ومعنا في الناسوت، له طبيعتان تامَّتان. فهو تامٌّ باللاهوت، تامٌّ بالناسوت، وهو مسيح واحد».
وثبتوا قول الثلاث مئة والثمانية عشر أُسْقُفا، وقبلوا قولهم: «بأن الابن مع الله في المكان، وأنه إله حقٌّ من إله حقٍّ».
ولعنوا أريوس وقالوا: «إن روح القدس إله»، وقالوا: «إن الأب والابن وروح القُدس واحدٌ بطبيعةٍ واحدةٍ، وأقانيم ثلاثة».
وثبَّتوا قول أهل المجمع الثالث، وقالوا:
«إن مريم العَذْراء ولدت إلهًا ربّنا يسُوع المسيح، الذي هو مع الله في الطبيعة، ومعنا في الناسوت».
وقالوا: «إن المسيح طبيعتان، وأقنومٌ واحدٌ»، ولعنوا نسطورس، وبترك الإسكندرية.
فانفضَّ هذا المجمع، وهم ما بين لاعنٍ وملعونٍ.
ثم كان لهم بعد هذا مجمع سابع في أيام أنِسْطاس الملك.
وذلك أن سورس القسطنطين جاء إلى الملك، فقال: إن أصحاب ذلك المجمع الست مئة والثلاثين قد أخطأوا، والصواب ما قاله أوطيسوس وبَترَكُ الإسكندرية، فلا تقبل ممَّن سواهما، واكتُب إلى جميع بلادك أن العنوا الست مئة والثلاثين، وأن يأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد، فأجابه الملك إلى ذلك.
فلما بلغ بَترَكَ بيت المقدس جمع الرّهبان، فلعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ومن يقول بمقالتهما، فبلغ ذلك الملك، فغضب، وبعث فنفى
стр. 1087
البَتْرَك إلى أَيْلَة، وبعث يُوحَنّا بَتْرَكًا على بيت المقدس، لأنه كان قد ضَمِن للملك أن يلعن الست مئة والثلاثين.
فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبانُ، وقالوا: إياك أن تَقبل سورس، ولكن قاتل عن الست مئة والثلاثين ونحن معك، ففعل، وخالف الملك.
فلما بلغه أرسل قائدًا وأمره أن يأخذ يُوحَنّا بلعنة أولئك، فإن لم يفعلْ أنزله عن الكرسي ونفاه، فقدِم القائدُ، وطرح يُوحَنّا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليُقِرَّ بلعنة كلّ من لعنه الرهبان.
فاجتمع الرهبانُ وكانوا عشرة آلاف راهب، فلعنوا أوطيسوس، ونَسْطُورس، وسورس، ومن لا يقبلُ من أولئك الست مئة والثلاثين.
ففزع رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك، فَهَمّ بنفي يُوحَنّا، فاجتمع الرُّهبان والأساقفة، فكتبوا إلى الملك: أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولو أُريقت دماؤهم، وسألوه أن يَكُفّ أذاه عنهم.
وكتب بَتْرَكُ رُومية إلى الملك بقُبْحِ فِعْله وبلَعْنِه، [١٥٧ أ] فانفضّ ذلك المجمع على اللعنة أيضًا.
وكان لسورس تلميذ يقال له: يعقوب البراذعي، لأنه كان يلبس من قِطع براذع الدواب، يرقّع بعضها ببعض، وإليه ينسب اليعاقبة، فأفسد أمانة القوم.
ثم هلك أنسطاس الملك، وولي بَعْدُ قسطنطين، فردَّ كلّ من كان نفاه أنسطاس إلى موضعه، وكتب إلى بيت المقدس بأمانته.
стр. 1088
فاجتمع الرهبان، وأظهروا كتابه، وفرحوا به، وأثبتوا قول الست مئة والثلاثين أسقفًا، وغلبت اليَعقوبية على الإسكندرية، وقتلوا بَتْرَكًا يقال له: بُولس، وكان مَلْكانيًا، فولى الملك إسطيانوس، فأرسل قائدًا ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البَتْرَكَة، وتقدّم وقدّس، فرمَوْه بالحجارة، حتى كادوا يقتلونه، فانصرف وتوارَى عنهم، ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه أتاه كتابٌ من الملك، وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه، فلم يبق أحد بالإسكندرية حتى حضر لسماعه، وكان قد جعل بينه وبين جنده علامةً إذا هو فعلها وضعوا السيف في الناس، فصعد المنبر، وقال: يا معشر أهل الإسكندرية! إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لم تأمنوا أن يُوجّه الملك إليكم مَنْ يَسْفك دماءكم، فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه، فأظهر العلامة، فوضعوا السيوف على مَنْ بالكنيسة، فقُتل خلقٌ لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى خاض الجند في الدّماء، وظهرت مقالة المَلْكانية بالإسكندرية.
ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن.
وذلك أن أسقف مَنْبِجَ كان يقول بالتناسخ، وأنه ليس ثمة قيامة ولا بعثٌ، وكان أُسقف الرُّها وأسقف المِصّيصة وأسقف ثالث يقولون: إن جسد المسيح خيال غير حقيقة، فحشرهم الملك إلى قسطنطينية، فقال لهم بَتركُها: إن كان جسدُهُ خيالًا فيجب أن يكون فعله خيالًا، وقوله خيالًا، وكل جسدٍ نعاينه لأحدٍ من الناس أو فعلٍ أو قول فهو كذلك.
وقال له: إن المسيح قد قام من الموتَى، وأعلمنا أنه كذلك يقومُ الناس يوم الدِّين.
стр. 1089
واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله: «إن كل من في القبور إذا سمعوا قول الله سبحانه يَحْيَون» فأوجب عليهم اللعن، وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه، واستحضر بتاركة البلاد. فاجتمع عنده مئة وأربعة وستون أسقفًا، فلعنوا أسقف مَنْبج، وأسقف المصّيصة، وثبَّتوا:
«أن جسد المسيح حقيقةٌ لا خيال، وأنه إله تامٌّ، وإنسان تام، معروفٌ بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، أقنومٌ واحدٌ، وأن الدنيا زائلة، وأن القيامة كائنة، وأن المسيح يأتي بمجد عظيم، فيدين الأحياء والأموات، كما قال الثلاث مئة والثمانية عشر الأوائل»، فتفرقوا على ذلك.
ثم كان لهم مجمعٌ تاسعٌ على عَهد معاوية بن أبى سفيان ﵁، تلاعنوا فيه.
وذلك أنه كان بروميةَ راهبٌ له تلميذان، فجاء إلى قَسْطا الوالي، فَوَبّخه على قُبح مذهبه وشناعة كُفْره، فأمر به قَسْطا، فقُطعت يداه ورجلاه، ونُزع لسانه، وفُعل بأحد التلميذين كذلك، وضُرِب الآخر بالسّياط، ونفاه، فبلغ ذلك ملك قسطنطينية، فأرسل إليه أن يوجّه إليه من أفاضل الأساقفة، ليعلم وجه هذه الشبهة، ومَنْ كان ابتدأ بها، ويعلم من يستحق اللعن.
فبعث إليه مئةً وأربعين أسقفًا، وثلاث مئة شَمّاس، فلما وصلوا إليه جمع الملك مئة وثمانية وستين أسقفًا، فصاروا مئتين واثنين وتسعين، وأسقطوا الشمامسة (١).
