← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فلهم هيكلٌ كبير للشمس، وهيكلٌ للقمر، وهيكلٌ للزُّهَرَة، وهيكلٌ للمُشْتري، وهيكل للمرّيخ، وهيكلٌ لعُطادر، وهيكلٌ لزُحَل وهيكلٌ للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عباداتٌ ودعواتٌ مخصوصة، ويصوِّرونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصّها، ويقرّبون لها القرابين، ولها صلواتٌ خمسٌ في اليوم والليلة، نحو صلوات المسلمين. وطوائفُ منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون في صلواتهم الكعبة، ويعظّمون مكة، ويرون الحجّ إليها، ويُحرّمون الميتة والدم ولحم الخِنزير، ويحرِّمون من القَرابات في النكاح ما يُحَرّمه المسلمون. وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلالُ بن المحسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي، وصاحب الرسائل المشهورة، وكان يصوم مع المسلمين، ويُعيِّدُ معهم، ويزَكِّي، ويُحرّم المحرمات، وكان الناس يتعجبون من موافقته للمسلمين، وليس على دينهم. وأصل دين هؤلاء فيما زعموا: أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هُمْ عليه قولًا وعملًا، ولهذا سُمُّوا صابئة أي: خارجين، فقد خرجوا عن تقيُّدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق. وكانت كفَّار قريش تُسمّي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابَه الصُّبَاةَ. يقال: صبأ الرجل بالهمز: إذا خرج من شيء إلى شيء، وصبا يصبو: إذا مال، ومنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي:

стр. 1052

أمِلْ، والمهموز والمعتل يشتركان، فالمهموز: ميل عن الشيء، والمعتل: ميلٌ إليه، واسم الفاعل من المهموز: صابئ بوزن قارئ، ومن المعتل: صابٍ بوزن قاضٍ، وجمع الأول: صابئون كقارئون، والثاني: صابُون كقاضُون، وقد قرئ بهما. والمقصود أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاءُ منهم: شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون: شاركوا عُبَّاد الأصنام، ورأوا أنهم على صواب. وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون بزعمهم محاسنَ ما دلَّت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرِّمه، وسفهاؤهم وسِفْلتهم يمنعون ذلك، كما سيأتي ذكرُ تلاعب الشيطان بهم بعد هذا. ولهذا لم يكن هؤلاء ولا الصابئة من الأمم المستقلّة التي لها كتاب ونبيٌّ، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل. فما مِن أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجَّته، وقطع عنها حجّتها: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وتكون حجته عليهم. والمقصود أن الصابئة فِرَقٌ: فصابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنِّحَلِ من غير تقيد بملَّة ولا نِحْلَة. ثم منهم من يُقِرّ بالنبوَّات جملةً ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقرّ بها جملة وتفصيلًا، ومنهم من ينكرها [١٤٩ ب] جملة وتفصيلًا.

стр. 1053

وهم يقرّون أن للعالم صانعًا، فاطرًا، حكيمًا، مقدَّسًا عن العيوب والنقائص. ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسُّطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيُّون المقرَّبون المقدَّسون عن المواد الجِسْمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جُبلوا على الطهارة، فنحن نتقرّب إليهم، ونتقرّب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زُلْفَى، فالواجب علينا أن نُطَهّر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذِّب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذٍ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونَصْبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم. وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرُّع والابتهال بالدعوات، من الصلوات، والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات، والعزائم، فحينئذٍ يحصل لنفوسنا استعدادٌ واستمدادٌ من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المَعْدِن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا، يريدون أن يتفضلوا علينا. وزادت الاتحادية أتباع ابن عربي، وابن سِبعين، والعفيف التِّلمساني،

стр. 1054

وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربي: أن الولي أعلى درجة من الرسول، لأنه يأخذ من المَعْدِنِ الذي يأخذ منه المَلَكُ الذي يوحي إلى الرسول، فهو أعلى منه بدرجتين. فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى في التلقِّي من الرسل بدرجتين، وإخوانُهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقِّي بمنزلة الأنبياء، ولم يدّعوا أنهم فوقهم. والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: عبادةُ الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعبدُ من دونه من إله. والثاني: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله تصديقًا وإقراراً، وانقيادًا وامتثالًا. وليس هذا مختصًّا بمشركي الصابئة، كما غلط فيه كثيرٌ من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب العُلْوِيّات، ولذلك ناظرَهُمْ إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه في بُطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرةٍ وأبْيَنَهَا، ظهرت فيها حُجّته، ودَحضَت حجتهم، فقال بعد أن بَيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفُولها، وأن الإله لا يليقُ به أن يغيب ويأفُل، بل لا يكونُ إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضّرّ والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويَهْدِيه، ويُرْشِدُهُ، ويدفع عنه كل ما يضُرّه ويؤذيه، وذلك ليس إلا الله وحده، فكل معبودٍ سواه باطلٌ.

стр. 1055

فلما رأى إمامُ الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة، صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومَحالِّها، التي هي [١٥٠ أ] مفتقرة إليها، ولا قِوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبِّرها ويَرُبُّها، والمحتاج المخلوق المربوب المدبَّر لا يكون إلهًا، فحاجّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجَّته داحضة، فقال إبراهيم ﵇: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾؟ وهذا من أحسن الكلام، أي: أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتُشكّكوني فيه، وقد أرشدني وبيّن لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبيّن لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة. فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به، وقد هداني إلى الحق وسبيل الرشاد؟ فالمحاجَّة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إيّاي في الإله الحق الذي كلّ معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك! فخَوَّفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوِّفُ المشركُ الموحدَ بإلهه الذي يَأْلَهُهُ مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾، فإن آلهتكم أقلّ وأحقر من أن تَضُرَّ مَنْ كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد

стр. 1056

الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يُخاف ويُرجَى، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، وهذا استثناء منقطع، والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئًا نالني وأصابني، لا آلهتُكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئًا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وَسع كل شيءٍ علمًا، فمن أولى بأن يُخاف ويعبد؟ هو سبحانه أم هي؟ ثم قال: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]، فتعلمون بطلان ما أنتم عليه من إشراك مَنْ لا مشيئة له ولا يعلم شيئًا، ممن له المشيئة التامة والعلم التامُّ؟ ثم قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]؟ وهذا من أحسن قَلْبِ الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالَّةً على فساد قوله، وبطلان مذهبه، فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم يُنزل الله عليهم سلطانًا بعبادتها، وقد تبيّن بطلانُ إلهيتها ومضرّة عبادتها، ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهةً أخرى؟ فأيّ الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين أم فريق المشركين؟ فَحَكَم الله سبحانه بين الفريقين بالحُكْم العدل، الذي لا حكم أصحّ منه، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

стр. 1057

ولمَّا نزلت هذه الآية شقّ أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال: «إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؟». فحكمَ سبحانه للموحِّدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضدّ ذلك، وهو الضلال والخوف. ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْمٍ (١): وكان الذي ينتحلُه الصابئون أقدمَ الأديان على وجْه الدّهْر، والغالبَ على الدنيا، إلى أن أحْدَثوا الحوادث، وبدّلوا شرائعه، فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتَصْحيح ما أفسدوه، وبالحنيفيّة السَّمْحَة التي أتانا بها محمدٌ رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، وكانوا في ذلك الزمان وبَعْدَه يُسَمَّون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حُنفاء، وبينهم مناظرات [١٥٠ ب]. وقد حكى الشّهْرِسْتَانيّ بعض مناظراتهم في كتابه (٢). * * * *

стр. 1058

فصل في ذِكْرِ تلاعُبه بالدّهْرِيّةِ وهؤلاء قوم عَطّلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاهُ الله سبحانه عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وهؤلاء فرقتان: فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لمَّا خلق الأفلاك مُتَحرّكةً أعظم حركةٍ، دارت عليه فأحْرَقتْهُ، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكوَّنت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها، لا من شيء آخر. وقالوا: إن العالم دائم لم يَزل ولا يزالُ، لا يتغيَّر، ولا يضمحلُّ، ولا يجوز أن يكون المُبْدع يفعل فعلًا يبطلُ ويضمحلّ إلا وهو يبطلُ ويضمحلّ مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه. وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سَرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة، على اختلاف آرائهم وتباينهم في التعطيل، كما سرى داءُ الشرك تأصيلًا وتفصيلًا في سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه، وكما سرى جَحْدُ النبوات تأصيلًا وتفصيلًا في سائر مَنْ جحد النبوة أو صفة من صفاتها، وأقرّ بها جملة وجحد مقصودها وزُبدتها أو بعضه.

