← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فنبَّه ﷺ بقوله: «اللهم طهِّرْني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يُطهّرُهما ويُبرِّدهما ويقوّيهما، وتضمن دعاؤه سؤالَ هذا وهذا، والله أعلم. وقريبٌ من هذا أنه ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (١). وفي هذا من السر ــ والله أعلم ــ أن النّجْوَ يُثقِل البدنَ ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تُثقِل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مُؤذيان مُضِرَّان بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه منْ هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأله أن يُخلِّصه من المؤذي الآخر ويُرِيح قلبه منه ويخففه. وأسرار كلماته وأدعيته ﷺ فوق ما يخطر بالبال. فصل وقد وسَم الله سبحانه الشرك والزنى واللواط بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله في حق اللوطية: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي

стр. 142

كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقالت اللوطية: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]، فأقرُّوا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزُّناة: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلَّظة، ونجاسة مخفَّفة، فالمغلَّظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يُشرَك به، والمخفَّفة: الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه، ورجائه. ونجاسة الشرك عينية، ولهذا جعل سبحانه المشرك نَجَسًا بفتح الجيم، ولم يقل: إنما المشركون نجِس بالكسر؛ فإن النجَس عين النجاسة، والنجِس بالكسر هو المتنجس، فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نَجِسَ، والبول والخمر نجَس، فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم؛ فإن النجَس في اللغة والشرع هو المستقْذَر الذي تُطْلَب مباعدتُه والبعد منه، بحيث لا يُلْمَسُ ولا يُشَمُّ ولا يُرى، فضلاً أن يُخالط ويلابس؛ لقذارته ونُفْرة الطباع السليمة منه، وكلما كان الحي أكمل حياةً وأصحَّ حياءً كان إبعاده لذلك [١٨ ب] أعظم، ونفرته منه أقوى. فالأعيان النجسة إما أن تُؤذي البدن، أو القلب، أو تؤذيهما معًا. والنجَس قد يؤذي برائحته (١)، وقد يؤذي بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة.

стр. 143

والمقصود أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة، فيغلب على الروح والقلب الخبثُ والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحي ليَشَمُّ من تلك الروح والقلب رائحةً خبيثة يتأذى بها، كما يتأذى من يشَمَّ رائحة النّتْن، ويظهر ذلك كثيرًا في عَرَقِهِ، حتى يجد لرائحة عَرَقِه نتنًا، فإن نَتْن القلب والروح يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره، والعَرق يَفِيض من الباطن، ولهذا كان الرجل الصالح طيبَ العرق، وكان رسول الله ﷺ أطيب الناس عرقًا، قالت أم سُلَيم ــ وقد سألها رسول الله ﷺ عنه وهي تلتقطه ــ: هو من أطيب الطيب (١). فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثُها ونجاستها حتى يبدوَ على الجسد، والنفسُ الطيبة بضدها، فإذا تجردت وخرجت من البدن وُجِدَ لهذه كأطيب نَفْحَة مسكٍ وُجِدتْ على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جِيفةٍ وُجدتْ على وجه الأرض. والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغضَ الأشياء إلى الله وأكرهَها له، وأشدها مقتًا لديه، ورتَّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتِّبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نَجَس، ومنعَهم من قُرْبان حَرَمِهِ، وحرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا. وهذا لأن الشرك هَضْمٌ لحق الربوبية، وتنقُّصٌ لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ

стр. 144

وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. فلم يُجمَع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جُمِع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظنَّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحَّدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قَدَروه حقَّ قدره في ثلاثة (١) مواضع من كتابه (٢)؛ وكيف يَقدِرُه حقَّ قدره من جعل له عِدْلاً ونِدًّا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويَذِلُّ له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويُؤْثِرُ مَرْضَاتَهُ؟ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي يجعلون له عِدْلاً في العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا في النار أنها كانت ضلالاً وباطلاً، فيقولوا لآلهتهم وهم في النار مَعَهُمْ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سوَّوهم (٣) به في الذات والصفات والأفعال، ولا

стр. 145

قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض، وإنها تحيي وتميت، [١٩ أ] وإنما سوَّوها (١) به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب (٢) إلى الإسلام. ومن العجب أنهم يَنْسُبون أهل التوحيد إلى التنقُّص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإنهم لا يشفعون لعابديهم أبدًا، بل قد حرَّم الله شفاعتَهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع. فالشرك والتعطيل مبنيَّان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له نِدًّا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟ فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يُدبِّر أمرَ العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكلُّ ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يُعْلِمَهُ الواسطة، أو لا