стр. 1090
وكان [١٥٧ ب] رئيس هذا المجمع: بَتْرَك قُسطنطينية وبترك أنطاكية، فلَعنُوا مَنْ تقدّم من القدِّيسين والبتاركة واحدًا واحدًا، فلما لعنوهم جلسوا، فلخَّصوا الأمانة، وزادوا فيها، ونقصوا، فقالوا:
«نؤمن بأن الواحد من الناسوت (١) الابنُ الوحيد، الذي هو الكلمة الأزلية، الدائم المستوي مع الأب، الإله في الجَوْهَرِ، الذي هو رَبّنا يسوع المسيح بطبيعتين تامّتين، وفعلين، ومشيئتين، في أقنومٍ واحد، ووجهٍ واحد، تامًّا بلاهوته، تامًّا بناسوته، وشهدت أن الإله الابن في آخر الأيام اتخذ من العذراء السيدة مريم القِدِّسية جسدًا إنسانًا بنفسٍ ناطقة عقلية، وذلك برحمة الله تعالى: محب البشر، ولم يلحقه اختلاط، ولا فساد، ولا فرقة، ولا فصل، ولكن هو واحد، يعملُ بما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يُشبه الإله أن يعمله في طبيعته، الذي هو الابنُ الوحيدُ، والكلمة الأزلية المتجسدة، التي صارت في الحقيقة لحمًا، كما يقول الإنجيل المقدس، من غير أن ينتقل من مَجْده الأزلي، وليست بمتغيرة، لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين: إلهيٍّ وإنسيٍّ، الذي بهما يكمل قولُ الحق، وكل واحدةٍ من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين، غير متضادتين، ولا متصارعتين، ولكن مع المشيئة الإنسية: المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء».
هذه أمانة هذا المجمع، فوضعوها ولعنوا مَنْ لعنوه، وبين المجمع الخامس الذي اجتمعَ فيه الست مئة والثلاثون، وبين هذا المجمع مائة سنة.
ثم كان لهم مجمع عاشر:
وذلك لمّا مات الملك وولي ابنُه بعدَه، واجتمع أهل المجمع السادس،
стр. 1091
وزعموا أن اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مئة وثلاثين أسقفًا، فثبّتوا قول أهل المجامع الخمسة، ولعنوا مَنْ لعنهم وخالفهم، وانصرفوا بين لاعنٍ وملعونٍ.
فهذه عشرة مجامع كبارٍ من مجامعهم مشهورة، اشتملت على أكثر من أربعة عشر ألفًا من البتاركة والأساقفة والرهبان، كلهم ما بين لاعنٍ وملعونٍ.
فهذه حال المتقدمين مع قرب زمانهم من أيّام المسيح، ووجود أخباره فيهم، والدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واهتمامهم بأمر دينهم واحتفالهم به كما ترى، وهم حيارَى تائهون، ضالُّون مضلُّون، لا يثبت لهم قَدَمٌ، ولا يستقر لهم قول في إلههم، بل كلٌّ منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرَّح بالكفر والتبرِّي ممن اتبع سواه، قد تفرقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل، وهم كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
فلو سألت أهل البيت الواحد عن دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم لأجابك الرجل بجواب، وامرأته بجواب، وابنه بجواب، والخادم بجواب! فما ظنك بمن في عصرنا هذا، وهم نُخالة الماضين، وزُبالة الغابرين، ونُفاية المتحيرين! وقد طال عليهم الأمد، وبَعُدَ عهدهم بالمسيح ودينه.
وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسَّكوا بما هم عليه، فإنهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه، ولا ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل، فتواصَى أولئك بينهم أن يتمسَّكوا بما هم عليه، وساءت ظنونهم بالرسل والكتب، ورأوا أن ما هم
стр. 1092
عليه من الآراء أقرب إلى العقول من هذا الدين، وقال لهم هؤلاء الحيارى الضلَّال: إن هذا هو الحق الذي جاء به المسيح، فتركّب من هذين الظنَّين الفاسدين إساءة الظن بالرسل، وإحسان الظن بما هم عليه.
ولهذا قال بعض ملوك الهند وقد ذُكرت له الملل الثلاث، فقال: أما النصارى فإن كان محاربوهم من أهل [١٥٨ أ] الملل يُحاربونهم بحكم شرعي، فإني أرى ذلك بحكم عقلي، وإن كُنّا لا نرى بحكم عقولنا قتالًا، ولكن أسْتَثْنِي هؤلاء القوم من بين جميع العوالم، لأنهم قصدوا مضادَّة العقل، وناصبوه العداوة، وحلُّوا ببيت الاستحالات، وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع، فشذُّوا عن جميع مناهج العالم الصالحة العقلية والشرعية، واعتقدوا كلَّ مستحيل ممكنًا، وبنوا على ذلك شريعة لا تُؤدِّي البتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إلا أنها تُصيّر العاقل إذا تشرَّع بها أخرق، والرشيد سفيهًا، والمحسن مسيئًا، لأن من كان أصل عقيدته التي جرى نَشْؤُهُ عليها الإساءة إلى الخالق، والنيل منه، ووصفه بضدّ صفاته الحسنى فأخْلِقْ به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق، مع ما بلغنا عنهم من الجهل، وضعف العقل، وقلة الحياء، وخساسة الهمة.
فهذا، وقد ظهر له من باطلهم وضلالهم غَيْض من فيض، وكانوا إذ ذاك أقرب عهدًا بالنبوة.
وقال أفلاطون رئيس سَدَنة الهياكل بمصر، وليس بأفلاطون تلميذ سُقراط، ذاك أقدم من هذا:
«لما ظهر محمد بتِهَامةَ، ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة له، رأينا أن نقصد إصطفن البابلي، لنعلم ما عنده، ونأخذ برأيه، فلما اجتمعنا على
стр. 1093
الخروج من مصر رأينا أن نصير إلى قراطيس معلِّمنا وحكيمنا لنودِّعه، فلما دخلنا عليه ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خَلَتْ منا، فغُشي عليه حينًا غَشْيَةً، ظننا أنه فارق الحياة فيها، فبكينا، فأومأ إلينا أن كُفّوا عن البكاء، فتصبّرنا جَهْدَنا حتى هَدَأ وفتح عينيه، وقال: هذا ما كنت أنهاكم عنه، وأحذِّركم منه، إنكم قوم غيّرتم فغُيِّر بكم، أطعتم جُهالًا من ملوككم، فخلطوا عليكم في الأدعية، فقصدتم البَشَر من التعظيم بما هو للخالق وحده، فكنتم في ذلك كمن أعطى القلم مَدْحَ الكاتب، وإنما حركة القلم بالكاتب».
ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذوريْنِ عظيميْنِ، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة:
أحدهما: الغلوُّ في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنِفُوا أن يكون عبدًا له.
والثاني: تَنَقُّصُ الخالق وسَبُّه، ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه ــ عن قولهم علوًّا كبيرًا ــ نزل من العرش عن كرسيِّ عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبَّط بين البول والدم والنّجْوِ، وقد عَلَتْهُ أطباق المَشِيمَة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمصّ الثدي، ولُفّ في القُمُطِ، وأُودع السرير، يبكي، ويجوع، ويعطش، ويبول، ويتغَوّط، ويُحمل على الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خَدَّيْهِ، وربطوا يديه، وبصَقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرًا بين لِصْبَيْنِ، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمَّروا يديه ورجليه، وجَرّعوه أعظم الآلام، هذا وهو الإله الحق، الذي بيده أُتْقنت العوالم، وهو
стр. 1094
المعبود المسجود له.
