوم وغيره؛ ألا ترى أنه إذا وطئ فيه وتعلقت به الكفارة ثم وطئ ناسيًا لم يفسد؛ لأن المعنى الموجب للكفارة تعلق الإفساد بالوطء.
فأما قولهم: إن وجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد؛ اعتبارًا باللبس والتطيب: فغير صحيح؛ لأن اللبس والتطيب لا يتعلق بهما إفساد أصلًا، وليس كذلك الوطء؛ لأنه يتعلق به الإفساد؛ فجاز أن تكون الكفارة موقوفة عليه.
واعتبارهم بالوطء الأول ينتفض به إذا كان كفر من الأول.
ولا تأثير لقولهم وطئ عمد؛ لأن الوطء على شبهة النسيان يفسد الحج كالعمد. والمعنى في الأصل أنه يحصل به الفساد، وليس كذلك الثاني وقولهم إن الوطء إتلاف كالصيد: لا معنى له؛ لأن المعنى الموجب للكفارة بإتلاف الصيد يتكرر، وليس هو الفساد الذي لا يتكرر، والوطء الذي لا يوجب الفساد ليس فيه المعنى المقتضي لوجوب الكفارة؛ فلم تجب به.
والله أعلم.
قال القاضي: قد ذكرنا جملًا من مسائل الوطء وإفساد الحج وما يتعلق به من الأحكام، ورأينا الاقتصار على قدر ما ذكرناه دون استيفاء جميع ما في الباب؛ إيثارًا للاختصار، وتفريقًا بين هذا الكتاب وبين الكتب الكبار؛ لأن مصنفه قصد به التقريب على المتعلمين والتخفيف على المبتدئين؛ فيجب أن يكون الكلام عليه على هذا الوجه أيضًا. وبالله التوفيق.
стр. 726
ثم عدنا إلى مسائل الكتاب قلنا: وأما الطيب فلا خلاف أيضًا في منعه للمحرم، وتعلق الفدية به إذا فعله في الجملة؛ ويدل عليه نهيه ﷺ عن الإحرام في ثوب قد مسه زعفران أو ورس.
ولأن الطيب من دواعي الجماع، ومن منع الجماع لحرمة عبادة ومنع من سببه الذي هو النكاح منع من دواعية كالمعتدة.
وأما لبس المخيط فإن المحرم ممنوع أيضًا من قليله وكثيره إذا لبسه على هيئته.
والدليل على ذلك:
ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله- ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله- ﷺ : "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السروايلات".
ولا خلاف في منع ذلك للرجال دون النساء.
* * *
فصل
وأما قتل الصيد فلا خلاف أيضًا في منع المحرم منه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وهذا نهى.
وقوله سبحانه عقيبه: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من
стр. 727
النعم﴾ إلى قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾.
وقوله : ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾.
وقوله : ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾.
وروى أن النبي- ﷺ أهدى إليه لحم صيد فرده، وقال: "أنا محرم". وكذلك قتل الدواب، وإلقاء التفث هو ممنوع منه أيضًا حتى يحل.
ولهذه الجملة تفصيل يرد فيما بعد إن شاء الله.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يغطى رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀: أما منع تغطية الرأس للمحرم فلا خلاف فيه أعلمه [ق/١٦٢] للرجال دون النساء.
стр. 728
والأصل في ذلك نهى رسول الله- ﷺ عن لبس العمائم والبرانس، ثم اتصال العمل بذلك من غير خلاف [] وبقى مدة ينتفع [] بتغطيته فيها فإنه يفتدى.
وأما منعه من حلق رأسه إلا من ضرورة فلا خلاف فيه أيضًا.
والأصل فه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، وقوله : ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ يعني: بعد نحر الهدايا يوم النحر.
فإن كانت به ضرورة جاز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فمعناه: مخلق فأباح ذلك مع الضرورة.