стр. 146

يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحدَه، أو لا يفعل ما يريد بالعبد (١) حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثُّرِه به من القِلّة، وتعزُّزِه به من الذّلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقًا؛ فهو يُقْسِم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يَعِزُّ عليهم ولا يمكنهم مخالفته. وكل هذا تنقُّصٌ للربوبية، وهَضْمٌ لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفِه ورجائه والتوكلِ عليه والإنابةِ إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحلُّ ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عَبَده من دونه. فالشرك ملزومٌ لتنقُّص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورةً، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمالُ ربوبيته ألا يغفره، وأن يُخلِّد صاحبَه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يُعظِّمه (٢) بذلك، كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول، وإن زعم أنه معظِّم له بتلك البدعة؛ فإنه

стр. 147

يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، ويزعم أنها هي السنة إن كان جاهلاً مقلِّدًا، وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاقٌّ لله ورسوله. فالمتنقِّصون المنقوصون عند الله ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة، ولا سيما من بَنَى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد الىقين، ولا تُغني من الىقين والعلم شيئًا. فيا لله [١٩ ب] للمسلمين! أيُّ شيء فات هذا من التنقص؟ وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى، خشيةَ ما يتوهمه من التشبيه والتجسيم لله؛ فقد جاء من التنقص بضدِّ ما وصف اللهُ سبحانه به نفسَه من الكمال. والمقصود أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص في الحقيقة، بل هم أعظم الناس تنقصًا، لبّس عليهم الشيطان، حتى ظنوا أن تنقُّصهم هو الكمال، ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالإثم والبغي قرينان، والشرك والبدعة قرينان. فصل وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر؛ فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله ، ولهذا لم يُرتِّب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك، وهكذا (١) استقرّت الشريعة على

стр. 148

أنه يُعفَى عن النجاسات المخففة ــ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخُفّ والحذَاء، وبول الصبي الرّضيع وغير ذلك ــ مالا يُعْفَى عن المغلظة، وكذلك يُعفَى عن الصغائر ما لا يُعفَى عن الكبائر، ويُعفَى لأهل التوحيد المحض الذي لم يَشُوبوه بالشرك ما لا يُعفَى لمن ليس كذلك. فلو لقي الموحِّدُ ــ الذي لم يشرك بالله شيئًا البتة ــ ربَّه بقُراب الأرض خطايا أتاه بقُرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابَهُ بالشرك؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب، فإنه يتضمن من محبة الله وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده، ما يوجب غَسْلَ الذنوب، ولو كانت قُراب الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قويّ، فلا تثبت معه. ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تُفسِد القلب، وتُضعِف توحيده جدًّا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركًا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصًا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. فإن عشق الصور المحرّمة نوع تَعَبُّدٍ لها ، بل هو من أعلى أنواع التعبد، ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتَيُّمًا، والتتيم: التعبد، فيصير العاشق عابدًا لمعشوقه، وكثيرًا ما يغلب حبُّه وذِكْرُه والشوق إليه، والسعي في مرضاته، وإيثارُ محابّه، على حب الله وذِكْرِه والسعي في مرضاته، بل كثيرًا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكُلِّية، ويصير متعلقًا

стр. 149

بمعشوقه من الصور كما هو مشاهد، فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله، يُقدِّم رضاه وحبَّه على رضا الله وحبه، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، ويُنفِق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة الله، ويتجنّب من (١) سَخَطه ما لا يتجنب من سخط الله، فيصير آثرَ عنده من ربِّه: حُبًّا، وخضوعًا، وذلًّا، وسمعًا، وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ [٢٠ أ] ذاك مشركة، فكلما قوي شرك العبد بُليَ بعشق الصور، وكلما قوي توحيده صُرِف ذلك عنه، والزنى واللواط كمال لذّته إنما يكون مع العشق، ولا يخلو صاحبهما منه، وإنما ــ لتنقُّله من محل إلى محل ــ لا يبقى عشقه مقصورًا على محل واحد، بل ينقسم على سِهام (٢) كثيرة، لكل محبوبٍ نصيبٌ من تألُّهِه وتعبُّدِه. فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بعُد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب (٣)، وكلما ازداد خبثًا ازداد من الله بعدًا، ولهذا قال المسيح فيما رواه الإمام أحمد في كتاب «الزهد» (٤): «لا

