وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]؛ أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه (١)، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كَلٌّ عليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]؛ أي غيرَ تَخسير، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]؛ فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخِذلان والذم.
والمقصود أن هذين الوجهين في المخلوق ضدُّهما في الخالق، فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.
الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم؛ فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة؛ بل رحمةً منه وإحسانًا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثّر بهم من قِلّة، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلّة، ولا ليرزقوه، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
стр. 107
[الذاريات: ٥٦ ـ ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١].
وهو سبحانه لا يُوالي من يواليه من الذل، كما يُوالي المخلوقُ المخلوقَ، وإنما يُوالي أولياءه إحسانًا ورحمة ومحبة لهم، وأما العباد فإنهم كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يُحْسِن بعضُهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقًا إلى حصول (١) نفع ذلك الإحسان إليه؛ فإنه إما أن يُحسِن إليه لتوقع جزائه في العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، ومُعاوِضٌ بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو أيضًا إنما يُحسِن إليه ليحصل له منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو أيضًا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخَّر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير مَلُوم في هذا القصد؛ فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه.
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا (٢) مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله ﷺ : «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن
стр. 108
تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوَفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» (١).
فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك،
والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه بك، وذلك منفعة محضة لك، خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد تكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمُّل مِنّته.
فتدبر هذا، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله، أو تطلب منه نفعًا أو دفعًا، أو تُعلِّق قلبك به؛ فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك. وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجته، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله، وخاف الله فيهم، ولم يَخَفْهُم مع الله، ورجا الله بالإحسان إليهم، ولم يَرْجُهُم مع الله، وأحبهم لحب الله، ولم يحبهم مع الله، كما قال أولياء الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
الوجه التاسع: أن العبد لا يعلم مصلحتك حتى يُعرِّفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يُقدِره الله عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة، [١٣ أ] فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه؛ وهو الذى بيده
стр. 109
الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتعلُّق القلب بغيره رجاءً وخوفًا وتوكلًا وعبودية ضررٌ محضٌ، لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو وحده الذي قدَّرها ويسَّرها، وأوصلها إليك.
الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حاجاتهم بك، وإن أضرَّ ذلك بدينك ودنياك ، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرّتك، والرب تعالى إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تُعلِّق أملَك ورجاءك وخوفك بغيره؟
وجِماع هذا أن تعلم «أن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن ينفعوك بشيءٍ؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (١). قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
خاتمة لهذا الباب
لما كان الإنسان بل وكلُّ حيٍّ متحرك بالإرادة لا ينفكُّ عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب موصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحي مجبولًا على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء، ويعتمد عليه في حصول مراده.
стр. 110
والمراد قسمان:
أحدهما: ما هو مراد لنفسه، والثاني: ما هو مراد لغيره.
والمستعان قسمان (١):
أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثاني: ما هو تبع له وآلةٌ.
فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلةً وتبعًا للمستعان بنفسه.
فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وتنتهي إليه محبته، ولا بدّ له من شيء يتوصل به ويستعين به في حصول مطلوبه، والمستعان مدعوٌّ ومسؤول، والعبادة والاستعانة كثيرًا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ونفعه خضع له، وذَلَّ له، وانقاد له، وأحبَّه من هذه الجهة وإن لم يحبَّه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه.
وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه، كمن أحب مالًا أو منصبًا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان (٢) به، فاجتمع له محبته والاستعانة (٣) به.
فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته مستعان بنفسه؛ فهذا أعلى الأقسام، وليس ذلك إلا لله وحده، وكلُّ ما سواه فإنما ينبغي أن يُحَبَّ تبعًا لمحبته، ويُستعان به لكونه آلةً وسببًا.
стр. 111
الثاني: محبوب لغيره ومستعان به أيضًا، كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض مُحِبّه (١).
الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره.
الرابع: مستعان به غير محبوب في نفسه.
فإذا عُرِف ذلك تبين مَنْ أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرَّةً على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان، وعليه التُّكلان.
стр. 112
الباب السابع
في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [١٣ ب] وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقد تقدم أن جِماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين:
ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يُبيِّن الحق من الباطل، فتزول أمراض الشُّبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين و الآيات على المطالب العالية ــ من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد، والنبوّات، ورد النِّحَل الباطلة والآراء الفاسدة ــ مثل القرآن؛ فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتمّ الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول، وأفصحها بيانًا، فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه.
فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عِيانًا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم: بين علوم لا ثقةَ بها، وإنما هي آراء وتقليد، وبين (١) ظنون كاذبة لا تُغني من الحق شيئًا،
стр. 113
وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها، وبين علوم صحيحة قد وعّروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها، فهي «لحمُ جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْر، لا سهلٌ فيُرتقَى، ولا سمينٌ فينتقل» (١). وأحسنُ ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرًا وأحسن تفسيرًا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:
لَوْلَا التَّنَافُسُ في الدُّنْيَا لَمَا وُضِعَتْ ... كُتْبُ التَّنَاظُرِ لا «المُغْني» وَلا «العُمَدُ»
يُحَلِّلُونَ بِزَعْمٍ مِنْهُمُ عُقَدًا ... وبالَّذِي وَضَعُوهُ زَادَتِ العُقَدُ (٢)
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشُّبَه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك.
ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصلَ من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكِّين، الذين أخبر الواقف على نهايات أقدامهم بما انتهى إليه من مَرامهم، حيث يقول (٣):
стр. 114
نهَايَةُ إِقدَامِ العُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكثَرُ سعْي العَالمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا في وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيه قِيلَ وَقَالُوا
لقد تأملتُ الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تُروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي».
فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه، وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم الكلام والفلسفة. وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدًا، قد ذكرناه في كتاب «الصواعق» (١) وغيره، وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء: «آخر أمر المتكلمين الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح». والقرآن يُوصِلك إلى نفس اليقين [١٤ أ] في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به، وجعله شفاءً لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.
وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة؛ بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقَصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عمَّا يضرُّه، فيصير القلب محبًّا للرشد، مبغضًا للغيِّ، فالقرآن مزيل للأمراض الموجِبَةِ للإرادات
стр. 115
الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فُطِر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن:
وَعَادَ الفَتَى كَالطِّفْلِ لَيْسَ بقَابِلٍ ... سِوَى المحض شَيْئًا وَاسْتَراحَتْ عَوَاذِلُهْ (١)
فيتغذَّى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكِّيه ويقوِّيه، ويؤيده ويفرحه، ويسرُّه وينشِّطه، ويثبِّت ملكه، كما يتغذّى (٢) البدن بما ينمِّيه ويقويه، وكلٌ من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربَّى (٣)، فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح. فكما أن البدن محتاج إلى أن يُربَّى بالأغذية المصلحة له، والحِمْية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطاء ما ينفعه، ومنع ما يضره؛ فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نَزْرٌ يسير، لا يُحصِّل تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذٍ يقال: زَكَا الزَّرْعُ وكَمُلَ.
ولما كانت حياته ونعيمه لا يتم إلا بزكاته وطهارته: لم يكن بدٌّ من ذكر هذا وهذا، فنقول:
стр. 116
الباب الثامن
في زكاة القلب
الزكاة في اللغة: هي النماء والزيادة في الصلاح وكمال الشيء، يقال: زكا الشيء إذا نما، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فجمع بين الأمرين الطهارة والزكاة لتلازمهما؛ فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، وبمنزلة الدَّغَل في الزرع، وبمنزلة الخَبَث في الذهب والفضة والنحاس والحديد. فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت، فعملت عملها بلا مُعَوِّق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة، زكا ونما، وقوي واشتد، وجلس على سرير ملكه، ونفَّذ حكمه في رعيّته، فسمعت له وأطاعت، فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج.