стр. 1059

فهذه الفرق الثلاث سَرَى داؤها وبلاؤها في الناس، ولم ينجُ منه إلا أتباع الرسول العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسِّكون به دون ما سواه، ظاهرًا وباطنًا. فداءُ التعطيل، وداء الإشراك، وداءُ مخالفة الرسول، وجحد ما جاءَ به أو شيء منه: هي أصل بلاء العالم، ومنبع كل شرٍّ، وأساس كل باطل، فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتقٌّ من هذه الأصول الثلاثة، أو من بعضها: فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أظُنُّكَ نَاجِيا (١) فصل فَسَرَتْ هذه البلايا الثلاثة في كثير من طوائف الفلاسفة، لا في جميعهم، فإن الفلسفة من حيث هي لا تُعطي ذلك، فإن معناها: محبةُ الحِكْمَة، والفيلسوف أصله: فِيْلاسوفا، أي: محب الحكمة، فـ (فيلا) هي الحبّ، و (سُوفا) هي الحكمة. والحكمة نوعان: قولية وفعلية، فالقولية: قول الحقّ، والفعلية: فعل الصواب، وكل طائفةٍ من الطوائف لهم حكمة يتقيّدُون بها. وأصحّ الطوائف حكمةً: من كانت حِكمتُهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن الله تعالى.

стр. 1060

قال تعالى عن نبيه داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وقال عن المسيح ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. وقال عن يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، والحُكم هو الحكمة. وقال لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال لأهل بيت رسوله ﷺ : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. ف الحكمة التي جاءت بها الرسُلُ هي الحكمةُ الحقّ، المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح، للهُدَى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهذه الحكمة فَرّقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمدٍ ﷺ ، كما جمع له من المحاسن ما فَرّقَه في الأنبياء قبله، وجمعَ في كتابه من العلوم والأعمال ما فَرّقه في الكُتُب قبله، فلو جُمِعت كلّ حكمةٍ صحيحةٍ في العالم من كلّ طائفةٍ، لكانت في الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزءًا يسيرًا [١٥١ أ] جدًّا، لا يُدْركُ البشر نسبته.

стр. 1061

والمقصود أن الفلاسفة اسم جنسٍ لمن يُحِبُّ الحكمة ويُؤْثِرُها. وقد صار هذا الاسم في عُرف كثير من الناس مختصًّا بمن خَرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه. وأخصّ من ذلك: أنه في عُرف المتأخرين اسمٌ لأتباع أرسطو، وهم المشّاءون خاصّة، وهم الذين هذّب ابنُ سينا طريقتهم، وبسَّطها، وقَرّرها، وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين. وهؤلاء فرقةٌ شاذّة من فرق الفلاسفة، ومقالتهم واحدةٌ من مقالات القوم، حتى قيل: إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير أرسطو وشيعته، فهو أول من عُرف أنه قال بقدم هذا العالم. والأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه، وإثبات الصانع، ومُباينته للعالم، وأنه فوق العالم، وفوق السَّماوات بذاته، كما حكاه عنهم أعلم الناس في زمنه بمقالاتهم: أبو الوليد بن رُشد في كتابه «مناهج الأدلة» (١)، فقال فيه: «القولُ في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يُثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله»، إلى أن قال: «والشرائع كلها مبنيَّةٌ على أن الله سبحانه في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السَّماوات نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ ، حتى قَرُبَ من سدرَة المُنتهى، وجميع الحكماء اتفقوا

стр. 1062

على أن الله سبحانه والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك». ثم ذكر تقرير ذلك بالمعقول، وبَيّن بُطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهميّة ومَن وافقهم، إلى أن قال: «فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجبٌ بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع، وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطالٌ للشرائع». فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم الذي هو أعرف بالفلسفة من ابن سينا وأضرابه: إجماع الحكماء على أن الله سبحانه في السماء فوق العالم. والمطفّفون في حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك: إما جهلًا، وإما عمدًا، وأكثرُ من رأيناه يحكي مذاهب الناس ومقالاتهم مطفِّفٌ. وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال، وحدوث العالم، وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه، كما ذكره فيلسوف الإسلام في وقته: أبو البركات البَغدادي، وقررّه غاية التقرير، وقال: «لا يستقيم كونُ الرب سبحانه ربّ العالمين إلا بذلك، وأن نفي هذه المسألة ينفي ربوبيته»، قال: «والإجلال من هذا الإجلال، والتنزيه من هذا التنزيه: أولى». فصل وكذلك كان أساطينهم ومُتَقدّموهم العارفون فيهم مُعظِّمين للرسل والشرائع، موجبين لاتّباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بأن ما جاءوا به

стр. 1063

طَوْرٌ آخر وراء طَوْرِ العقل، وأن عقول الرّسل وحِكمتهم فوق عُقول العالمين وحكمتهم. وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات، ويُسْلِمون باب الكلام فيها إلى الرُّسل، ويقولون: علومُنا إنما هي الرياضيات والطبيعيات وتوابعها، وكانوا يُقِرُّون بحدوث العالم. وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عُرف عنه القولُ بقدم هذا العالم: أرسطو، وكان [١٥١ ب] مُشركًا يعبد الأصنام، وله في الإلهيّات كلامٌ كله خطأ من أوله إلى آخره، قد تَعقبّه بالردّ عليه طوائف المسلمين، حتى الجهميّةُ، والمعتزلة، والقدرية، والرافضة، وفلاسفة الإسلام، أنكروه عليه، وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء. وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئًا من الموجوادت، وقَرّر ذلك بأنه لو علم شيئًا لكَمَلَ بمعلوماته، ولم يكن كاملًا في نفسه، وبأنّه كان يَلحقه التعب والكَلالُ من تصور المعلومات. فهذا غاية عقل هذا المعلم الأستاذ. وقد حكى ذلك أبو البركات، وبالغ في إبطال هذه الحجج وردِّها. فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفرُ بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ودَرج على أثره أتباعُهُ من الملاحدة، ممن يتستّر باتِّباع الرسل، وهو مُنْحَلٌّ من كلّ ما جاءوا به. وأتباعه يعظِّمونه فوق ما يعظِّم به الأنبياء، ويرون عَرْضَ ما جاءت به الرسل والأنبياء على كلامه، فما وافقه منها قبلوه، وما خالفه لم يَعْبأُوا به شيئًا.