стр. 150

يكون البطّالون من الحكماء، ولا يِلِجُ الزناة مَلكوتَ السماء». ولما كانت هذا حال الزنى كان قرينًا للشرك في كتاب الله، قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. والصواب القول بأن هذه الآية محكمة يُعمل بها، لم ينسخها شيء، وهي مشتملة على خبر وتحريم، ولم يأتِ من ادّعى نسخها بحجةٍ البتة، والذي أشكل منها على كثير من الناس واضح بحمد الله، فإنهم أشكل علهم قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ هل هو خبر أو نهي أو إباحة؟ فإن كان خبرًا فقد رأينا كثيرًا من الزناة ينكح عفيفة. وإن كان نهيًا فيكون قد نهى الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة، فيكون نهيًا له عن نكاح المؤمنات العفائف، وإباحةً له نكاحَ المشركات والزواني، والله سبحانه لم يُرِد ذلك قطعًا، فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا للآية وجهًا يصح حملها عليه. فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنى، فكأنه قال: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة. وهذا فاسدٌ، فإنه لا فائدة فيه، ويُصان كلام الله عن حمله على مثل ذلك، فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية، فأي فائدة في الإخبار بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه. ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة، وهي عَناق البَغِيّ وصاحبها؛ فإنه أسلم واستأذن رسول الله ﷺ في نكاحها، فنزلت هذه الآية (١).

стр. 151

وهذا أيضًا فاسدٌ، فإن هذه الصورة المعيَّنة ــ وإن كانت سبب النزول ــ فالقرآن لا يُقتصر به على مَحالِّ أسبابه، ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها. وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وهذا أفسد من الكل، فإنه لا تعارضَ بين هاتين الآيتين، ولا تُناقِضُ إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرّم نكاح الزانية، كما حرّم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟ فإن قيل: فما وجه الآية؟ قيل: وجهها ــ والله أعلم ــ: أن المتزوج أُمِر أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء (١) والمائدة (٢)؛ والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، والإباحة قد عُلّقت على شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه، [٢٠ ب] فإن لم يلتزم فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حُرِّم عليه لم يصح النكاح، فيكون زانيًا، فظهر معنى قوله: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، وتبيَّن غاية البيان وكذلك حكم المرأة.

стр. 152

وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه، فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل، فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قَرْنانًا دَيُّوثًا زوجَ بغيّ، فإن الله فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا: زوج قَحْبَةٍ، فحرّم الله تعالى على المسلم أن يكون كذلك. فظهرت حكمة التحريم، وبان معنى الآية، والله الموفق. ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه الخيانة من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله بين الناس لتمام مصالحهم، وعَدُّوهُ من جملة نعمه عليهم، فالزنى يُفضِي إلى (١) اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فمن محاسن الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتُستبرأ. وأيضًا فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه، والله سبحانه جعل النكاح سببًا للمودة والرحمة، والمودة: خالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيِّب، زوجًا له؟ والزوج سُمِّيَ زوجًا من الازدواج، وهو الاشتباه؛ فالزوجان: الاثنان المتشابهان (٢)، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعًا وقَدَرًا، فلا يصحُّ معها الازدواج والتراحم والتوادُّ، ولقد أحسن كلَّ الإحسان مَنْ ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة. فأين هذا مِن قول مَن جوَّز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزاني البارحة؟ وقال: ماء الزاني لا حرمة له. فهب أن الأمر كذلك؛ فماء الزوج له حرمة، فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد؟

стр. 153

والمقصود أن الله سبحانه سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شُرِعَتْ فيه الطهارة وإن كان حلالاً، وسُمِّيَ فاعله جُنُبًا، لبعده عن قراءة القرآن وعن الصلاة وعن المساجد، فمُنِعَ من ذلك كله حتى يتطهر بالماء، فكذلك إذا كان حرامًا يبعد القلب عن الله وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى يُحْدِثَ طُهرًا كاملاً بالتوبة، وطُهرًا لبدنه بالماء. وقول اللوطية: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأُخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩]. وهكذا المشرك، إنما يَنقِم على الموحد تجريدَه للتوحيد، وأنه لا يشوبه بالإشراك. وهكذا المبتدع، إنما يَنقِم على السُّنِّيِّ تجريدَه متابعةَ الرسول، وأنه لم يَشُبْها بآراء الرجال، ولا بشيء مما خالفها. فَصَبْرُ الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه مِنْ صَبْرِه على ما يَنقِمُه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة. إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الصَّبْرِ فَاصْطَبِرْ ... عَلَى الحَقِّ، ذَاكَ الصَّبْرُ تُحْمَدُ عُقْبَاهُ (١)