ولهذا كان [١٤ ب] غضُّ البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر (١):
стр. 117
إحداها: حلاوة الإيمان ولذَّته ، التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله؛ فإن من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه، والنفس مُولَعةٌ بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب، فيبعث رائده لينظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله؛ تحرك اشتياقًا إليه، وكثيرًا ما يَتعبُ ويُتْعِبُ (١) رسوله ورائده، كما قيل:
وَكُنْتَ مَتى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لِقَلبِكَ يَومًا أتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأَيْتَ الَّذي لا كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيْه وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابرُ (٢)
فإذا كفَّ الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته؛ فإن النظر يُولِّد المحبة، فتبدأ علاقةً يتعلق بها القلب بالمنظور إليه، ثم تَقوى فتصير صَبَابةً، ينصبُّ إليه القلب بكُلِّيته، ثم تقوى فتصير غرامًا، يلزم القلب كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه، ثم يقوى فيصير عِشقًا، وهو الحب المفرط، ثم يقوى فيصير شغفًا، وهو الحب الذي قد وصل إلى شَغاف القلب وداخله، ثم يقوى فيصير تَتَيُّمًا (٣)، والتتيُّم: التعبد، ومنه: تَيّمه الحُبُّ إذا عَبّده، وتَيْمُ اللّهِ: عبد الله، فيصير القلب عبدًا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدًا له، وهذا كله جناية النظر، فحينئذٍ يقع القلب في الأسر، فيصير أسيرًا بعد أن كان ملِكًا، ومسجونًا بعد أن كان مُطْلقًا، يتظلم من الطرف ويشكوه، والطرف يقول: أنا
стр. 118
رائدك ورسولك، وأنت بعثتني.
وهذا إنما تُبْلَى به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له؛ فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب، فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن يتعبد قلبه لغيره، قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه مع كونها ذات زوج، ويوسف ﵇ لما كان مخلصًا لله نجا من ذلك، مع كونه شابًّا عَزَبًا غريبًا مملوكًا (١).
الفائدة الثانية: في غض البصر نور القلب وصحة الفراسة.
قال أبو شجاع الكرماني (٢): «من عَمَرَ ظاهره باتباع السنة، وباطنَه بدوام المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغضَّ بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال، لم تُخطئ له فراسة».
وقد ذكر سبحانه قصة قوم لوط وما ابتُلوا به، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، وهم المتفرِّسون الذين سلِموا من النظر المحرَّم والفاحشة، وقال تعالى عَقِيبَ أمره للمؤمنين بغضّ أبصارهم وحفظ
стр. 119
فروجهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
وسرُّ هذا أن الجزاء من جنس العمل، فمن غضَّ بصره عما حرَّمه الله عليه عوّضه الله من جنسه ما هو خير منه؛ فكما أمسك نورَ بصره عن المحرمات، أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره [١٥ أ] ولم يَغُضَّه عن محارم الله، وهذا أمر يُحِسُّهُ الإنسان من نفسه؛ فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها، فإذا خلصت من الصدأ انطبعت فيها صُوَر الحقائق كما هى عليه، وإذا صَدِئتْ لم ينطبع فيها صور المعلومات، فيكون علمه وكلامه من باب الخَرْص والظنون.
الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته ، فيعطيه الله بقوَّته سلطان النصرة (١)، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما في الأثر: «إن الذي يخالف هواه يَفْرَق الشيطان من ظلِّه» (٢)، ولهذا يوجد في المتَّبع هواه مِنْ ذُلِّ النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، أي من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله: بالكلم الطيب والعمل الصالح.
стр. 120
وقال بعض السلف: «الناس يطلبون العزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله» (١).
وقال الحسن: «وإن هَمْلَجتْ بهم البَراذين، وطَقْطقَتْ بهم البغال، إن ذُلَّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلّ من عصاه» (٢).
وذلك أن من أطاع الله فقد والاه، ولا يَذِلُّ من والاه ربُّه، كما في دعاء القنوت: «إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت» (٣).
стр. 121
والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته ، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، وذكر ذلك سبحانه عَقِيبَ تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكِّي هو باجتناب ذلك، وكذلك قوله تعالى في الاستئذان على أهل البيوت: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]؛ فإنهم إذا أُمروا بالرجوع لئلَّا يَطّلعوا على عورة لم يحبَّ صاحب المنزل أن يُطّلَع عليها، كان ذلك أزكى لهم، كما أن ردّ البصر وغضّه أزكى لصاحبه. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقال تعالى عن موسى في خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].
قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم (١): هي التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب؛ فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارة، وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء؛ فإن التزكي وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة، فإنما يحصل بإزالة الشر؛ فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعًا، فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد.