стр. 1064

ويسمُّونه المعلم الأول، لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية، كما أن الخليل بن أحمد أول من وضع عَروض الشعر. وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني، كما أن العروض ميزان الشعر. وقد بيّن نُظّار الإسلام فساد هذا الميزان وعِوجَهُ، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنفوا في ردِّه وتهافته كثيرًا. وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ألّف في رده وإبطاله كتابين كبيرًا وصغيرًا (١)، بيّن فيه تناقضه وتهافته، وفساد كثير من أوضاعه. ورأيت فيه تصنيفًا لأبى سعيد السِّيرافي (٢). والمقصود أن الملاحدة درجت على أثَرِ هذا المعلم الأول، حتى انتهت نَوْبَتُهُم إلى معلمهم الثاني أبي نصر الفارابي، فوضع لهم التعاليم الصّوتية، كما أن المعلِّم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية، ثم وسّع الفارابي الكلام في صناعة المنطِق، وبسَّطها، وشرح فلسفة أرسطو وهذّبها، وبالغ في ذلك، وكان على طريقة سلفه: من الكفر بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف في الحقيقة،

стр. 1065

وإذا رأوه مؤمنًا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، ولقائه (١)، متقيِّدًا بشريعة الإسلام، نسبوه إلى الجهل والغباوة، فإن كان ممن لا يشكُّون في فضيلته ومعرفته، نسبوه إلى التلبيس والتنميس بناموس الدِّين، استمالةً لقلوب العوامِّ. فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة أو شرط. ولعلّ الجاهل يقول: إنا تحامَلْنا عليهم في نسبة الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله إليهم، وليس هذا من جهله بمقالات القوم، وجهله بحقائق الإسلام ببعيد. فاعلم أن الله ــ سبحانه وتعالى عما يقولون ــ عندهم كما قرّره أفضلُ متأخِّريهم ولسانهم وقدوتهم الذي يقدِّمونه على الرسل أبو علي بن سينا هو: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وليس له عنده صفة ثبوتية تقوم به، ولا يفعل شيئًا باختياره البتة، ولا يعلم شيئَا من الموجوادت أصلًا، لا يعلم عدد الأفلاك، ولا شيئًا من المغَيَّبات، ولا له كلامٌ يقوم به، ولا صفةٌ. ومعلوم أن هذا إنما هو خيالٌ مقدَّر في الذهن، لا حقيقة له، وإنما غايَتُهُ أن يفرضه الذّهن ويقَدّره، كما يفرض الأشياء المقدّرة، [١٥٢ أ] وهذا ليس هو الربّ الذي دعت إليه الرُّسل وعرفته الأمم، بل بين هذا الرب الذي دعت إليه الملاحدة وجرّدته عن الماهيّة، وعن كل صفة ثُبوتية، وكل فعلٍ اختياريٍّ، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا مباين له، ولا فوقه ولا تحته، ولا أمامه ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن شماله، وبين ربّ العالمين وإله المرسلين من الفَرق ما بين الوجود والعدم والنفي والإثبات.

стр. 1066

فأيّ موجودٍ فُرِض كان أكملَ من هذا الإله الذي دعت إليه الملاحدة، ونَحتَتْه أفكارهم، بل منحوت الأيدي من الأصنام له وجودٌ، وهذا الرب ليس له وجودٌ، ويستحيل وجوده إلا في الذهن. هذا، وقول هؤلاء الملاحدة أصلحُ من قول مُعلّمهم الأول أرسطو، فإن هؤلاء أثبتوا وجودًا واجبًا، ووجودًا ممكنًا هو معلولٌ له وصادرٌ عن صدور المعلول عن العلة، وأما أرسطو فلم يُثبته إلا من جهة كونه مبدأً عقليًا للكثرة، وعِلَّةً غائيةً لحركة الفلك فقط، وصرَّح بأنه لا يعقل شيئًا، ولا يفعل باختياره. وأما هذا الذي يوجد في كتب المتأخرين من حكاية مذهبه، فإنما هو من وَضع ابن سينا، فإنه قَرّب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجَهْده، وغايةُ ما أمكنه أنْ قرّبه من أقوال الجهمية الغالين في التّجهُّم، فهم في غُلوِّهم وفي تعطيلهم ونفيهم أسدُّ مذهبًا، وأصحُّ قولًا من هؤلاء. فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله . وأما الإيمان بالملائكة: فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم، وإنما الملائكة عندهم ما يَتصوَّره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانية، هي العقول عندهم، وهي مجرّدات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السماوات، ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبّر شيئًا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس، ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تَصُفّ عند ربها، ولا تصلِّي، ولا لها تصرُّف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.

стр. 1067

وربما تقرّب بعضُهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القُوى الخيّرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشرِّيرة الرديئة. هذا إذا تقرّبوا إلى الإسلام وإلى الرسل. وأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئًا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرّب منهم إلى المسلمين يقول: الكتب المنزلة: فَيْضٌ فاضَ من العقل الفَعّال على النفس المستعدِّة الفاضلة الزكيّة، فتصوَّرت تلك المعاني، وتشكَّلت في نفسه، بحيث توهمها أصواتًا تُخاطبه، وربما قَوِيَ الوهم حتى يراها أشكالًا نورانية تُخاطبه، وربما قوي ذلك، حتى يُخَيّلها لبعض الحاضرين، فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج. وأما الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فللنبوّة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبيّ: أحدها: قوة الحَدْس، بحيث يُدرك الحد الأوسط بسرعة. الثانية: قوة التخيُّل والتخييل، بحيث يتخيل في نفسه أشكالًا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيِّلها إلى غيره. الثالثة: قوة التأثير بالتصرّف في هَيُولَى العالم، وهذا يكون عندهم بتجرُّد النفس عن العلائق، واتصالها [١٥٢ ب] بالمفارقات من العقول والنفوس المجردة. وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب، ولهذا طلب النبوة مَن تصوّف

стр. 1068

على مذهب هؤلاء: ابن سَبْعِين، وابن هُود، وأضرابهما. والنبوة عند هؤلاء صنعةٌ من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هي سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة نُبُوّةُ الخاصة، والنبوة فلسفة العامة. وأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يُقرُّون بانفطار السماوات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يُقرُّون بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه. فلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزّلت بالوحي من الله تعالى. فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء. وحَسْبك جهلًا بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لَحِقَه الكَلُّ والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانًا وضلالًا وعمًى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول. وحسبك عجبًا من جهلهم وضلالهم: ما قالوه في سلسلة الموجودات، وصدور العالم عن العقول والنفوس، إلى أن أَنْهَوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة، لا علم له بما صدر عنه، ولا قدرة له عليه، ولا إرادة، وأنه لم يصدر عنه إلا واحد. فذلك الصادر إن كان فيه كثرة بوجه ما فقد بطل ما أصَّلوه، وإن لم يكن فيه كثرة البتة لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد مثله.