стр. 154

الباب العاشر [٢١ أ] في علامات مرض القلب وصحته كلُّ عضو من أعضاء البدن خُلق لفعل خاص به، كماله في حصول ذلك الفعل منه، ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خُلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع من الاضطراب. فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف، ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خُلق له من المعرفة بالله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة. ف لو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا ، ولو نال كلَّ حظ من حظوظ الدنيا ولذّاتها وشهواتها، ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به، فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خاليًا من ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابًا له ولا بدَّ، فيصير مُعذَّبًا بنفس ما كان مُنعَّمًا به من جهتين: من جهة حسرة فَوْته، وأنه حِيلَ بينه وبينه، مع شدة تعلُّق روحه به، ومن جهة فَوْت ما هو خير له وأنفع وأدوم حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به. وكل من عرف الله أحبَّه وأخلص العبادة له ولا بدَّ، ولم يُؤثِر عليه شيئًا من المحبوبات فمن آثر عليه شيئًا من المحبوبات؛ فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث، وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيِّب، وتعوَّضت بمحبة غيره.

стр. 155

وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به (١) صاحبه؛ لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تُؤلِمه جراحات القبائح، ولا يُوجِعه جهله بالحق وعقائده الباطلة؛ فإن القلب إذا كان فيه حياة يألم بورود القبيح عليه، ويألم بجهله بالحق بحسب حياته، و ما لِجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ (٢) وقد يشعر بمرضه (٣)، ولكن يشتد عليه تحمُّلُ مرارة الدواء والصبر عليها؛ فيُؤْثِرُ بقاءَ ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس لها أنفع منه. وتارة يُوطِّن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه؛ لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مَخُوفٍ مُفْضٍ إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق، ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عَدِمَ الرفيقَ، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس؟ فلي بهم أسوة. وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم؛ فالبصير الصادق لا يستوحش

стр. 156

من قلة الرفيق ولا من فقده؛ إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل (١) الأول، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ فتفرُّدُ العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب. ولقد سئل إسحاق بن راهَوَيْه عن مسألة فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننتُ أن أحدًا يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافق؛ فإن الحق إذا لاح وتبيَّن لم يَحْتَجْ إلى شاهد يشهد به. [٢١ ب] والقلب يُبْصِرُ الحقَّ كما تبصر العينُ الشمسَ؛ فإذا رأى الرائي الشمس لم يحتج ــ في علمه بها واعتقاده أنها طالعة ــ إلى من يشهد بذلك ويوافقه عليه. وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب «الحوادث والبدع» (٢). «حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة: فالمراد به لزوم الحق واتّباعه، وإن كان المتمسِّك به قليلًا، والمخالف له كثيرًا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأوْدي: صحبتُ معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاةٌ يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها،

стр. 157

فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تُحدِّثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضُّني عليها، ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون! قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية؛ تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعةَ، الجماعةُ ما وافق الحق، وإن كنتَ وحدك (١). وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال: ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله . قال نُعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذٍ. ذكره البيهقي وغيره» (٢). وقال أبو شامة عن مبارك، عن الحسن البصري، قال: «السنة ــ والذي لا إله إلا هو ــ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقلّ الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا» (٣).

стр. 158

وكان محمد بن أسلم الطُّوسي ــ الإمام المتفق على إمامته مع رتبته ــ أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: «ما بلغني سنةٌ عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبًا، فما مُكّنت من ذلك» (١). فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السّواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم» (٢): مَنِ السواد الأعظم؟ فقال: «محمد بن أسلم الطُّوسي هو السواد الأعظم» (٣). وصدق والله؛ فإن العصر إذا كان فيه إمامٌ عارف بالسنة داعٍ إليها، فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السوادُ الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولَّاه الله ما تولى، وأصلاه جهنّم، وساءت مصيرًا. والمقصود أن من علامات أمراض القلوب عُدُولَها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعُدُولَها عن دوائها النافع إلى دائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شافٍ، وغذاء ضارٌّ، وداءٌ (٤) مهلك.