وروى أن النبي- ﷺ أباح لكعب بن عجزة عندما رأى به من الأذى أن يحلق رأسه، وأمره بالفدية.
وسنذكر ذلك فيما إن شاء الله
* * *
стр. 729
مسألة
قال ﵀: "ثم يفتدى بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛ مدين لكل مسكين، أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسكٍ﴾ معناه: فحلق فأوجب الله تعالى الفدية في ذلك بالأصناف التي ذكرها، وخير المكلف فيها باللفظ الموضوع للتخيير- وهو حرف أو- فوجب كونه مخيرًا فيه.
ثم بين النبي- ﷺ مقدار الفدية وصفتها وما أجمل في الظاهر من أحكامها؛ فروى مالك عن عبد الكريم بن مالك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع النبي- ﷺ فأذاه القمل في رأيه فأمره رسول الله- ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب قال: أتى على رسول الله- ﷺ زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة لي،
стр. 730
والقمل يتناشر على وجهي. فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " فقلت: نعم. فقال: "احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك بنسيكة" لا أدري بأيها بدأ.
وروى مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "لعلك أذاك هوام رأسك؟ " فقلت نعم فقال رسول الله- ﷺ : "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة".
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله- ﷺ قال: "إن شئت فانسك بنسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين".
فلهذا قال: إن الفدية واجبة، وإنها تكون إطعامًا أو صيامًا أو نسكًا، وإن للصائم ثلاثة أيام، وإن الإطعام مدان لكل مسكين لستة مساكين، وإنه مخير في ذلك غير مستحق عليه ترتيب فيه.
* * *
فصل
ولا خلاف بينا وبين أي حنيفة والشافعي في أن الصيام في ذلك جائز في كل موضع، وإنما الخلاف في الإطعام والذبح؛ فعندما أنهما بمثابة
стр. 731
الصيام له أن يفعلها حيث أحب.
وعند أبي حنيفة أن الإطعام يكون حيث أحب، وأن النسك لا يكون إلا بمكة.
وعند الشافعي إن النسك والإطعام لا يجزآن إلا بمكة.
والذي يدل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ففديه من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾؛ فأطلق ولم يقيد؛ فوجب أن يكون كل ليه أتى به فإنه يجزئ عنه، سواء كان في الحرم أو غيره.
ويدل على ذلك ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد المخزومي عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر أنه كان مع عبد الله بن جعفر معه من المدينة فمروا على حسين بن علي- ﵄ وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه- وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عيه ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه فأمر علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- برأسه فحلق بالسقيا ونسك عنه فنحر بعيرًا.
وهذا فعل صحابي إمام لا مخالف له.
стр. 732
ويدل عليه أنه نوع من كفارة الأذى؛ فجاز الإتيان به بمكة وغيرها. أصله الصيام.
* * *
مسألة
قال محمد بن الحسن محتجًا لأبي حنيفة: كيف يكون النسك بغير [] إنما النسك من الحج؛ ألا ترى أنه يقال: مناسك الحج ونسك الحج إنما هذا [] من نسك الحج؛ فلا يجزئ أن يذبح ذلك [] حيث يذبح الهدى.
فالجواب عن هذا ما أجاب به القاضي إسماعيل [] من أن النسيكة هي الذبيحة كانت هديًا أو غير هدى.
وليس كل نسيكة [] والعقائق نسك، وليست بهدايا، وفعلها جائز في كل مكان، ولو [].
فإن قيل: فإن هذه النسك هدى؛ فيجب ألا يكون بمكة [ق/
стр. 733
١٦٣]، والدليل على أنه هدى قوله ﷺ لكعب بن عجرة: "أمعك هدى؟ " قال: لا. قال: "فصم ثلاثة أيام". قال كعب: وفي نزلت: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾، ولو كان معي درهما لو جهدت بهما هديًا.