стр. 1069

وتكثُّر الموجودات وتعدّدها يكذِّب هذا الرأي الذي هو ضحكةٌ للعقلاء، وسُخْرِيَةٌ لأولي الألباب. مع أن هذا كله من تخليط ابن سينا، وأراد به تقريب هذا المذهب من الشرائع، وهيهات! وإلا فالمعلم الأول لم يُثبت صانعًا للعالم البتة. فالرجل معطّل، مُشرك، جاحد للنبوات والمعاد، ولا مبدأ عنده، ولا معاد، ولا رسول، ولا كتاب. والرازي وفروخه لا يعرفون مذهب الفلاسفة غير طريقه. ومذاهبهم وآراؤهم كثيرة جدًا، قد حكاه أصحاب المقالات، كالأشعري في «مقالاته» الكبيرة، وأبى عيسى الورّاق، والحسن بن موسى النَّوبَخْتِيِّ. وأبو الوليد بن رشد يحكي مذهب أرسطو غير ما حكاه ابنُ سينا، ويُغَلّطه في كثيرٍ من المواضع، وكذلك أبو البركات البغدادي يحكي نفس كلامه على غير ما يحكيه ابن سينا. فصل والفلاسفة لا تختصُّ بأمةٍ من الأمم، بل هم موجودون في سائر الأمم، وإن كان المعروف عند الناس الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم هم فلاسفة اليونان ، فهم طائفة من طوائف الفلاسفة، وهؤلاء أمة من الأمم، لهم مملكة وملوك، وعلماؤهم فلاسفتهم. ومن ملوكهم: الإسكندر المقدوني، وهو ابن فِيلِبُّس، وليس هو بالإسكندر ذي القرنين الذي قصّ الله تعالى نبأه في القرآن، بل بينهما قرونٌ

стр. 1070

كثيرةٌ، وبينهما في الدِّين أعظم تَباين. فذُو القرنين كان رجلًا صالحًا موحِّدًا لله تعالى، يؤمن بالله تعالى وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكان يغزو عُبّاد الأصنام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبني السّدّ بين الناس وبين يأجوج و مأجوج. وأما هذا المقدوني فكان مُشركًا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته، وكان بينه وبين المسيح نحو ألف سنة وست مئة سنة، والنصارى تؤرّخ [١٥٣ أ] له، وكان أرسطاطاليسُ وزيره، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وهو الذي غزا دارا بن دارا ملك الفرس في عُقر داره، ففَلَّ عرشه، ومَزّق مُلكه، وفرّق جمعه، ثم دخل إلى الصين، والهند، وبلاد الترك، فقتل وسبى. وكان لليونانيين في دولته عِزٌّ وسَطوة بسبب وزيره أرسطو، فإنه كان مُشيره ووزيره، ومُدبِّر مملكته. وكان بعده لليونان عدة ملوك يُعْرَفون بالبطالمة، واحدهم بَطْلِيْمُوس، كما إن كسرى: ملكُ الفرس، وقيصر: ملك الروم. ثم غلبهم الروم، واستولوا على ممالكهم، فصاروا رَعيّةً لهم، وانقرضَ مُلكهم، فصارت المملكة للروم، وصارت المملكة واحدة، وهم على شركهم من عبادة الأصنام، وهو دينهم الظاهر (١) ودين آبائهم، فنشأ فيهم سُقراط أحد تلامذة فِيثاغُورس، وكان من عُبّادهم ومُتألّهيهم، وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام، وقابَل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بُطلان عبادتها، فثار عليه العامَّة، واضطرُّوا الملك إلى قَتله، فأودعه السجن ليكُفّهم

стр. 1071

عنه، ثم لم يرضَ المشركون إلا بقتله، فسقاه السُّم خوفًا من شرهم، بعد مناظراتٍ طويلة جرت له معهم. ومذهبه في الصفات قريب من مذهب أهل الإثبات، فقال: «إنه إله كل شيء، وخالقه، ومقدّره، وهو عزيز أي منيع ممتنع أن يُضام، وحكيم أي مُحكم أفعاله على النظام». وقال: «إن علمه، وقدرته، ووجوده، وحكمته: بلا نهاية، لا يبلغ العقل أن يصفها». وقال: «إن تناهي المخلوقات بحسب احتمال القوابل، لا بحسب الحكمة والقدرة، فلما كانت المادة لا تحتمل صُوَرًا بلا نهاية تناهت الصور، لا من جهة بُخلٍ في الواهب، بل لقصور في المادة». قال: «وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها (١) وإن تناهت ذاتًا وصورةً وحيِّزًا ومكانًا، إلا أنها لا تتناهى زمانًا في آخرها، لا من نحو أوّلها، فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص باستبقاء الأنواع، وذلك بتجدُّد أمثالها، ليُحفظ الأشخاص ببقاء الأنواع، ويُستبقى الأنواع بتجدد الأشخاص، فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية، ولا الحكمة تقف على غاية». ومن مذهبه: أن أخصّ ما يوصف به الرب سبحانه هو كونه حَيًّا قيومًا، لأن العلم، والقدرة، والجود، والحكمة: تندرج تحت كونه حيًّا قيومًا، فهما صفتان جامعتان للكُلِّ. وكان يقول: «هو حي ناطق من جوهره، أي من ذاته، وحياتنا ونطقنا

стр. 1072

وحياتنا لا من جوهرنا، ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد، ولا يتطرق ذلك إلى حياته ونطقه». وكلامه في المعاد والصفات والمبدأ أقربُ إلى كلام الأنبياء من كلام غيره. وبالجملة، فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولهذا قتله قومه. وكان يقول: «إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهواتُ العقولَ، وإذا أدبرت خدمت العقولُ الشهواتِ». وقال: «لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». وقال: «ينبغي أن نغتمّ بالحياة ونفرح بالموت، لأن الإنسان يحيا ليموت، ثم يموت ليحيا». وقال: «قلوب المغرقين (١) في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة، وقلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشياطين». وقال: «للحياة حَدَّان، أحدهما: الأمل، والآخر: الأجل، فبالأول بقاؤها، وبالآخر فناؤها» [١٥٣ ب]. وكذلك أفلاطون كان معروفًا بالتوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وإثبات حدوث العالم، وكان تلميذ سُقراط، ولما هلك سقراط قام مقامه، وجلس على كُرْسِيِّه.

стр. 1073

وكان يقول: «إن للعالم صانعًا مُحْدِثًا، مُبْدِعًا أزليًا، واجبًا بذاته، عالمًا بجميع المعلومات». قال: «وليس في الوجود رسم ولا طَلَل إلا ومثاله عند الباري». يشير إلى وجود صور المعلومات في علمه. فهو مُثبتٌ للصفات، وحدوث العالم، ومُنْكِرٌ لعبادة الأصنام، ولكن لم يواجِه قومَهُ بالردِّ عليهم وعَيْبِ آلهتهم، فسكتوا عنه، وكانوا يعرفون له فضله وعلمه. وصرَّح أفلاطون بحدوث العالم، كما كان عليه الأساطين، وحكى ذلك عنه تلميذه أرسطو، وخالفه فيه، فزعم أنه قديم، وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة من المنتسبين إلى الملل وغيرهم، حتى انتهت النوبة إلى أبي علي ابن سينا، فرام بجهده تقريب هذا الرأي من قول أهل الملل، وهيهات اتفاق النقيضين، واجتماع الضدين! فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل في طرف، وهؤلاء القوم في طرف. وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية، الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا ربٍّ خالق، ولا رسولٍ مبعوث جاء من عند الله تعالى. وكان هؤلاء زنادقة يتستَّرون بالرَّفْض، ويُبْطِنُون الإلحاد المَحْض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول ﷺ وهو وأهل بيته برآءُ منهم نسبًا ودينًا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويَدَعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يُحرِّمون حرامًا، ولا يُحِلُّون حلالًا، وفي زمنهم ولخواصِّهم وُضِعَتْ «رسائل إخوان الصفا».