ولعَمْرُ الله إن هذه مَسَبّة لله سبحانه ما سبَّه بها أحد من البشر قبلهم، ولا بعدهم، كما قال تعالى فيما يحكي عنه رسوله الذي نَزَّهه ونزَّه أخاه المسيح عن هذا الباطل، الذي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، فقال: «شَتَمني ابنُ آدم، وما ينبغي له ذلك، وكذَّبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إيَّاي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما [١٥٨ ب] بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته» (١).
وقال عمر بن الخطاب (٢) رضي الله تعالى عنه في هذه الأمة (٣): أهينوهم ولا تظلموهم، فلقد سبُّوا الله مسبّةً ما سَبّه إياها أحدٌ من البشر.
стр. 1095
ولَعمْرُ الله إن عُبَّاد الأصنام مع أنهم أعداء الله على الحقيقة، وأعداء رسله ﵈، وأشدُّ الكفار كفرًا يأنفون أن يصفوا آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تعالى، وهي من الحجارة والحديد والخشب، بمثل ما وصفت به هذه الأمةُ ربَّ العالمين، وإله السماوات والأرضين، وكان الله تعالى في قلوبهم أجلَّ وأعظمَ من أن يصفوه بذلك، أو بما يقاربه، وإنما شركُ القوم أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة مُحْدَثةً، وزعموا أنها تقرِّبهم إليه، لم يجعلوا شيئًا من آلهتهم كفُوًا له، ولا نظيرًا، ولا ولدًا، ولم ينالوا من الرب تعالى ما نالت منه هذه الأمة.
وعُذْرُهم في ذلك أقبح من قولهم، فإن أصل معتقدهم: أن أرواح الأنبياء ﵈ كانت في الجحيم في سجن إبليس، من عهد آدم إلى زمن المسيح، وكان إبراهيم، وموسى، ونوح، وصالح، وهود عليهم الصلاة والسلام معذَّبين مسجونين في النار بسبب خطيئة آدم ﵇، وأكله من الشجرة، وكان كلما مات واحد من بني آدم أخذه إبليس وسجنه في النار بذنب أبيه. ثم إن الله لمَّا أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيَّل على إبليس بحيلةٍ، فنزل عن كرسي عظمته، والتحم ببطن مريم، حتى وُلد وكَبِرَ وصار رجلًا، فمكّن أعداءه اليهود من نفسه، حتى صلبوه وقتلوه وسمَّروه، وتَوّجوه بالشوك على رأسه، فخلّص أنبياءه ورسله، وفداهم بنفسه ودمه، فهراق دمه في مرضاة جميع ولد آدم، إذ كان ذنبه باقيًا في أعناق جميعهم، فخلّصهم منهُ بأن مكّن أعداءه من صَلبه وتسميره وصفعه إلا من أنكر صَلبه أو شكّ فيه، أو قال بأن الإله يَجِلّ عن ذلك، فهو في سجن إبليس معذّب حتى يُقِرّ بذلك، وأن إلهه صُلب وصُفعَ وسُمرَ!
стр. 1096
فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما يأنَفُ أسقط الناس وأقَلُّهم أن يفعله بمملوكه وعَبْدِه، وإلى ما يأنَفُ عُبّاد الأصنام أن تُنْسَبَ إليه أوثانهم (١)، وكَذّبُوا الله سبحانه في كونه تابَ على آدم ﵇ وغَفَر له خَطيئته، ونسبوه إلى أقْبَح الظلم، حيث زَعموا أنه سَجَن أنبياءَه ورُسله وأولياءه في الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السَّفَه، حيث خَلّصَهُم من العذاب بتمكينه أعداءه من نَفْسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دَمه، ونسبوه إلى غاية العَجْز حيث عَجّزوه أن يُخَلّصهم بقُدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النّقْص، حيث سَلّطَ أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا به ما فعلوا.
وبالجملة، فلا نعلم أمةً من الأمم سَبّت رَبّهَا ومعبودها وإلهها بما سَبّته به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: إنهم سبُّوا الله مَسَبّةً ما سَبّهُ إيّاها أحد من البَشَرِ.
وكان بعضُ أئمة الإسلام إذا رأى صَليبيًا أغمض عينيه عنه، وقال: لا أستطيعُ أن أملأ عيني ممن سَبّ إلهه ومعبوده بأقبح السب.
ولهذا قال عقلاء الملوك: إن جهاد هؤلاء واجب شرعًا وعقلًا، إنهم عارٌ على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع.
وأما شريعتهم ودينهم فليسوا متمسّكين بشيء من شريعة المسيح، ولا دينه البتة.
فأول ذلك: أمرُ القِبْلة، فإنهم ابتدعوا الصلاة إلى مَطْلع الشمس، مع
стр. 1097
علمهم أن المسيح ﵇ لم يُصَلّ إلى المشرق أصلًا، بل قد نَقل مُؤرّخوهم أن ذلك حَدَث بعد المسيح بنحو ثلاث مئة سنة، وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء قَبْله، وإليها كان يصلي النبي ﷺ مدّة [١٥٩ أ] مُقامه بمكة، وبعد هِجْرته ثمانية عشر شهرًا، ثم نقله الله تعالى إلى قِبْلة أبيه إبراهيم (١).
ومن ذلك: أن طوائف منهم وهم الروم وغيرهم لا يرون الاستنجاء بالماء، فيبولُ أحدُهم ويَتغوّط، ويقومُ بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة، فيستقبلُ الشرق، و يُصَلّب على وجهه، ويُحَدّثُ مَنْ يَليه بأنواع الحديث، كذبًا كان، أو فجورًا، أو غِيْبة، أو سَبًّا وشَتْمًا، ويخبره بسِعْر الخمر ولَحْم الخنزير، وما شاكل ذلك، ولا يَضُرّ ذلك في الصلاة، ولا يبطلها، وإن دعته الحاجةُ إلى البول في الصلاة بالَ وهو يصلي، ولا يضرُّ صلاته.
وكلّ عاقلٍ يعلم أن مواجهة إله العالمين بهذه العبادة قبيحٌ جدًّا، وصاحبُها إلى استحقاق غضبه وعقابه أقربُ منه إلى الرِّضا والثواب.
ومن العجيب أنهم يَقرأون في التوراة: «ملعونٌ من تعلّق بالصّليب»، وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يُلعَنون عليه، ولو كان لهم أدنى عقلٍ لكان الأولى بهم أن يُحرّقُوا الصليب حيث وجدوه، ويُكَسّروه ويُضمّخوه بالنجاسة، فإنه صُلبَ عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأُهين عليه، وفُضِح وخُزي.
стр. 1098
فيا للعجب! بأي وجه بعد هذا يستحقُّ الصليبُ التعظيم، لولا أن القوم أضلّ من الأنعام!
وتعظيمهم للصليب مما ابتدعوه في دين المسيح بعده بزمان، ولا ذِكْر له في الإنجيل البتة، وإنما ذُكر في التوراة باللَّعْنِ لمن تَعَلّق به، فاتخذته هذه الأمة معبودًا يسجدون له، وإذا اجتهد أحدُهم في اليمين، بحيث لا يحْنَثُ ولا يكذبُ، حلف بالصّليب، ويكذبُ إذا حلف بالله، ولا يكذب إذا حلف بالصليب.
ولو كان لهذه الأمة أدنى مُسْكةٍ من عقلٍ لكان ينبغي لهم أن يَلعنُوا الصليب من أجل معبودهم وإلههم حين صُلب عليه، كما قالوا: إن الأرض لُعنت من أجل آدم حين أخطأ، وكما لعنت الأرضُ حين قتل قابيلُ أخاه، وكما في الإنجيل: «إن اللعنة تنزل على الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان».