стр. 122
والتزكية جَعْلُ الشيء زكيًّا: إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال عدَّلتُه وفسَّقتُه إذا جعلتَه كذلك في الخارج أو في الاعتقاد والخبر.
وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] هو على غير معنى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي لا تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون، ولهذا قال عقيب ذلك: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
وكان اسم زينب بَرّة، فقال: «تُزكِّي نفسها»؛ فسماها رسول الله ﷺ زينب (١)، وقال: «الله أعلم [١٥ ب] بأهل البر منكم» (٢).
وكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي يعتقدون زكاءها ويخبرون به، كما يزكِّي المزكِّي الشاهدَ، فيقول عن نفسه ما يقول المزكّي فيه، ثم قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩]؛ أي هو الذي يجعله زاكيًا ويخبر بزكاته. وهذا بخلاف قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾؛ فإنه من باب قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي تعمل بطاعة الله، فتصير زاكيًا، ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
وقد اختُلِف في الضمير المرفوع في قوله: ﴿زَكَّاهَا﴾ (٣):
فقيل: هو لله، أي أفلحت نفسٌ زكَّاها الله، وخابت نفسٌ دسّاها.
стр. 123
وقيل: إن الضمير يعود على فاعل ﴿أَفْلَحَ﴾، وهو ﴿مَنْ﴾ سواءً كانت موصولة أو موصوفة؛ فإن الضمير لو عاد على الله سبحانه لقال: قد أفلح من زكاه، وقد خاب من دسّاه.
والأولون يقولون: ﴿مَنْ﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث مراعاةً للمعنى، وبلفظ المذكر مراعاةً للفظ، وكلاهما من الكلام الفصيح، وقد وقع في القرآن اعتبار لفظها ومعناها، فالأول كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فأفرد الضمير، والثاني كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢].
قال المرجِّحون للقول الأول: يدل على صحة قولنا ما رواه أهل «السنن» (١) من حديث ابن أبي مُليْكة عن عائشة ﵂، قالت: أتيت ليلة، فوجدت رسول الله ﷺ يقول: «ربِّ! أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها»؛ فهذا الدعاء كالتفسير لهذه الآية، وأن الله هو الذي يزكي النفوس، فتصير زاكية، فالله هو المزكِّي، والعبد هو
стр. 124
المتزكِّي، والفرق بينهما فرقُ ما بين الفاعل والمطاوع.
قالوا: والذي جاء في القرآن من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو بالمعنى الثاني دون الأول؛ كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي تقبل تزكية الله لك، فتزكّى.
قالوا: وهذا هو الحق؛ فإنه لا مفلح إلا من زكّاه الله.
قالوا: وهذا اختيار ترجمان القرآن ابن عباس؛ فإنه قال في رواية علي ابن أبى طلحة، وعطاء، والكلبيّ: «قد أفلح من زكى اللهُ نفسَه» (١).
وقال ابن زيد: «قد أفلح من زكى الله نفسه» (٢)، واختاره ابن جرير.
قالوا: ويشهد لهذا القول ـ أيضًا ـ قوله في أول السورة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].
قالوا: وأيضًا فإنه سبحانه أخبر أنه خالق النفس وصفاتها؛ وذلك هو معنى التسوية.
قال أصحاب القول الآخر: ظاهر الكلام ونظمه الصحيح يقتضي أن يعود الضمير على ﴿مَنْ﴾؛ أي أفلح من زكَّى نفسَه، هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم، بل لا يكاد يُفهم غيره، كما إذا قلت: هذه جارية قد ربح من اشتراها،
стр. 125
وصلاة قد سَعِدَ من صلاها، وضالّة قد خاب من آواها، ونظائر ذلك.
قالوا: والنفس مؤنثة، فلو عاد الضمير على الله سبحانه لكان وجه الكلام: قد أفلحت نفسٌ زكاها، أو (١) أفلحت من زكاها، لوقوع ﴿مَنْ﴾ على النفس.
قالوا: وإن جاز تفريغ الفعل من التاء (٢) لأجل لفظ ﴿مَنْ﴾، كما تقول: قد أفلح من قامت منكن، فذاك حيث لا يقع اشتباه والتباس، فإذا وقع الاشتباه لم يكن بُدٌّ من ذكر ما يزيله.