стр. 1074

ولما انتهت النوبة إلى نَصِير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النّصير الطُّوسي، وزير هُولاكو شفَى نفسَه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعَرَضَهم على السّيف، حتى شفَى إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقُضَاة والفُقهاء والمحدّثين، واستَبْقَى الفلاسفة والمنجِّمين والطبائعيين والسّحَرة، ونقلَ أوقافَ المدارس والمساجد والرُّبُطِ إليهم، وجعلهم خاصّته وأولياءه، ونصرَ في كُتبه قِدَم العالَم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ ، من علمه، وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد البتة. و اتخذ للملاحدة مدارسَ، ورامَ جَعْلَ «إشارات» إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن ، فلم يَقْدِرْ على ذلك، فقال: «هي قرآنُ الخواصّ، وذاك قرآنُ العوامّ»، ورَامَ تغيير الصلاة، وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر، وتَعلّم السحر في آخر الأمر، فكان ساحرًا يعبد الأصنام. وصارعهُ محمدٌ الشهرستاني في كتاب سماه «المُصَارعة»، أبطلَ فيه قوله بقدَمِ العالَم وإنكار المعاد، ونفي علم الرب تعالى وقدرته، وخلقه للعالَم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه «مُصارعة المصارع (١)» ــ ووقفنا على الكتابين ــ نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض في ستة [١٥٤ أ] أيام، وأنه لا يعلم شيئًا، وأنه لا يفعلُ بقدرته واختياره، ولا يبعثُ مَنْ في القبور. وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

стр. 1075

والفلسفة التي يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم: هي مأخوذة عنه وعن إمامه ابن سينا، وبعضُها عن أبي نصر الفارابي، وشيءٌ يَسِيرٌ منها من كلام أرسطو، وهو مع قلته وغَثاتته ورَكَاكة ألفاظه كثير التطويل، لا فائدة فيه. وخيارُ ما عند هؤلاء: فالذي عند مشركي العرب من كُفار قريشٍ وغيرهم خير منه، فإنهم يدأبون حتى يُثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نعت، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السماوات والأرض بعد عدمهما، ولا له قُدرةٌ على فعلٍ، ولا يعلم شيئًا. وعُبّاد الأصنام كانوا يثبتون ربًّا خالقًا، مُبدعًا، عالمًا، قادرًا، حَيًّا، يشركون به في العبادة. فنهاية أمر هؤلاء: الوصولُ إلى شيء بَرّزَ عليهم فيه عُبّاد الأصنام. وهم فِرق شَتّى لا يُحصيهم إلا الله . وأحصى المعتنون بمقالاتِ الناس منهم اثنتي عشرة فِرقةً، كلُّ فرقة منها مختلفة اختلافًا كثيرًا. فمنهم: أصحاب الرّواق، وأصحاب الظُّلَّة، والمشاءون، وهم شيعة أرسطو، وفلسفتهم هي الدائرة اليوم بين الناس، وهي التي يحكيها ابن سينا، والفارابي، وابن الخطيب، وغيرهم. ومنهم: الفيثاغورية، والأفلاطونية. ولا تكاد تجدُ منهم اثنين متفقين على رأي واحد، بل قد تلاعبَ بهم الشيطانُ كتلاعب الصبيان بالكُرة، ومقالاتُهم أكثر من أن نذكرها على التفصيل. وبالجملة، فملاحدَتُهم هم أهل التعطيل المحض، فإنهم عَطّلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطَّلوا الصانع عن صفات كماله،

стр. 1076

وعطلوا العالَم عن الحق الذي خلقَه له ربه، فعطَّلوه عن مبدئه ومعاده، وعن فاعله وغايته. ثم سرى هذا الداءُ منهم في الأمم، وفي فرق المعطلة: فكان منهم إمام المعطّلين: فرعون، فإنه أخرج التعطيل إلى العمل، فصرَّح به، وأذّن به بين قومه، ودعا إليه، وأنكر أن يكون إلهٌ غيره، وأنكر أن يكون الله تعالى فوق سماواته على عرشه، وأن يكون كلّم عبده موسى تكليمًا، وكذّبَ موسى في ذلك، وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحًا ليطّلع بزعمه إلى إله موسى ﵇، وكذّبه في ذلك. فاقتدى به كلُّ جهميٍّ مكذّب أن يكون الله مُكَلّمًا متكلمًا، أو أن يكون فوق سماواته على عرشه، بائنًا من خلقه، ودَرَج قومه وأصحابه على ذلك، حتى أهلكهم الله تعالى بالغرق، وجعلهم عِبْرَةً لعباده المؤمنين، ونكالًا لأعدائه المعطلين. ثم استمر الأمر على عهد نبوّة موسى كليم الرحمن على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن تُوفي موسى ﵇، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيلُ رأسه بينهم، وأقبلوا على علوم المعطلة أعداءِ موسى ﵇، وقدّموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم مَنْ أزال مُلكهم، وشرّدهم من أوطانهم، وسبى ذراريَّهُم، كما هي عادته سبحانه وسُنّتُه في عباده إذا أعرضوا عن الوَحْي، وتعوّضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم. كما سَلّط النصارى على بلاد العرب لمّا ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغلوا بها، فاستولت النصارى على أكثر بلادهم، وأصاروهم رعيَّة لهم.

стр. 1077

وكذلك لما ظهر ذلك [١٥٤ ب] ببلاد المشرق سلّط عليهم عساكر التتار، فأبادوا أكثر البلاد الشرقية، واستولوا عليها. وكذلك في أواخر المئة الثالثة، وأول الرابعة، لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سَلَّط عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات، واستولوا على الحاجّ، واستعرضوهم قتلًا وأسرًا، واشتدت شوكتهم، واتُّهِمَ بموافقتهم في الباطن كثير من الأعيان من الوزراء، والكتّاب، والأدباء وغيرهم، واستولى أهلُ دعوتهم على بلاد الغرب، واستقرت دار مملكتهم بمصر، وبُنِيت في أيامهم القاهرة، واستولوا على الشام والحجاز واليمن والمغرب، وخُطب لهم على منبر بغداد. والمقصود أن هذا الداء لمَّا دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم. ثم بعث الله سبحانه عبدَهُ ورسوله وكلمته المسيحَ ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه، فجدد لهم الدِّين، وبيَّن لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبرّي من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادَوْه وكذَّبوه، ورموه وأمَّه بالعظائم، ورامُوا قتله، فطهَّره الله تعالى منهم، ورفعه إليه، فلم يَصِلُوا إليه بسوء، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارًا دَعَوْا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوتُه، واستقام الأمرُ على السداد بعده نحو ثلاث مئة سنة. ثم أخذ دينُ المسيح في التبديل والتغيير، حتى تَناسَخ واضمحلّ، ولم يَبْقَ بأيدي النصارى منه شيء، بل رَكّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عُبّاد الأصنام، وراموا بذلك أن يَتَلَطّفوا للأمم، حتى يدخلوهم في النصرانية،

стр. 1078

فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسَّدة إلى عبادة الصور التي لا ظِلّ لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. وهذا، ومعهم بقايا من دين المسيح، كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرّمته التوراة، إلا ما أُحِلّ لهم بنصِّها. ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلُّوا الخنزير، وأحَلُّوا السبت، وعُوّضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة. وكان المسيح يُصَلِّي إلى بيت المقدس، فصلّوا هم إلى المشرق. ولم يُعَظّم المسيح ﵇ صليبًا قَطّ، فعظّموا هم الصليب، وعبدوه. ولم يَصُم المسيح ﵇ صَوْمهم هذا أبدًا، ولا شَرَعه، ولا أمر به البتة، بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الرّبيع، فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عِوَضًا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية. وتعبَّدوا بالنجاسات، وكان المسيح ﵇ في غاية الطهارة والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود، ومُراغَمتَهم، فغيَّروا دين المسيح. وتقرّبوا إلى الفلاسفة عُبَّاد الأصنام، بأن وافقوهم في بعض الأمر، ليرضوهم به، وليستنصروا بذلك على اليهود.