стр. 159

فالقلب الصحيح: يُؤثِرُ النافعَ الشافي على الضارِّ المؤذي، والقلب المريض بضدِّ ذلك. وأنفع الأغذية: غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية: دواء القرآن، وكلٌّ منهما فيه الغذاء والدواء. ومن علامات صحته أيضًا أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحلَّ فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، [٢٢ أ] جاء إلى هذه الدار غريبًا، يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعُدَّ نفسك من أهل القبور» (١). فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ... مَنَازِلُكَ الأولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ وَلكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرَى ... نَعُودُ إلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ؟ (٢) وقال على بن أبي طالب ﵁: «إن الدنيا قد ترحّلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ترحّلت مقبلةً، ولكلٍ منهما بَنُونَ، فكونوا من أبناء الآخرة،

стр. 160

ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل» (١). وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرب منها، حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتلَّ آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها. ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يَضرِب على صاحبه، حتى يُنيب إلى الله ويُخْبِت إليه، ويتعلق به تعلُّق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأُنس به. فبه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف. فَذِكْرُه: قُوتُه وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه: داؤه، والرجوع إليه: دواؤه. فإذا حصل له ربُّه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدَّتْ تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدُّها شيء سوى الله تعالى أبدًا، وفيه شعثٌ (٢) لا يَلُمُّه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائمًا يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذٍ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، وتصير له حياة

стр. 161

أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خُلِقَ الخَلْقُ، ولأجله خُلِقت الجنة والنار، وله أُرْسِلت الرسل وأُنزلت الكتب، ولو لم يكن له جزاءً إلا نفسُ وجوده لكفى به جزاءً، وكفى بفوته حسرةً وعقوبةً، كما قيل: وَمَن صَدَّ عَنَّا حَظُّهُ (١) البُعْدُ والقِلَى ... وَمَنْ فاتَنا (٢) يَكْفِيهِ أَنِّي أَفُوتُهُ (٣) قال بعض العارفين: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعُّم بذكره وطاعته» (٤). وقال آخر: «إنه ليمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيِّب» (٥). وقال آخر: «والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته» (٦).

стр. 162

وقال أبو الحسين (١) الورّاق: «حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير» (٢). ولهذا كان الفَوْتُ عند العارفين بالله أشدَّ عليهم من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟! وقال آخر: «من قرَّت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات» (٣). وقال يحيى بن معاذ: «من سُرَّ بخدمة الله سُرَّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرَّت عينه بالله قرَّتْ عيون كل أحد بالنظر إليه» (٤). ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلا بمن يَدُلُّهُ عليه، ويُذكِّره به، ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِرْده وجد لفواته ألمًا أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله [٢٢ ب] وفقده. ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.

стр. 163

ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همُّه وغمُّه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقُرَّةَ عينه وسرورَ قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون همُّه واحدًا، وأن يكون في الله. ومن علامات صحته: أن يكون أشحَّ بوقته أن يذهب ضائعًا من أشد الناس شُحًّا بماله. ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك مِنّة الله عليه فيه، وتقصيره في حق الله. فهذه ستةُ (١) مشاهد، لا يشهدها إلا القلب الحيُّ السليم. وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همُّه كله في الله، وحبُّه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه، والخلوة به آثرُ عنده من الخلطة؛ إلا حيث تكون الخلطة (٢) أحبَّ إليه وأرضى له، قُرّةُ عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتًا إلى غيره تلا عليها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، فهو يُردِّد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه؛ فينصبغ القلب بين

стр. 164

يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة (١) العبودية، فتصير العبودية صفة (٢) وذوقًا لا تكلفًا، فيأتي بها تودُّدًا وتحببًا وتقربًا، كما يأتي المحب المتيَّم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله. فكلما عَرَضَ له أمر من ربه أو نهْيٌ أحسَّ من قلبه ناطقًا ينطق لبّيْكَ وسَعْديْك، إني سامع مطيع ممتثل، ولك عليّ المِنّة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك. وإذا أصابه قَدَر وجد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تُصبِّرني، ولا قوة لي إن لم تَحمِلنْي وتُقَوِّني، لا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصرافَ لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك. فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكلِّيَّته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمةٌ أُهدِيَتْ إليّ، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صُرِفَ عنه ما يحب قال: شرٌّ صُرف عني: وَكَمْ رُمْتُ أَمْرًا خِرْتَ لِي في انْصِرافِهِ ... وَمَا زِلْتَ بي مِنِّي أَبَرَّ وَأَرْحَمَا (٣) فكل ما مسّه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقًا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما قيل (٤):