قالوا: و ﴿مَنْ﴾ موصولة بمعنى (الذي)، ولو قيل: قد أفلح الذي زكاها الله لم يكن جائزًا؛ لعود الضمير المؤنث على الذي، وهو مذكر، قالوا: وهو سبحانه قصد نسبة الفلاح إلى صاحب النفس إذا زكَّى نفسَه، ولهذا فرّغ الفعل من التاء (٣)، وأتى بـ ﴿مَنْ﴾ التي هي بمعنى الذي.
وهذا الذي عليه جمهور المفسرين، حتى أصحاب ابن عباس [١٦ أ].
وقال قتادة: «﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، مَنْ عمل خيرًا زكاها بطاعة الله» (٤).
وقال أيضًا: «قد أفلح من زكَّى نفسه بعمل صالح» (٥).
стр. 126
وقال الحسن: «قد أفلح من زكى نفسه، فأصلحها وحملها على طاعة الله، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله» (١).
قال ابن قتيبة (٢): «يريد: أفلح من زكَّى نفسه، أي أنماها وأعلاها بالطاعة، والبِرّ، والصدقة، واصطناع المعروف، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وركوب المعاصي. والفاجر أبدًا خفيُّ المكان، زَمِرُ المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس، فمرتكب الفواحش قد دَسَّى نفسه وقمعها، ومصطنع المعروف شهَّر نفسَه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبى ويَفَاع الأرض؛ لتُشهِّر أماكنها للمُعْتفين (٣)، وتوقد النيران في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأوْلاج والأطراف والأهضام؛ لتُخفِي أماكنهَا على الطالبين، فأولئك أعلوا أنفسهم وزكَّوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسَّوها». وأنشد (٤):
وَبَوَّأتَ بَيْتَكَ في مَعْلَمٍ ... رَحيبِ المَباءَةِ وَالمَسْرَحِ
كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلابَ القِرَى ... وَنَبْحَ الكِلَابِ لمُسْتَنْبِح
فهذان قولان مشهوران في الآية.
стр. 127
وفيها قول ثالث: إن المعنى خاب من دسَّ نفسه مع الصالحين وليس منهم، حكاه الواحدي (١)، قال: ومعنى هذا أنه أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي الناس أنه منهم، وهو منطوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون.
وهذا وإن كان حقًّا في نفسه؛ لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ. وإنما يدخل في الآية بطريق العموم؛ فإن الذي يدسُّ نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دسَّ نفسه فيهم، والله أعلم.
стр. 128
الباب التاسع
في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته
هذا الباب وإن كان داخلاً فيما قبله، كما بينَّا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة، فأفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، ودلالة القرآن والسنة عليها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ ـ ٤]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأخلاق والأعمال.
قال الواحدي (١): اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء، عن ابن عباس قال: «يعني: من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزه» (٢).
وهذا قول قتادة (٣)، ومجاهد (٤)، قالا: «نَفْسَك فطهِّرْ من الذنب».
стр. 129
ونحوه قال الشعبي (١)، وإبراهيم (٢)، والضحاك (٣)، والزُّهرى (٤).
وعلى هذا القول الثياب عبارة عن النفس، والعرب تَكْنِي بالثياب عن النفس، ومنه قول الشمّاخ:
رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ فَلا تَرَى ... لَها شَبهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا (٥)
رموها ــ يعني الركابَ ــ بأبدانهم.
وقال عنترة:
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِياَبَهُ ... لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ (٦)
يعني نفسه.
وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرًا دنِسَ الثياب (٧).
стр. 130
وقال سعيد بن جُبير: كان الرجل إذا كان غادرًا قيل: دنِسُ الثياب، وخبيث الثياب (١).
وقال عكرمة: لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فَجْرَة (٢).
وروي ذلك عن ابن عباس (٣)، واحتج بقول الشاعر:
[١٦ ب] وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ خِزْيَةٍ أَتَقَنَّعُ (٤)
وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية: «وعملك فأصلح»، وهو قول أبى رَزِين (٥)
стр. 131
ورواية منصور عن مجاهد (١) وأبي رَوْق (٢).
وقال السُّدي: «يقال للرجل إذا كان صالحًا: إنه لطاهرُ الثياب، وإذا كان فاجراً: إنه لخبيثُ الثياب» (٣). قال الشاعر:
لَا هُمَّ إنَّ عَامِرَ بن جَهْمِ ... أوْذَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ (٤)
يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدَنَسِ الثوب، وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس:
ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ (٥)
يريد أنهم لا يغدرون، بل يَفُون.