стр. 1079

ولما أخذ دين المسيح ﵇ في التغيير والفساد، اجتمعت النصارى عدّة مجامع تزيد على ثمانين مَجْمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعُن، يلعنُ بعضُهم بعضًا، حتى قال فيهم بعض العقلاء: لو اجتمع عشرة من النصارى، يتكلمون في حقيقة ما هم عليه، لتفرّقوا عن أحد عشر مذهبًا! حتى جمعهم قُسْطَنْطِين الملكُ آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار؛ فجمع كل بَتْرك [١٥٥ أ] وأسقُفٍّ وعالمٍ، فكانوا ثلاث مئة وثمانية عشر. فقال: أنتم اليوم علماء النصرانية، وأكابر النصارى فاتفِقُوا على أمر تجتمع عليه كلمة النصرانية، ومن خالفها لَعنتموه وحَرَمتموه، فقاموا وقعدوا، وفكّرُوا وقدّروا، واتفقوا على وضع الأمانة التي بأيديهم اليوم، وكان ذلك بمدينة نِيقيَة، سنة خمس عشرة من مُلك قسطنطين (١). وكان أحد أسباب ذلك أن بِطْريق الإسكندرية منع أرْيوس من دخول الكنيسة ولعنَه، فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مُسْتعديًا عليه، ومعه أسقُفَّان فشكوه إليه، وطلبوا مناظرته بين يدي الملك، فاستحضره الملك، وقال لأريوس: اشرح مقالتك، فقال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن، ثم أحدثَ الابن، فكان كلمةً له، إلا أنه مُحدَث مخلوق، ثم فوّض الأمر إلى ذلك الابن المسمّى كلمةً، فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، كما قال في إنجيله، إذ يقول: «وَهبْ لي سلطانا على السماوات والأرض»، فكان هو الخالق لهما بما أُعطيَ من ذلك، ثم إن تلك الكلمةَ بعدُ اتحدت من مَريم العَذْراء، ومن رُوح القُدُس، فصار ذلك مسيحًا واحدًا،

стр. 1080

فالمسيح الآن معنيان: كلمة وجسد، إلا أنهما جميعًا مخلوقان. فقال بِطْرِيقُ الإسكندرية حبريا: أيما أوجبُ علينا عندك عبادةُ مَنْ خَلَقَنا، أو عبادةُ مَنْ لم يخلقنا؟ فقال أريوس: بل عبادةُ مَنْ خلقنا. فقال: فعبادةُ الابن الذي خلقنا وهو مخلوق أوجبُ من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تصيرُ عبادة الأب الخالق كفرًا، وعبادةُ الابن المخلوق إيمانًا. فاستحسن الملكُ والحاضرون مقالته، وأمرهم الملكُ أن يَلْعنوا أرْيُوسَ وكُلَّ من يقول مقالَته. فلما انتصر البطريق قال للملك: استحِضر البطارقة والأساقفة، حتى يكون لنا مجمعٌ، ونصنع قِصّة نشرح فيها الدِّين، ونُوضّحه للناس، فحشرَهم قُسطنطين من سائر الآفاق، فاجتمع عنده بعد سنةٍ وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أُسْقُفًا، وكانوا مختلفي الآراء، متباينين في أديانهم، فلما اجتمعوا كثر اللَّغَطُ بينهم، وارتفعت الأصوات، وعَظُم الاختلاف، فتعجب الملك من شِدّة اختلافهم، فأجرى عليهم الأنزال، وأمرهم أن يَتناظروا، حتى يعلم الدِّين الصحيح مع مَنْ منهم؟ فطالت المناظرةُ بينهم، فاتّفق منهم ثلاث مئة وثمانية عشر أسقُفًا على رأي واحد، فناظروا بقية الأساقفة، فظهروا عليهم، فَعَقَد الملك لهؤلاء الثلاث مئة والثمانية عشر مجلسًا خاصًّا وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه وسيفه وقَضِيبَهُ، فدفعه إليهم، وقال لهم: قد سَلّطتكم على المملكة، فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قِوام دينكم وصلاحُ أمّتكم، فبارَكوا عليه وقلّدُوه سَيْفه، وقالوا له: أظْهِرْ دين النصرانية وذُبَّ عنه، ودفعوا إليه الأمانة التي اتفقوا على

стр. 1081

وضعها، فلا يكون عندهم نصرانيًّا مَنْ لم يُقِرَّ بها، ولا يتم لهم قُربانٌ إلا بها، وهي هذه: «نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شيء، صانع ما نرى وما لا نرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كُلّها، الذي وُلد من أبيه قبلَ العوالِم كلها، وليس بمصنوعٍ، إله حقٌ من إله حقٍّ، من جوهر أبيه، الذي بيده أُتْقنت العوالمُ، وخُلق كل [١٥٥ ب] شيء، الذي من أجْلِنا معشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسّد من رُوح القدُس، وصار إنسانًا وحُملَ به، ثم وُلد من مَريم البَتُول، وأَلِمَ، وشُجَّ، وقُتل، وصُلب، ودُفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مُستعدٌّ للمجيء تارةً أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القُدُس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، روح محبته، وبمعمودية واحدةٍ لغُفران الخطايا، وبجماعةٍ واحدةٍ قدّيسيّة جاثليقيّةٍ، وبقيامةِ أبداننا، والحياة الدائمة إلى أبَدِ الآبدين». فهذا العقدُ الذي أجمع عليه الملكية، والنّسْطُورية، واليعقوبية. وهذه الأمانة التي ألّفها أولئك البتاركة والأساقِفة والعلماء، وجعلوها شعار النصرانية، وكان رؤساء هذا المجمع: بَتْرَكَ الإسكندرية، وبترك أنْطاكية، وبترك بيت المقدس، فافترقوا عليها، وعلى لَعْنِ من خالفها، والتّبَرِّي منه، وتكفيره. ثم ذهب أرْيُوس يدعو إلى مقالته، ويُنفّر النصارى عن أولئك الثلاث مئة والثمانية عشر، فجمع جمعًا عظيمًا، وصاروا إلى بيت المقدس، وخالف كثيرٌ من النصارى لأولئك المجمع.

стр. 1082

فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تَعدَّوا عليّ، وظلموني، ولم يُنْصفوني في الحِجاج، وحرموني ظُلمًا وعُدوانًا، ووافقه كثيرٌ من الذين معه، وقالوا: صَدَقَ، فوثبوا عليه فضربوه، حتى كاد أن يُقْتَل لولا ابن أخت الملك خلّصه، وافترقوا على هذه الحال. ثم كان لهم مجمعٌ ثالث بعد ثمانٍ وخمسين سنة من المجمع الأول، اجتمع الوُزراء والقُوّادُ إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فَسَدَت، وغلب عليهم مقالة أريوس، فاكتُب إلى جميع البتاركة والأساقفة أن يجتمعوا، ويوضحوا دين النصرانية، فكتب الملك إلى سائر بلاده، فاجتمع بقُسطنطينية مئةٌ وخمسون أُسْقُفًا، وكان مُقَدَّموهم: بَتْرَك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس، فنظروا في مقالة أريوس. وكان من مقالته: أن روح القدس مخلوق مصنوع، ليس بإله. فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنًى غير روح الله تعالى، وليس روح الله تعالى شيئًا غير حياته، فإذا قلنا: إن رُوح القُدُس مخلوقٌ فقد قلنا: إن روح الله مخلوقٌ، وإذا قلنا: إن رُوح الله مخلوقة، فقد قلنا: إن حياته مخلوقةٌ، فقد جعلناه غير حَيٍّ، ومن جعله غير حيٍّ فقد كفر، ومن كفر وجب عليه اللعنُ. فلعنوا بأجمعهم أريوسَ وأشياعَهُ وأتباعَهُ، والبتاركة الذين قالوا بمقالته، وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حقٌّ، وأن طبيعة الأب والابن جَوْهرٌ واحدٌ، وطبيعة واحدةٌ، وزادوا في الأمانة التي وضعها الثلاث مئة والثمانية عشر: «ونؤمن بروح القدس الربّ المحيي، الذي من الأب المنبثق، الذي مع الابن والأب، وهو مسجود ومُمَجّد».