فلو عقلوا لكان ينبغي لهم أن لا يحملوا صليبًا، ولا يمسّوه بأيديهم، ولا يذكرونه بألسنتهم، وإذا ذُكر لهم سَدّوا مَسامعهم عن ذكره.
ولقد صدق القائل: عدوٌّ عاقل خيرٌ من صديق أحمق؛ لأنهم بحُمْقِهم قصدوا تعظيم المسيح، فاجتهدوا في ذَمّه وتنقُّصه، والإزراء به، والطّعْن عليه، وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم، وإغراءَهم بهم، فَنَفّروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير، وعلموا أن الدِّين لا يقوم بذلك، فوضع لهم رُهبانُهم وأساقفتهم من الحِيل والمخاريق وأنواع الشّعْبَذَة ما استمالوا به الجُهّال، وربطوهم به، وهم يَسْتجيزون ذلك، ويستحسنونه، ويقولون: إنه يَشُدّ دين النصرانية!
стр. 1099
وكأنهم إنما عظموا الصليب لما رأوه قد ثبت لصَلْبِ إلههم، ولم ينشقّ، ولم يتطاير ويتكسّر من هيبته لما حُمل عليه، وقد ذكروا أن الشمس اسوَدّت وتَغَيّر حال السماء والأرض، فلما لم يتغيّر الصليبُ ولم يتطاير استحقّ عندهم التعظيمَ وأن يُعْبَد.
ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جارٍ مَجْرى تعظيم قبور الأنبياء، فإنه كان قبر المسيح وهو عليه، ثم لمّا دُفنَ صار قبرُه في الأرض! وليس وراء هذا الحمق والجهل حُمْق، فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها [١٥٩ ب] شركٌ، بل من أعظم الشرك، وقد لَعَنَ إمام الحنفاء وخاتمُ الأنبياء ﷺ اليهود والنصارى، حيثُ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)، وأصلُ الشرك وعبادة الأوثان: من العُكوف على القبور، واتخاذها مساجد.
ثم يقال: فأنتم تعظّمون كلَّ صليب، ولا تَخُصّون التعظيمَ بذلك الصليب بعينِهِ.
فإن قلتم: الصليب من حيث هو يُذَكِّر بالصليب الذي صُلب عليه إلهنا.
قيل: وكذلك الحُفَر تذكِّر بحفرته، فعَظِّموا كلَّ حُفْرةٍ، واسجدُوا لها، لأنها كحفرته أيضًا بل أولى، لأن خشبة الصليب لم يَسْتَقِرّ عليها استقرارَه في الحفرة.
ثم يقال: اليدُ التي مَسّته أولى أن تُعَظَّم من الصليب، فعظِّموا أيدي اليهود، لمسّهِم إيّاهُ، وإمساكهم له، ثم انقُلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي.
فإن قلتم: منع من ذلك مانعُ العداوة:
стр. 1100
فعندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختار، ولو لم يرضَ به لم يَصِلُوا إليه منه، فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم، إذ فعلوا مرضاته واختياره الذي كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين والقدّيسين من الجحيم ومن سِجْنِ إبليس، فما أعظم مِنّةَ اليهود عليكم وعلى آبائكم، بل وعلى سائر النبيين، من لدن آدم ﵇ إلى زمن المسيح!
والمقصود: أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعَيْب الإله وتنقّصه، وتنقّص نبيهم وعيبه ومفارقة دينه بالكُلِّيَّة، فلم يتمسَّكوا بشيء مما كان عليه المسيح، لا في صلاتهم، ولا في صيامهم، ولا في أعيادهم، بل هم في ذلك أتباعُ كلّ ناعِق، مستجيبون لكل مُمَخْرِق ومبطِل، أدخلوا في الشريعة ما ليس منها، وتركوا ما أتت به.
وإذا شئتَ أن ترى العبر في دينهم فانظر إلى صيامهم الذي وضعوه لملوكهم وعُظمائهم، فلهم صيامٌ للحواريِّين، وصيامٌ لمارِ مريم، وصيام لمارِ جِرْجِس، وصيام للميلاد! وتركُهم أكل اللحم في صيامِهم مما أدخلوه في دين المسيح، وإلا فهم يعلمون أن المسيح ﵇ كان يأكلُ اللحم، ولم يمنعهم منه في صومٍ ولا فطرٍ.
وأصل ذلك: أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا رُوح، فلما دخلوا في النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيُقْتَلوا، فشرعوا لأنفسهم صيامًا، فصاموا للميلاد، والحواريين، ومار مريم، وتركوا في هذا الصوم أكل اللحم محافظةً على ما اعتادوه من مذهب مَانِيْ، فلما طال الزمانُ تبعهم على ذلك النّسطورية واليعقوبية، فصارت سنةً متعارفة بينهم، ثم تبعهم على ذلك الملكانية.
стр. 1101
فصل
ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم ورُهبانَهُم قد نصبوا حبائل الحِيَل ليقبضوا بها عقول العوامّ، ويتوصَّلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم وانقيادهم، واستدرار أموالهم، وذلك أشهرُ وأكثر من أن يُذْكَر.
فمن ذلك: ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور، ومحله بيت المقدس، فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم، ويأتون إلى بيتٍ فيه قنديلٌ معلّق لا نار فيه، فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم، ويبتهلون في الدعاء، فبينا هم كذلك وإذا نارٌ قد نزلت من سقف البيت، فتقع على ذبالَة القنديلِ، فيشرق ويضيء ويشتعل، فيضجُّون ضَجَّةً واحدةً، ويصلِّبون على وجوههم، ويأخذون في البكاء والشهيق.
قال أبو بكر الطُّرْطُوشي: كنتُ ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلاً يقال له: سقمان، فلما نما إليه خبرُ هذا العيد أنفذ إلى بتاركتهم، وقال: أنا نازلٌ إليكم في يوم هذا العيد لأكشف عن حقيقة ما تقولون، [١٦٠ أ] فإن كان حقًّا ولم يتضحْ لي وجه الحيلة فيه أقررتكم عليه وعظَّمته معكم بِعِلْمٍ، وإن كان مخرقةً على عوامِّكم أوقعتُ بكم ما تكرهونه، فصعُبَ ذلك عليهم جدًّا، وسألوه أن لا يفعل، فأبى وألحَّ، فحملوا له مالاً عظيمًا، فأخذه وأعرض عنهم.
قال الطرطوشي: ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية، فحدَّثني أنهم يأخذون خيطًا رقيقًا من نحاس وهو الشريط، ويجعلونه في
стр. 1102
وسط قبة البيت إلى رأس الفتيلة التي في القنديل، ويدهنونه بدهن اللبان، والبيتُ مظلمٌ، بحيث لا يدرك الناظرون الخيط النحاس، وقد عظّموا ذلك البيت، فلا يمكِّنون كلَّ أحد من دخوله، وفي رأس القبة رجلٌ، فإذا قدّسوا ودَعَوْا ألقى على ذلك الخيط شيئًا من نار النّفْط، فتجري النار مع دهن اللبان إلى آخر الخيط النحاس، فتَلْقَى الفتيلة، فتعلَّقُ بها.