стр. 132
وقال الحسن: «خُلُقَك فحسِّنْهُ» (١)، وهذا قول القُرَظي.
وعلى هذا: الثياب عبارةٌ عن الخُلُقِ؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمالَ ثيابه على نفسه.
وروى العَوفي عن ابن عباس في هذه الآية: «لا تكن ثيابُك التي تلبس من مكسب غير طيب» (٢). والمعنى: طهِّرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحلُّ اتخاذها منه.
وروي عن سعيد بن جبير: «وقلبك ونيَّتك فطهِّر» (٣).
وقال أبو العباس (٤): الثياب: اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا يُنشَد:
فَسُلِّي ثِيابِي مِنْ ثِياَبِكِ تَنْسُلِ (٥)
وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين (٦)،
стр. 133
وابن زيد (١).
وذكر أبو إسحاق (٢): «وثيابك فقصِّر»، قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجرّ على الأرض لم يُؤمَنْ أن يصيبه ما ينجِّسه. وهذا قول طاوس (٣).
وقال ابن عرفة: «معناه: نساءك طهِّرْهن» (٤)، وقد يُكنى عن النساء بالثياب واللباس، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر:
أَلا أَبْلِغْ أبَا حَفْصٍ رَسُولاً ... فِدًى لَكَ مِنْ أخِي ثِقَةٍ إِزَارِي (٥)
أي أهلي.
стр. 134
ومنه قول البراء بن مَعْرورٍ للنبي ﷺ ليلة العَقَبة: «لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا» (١)، أي نساءنا.
قلت: الآية تعمُّ هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظًا؛ فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يُكسِبُ القلب هيئةً خبيثة ، كما أن خبث المطعمِ يُكسِبه ذلك، ولذلك حَرُمَ لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي ﷺ عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها (٢)، لما يكتسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن، ولذلك حَرُم لبس الحرير والذهب على الذكور، لما يُكْسِبُ القلب من الهيئة
стр. 135
التي تكون لمن ذلك لُبْسُهُ من النساء، وأهل الفخر والخُيَلاء.
والمقصود أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها؛ فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورًا به، وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك، فَتَبيَّنَ (١) دلالة القرآن على هذا وهذا.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ [١٧ أ] أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، عقيب قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلى قوله ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، مما يدلُّ على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفًا للحق عن مواضعه ، فإنه إذا قبل الباطل أحبَّهُ ورضيه، فإذا جاء الحق بخلافه ردّه وكذَّبه إن قدر على ذلك، وإلا حَرّفه، كما تصنع الجَهْميّة بآيات الصفات وأحاديثها، يردون هذه بالتأويل الذي هو تكذيب لحقائقها، وهذه بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته. فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يُرِد الله أن يطهر قلوبهم؛ فإنها لو طهرت لما تعوَّضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله. كما أن المنحرفين من أهل الإرادة لمَّا لم تطهر قلوبهم تعوَّضوا بالسماع الشيطاني عن السماع القرآني الإيماني.
قال عثمان بن عفان ﵁: «لو طَهُرت قلوبنا لما شَبِعتْ من كلام الله» (٢).
стр. 136
فالقلب الطاهر ــ لكمال حياته ونوره وتخلُّصه من الأدران والخبائث ــ لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يُطهِّره الله، فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة، فإن القلب النجس كالبدن العلىل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح.
ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله، وأنه سبحانه لما لم يُرِد أن يُطهِّر قلوب القائلين بالباطل المحرِّفين للحق لم يحصل لها الطهارة.
ولا يصحُّ أن تفسَّر الإرادة هاهنا بالإرادة الدينية، وهي الأمر والمحبة، فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرًا ومحبة، ولم يرده منهم كونًا؛ فأراد الطهارة لهم، ولم يُرِدْ وقوعها منهم؛ لما له في ذلك من الحكمة التي فَواتُها أكرهُ إليه من فوات الطهارة منهم.
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القَدَر (١).