стр. 1083

وكان في الأمانة الأولى: «وبروح القدس» فقط. وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاثة وجوه، وثلاثة خواصّ، وحدة في تثليثٍ، وتثليثٌ في وحدة، وزادوا ونقصوا في الشريعة. وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكلَ اللحم، وكانوا على مذهب مَانِيْ، لا يرون أكل ذوات الأرواح. [١٥٦ أ] فانفَضّ هذا المجمع، وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم، ومضوا على تلك الأمانة. ثم كان لهم مجمعٌ رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نَسْطُورس. وكان مذهبه: «أن مريم ليست بوالدةِ الإله على الحقيقة، ولكن ثمة اثنان، الإله الذي هو موجود من الأب، والآخر إنسانٌ الذي هو موجود من مريم، وأن هذا الإنسان الذي نقول: إن المسيح متوحِّد مع أب الإله، وابن الإله ليس ابنًا على الحقيقة، لكن على سبيل الموْهبة والكرامة، واتفاق الاسمين». فبلغ ذلك بتاركَةَ سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلاتٌ، واتفقوا على تَخْطِئته، واجتمع منهم مئتا أُسقُفٍّ في مدينة أفْسِيس، وأرسلوا إلى نَسْطُورس للمناظرة، فامتنع ثلاث مرات، فأوجبوا عليه الكفر، فلعنوه ونفوه، وحرموه، وثَبّتوا: «أن مريم ولدت إلهًا، وأن المسيح إله حقٌّ، وإنسان معروفٌ بطبيعتين، مُتَوحّد في الأقنوم». فلما لعنوا نَسْطُورس غضب له بَتْركُ أنطاكية، فجمع أساقفته الذين قدموا معه، وناظَرَهُم، فقطعهم، فتقاتلوا، ووقع الحرب والشر بينهم، وتفاقم أمرهم، فلم يزل الملك حتى أصلح بينهم، فكتب أولئك صحيفة: بأن «مريم

стр. 1084

القِدِّيسة ولدت إلهًا، وهو رَبُّنا يَسُوع المسيح، الذي هو مع أمِّه في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت»، وأنفذوا لَعْنَ نسطورس. فلما نُفِي نسطورس سار إلى أرض مصر، وأقام بإخميم سبع سنين، ودُفن بها، ودَرَسَت مقالته، إلى أن أحياها ابن صَرما، مُطران نَصيبين، وبثَّها في بلاد المشرق، فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية. وانفضّ ذلك الجمع أيضًا على لعن نسطورس ومَنْ قال بقوله. وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال، وتفترق على اللعن، فلا ينفضُّ المجمع إلا وهُم ما بين لاعنٍ وملعون. ثم كان لهم مجمعٌ خامس، وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيسوس، يقول: إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا في الطبيعة، وإن المسيح قَبْل التّجَسُّد طبيعتان، وبعد التجسد طبيعة واحدة. وهذه مقالة اليعقوبية. فرحل إليه أسْقُف دَوْلته، فناظره فقَطعه، وأدْحَضَ حُجَّتَهُ. ثم سار إلى قسطنطينية، فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه، فأرسل بترك الإسكندرية إليه، فاستحضره، وجمع جمعًا عظيمًا، وسأله عن قوله، فقال: إن قلنا: إن المسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس، ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة، وأقنومٌ واحد، لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد، فلما تجسّد زالت عنه الاثْنَيْنِيّة، وصار طبيعةً واحدةً، وأقنومًا واحدًا. فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيحُ طبيعةً واحدة فالطبيعةُ القديمة هي الطبيعة المحدَثة، وإن كان القديم هو المحدث فالذي لم يَزَلْ

стр. 1085

هو الذي لم يَكُنْ، ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث لكان القائم هو القاعد، والحارُّ هو البارد، فأبى أن يرجع عن مقالته، فلعنوه، فاسْتَعْدى إلى الملك، وزعم أنهم ظلموه، وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة. فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسيس، فثبّت بطريقُ الإسكندرية مقالة أوطيسوس، وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس، [١٥٦ ب] وسائر البتاركة والأساقفة، وكتب إلى بترك رُومية وإلى جماعة البتاركة والأساقفة، فحرَمهم ومنعهم من القُربان إن لم يقبلوا مقالة أوطيسوس. ففسدت الأمانة، وصارت المقالة مقالة أوطيسوس، وخاصة بمصر والإسكندرية، وهو مذهب اليَعْقوبية. فافترق هذا المجمع الخامس وهم ما بين لاعنٍ وملعونٍ، وضالٍّ ومُضلٍّ، وقائلٍ يقول: الصواب مع اللاعنين، وقائلٍ يقول: الحقُّ مع الملاعين. ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادسٌ في دولة مَرْقيون. فإنه اجتمع إليه الأساقفة من سائر البلاد، فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع، وقلة الإنصاف، وأن مقالة أوطيسوس قد غَلبتْ على الناس، وأفسدت دين النصرانية، فأمر الملك باستحضار سائر البتاركة والمطارنة والأساقفة إلى حضرته، فاجتمع عنده ست مئة وثلاثون أسقفًا، فنظروا في مقالة أوطيسوس وبترك الإسكندرية، التي قطع بها جميع البتاركة، فأفسدوا مقالتهما ولعنوهما، وأثبتوا «أن المسيح إله وإنسان، ومع الله في اللاهوت،

стр. 1086

ومعنا في الناسوت، له طبيعتان تامَّتان. فهو تامٌّ باللاهوت، تامٌّ بالناسوت، وهو مسيح واحد». وثبتوا قول الثلاث مئة والثمانية عشر أُسْقُفا، وقبلوا قولهم: «بأن الابن مع الله في المكان، وأنه إله حقٌّ من إله حقٍّ». ولعنوا أريوس وقالوا: «إن روح القدس إله»، وقالوا: «إن الأب والابن وروح القُدس واحدٌ بطبيعةٍ واحدةٍ، وأقانيم ثلاثة». وثبَّتوا قول أهل المجمع الثالث، وقالوا: «إن مريم العَذْراء ولدت إلهًا ربّنا يسُوع المسيح، الذي هو مع الله في الطبيعة، ومعنا في الناسوت». وقالوا: «إن المسيح طبيعتان، وأقنومٌ واحدٌ»، ولعنوا نسطورس، وبترك الإسكندرية. فانفضَّ هذا المجمع، وهم ما بين لاعنٍ وملعونٍ. ثم كان لهم بعد هذا مجمع سابع في أيام أنِسْطاس الملك. وذلك أن سورس القسطنطين جاء إلى الملك، فقال: إن أصحاب ذلك المجمع الست مئة والثلاثين قد أخطأوا، والصواب ما قاله أوطيسوس وبَترَكُ الإسكندرية، فلا تقبل ممَّن سواهما، واكتُب إلى جميع بلادك أن العنوا الست مئة والثلاثين، وأن يأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد، فأجابه الملك إلى ذلك. فلما بلغ بَترَكَ بيت المقدس جمع الرّهبان، فلعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ومن يقول بمقالتهما، فبلغ ذلك الملك، فغضب، وبعث فنفى