стр. 165

ما مَسّنِي قدَرٌ بِكُرْهٍ أوْ رِضًا ... إلَّا اهْتَدَيْتُ بِهِ إليكَ طَرِيقَا أَمْضِ القَضَاءَ على الرِّضَا مِنِّي بِهِ ... إنِّي وجَدْتُكَ فِي البَلاءِ رَفِيقَا فلله هاتيك القلوبُ وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أُودِعَتْهُ من الكنوز والذخائر! ولله طِيبُ أسرارها، ولاسيما يوم تُبْلَى السرائر! سَيَبْدُو لَهَا طِيبٌ وَنُورٌ وَبَهْجَةٌ ... وَحُسْنُ ثَنَاءٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائرُ (١) تالله لقد رُفع لها عَلَمٌ عظيم فشمَّرتْ إليه، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى؛ فلم تستجب له، واختارته على ما سواه وآثرت ما لديه.

стр. 166

الباب الحادي عشر [٢٣ أ] في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب؛ فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبُّ، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء، وأولُ ما تنال القلب، وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» (١). وفي «المسند»، والترمذي من حديث حُصين بن عبيد (٢): أن رسول الله ﷺ قال له: «يا حُصين! كم تعبد اليوم إلهًا؟» (٣) قال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فمن الذي تُعِدُّ لرَغْبتك ورهبتك؟»، قال: الذي في السماء، قال: «أسْلِمْ حتى أعلِّمك كلمتين ينفعك الله بهما»، فأسلم، فقال له: «قل: اللهم ألهمني رشدي، وقِني شرّ نفسي» (٤).

стр. 167

وقد استعاذ النبي ﷺ من شرِّها عمومًا، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال؛ وفيه وجهان: أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي: أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها. فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. ويدخل العمل السيئ في شر النفس، فهل المعنى: ما يسوؤني (١) من جزاء عملي، أو من عملي السيئ؟ وقد يترجَّح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجَبه؛ وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. وقد اتفق السالكون إلى الله ــ على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم ــ

стр. 168

على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يُدخَلُ عليه سبحانه ولا يُوصل إليه إلا بعد تركها، وإماتتها بمخالفتها، والظفر بها. فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه؛ فملكتْه وأهلكتْه، وصار طوعًا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم؛ فقهروها، فصارت طوعًا لهم، مُنقادةً لأوامرهم. كما قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظَفِر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب تعالى يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة والى هذا مرة، وهذا موضع المحنة و الابتلاء. وقد وصف سبحانه النفسَ في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمّارة بالسوء، واللوامة. فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة؟ والأول: قول الفقهاء والمتكلمين، وجمهور أهل التفسير، وقول مُحقِّقي الصوفية. والثاني: قول كثير من أهل التصوف.

стр. 169

والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين؛ فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاثة (١) باعتبار صفاتها، فإذا اعتُبرت بنفسها فهي واحدة، وإن [٢٣ ب] اعتُبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون: إن لكل أحد ثلاث أنفس؛ كل نفس قائمة بذاتها، مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قُبض العبد قُبضت له ثلاثة أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها! وحيث ذكر سبحانه النفس وأضافها إلى صاحبها؛ فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد: «نفوسك» و «نفوسه»، ولا «أنفسك» و «أنفسه»؛ وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، أو عند إضافتها إلى الجمع؛ كقوله ﷺ : «إنما أنفسنا بيد الله» (٢)، ولو كانت في الإنسان ثلاثة أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه؛ ولو في موضع واحد. فالنفس إذا سَكَنَتْ إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الموافاة (٣): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]. قال ابن عباس: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، يقول: المصدِّقة (٤).

стр. 170

وقال قتادة: «هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله» (١). وقال الحسن: «المطمئنة بما قال الله، والمصدقة بما قال» (٢). وقال مجاهد: «هي المُنيبة المُخْبتة التي أيقنت أن الله ربُّها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه» (٣). وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذِكْره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذِكْره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضا به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحَسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها، وإلهها، ومعبودها، ومليكها، ومالك أمرها كلِّه، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عينٍ. وإذا كانت بضدِّ ذلك فهي أمَّارة بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغيّ واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، إن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه، وقد أخبر سبحانه أنها أمّارة بالسوء، ولم يقل: آمرة؛ لكثرة