فلو نصح أحدٌ منهم نفسه، وفتش على نجاته، لتتبَّع هذا القدر، وطلب الخيط النحاس، وفتش رأس القبة ليرى الرجُل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرِق الملبّس، وأنه لو نزل من السماء لظهرَ من فوق ولم يكن ظهوره من الفتيلة.
ومن حِيلهم أيضًا: أنه قد كان بأرض الروم في زمن المتوكّل كنيسةٌ، إذا كان يوم عيدها يحجّ الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثَدْيَ ذلك الصنم في ذلك اليوم يخرجُ منه اللبن، وكان يجتمع للسادِن في ذلك اليوم مالٌ عظيم، فبحث الملك عنها، فانكشف له أمرها، فوجد القَيّم قد ثَقب من وراء الحائط ثُقبًا إلى ثدي الصنم، وجعل فيها أنبوبةً من رَصاصٍ، وأصلحها بالجير ليَخْفَى أمرها، فإذا كان يومُ العيد فتحها وصبّ فيها اللبن، فيجري إلى الثدي، فيقطر منه، فيعتقد الجهال أن هذا سرٌّ في الصنم، وأنه علامة من الله تعالى لقبول قُربانهم، وتعظيمهم له، فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادِن، ومحو الصور من الكنائس، وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام، فمن سجد للصورة فهو كمن سجد للأصنام.
ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله لما فيه من الإعانة على الكفر، وتعظيم شعائره، فالمساعد على ذلك
стр. 1103
والمعين عليه شريك للفاعل، لكن لمَّا هان عليهم دينُ الإسلام، وكان السُّحت الذي يأخذونه منهم أحبَّ إليهم من الله ورسوله ﵊، أقَرّوهم على ذلك، ومكّنوهم منه.
فصل
والمقصود: أن دين الأمّة الصّليبية بعد أن بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ، بل قَبْلَه بنحو ثلاث مئة سنة، مبنيٌّ على مُعاندة العقول والشرائع، وتنقُّصِ إله العالمين ورَمْيه بالعظائم، فكل نصراني لا يأخذ بحظّه من هذه البليّة فليس بنصراني على الحقيقة.
أفليس هو الدِّين الذي أسَّسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد؟
فيا عجبًا! كيف رضي العاقل أن يكون هذا مبلغَ عقله، ومنتهى علمه؟
أتُرَى لم يكن في هذه الأمة مَنْ يَرْجِعُ إلى عقله وفطرته، ويعلم أن هذا عين المحال، وإن ضربوا له الأمثال، واستخرجوا له الأشباه، فلا يذكرون مثالًا ولا شبهًا إلا وفيه بيان خطئهم وضلالهم؟ كتشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به، باتحاد النار والحديد، وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن، وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء واختلاطه بأعضاء البدن، إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس، التي تتضمن امتزاج حقيقتين واختلاطهما، حتى صارا [١٦٠ ب] حقيقة أخرى ــ تعالى الله عن إفكهم وكذبهم.
стр. 1104
ولم يُقنعهم هذا القول في ربّ السماوات والأرض، حتى اتفقوا بأسْرهم على أن اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلًا مقهورًا، وهو يحمل خشبته التي صلبوه عليها، واليهود يبصقون في وجهه، ويضربونه، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة، حتى مات، وتركوه مصلوبًا، حتى التصق شعره بجلده، لما يبس دمه بحرارة الشمس، ثم دُفن، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهُوتيّتِه من قبره. هذا قول جميعهم، ليس فيهم من ينكر منه شيئًا.
فيا للعقول! كيف كان حال هذا العالِم الأعلى والأسفل في هذه الأيام الثلاثة؟ ومَنْ كان يُدَبّر أمر السماوات و الأرض؟ ومن الذي خَلَفَ الرب في هذه المدة؟ ومَن كان الذي يُمسك السماء أن تقع على الأرض، وهو مَدْفون في قبره؟
ويا عجبًا! هل دُفنت الكلمةُ معه بعد أن قُتِلت وصُلبت؟ أم فارقته وخذلته أحوج ما كان إلى نَصْرها له، كما خذله أبوه وقومه؟
فإن كانت قد فارقته وتَجَرّد منها فليس هو حينئذٍ المسيح، وإنما هو كغيره من آحادِ الناس. وكيف يصحّ مُفارقتها له بعد أن اتَّحَدَتْ به، ومازَجَتْ لحمه ودمه؟ وأين ذهب الاتحادُ والامتزاج؟
وإن كانت لم تفارقه، وقُتلت وصُلبت، ودُفنت معه، فكيف وصل المخلوق إلى قتل الإله، وصَلبه ودفنه؟
ويا عجبًا! أيّ قبر يسع إله السماوات والأرض؟
هذا وهو ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
فَذَاكَ المَرْكَبُ المَلْعُونُ حَقًّا ... فَدُسْهُ لا تَبُسْهُ إِذْ تَرَاهُ
يُهَانُ عَلَيْهِ رَبُّ الْخَلقِ طُرًّا ... وتَعْبُدُهُ فَإِنّكَ مِنْ عِدَاهُ
فإِنْ عَظَّمْتَهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ قَدْ ... حَوَى رَبَّ العِبَادِ وَقَدْ عَلَاهُ
وَقَدْ فُقِدَ الصَّلِيبُ فإِنْ رَأَيْنَا ... لَهُ شَكْلًا تَذَكَّرْنَا سَنَاهُ
فَهَلاّ للقُبُورِ سَجَدْتَ طُرًّا ... لِضَمِّ القبرِ رَبّكَ في حَشَاهُ
فَيَا عبد المَسيحِ أَفِقْ فَهَذَي ... بِدَايَتُهُ وَهذَا مُنْتَهاهُ
فصل
قد بانَ لكل ذي عقل أن الشيطان تلاعبَ بهذه الأمة الضّالة كلَّ التلاعُب، ودعاهم فأجابوه، واستخفهم فأطاعوه.
فتلاعب بهم في شأن المعبود .
وتلاعبَ بهم في أمر المسيح.
وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته.
وتلاعبَ بهم في تَصْوير الصّور في الكنائس وعبادتها، فلا تجدُ كنيسة من كنائسهم تَخْلُو عن صورة مريم، والمسيح، وجرجس، وبطرس، وغيرهم من القديسين عندهم، والشهداء.
وأكثرهم يسجدون للصور، ويدعونها من دون الله تعالى.
حتى لقد كتب بِطْريقُ الإسكندرية إلى ملك الروم كتابًا يحتجّ فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يُصَوِّر في قُبّة الزمان صورة الساروس، وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب، ونَصَبها داخل الهيكل.
стр. 1107
ثم قال في كتابه: وإنما مثال هذا مثال الملك يكتبُ إلى بعض عُمّاله كتابًا، فيأخذه العاملُ ويُقَبِّله ويضعهُ على عينيه، ويقومُ له، لا تعظيمًا للقِرطاس والمداد، بل تعظيمًا للملك، كذلك السجود للصور تعظيمٌ لاسم ذلك المصوّر، لا للأصباغ والألوان.
وبهذا المثال بعينه عُبِدَت الأصنام.
وما ذكره هذا المشركُ عن موسى وسليمان ﵉ لو صحَّ لم يكن فيه دليلٌ على السجود للصور، وغايتُه أن يكون بمثابة ما يُذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفِّه لئلا ينساها، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذَلّل، والخضوع، والسجود بين يدي تلك الصور؟
وإنما المثالُ المطابقُ لما يفعله هؤلاء المشركون: مثالُ خادمٍ من خُدّام الملك دخل على رَجُل قريب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يُفعل إلا مع الملك، وكلّ عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله إذ قد فعلَ مع عبد الملك ما كان ينبغي له أن يَخُصّ به الملك دون عبيده من الإكرام، والخضوع، والتذلل.