стр. 1087

البَتْرَك إلى أَيْلَة، وبعث يُوحَنّا بَتْرَكًا على بيت المقدس، لأنه كان قد ضَمِن للملك أن يلعن الست مئة والثلاثين. فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبانُ، وقالوا: إياك أن تَقبل سورس، ولكن قاتل عن الست مئة والثلاثين ونحن معك، ففعل، وخالف الملك. فلما بلغه أرسل قائدًا وأمره أن يأخذ يُوحَنّا بلعنة أولئك، فإن لم يفعلْ أنزله عن الكرسي ونفاه، فقدِم القائدُ، وطرح يُوحَنّا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليُقِرَّ بلعنة كلّ من لعنه الرهبان. فاجتمع الرهبانُ وكانوا عشرة آلاف راهب، فلعنوا أوطيسوس، ونَسْطُورس، وسورس، ومن لا يقبلُ من أولئك الست مئة والثلاثين. ففزع رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك، فَهَمّ بنفي يُوحَنّا، فاجتمع الرُّهبان والأساقفة، فكتبوا إلى الملك: أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولو أُريقت دماؤهم، وسألوه أن يَكُفّ أذاه عنهم. وكتب بَتْرَكُ رُومية إلى الملك بقُبْحِ فِعْله وبلَعْنِه، [١٥٧ أ] فانفضّ ذلك المجمع على اللعنة أيضًا. وكان لسورس تلميذ يقال له: يعقوب البراذعي، لأنه كان يلبس من قِطع براذع الدواب، يرقّع بعضها ببعض، وإليه ينسب اليعاقبة، فأفسد أمانة القوم. ثم هلك أنسطاس الملك، وولي بَعْدُ قسطنطين، فردَّ كلّ من كان نفاه أنسطاس إلى موضعه، وكتب إلى بيت المقدس بأمانته.

стр. 1088

فاجتمع الرهبان، وأظهروا كتابه، وفرحوا به، وأثبتوا قول الست مئة والثلاثين أسقفًا، وغلبت اليَعقوبية على الإسكندرية، وقتلوا بَتْرَكًا يقال له: بُولس، وكان مَلْكانيًا، فولى الملك إسطيانوس، فأرسل قائدًا ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البَتْرَكَة، وتقدّم وقدّس، فرمَوْه بالحجارة، حتى كادوا يقتلونه، فانصرف وتوارَى عنهم، ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه أتاه كتابٌ من الملك، وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه، فلم يبق أحد بالإسكندرية حتى حضر لسماعه، وكان قد جعل بينه وبين جنده علامةً إذا هو فعلها وضعوا السيف في الناس، فصعد المنبر، وقال: يا معشر أهل الإسكندرية! إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لم تأمنوا أن يُوجّه الملك إليكم مَنْ يَسْفك دماءكم، فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه، فأظهر العلامة، فوضعوا السيوف على مَنْ بالكنيسة، فقُتل خلقٌ لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى خاض الجند في الدّماء، وظهرت مقالة المَلْكانية بالإسكندرية. ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن. وذلك أن أسقف مَنْبِجَ كان يقول بالتناسخ، وأنه ليس ثمة قيامة ولا بعثٌ، وكان أُسقف الرُّها وأسقف المِصّيصة وأسقف ثالث يقولون: إن جسد المسيح خيال غير حقيقة، فحشرهم الملك إلى قسطنطينية، فقال لهم بَتركُها: إن كان جسدُهُ خيالًا فيجب أن يكون فعله خيالًا، وقوله خيالًا، وكل جسدٍ نعاينه لأحدٍ من الناس أو فعلٍ أو قول فهو كذلك. وقال له: إن المسيح قد قام من الموتَى، وأعلمنا أنه كذلك يقومُ الناس يوم الدِّين.

стр. 1089

واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله: «إن كل من في القبور إذا سمعوا قول الله سبحانه يَحْيَون» فأوجب عليهم اللعن، وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه، واستحضر بتاركة البلاد. فاجتمع عنده مئة وأربعة وستون أسقفًا، فلعنوا أسقف مَنْبج، وأسقف المصّيصة، وثبَّتوا: «أن جسد المسيح حقيقةٌ لا خيال، وأنه إله تامٌّ، وإنسان تام، معروفٌ بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، أقنومٌ واحدٌ، وأن الدنيا زائلة، وأن القيامة كائنة، وأن المسيح يأتي بمجد عظيم، فيدين الأحياء والأموات، كما قال الثلاث مئة والثمانية عشر الأوائل»، فتفرقوا على ذلك. ثم كان لهم مجمعٌ تاسعٌ على عَهد معاوية بن أبى سفيان ﵁، تلاعنوا فيه. وذلك أنه كان بروميةَ راهبٌ له تلميذان، فجاء إلى قَسْطا الوالي، فَوَبّخه على قُبح مذهبه وشناعة كُفْره، فأمر به قَسْطا، فقُطعت يداه ورجلاه، ونُزع لسانه، وفُعل بأحد التلميذين كذلك، وضُرِب الآخر بالسّياط، ونفاه، فبلغ ذلك ملك قسطنطينية، فأرسل إليه أن يوجّه إليه من أفاضل الأساقفة، ليعلم وجه هذه الشبهة، ومَنْ كان ابتدأ بها، ويعلم من يستحق اللعن. فبعث إليه مئةً وأربعين أسقفًا، وثلاث مئة شَمّاس، فلما وصلوا إليه جمع الملك مئة وثمانية وستين أسقفًا، فصاروا مئتين واثنين وتسعين، وأسقطوا الشمامسة (١).

стр. 1090

وكان [١٥٧ ب] رئيس هذا المجمع: بَتْرَك قُسطنطينية وبترك أنطاكية، فلَعنُوا مَنْ تقدّم من القدِّيسين والبتاركة واحدًا واحدًا، فلما لعنوهم جلسوا، فلخَّصوا الأمانة، وزادوا فيها، ونقصوا، فقالوا: «نؤمن بأن الواحد من الناسوت (١) الابنُ الوحيد، الذي هو الكلمة الأزلية، الدائم المستوي مع الأب، الإله في الجَوْهَرِ، الذي هو رَبّنا يسوع المسيح بطبيعتين تامّتين، وفعلين، ومشيئتين، في أقنومٍ واحد، ووجهٍ واحد، تامًّا بلاهوته، تامًّا بناسوته، وشهدت أن الإله الابن في آخر الأيام اتخذ من العذراء السيدة مريم القِدِّسية جسدًا إنسانًا بنفسٍ ناطقة عقلية، وذلك برحمة الله تعالى: محب البشر، ولم يلحقه اختلاط، ولا فساد، ولا فرقة، ولا فصل، ولكن هو واحد، يعملُ بما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يُشبه الإله أن يعمله في طبيعته، الذي هو الابنُ الوحيدُ، والكلمة الأزلية المتجسدة، التي صارت في الحقيقة لحمًا، كما يقول الإنجيل المقدس، من غير أن ينتقل من مَجْده الأزلي، وليست بمتغيرة، لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين: إلهيٍّ وإنسيٍّ، الذي بهما يكمل قولُ الحق، وكل واحدةٍ من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين، غير متضادتين، ولا متصارعتين، ولكن مع المشيئة الإنسية: المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء». هذه أمانة هذا المجمع، فوضعوها ولعنوا مَنْ لعنوه، وبين المجمع الخامس الذي اجتمعَ فيه الست مئة والثلاثون، وبين هذا المجمع مائة سنة. ثم كان لهم مجمع عاشر: وذلك لمّا مات الملك وولي ابنُه بعدَه، واجتمع أهل المجمع السادس،
следующие страницы →