قيل له: ليس في سؤاله عن ذلك ما يقتضي أنه واجب عليه هناك؛ لأنه قد يسأله عن الاستحباب كما يسأله عن الإيجاب؛ ألا ترى أنه نفله إلى الإطعام والصيام عند عدمه.
وقد اتفقنا على أنه مخير مع وجود النسك بينه وبين الإطعام والصيام.
فإن قيل: لأنه دم وجب لحرمة الإحرام فأشبه جزاء الصيد.
قيل له: المعنى في ذلك كونه هديًا؛ فلذلك وجب فعله بمكة دون غيرها.
على أن اعتبار الكفارة بجنسها أولى من اعتبارها بغيرها.
والله أعلم.
* * *
стр. 734
فصل
فأما قوله إن النسك شاة؛ فلأن الله تعالى ذكره قال: ﴿أو نسك﴾ فأطلق.
وروى عن النبي ﷺ -أنه قال لكعب بن عجرة: "انسك بشاة".
وروي أنه ﷺ قال: أمعك هدى؟ قال: لا. قال: "انسك ما استيسر لك فدل ذلك على أنه غير مقدر، وأنه على حسب الميسور.
والله أعلم
* * *
مسألة
قال ﵀: "وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها؟ "
قال القاضي ﵁: وهذا لما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ -أنه نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس، وقال: "لتلبس بعد ذلك ما أحبت من الثياب من قميص أو سراويل أو خفين".
وروى عن عائشة ﵂ -أن امرأة سألتها: ما تلبس المحرمة من الثياب؟ فقالت: لك الخفان والسراويل، ونهيت عن الكحل والنقاب.
стр. 735
وتفارق الرجل؛ لأن بدنها عورة فالغالب أنه لا يستر إلا بالمخيط؛ فجاز لها لبسه، ولا أعلم خلافًا في ذلك.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنب الرجل".
قال القاضي ﵁: يعني من الطيب، وقتل الصيد، وإلقاء التفث، وغير ذلك؛ للاتفاق على تساويهما في هذه الأحكام.
مسألة
قال ﵀: "وإحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: لا خلاف في منع المحرمة من تغطية وجهها؛ ويدل عليه نهيه ﷺ النساء عن القفازين والنقاب.
وروى أنه ﷺ قال: "إحرام المرأة في وجهها".
стр. 736
ولا خلاف أيضًا في منع المحرم الرجل من تغطية رأسه، وقد بينا ذلك فيما سلف.
فأما تغطية الرجل وجهه في الإحرام فإنه ممنوع منه ندبًا، إلا أنه إن غطاه فقد أساء، ولا كفارة عليه واجبة وذلك ما فوق الذقن.
وعن أبى حنيفة أنه واجب عليه كشف وجهه كوجوب كشف رأسه.
وعند الشافعي أنه ليس عليه كشف وجهه في الإحرام.
وإنما قلنا: إن عليه كشف وجهه من طريق السنة؛ لقوله ﷺ : "المحرم أشعث أغبر" فجعل من وصفه أن يكون كذلك؛ فيقضي نفي كل ما نفى عنه هذا المعنى. والوجه اختص بهذا المعنى من غيره من الأعضاء.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم.
ولأنه محرم؛ فأشبه المرأة.
فإن قيل: إن ابن عمر إنما ذهب إلى ذلك؛ لاعتقاده أنه من الرأس لا لأن الوجه يجب تغطيته.
قلنا: لا نظن بابن عمر أن الوجه يسمى رأسًا.
على أن الفرض تغطية ما فوق الذقن دون تسمية، وأنتم تقولون: لا يغطى على كل الوجه.
فإن قيل: فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد
стр. 737
عن الفرافصة بن عمير الحنفي أنه رأي عثمان -رضوان الله عليه -بالعرج يغطى وجهه وهو محرم.
قيل له: قد يفعل الصحابي ما الأولى غيره لضرب من العذر؛ فلا تعلق في هذا.