ودلت الآية على أن من لم يُطهِّر الله قلبه فلا بد أن يناله الخِزْيُ في الدنيا والعذاب في الآخرة، بحسب نجاسة قلبه وخبثه، ولهذا حرّم الله سبحانه
стр. 137
الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طِيبه وطهره (١)، فإنها دار الطيبين، ولهذا يقال لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، أي ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث.
فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير مُعَوِّق، ومن لم يتطهر في الدنيا؛ فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعدما يتطهر من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُهَذَّبون ويُنقَّون من بقايا بقيت عليهم، قصَّرت (٢) بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة (٣).
والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفًا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر، وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفًا على الطِّيب والطهارة، [١٧ ب] فلا يدخلها إلا طَيِّبٌ طاهر، فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب، ولهذا شُرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من
стр. 138
التوّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (١)، فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له طهوران صلح للدخول على الله، والوقوف بين يديه ومناجاته.
وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبي ﷺ : «اللهم طهِّرني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد» (٢)، كيف تُطهَّر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: «والماء البارد»، والحارُّ أبلغ في الإنقاء؟
فقال: الخطايا تُوجب للقلب حرارةً ونجاسة وضعفًا، فتُرخي القلبَ، وتُضْرِمُ (٣) فيه نارَ الشهوة، وتنجِّسه، فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمدُّ النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث ويُطفئ النار، فإن كان باردًا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبردٌ كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدَّته، فكان أذهبَ لأثرِ الخطايا.
стр. 139
هذا معنى كلامه، وهو محتاجٌ إلى مزيد بيان وشرح، فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسِّيَّان، وأمران معنويَّان:
فالنجاسة التي تزول بالماء هي ومُزِيلها حسيَّان، وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار؛ هي ومزيلها معنويَّان، وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا، فذكر النبي ﷺ من كل شطر قسمًا، نبّه به على القسم الآخر، فتضمنت كلماته الأقسام الأربعة في غاية الاختصار، وحسن البيان. كما في حديث الدعاء بعد الوضوء: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِّرين»؛ فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة.
ومن كمال بيانه ﷺ ، وتحقيقه لما يخبر به ويأمر به: تمثيل (١) الأمر المطلوب المعنوي بالأمر المحسوس، وهذا كثير في كلامه، كقوله في حديث علي بن أبي طالب ﵁: «سل الله الهدى والسداد، واذكُر بالهدى هدايتَك الطريق، وبالسداد سَداد السّهم» (٢)؛ وهذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر ــ إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته ــ كونَه مسافرًا، وقد ضل عن الطريق، فلا يدري أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها، فسأله أن يدلَّه على الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلاً لها بالطريق المحسوس للمسافر، وحاجة المسافر ــ إلى الله ــ سبحانه إلى من (٣) يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد إلى من يدلُّه على الطريق الموصل إليها.
стр. 140
وكذلك السداد، هو إصابة القصد قولاً وعملاً؛ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رامي السهم، إذا وقع سهمه في نفس الشيء الذي رماه؛ فقد سدّد سهمه وأصاب، ولم يقع باطلاً، فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله بمنزلة المصيب في رميه، وكثيرًا ما يُقْرَنُ في القرآن هذا وهذا.
فمنه قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ أمر الحاجّ بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يُبلِّغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من التقوى، [١٨ أ] فجمع بين الزادين.
ومنه قوله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى؛ زينة الظاهر والباطن، وجمال الظاهر والباطن.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]؛ فنفى عنه الضلال الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضًا، فهو منعَّم القلب والبدن بالهدى والفلاح.
ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف لما أرَتْهُ النسوةَ اللائمات لها في حُبِّه: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾، فأرَتْهُنَّ جماله الظاهر، ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]، فأخبرت عن جماله الباطن بعفَّته، فأخبرَتْهن بجمال باطنه، وأرتهُنَّ جمال ظاهره.
стр. 141
فنبَّه ﷺ بقوله: «اللهم طهِّرْني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يُطهّرُهما ويُبرِّدهما ويقوّيهما، وتضمن دعاؤه سؤالَ هذا وهذا، والله أعلم.
وقريبٌ من هذا أنه ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (١).