ومعلومٌ أن هذا إلى مَقْتِ الملك له، وسُقوطه من عينه أقربُ منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.
كذلك حالُ مَنْ سجد لمخلوق، أو لصورة مخلوق لأنه عَمَدَ إلى السجود الذي هو غايةُ ما يتوصل به العبدُ إلى رضا الربّ، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوّى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
стр. 1108
[١٦١ ب] وقد فطر الله سبحانه عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم، والإجلال، والخضوع، والذل الذي يُعامل به الملك، فكيف حالُ مَنْ فعل ذلك بأعداء الملك؟
فإن الشيطان عدوّ الله، والمشرك إنما يشرك به، لا بِوَليِّ الله ورسوله، بل رسول الله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، مُعَادُون لهم، أشدّ الناس مقتًا لهم، فهم في نفس الأمر إنما أشركوا بأعداء الله، وسوَّوا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم، والسجود، والذل.
ولهذا كان بُطلانُ الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح.
والمقصود ذكر تلاعب الشيطان بهذه الأمة في أصول دينهم وفروعه كتلاعبه بهم في صيامهم فإن أكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع.
فمن ذلك: أنهم زادوا جمعة في بَدْء الصوم الكبير، يصومونها لهِرقل ملك بيت المقدس.
وذلك أن الفُرس لمَّا ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس، أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلًا وفتكًا في النصارى من الفُرس، فلما سار هرقل إليه استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدًا، ففعل، فلما دخل بيت المقدس شكا إليه مَنْ فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه بهم، فقال لهم هرقل: وما تريدون مني؟ قالوا: تقتلهم، قال: كيف أقتلهم، وقد كتبت لهم عهدًا بالأمان؟ وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد، فقالوا له: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تَدْرِ ما فعلوا مِنْ قَتْل
стр. 1109
النصارى، وهَدْم الكنائس، وقَتْلُهم قُربانٌ إلى الله تعالى، ونحن نتحمَّل عنك هذا الذنب ونكفِّره عنك، ونسأل المسيح أن لا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم، نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم مادامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق، غفرانًا لما سألناك! فأجابهم، وقتل من اليهود حول بيت المقدس وجبل الخليل ما لا يُحصى كثرة.
فصيّروا أول جمعة من الصوم الذي يترك فيه المَلِكيّة أكل اللحم، يصومونها لهرقل الملك، غفرانًا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وأهل بيت المقدس (١) وأهل مصر يصومونها.
وبقية أهل الشام والروم يتركون اللحم فيها، ويصومون الأربعاء والجمعة.
وكذلك لمَّا أرادوا نقل ذلك (٢) إلى فصل الرّبيع المعتدل، وتغيير شريعة المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عِوضًا وكفارة لنقلهم له.
ومن ذلك: تلاعبه بهم في أعيادهم، وكلها موضوعة مختلقة، مُحْدَثَةٌ بآرائهم واستحسانهم.
فمن ذلك عِيدُ ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع مَن بمصر والإسكندرية يُعَيّدون له عيدًا عظيمًا، ويذبحون له الذبائح، فولَّى بَتْرَكةُ الإسكندرية واحدًا منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، فامتنعوا
стр. 1110
عليه، فاحتال عليهم، وقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضرُّ، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى، وجعلتم هذه الذبائح له، كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرًا لكم من هذا الصنم! فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وصيّره صُلبانًا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل، وسماها قيسارية، ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيّروا العيد والذبائح لميكائيل.
فنقلهم من [١٦٢ أ] كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك.
فكانوا في ذلك كمجوسيٍّ أسلم، فصار رافضيًّا، فدخل الناس عليه يهنئونه، فدخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.
ومن ذلك: عيد الصليب، وهو مما اختلقوه وابتدعوه فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذي أظهره زورًا وكذبًا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صُلب عليه إلههم وربهم.
فانظر إلى هذا السند، وهذا الخبر!
فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدًا، وسمَّوه عيد الصليب، ولو أنهم فعلوا كما فعل أشباهُهم من الرافضة، حيث اَّتخذوا وقت قتل الحسين ﵁ مأتمًا وحزنًا، لكان أقرب إلى العقول.
وكان من حديث الصليب: أنه لما صُلب المسيح على زعمهم الكاذب، وقُتل ودفن، رُفع من القبر إلى السماء، وكان التلاميذ كلَّ يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع الصلب ويصلُّون، فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليًا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مَزْبلة عظيمة، فلما كان في أيام قُسطَنطين الملك جاءت
стр. 1111
زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، فجمعت من اليهود والسكان ببيت المقدس والخليل مئة رجل، واختارت منهم عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة اسمُ أحدهم يهوذا، فسألتهم أن يدلّوها على الموضع، فامتنعوا وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جُبٍّ لا ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام، لا يُطعَمون، ولا يُسقون، فقال يهوذا لصاحبيه: إن أباه عرّفه بالموضع الذي تطلب، فصاح الاثنان، فأخرجوهما، فخبّراها بما قال يهوذا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقرّ، وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مَزْبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، إن كان في هذا الموضع، فاجعله أن يتزلزل ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه دخان، فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فظهرت المقبرة، وأصابوا ثلاثة صُلْبَانٍ، فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟ وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة، قد أُيس منه، فوُضع الصليب الأول عليه، ثم الثاني، ثم الثالث، فقام عند الثالث، واستراح من عِلّته، فعلمت أنه صليبُ المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين.
وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب: ثلاث مئةٍ وثلاث (١) وعشرون سنة.
هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في «تاريخه» (٢).
والمقصود: أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة.
стр. 1112
وبعدُ، فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني، مع انقطاعها، وظهور الكذب فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة.
ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها: أن ذلك الصليب الذي شفى العليل، كان أولى أن لا يُمِيتَ الإله (١) الرب المحيي المميت.
ومنها: أنه إذا بقي تحت التراب خشب ثلاث مئة وثلاث وعشرين سنة، فإنه يَنْخَرُ ويَبْلَى لدون هذه المدة.
فإن قال عُبّاد الصليب: إنه لما مَسّ جسم المسيح حصل له الثبات والقوة والبقاء!
قيل لهم: فما بالُ الصليبينِ الباقيينِ لم يَتَفَتَّتَا واشتبها به؟
فلعلهم يقولون: لما مَسّت صليبه مسَّها البقاء والثبات.
وجهلُ القوم وحمقهم أعظم من ذلك، والرب لما تجلّى للجبل تَدَكْدَكَ الجبل، وساخ [١٦٢ ب] في الأرض، ولم يثبت لِتَجلِّيه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال؟
ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة عارٌ على بني آدم أن يكونوا منهم.
فإن كانت هذه الحكاية صحيحةً، فما أقربها من حيل اليهود التي تخلَّصوا بها من الحبس والهلاك!
وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما لمَّا علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى يَدُلُّوها
стр. 1113
على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلَّصوا من عُقوبتها.
ومنها: أن عُبّاد الصليب يقولون: إن المسيح لما قُتل غار دمه، ولو وقع منه قَطرة على الأرض ليبستْ ولم تنبتْ.