فإن قيل: لأنه شخص تعلق به حكم الإحرام؛ فوجب ألا يلزم كشف عضوين؛ اعتبارًا بالمرأة.
قيل له: المرأة يلزمها كشف عضوين عندنا وهما: الوجه والكفان؛ حتى إن لبست القفازين لزمتها الفدية.
فأما تعلق الفدية بتغطية الوجه: فالذي نص عليه مالك أن إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وأنه لا يغطى رأسه ولا وجهه، وأنه إن غطى رأسه فكأنه من حر أو برد افتدى.
وقال ابن المقسم: لم أسمع منه في الفدية إذا غطى وجهه شيئًا، وأنا أرى ألا فدية عليه؛ لما جاء عن عثمان -رضوان الله عليه -أنه كان يغطي وجهه وهو محرم. وفيه نظر.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يلبس الرجل الخفين، إلا أن لا يجد نعلين
стр. 738
فليقطعهما أسفل من الكعبين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وذلك لما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال ﷺ : "لا يلبس المحرم القمص ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فيلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين".
ولا خلاف في منع ذلك مع وجود النعلين، وأن الفدية تتعلق به.
فأما إذا عدم النعلين لبس الخفن، وقطعهما أسفل من الكعبين؛ لما رويناه في الحديث.
ولا خلاف أيضًا في جواز ذلك وأنه لا فدية فيه.
فأما إذا لبسهما مع عدم النعلين من غير قطع وجب عليه الفدية كما لو لبسهما مع وجود النعلين هذا قولنا، وقول أبى حنيفة والشافعي [ق/ ١٦٤]، وكافة الفقهاء.
وحكى عن قوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجد النعلين لبس الخفين التامين ولم يقطعهما؛ لما رواه أبو الزبير عن جابر، وجابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ -قال: "إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين"؛ فأطلق ولم يأمر بالقطع.
стр. 739
قالوا: ولأن في ذلك إضاعة المال وإتلافه -أعنى: قطعه أسفل من الكعبين؛ فوجب ألا يلزمه.
قالوا: ولأنه لما جاز له عند عدم الإزار أن يلبس السراويل على جهته من غير أن يفتقه، ثم جاز له عند عدم النعلين أن يلبس الخفين وجب جواز لبسه لهما على جهتهما من غير أن يقطعهما.
والدلالة على ما قلنا: ما رويناه من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ -قال: "إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"؛ ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه أمر بالقطع، وذلك على الوجوب.
والآخر: أنه استثناء من حظر على صفة -وهي القطع -فدل ذلك على أن ما خالفه على أصله الذي هو المنع. ولأنها حال إحرام من رجل؛ فوجب ألا يجوز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطعه؛ اعتبارًا بحال وجود النعلين.
فأما خبرهم فإنه مجمل، وخبرنا مفسر.
فأما قولهم أن ذلك إضاعة المال: فغلط؛ لأن أوامر الشرع إذا تعلقت بإتلاف لم يكن امتثالها إضاعة.
واعتبارهم بالسراويل باطل؛ لأن الغرض منه ستر العورة، وإذا فتق لم يوجد منه هذا المعنى.
على أن السروال إذا لبس على جهته ففيه الفدية عندنا؛ لأنه ليس ما ينوب عنها، وقطع الخفين حال العذر بانت الفدية.
وبالله التوفيق.
стр. 740
مسألة
قال ﵀: "والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران، فمن قرن أو تمتع من غير [أهل] مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى أن [أوقفه] بعرفة.
وإن لم [يوقفه] بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل. فإن لم يجد هديًا [فصيام] ثلاثة أيام في الحج [يعني] من وقت يحرم إلى يوم عرفة.
فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع. وصفة التمتع أن يحرم [بعمرة]، ثم يحل منه في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد.
ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها، ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر متى يخرج إلى الحل.
وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معًا، [ويبتدئ] بالعمرة في
следующие страницы →