وفي هذا من السر ــ والله أعلم ــ أن النّجْوَ يُثقِل البدنَ ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تُثقِل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مُؤذيان مُضِرَّان بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه منْ هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأله أن يُخلِّصه من المؤذي الآخر ويُرِيح قلبه منه ويخففه.
وأسرار كلماته وأدعيته ﷺ فوق ما يخطر بالبال.
فصل
وقد وسَم الله سبحانه الشرك والزنى واللواط بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله في حق اللوطية: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي
стр. 142
كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقالت اللوطية: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]، فأقرُّوا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزُّناة: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦].
فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلَّظة، ونجاسة مخفَّفة، فالمغلَّظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يُشرَك به، والمخفَّفة: الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه، ورجائه.
ونجاسة الشرك عينية، ولهذا جعل سبحانه المشرك نَجَسًا بفتح الجيم، ولم يقل: إنما المشركون نجِس بالكسر؛ فإن النجَس عين النجاسة، والنجِس بالكسر هو المتنجس، فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نَجِسَ، والبول والخمر نجَس، فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم؛ فإن النجَس في اللغة والشرع هو المستقْذَر الذي تُطْلَب مباعدتُه والبعد منه، بحيث لا يُلْمَسُ ولا يُشَمُّ ولا يُرى، فضلاً أن يُخالط ويلابس؛ لقذارته ونُفْرة الطباع السليمة منه، وكلما كان الحي أكمل حياةً وأصحَّ حياءً كان إبعاده لذلك [١٨ ب] أعظم، ونفرته منه أقوى.
فالأعيان النجسة إما أن تُؤذي البدن، أو القلب، أو تؤذيهما معًا. والنجَس قد يؤذي برائحته (١)، وقد يؤذي بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة.
стр. 143
والمقصود أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة، فيغلب على الروح والقلب الخبثُ والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحي ليَشَمُّ من تلك الروح والقلب رائحةً خبيثة يتأذى بها، كما يتأذى من يشَمَّ رائحة النّتْن، ويظهر ذلك كثيرًا في عَرَقِهِ، حتى يجد لرائحة عَرَقِه نتنًا، فإن نَتْن القلب والروح يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره، والعَرق يَفِيض من الباطن، ولهذا كان الرجل الصالح طيبَ العرق، وكان رسول الله ﷺ أطيب الناس عرقًا، قالت أم سُلَيم ــ وقد سألها رسول الله ﷺ عنه وهي تلتقطه ــ: هو من أطيب الطيب (١).
فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثُها ونجاستها حتى يبدوَ على الجسد، والنفسُ الطيبة بضدها، فإذا تجردت وخرجت من البدن وُجِدَ لهذه كأطيب نَفْحَة مسكٍ وُجِدتْ على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جِيفةٍ وُجدتْ على وجه الأرض.
والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغضَ الأشياء إلى الله وأكرهَها له، وأشدها مقتًا لديه، ورتَّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتِّبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نَجَس، ومنعَهم من قُرْبان حَرَمِهِ، وحرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا. وهذا لأن الشرك هَضْمٌ لحق الربوبية، وتنقُّصٌ لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ
стр. 144
وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦].
فلم يُجمَع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جُمِع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظنَّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحَّدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قَدَروه حقَّ قدره في ثلاثة (١) مواضع من كتابه (٢)؛ وكيف يَقدِرُه حقَّ قدره من جعل له عِدْلاً ونِدًّا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويَذِلُّ له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويُؤْثِرُ مَرْضَاتَهُ؟
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي يجعلون له عِدْلاً في العبادة والمحبة والتعظيم.
وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا في النار أنها كانت ضلالاً وباطلاً، فيقولوا لآلهتهم وهم في النار مَعَهُمْ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سوَّوهم (٣) به في الذات والصفات والأفعال، ولا
стр. 145
قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض، وإنها تحيي وتميت، [١٩ أ] وإنما سوَّوها (١) به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب (٢) إلى الإسلام.
ومن العجب أنهم يَنْسُبون أهل التوحيد إلى التنقُّص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإنهم لا يشفعون لعابديهم أبدًا، بل قد حرَّم الله شفاعتَهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع.
فالشرك والتعطيل مبنيَّان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له نِدًّا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟
فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يُدبِّر أمرَ العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكلُّ ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يُعْلِمَهُ الواسطة، أو لا