فيا عجبًا! كيف يَحْيَا الميتُ، ويبرأ العليل بالخشبة التي شُهر عليها وصلب؟ أهذا كله من بركتها، وفرَحِها به، وهو مشدود عليها يبكي ويستغيث؟
ولقد كان الأليق أن يَتفَتّت الصليبُ ويضمحلّ لهيبة من صُلب عليه وعظمته، تُخسَف الأرض بالحاضرين عند صلبه، والمتمالئين عليه، بل تتفطّر السماوات، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هَدًّا.
ثم يقال لعُبّاد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده، أو مع اللاهوت:
فإن كان المصلوبُ هو الناسوت وحده، فقد فارقتهُ الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسدًا من الأجساد، ليس بإله، ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية البتة.
وإن قلتم: إن الصَّلب وقع على اللاهوت والناسوت معًا، فقد أقررتم بصلب الإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه، وهذا أبطلُ الباطل، وأمحلُ المحال.
فبطل تعلُّقكم بالصليب من كل وجه عقلًا وشرعًا.
وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:
стр. 1114
أحدها: صلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة، والمسيحُ بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله أن يُتقَرّب إليه بمثل هذه الصلاة! فَقَدْره أعلى، وشأنه أجلُّ من ذلك.
ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصلّ إلى المشرق أصلًا، وإنما كان يُصلّي إلى قِبلة بيت المقدس.
ومنها: تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيحُ بريء من ذلك.
فصلاةٌ مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك: كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع البتة؟
ولمَّا علمت الرّهبان والمطارنة والأساقفة أن مثل هذا الدِّين تنفرُ عنه العقول أعظم نُفْرة، شَدُّوه بالحِيَل والصُّوَر في الحيطان، بالذّهب واللازْوَرد والزّنجفر، وبالأرغُل، وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يَرُوجُ على السفهاء و ضعفاء العقول والبصائر.
وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة، والغلظة، والمكر، والكذب، والبَهت، وما عليه كثير من المسلمين من الظّلم، والفواحش، والفجور، والبِدعة، والغلوّ في المخلوق، حتى يتخذه إلهًا من دون الله، واعتقادُ كثيرٍ من الجهّال أن هؤلاء من خواصّ المسلمين وصالحيهم.
فترَكّب من هذا وأمثاله تَمَسُّكُ القوم بما هم فيه، ورُؤيتهم أنه خيرٌ من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البِدَع، والفجور، والشرك، والفواحش.
стр. 1115
ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هُم عليه، آمن أكثرهم اختيارًا وطوْعًا، وقالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء.
ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرًا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا [١٦٣ أ] أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام ممَّن يُعَظّمهم الجهال، من البدع والظلم، والفجور، والمكر، والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، فساءَ ظنهُم بالشرع وبمن جاء به.
فالله طليبُ قُطّاع طريق الله، وحسيبهم!
فهذه إشارة يسيرة جدًّا إلى تلاعُب الشيطان بعُبَّاد الصليب، تدلّ على ما بعدها، والله الهادي الموفق!
* * * *
стр. 1116
فصل
في ذكر تلاعبه بالأمة الغضبيّة وهم اليهود
قال الله تعالى في حقهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠].
وقد أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا أن يَهْدِينَا صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالّين.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون» (١).
فأوّلُ تلاعب الشيطان بهذه الأمة: في حياة نبيّهَا، وقُرب العهد بإنجائهم من فرعون، وإغراقه وإغراق قومه، فلما جاوَزُوا البحر رأوا قومًا يَعْكُفون على أصنام لهم، فقالوا: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فقال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا
стр. 1117
هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].
فأي جهلٍ فوق هذا؟ والعهد قريبٌ، وإهلاك المشركين أمامهم بِرَأيِ عيونهم، فطلبوا من موسى ﵇ أن يَجعلَ لهم إلهًا، فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، وكيف يكون الإله مجعولًا؟ فإن الإله هو الجاعلُ لكلّ ما سواه، والمجعولُ مربوبٌ مصنوعٌ، فيستحيل أن يكون إلهًا.
وما أكثر الخَلَف لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلهًا غير الله فقد اتخذ إلهًا مجعولًا!
وقد ثبت عن النبي ﷺ : أنه كان في بعض غزواته، فمرّوا بشجرة يُعَلِّق عليها المشركون أسلحتهم وشاراتهم وثيابَهم، يسمُّونها ذات أنواطٍ، فقال بعضهم: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواط! فقال: «الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]! ثم قال: «لتركبُنّ سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذّة بالقُذّة» (١).
فصل
ومن تلاعبه بهم: عبادتُهم العجلَ من دون الله تعالى، وقد شاهدوا ما حلّ بالمشركين من العقوبة، والأخذة الرابية، ونبيّهم حَيٌّ لم يمت.
هذا، وقد شاهدوا صانِعَهُ يصنعه ويصوغُه، ويُصْلِيه النارَ، ويَدُقّه بالمطرقة، ويَسْطُو عليه بالمبرد، ويُقَلّبه بيديه ظهرًا لبطن.
стр. 1118
ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يَكْتَفُوا بكونه إلهَهمْ، حتى جعلوه إله موسى، فنسبوا موسى ﵇ إلى الشرك، وعبادة غير الله تعالى، بل عبادة أبْلَدِ الحيوانات، وأقلِّها دَفعًا عن نفسه، بحيث يُضربُ به المثلُ في البلادة والذُّلِّ، فجعلوه إله كليم الرحمن.
ثم لم يكتفوا بذلك، حتى جعلوا موسى ﵇ ضالًّا مخطئًا، فقالوا: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨].
قال ابن عباس (١): أي ضَلّ وأخطأ الطريق.
وفي رواية عنه (٢): أي إن موسى ذهبَ يطلب ربه، فَضَلّ، ولم يعلم مكانه.
وعنه أيضًا (٣): نسي أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم.
وقال السُّدِّي (٤): أي ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه.
وقال قتادة (٥): أي إن موسى إنما يطلب هذا، ولكنه نَسِيَهُ وخالفه في طريق آخر.
стр. 1119
[١٦٣ ب] على هذا القول المشهور أن قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ من كلام السامريّ وعُبّاد العجل معه.
وعن ابن عباس (١) رواية أخرى: أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامري أنه نسي أي ترك ما كان عليه من الإيمان.
والصحيح: القول الأول، والسياق يدل عليه.
ولم يذكر البخاريُّ في التفسير (٢) غيره فقال: يقول: أخطأ الربّ.
فإنه لمَّا جعله إله موسى استحضر سؤالًا من بني إسرائيل يوردونه عليه، فيقولون له: إذا كان هذا إله موسى فلأي شيء ذهب عنه لموعد إلهه؟ فأجاب عن هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله: فنسي.
وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم!
فانظر إلى هؤلاء، كيف اتخذوا إلهًا مصنوعًا مَصُوغًا من جَوْهر أرضي، إنما يكون تحت التراب، محتاجًا إلى سَبْك بالنار، وتصفية وتخليص لخبثه منه، مدقوقًا بمطارق الحديد، مقلَّبًا في النار مرة بعد مَرّة، قد نُحِت بالمبارد، وأحدث الصانع صورته وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم، وجعلوه إله موسى، ونسبوه إلى الضلال، حيث ذهب يطلب إلهًا غيره؟
стр. 1120
قال محمد بن جرير (١): وكان سببُ اتخاذهم العجل: ما حدثني به عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثني إبراهيم بن بشار الرمادي، حدثنا سفيان بن عُيينة، حدثنا أبو سعيد، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَسٍ أدهم حصان، فلما هجم فرعون على البحر هابَ الحصانُ أن يقتحم في البحر، فمثَّل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان تَقَحّم خَلْفَها، قال: وعرف السامري جبريل، فقبض قَبْضة من أثر فرسه، قال: أخذ من تحت الحافر قبضة.
قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرؤها: «فَقَبَضْتُ قَبْضةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرّسُولِ».
قال عكرمة عن ابن عباس: وأُلقِي في رُوع السامري: إنك لا تلقيها على شيء، فتقول: كُنْ كذا وكذا، إلا كان، فلم تَزَل القبضةُ معه في يده، حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وغرَّق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخْلُفْنِي في قَوْمي وأصْلِحْ، ومضى موسى لَموعد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ من حلي آل فرعون قد استعاروه، فكأنهم تأثّموا منه، فأخرجوه لتنزل النارُ فتأكله، فلما جمعوه قال السامري بالقَبْضَة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه وقال: كن عِجْلًا جَسَدًا له خُوَارٌ، فصار عجلًا جسدًا له خوار، فكان يدخل الريح من دُبُره ويخرج من فيه، يُسْمَعُ له صوت، ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]، فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ
стр. 1121
فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠، ٩١].
وقال السّدي (١): لما أمر الله موسى أن يَخرج ببني إسرائيل من أرض مصر، أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحُلِيّ من القِبْطِ، فلما نَجّى الله موسى ومَنْ معه من بني إسرائيل من البحر، وأغرق آل فرعون، أتى جبريلُ إلى موسى ليذهب به إلى الله، فأقبل على فرس، فرآه السامريّ، فأنكره، ويقال: إنه فرس الحياة، فقال حين رآه: إن لهذا لشأنًا، فأخذ من تربة حافر الفرس، فانطلق موسى ﵇، واستخلف هارونَ على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلةً، فأتمَّها الله تعالى بعشر، فقال لهم هارونُ: يا بني إسرائيل! إن الغنيمة لا تَحِلّ لكم، وإن حُليّ القِبْطِ إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعًا واحفروا لها حُفْرَة، [١٦٤] فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلَّها أخذتموها، فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة، وجاء السامريّ بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلًا جسدًا له خُوارٌ، فلما رأوه قال لهم السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، يقول: ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل! ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ﴾ يقول: إنما ابتليتم بالعجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾، فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى الله يكلِّمه، فلما كلَّمه قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا
стр. 1122
قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣ ـ ٨٥]، فأخبره خبرهم، قال موسى: يا رب! هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، فالروحُ مَنْ نفخها فيه؟ قال الرب تعالى: أنا، قال: يا ربِّ! أنت إذًا أضللتهم!
وقال ابن إسحاق (١)، عن حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان السامري من قوم يعبدون البقر، فكان يحبُّ عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما ذهب موسى إلى ربه قال لهم هارون: أنتم قد حملتم أوزارًا من زينة القوم آل فرعون وأمتعةً وحُلِيًّا، فتطهَّروا منها فإنها نَجَس، وأوقد لهم نارًا، فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلي، فيقذفون به فيها، حتى إذا انكسر الحليّ فيها، ورأى السامريّ أثر فرس جبريل، فأخذ ترابًا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون: يا نبي الله! أُلقي ما في يدي؟ ولا يَظنّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من الحلي والأمتعة، فقَذَفه فيها، فقال: كُن عجلًا جسدًا له خوار، فكان البلاء والفتنة، فقال هذا إلهكم وإله موسى، فعكفوا عليه، وأحبوه حبًّا لم يحبُّوا شيئًا مثله قط، يقول الله : ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني: السامري ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩].
стр. 1123
فلما رأى هارونُ ما وقعوا فيه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠، ٩١]! فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يَفْتَتِنْ، وأقام مَن يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]، وكان له هائبًا مطيعًا.
فقال تعالى مذكرًا لبني إسرائيل بهذه القصة التي جرت لأسلافهم مع نبيهم: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١]، يعني: من بعد ذهابه إلى ربِّه، وليس المراد من بعدِ موته، ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: بعبادة غير الله تعالى لأن الشّرك أظلم الظلم، لأن المشرك وضع العبادة في غير موضعها.
فلما قَدِمَ موسى ﵇، ورأى ما أصابَ قومه من الفتنة، اشتد غضبه، وألقى الألواح عن رأسه، وفيها كلامُ الله الذي كتبه له، وأخذ برأس أخيه ولِحْيَتِهِ، ولم يَعْتبِ الله عليه في ذلك لأنه حمله عليه الغضبُ لله، وكان الله قد أعلمه بفتنة قومه، ولكن لما رأى الحال مشاهدةً حدث له غضبٌ آخر فإنه ليس الخبر كالمعاينة.
فصل
ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة في حياة نبيهم أيضًا: ما قصَّه الله تعالى في كتابه حيث يقول: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، أي عِيانًا.
стр. 1124
قال ابن جرير (١): ذَكّرهم الله سبحانه [١٦٤ ب] بذلك اختلافَ آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله ما يُثلَجُ بأقلِّها الصدورُ، وتطمئن بالتصديق معها النفوسُ، وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسُبوغ نِعَم الله تعالى لديهم، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيّهم أن يجعل لهم إلهًا غير الله، ومرة يعبدون العجلَ من دون الله، ومرة يقولون: لا نُصَدّقك حتى نرى الله جَهْرة، وأخرى يقولون له إذا دُعُوا إلى القتال: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ومرة يقال لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١] فيقولون: «حنطةفي شعرة»، ويدخلون من قِبَل أسْتاههم، ومرة يُعرض عليهم العمل بالتوراة، فيمتنعون من ذلك، حتى نَتَقَ الله تعالى عليهم الجبلَ كأنه ظُلّة، إلى غير ذلك من أفعالهم، التي آذوا بها نبيّهم، التي يكثر إحصاؤها.
فأعلم ربنا ﵎ الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل، الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ أنهم لن يَعْدُوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدًا ﷺ ، وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به، مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره: كأسلافهم وآبائهم الذين قصّ الله علينا قصصهم.
قال محمد بن إسحاق (٢): لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرّق العجل وذَرّاه في
стр. 1125
اليمِّ، اختار موسى منهم سبعين رجلًا، الخيّر فالخيّرَ، وقال: انطلقوا إلى الله ، فتوبوا إلى الله مما صنعتم، وسَلُوه التوبة على من تَرَكْتُمْ وراءكم من قومكم، فصوموا وتَطَهّرُوا، وطهِّرُوا نِيّاتكم، فخرج بهم إلى طُور سَيْناء لميقاتٍ وَقّته له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا لِلَقاء الله: يا موسى! اطلب لنا إلى رَبِّك أن نسمع كلام رَبّنا، فقال: أفعلُ، فلما دَنا موسى من الجبل وقع عليه الغَمام، حتى تغشَّى الجبلُ كلُّه، ودنا موسى، فأدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى ﵇ إذا كلّمَه رَبُّه وَقعَ على جَبهته نُورٌ ساطعٌ لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه، فضُرب دُونه بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه تعالى وهو يُكلم نبيَّه موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى ﵇: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فأخذتهم الصاعقة، فماتُوا جميعًا، وقام موسى ﵇ يُناشدُ ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
فإن قيل: فما مقصود موسى بقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؟
فقد ذُكر فيه وجوهٌ:
فقال السُّدِّي (١): لما ماتوا قام موسى يبكي، ويقول: رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارهم؟