стр. 171

ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله، وجعلها زاكيةً تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة إلا من ﵀ (١)، والعلمُ والعدلُ طارئٌ عليها بإلهام ربِّها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يُلِهمْها رشدَها بقيتْ على ظلمها وجهلها، فلم تكن أمَّارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة. فإذا أراد سبحانه بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح من الإرادات والتصورات، وإذا لم يُرِدْ بها ذلك تركها على حالها التي خُلقت عليها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة، وهي في الأصل جاهلة، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء أمرًا لازمًا (٢) لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا يُعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تُشبِهها ضرورة تُقاس بها؛ فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عينٍ خسِر وهلك. فصل وأما اللوّامة فاختُلِف [٢٤ أ] في اشتقاق هذه اللفظة: هل هو من التلوُّم؛ وهو التلوُّن والتردد؟ أو من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.

стр. 172

قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: «هي النفس اللَّؤوم» (١). وقال مجاهد: «هي التي تَنْدَم على ما فات، وتلوم عليه» (٢). وقال قتادة: «هي الفاجرة» (٣). وقال عكرمة: «تلوم على الخير والشر» (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: «كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة: يلوم المحسنُ نفسَه أن لا يكون ازداد إحسانًا، ويلوم المسيءُ نفسَه أن لا يكون رجع عن إساءته» (٥). وقال الحسن: «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسَه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل؛ فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليَمضي قُدُمًا، لا يُعاتِب نفسَه» (٦).

стр. 173

فهذه عباراتُ من ذَهب إلى أنها من اللَّوْم. وأما من جعلها من التلوُّم فلكثرة ترددها وتلوُّمها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر؛ فإن هذا المعنى لو أُريد لقيل: المتلوِّمة، كما يقال: المتلونة والمترددة، ولكن هو من لوازم القول الأول؛ فإنها لتلُّومِها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه، فالتلوّم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمّارةً، وتارة لوامةً، وتارة مطمئنةً، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل فيها (١) هذا وهذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنةً وصفُ مدحٍ لها، وكونها أمّارةً بالسوء وصفُ ذمٍّ لها، وكونها لوامةً ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. والمقصود ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها. وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : «الكَيّس من دان نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجز من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنّى على الله» (٢)، دان نفسه أي: حاسبها.

стр. 174

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ، وَتَزَيّنوا للعرض الأكبر؛ يومئذٍ تُعرَضون لا تخفى منكم خافية» (١). وذكر أيضًا عن الحسن، قال: «لا يُلفَى المؤمنُ إلا يُحاسِبُ نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ وماذا أردتُ بأكلتي؟ وماذا أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا، لا يُحاسِب نفسَه» (٢). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]: «أضاع نفسَه وغُبِن، مع ذلك تراه حافظًا لمالِه مضيِّعًا لدينه» (٣). وقال الحسن: «إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة من همَّته» (٤).

стр. 175

وقال ميمون بن مِهران: «لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبةً من الشريك لشريكه» (١)، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك. وقال ميمون بن مهران أيضًا: «إنّ التقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من سلطان عَاصٍ، ومن شريك شحيح» (٢). وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: «مكتوبٌ في حكمة آل داود: حقٌّ على العاقل أن لا يَغفُل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربَّه، وساعة يُحاسب فيها نفسَه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين [٢٤ أ] يخبرونه بعيوبه ويَصْدُقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب» (٣).

стр. 176

وقد رُوي هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ ، رواه أبو حاتم ابنُ حبان وغيره (١). وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه، ثم يقول: حَسِّ يا حُنَيفُ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟» (٢). وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عُمَّاله: «حاسِبْ نفسَك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن من حاسب نفسه في الرخاءِ قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألْهَتْهُ حياتُه وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والحسرة» (٣).

стр. 177

وقال الحسن: «المؤمن قوّامٌ على نفسه، يُحاسِب نفسَه لله، وإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يَفْجؤه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات! حِيْلَ بيني وبينك. ويَفرُط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردتُ إلى هذا ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدًا. إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هَلَكَتِهم، إن المؤمن أسيرٌ في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يَلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله» (١). وقال مالك بن دينار: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا؟! ثم زَمَّها، ثم خَطَمَها، ثم ألزمها كتابَ الله ، فكان لها قائدًا» (٢). وقد مُثِّلَتِ النفسُ مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولًا، ثم

стр. 178

بمطالعة (١) ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيًا، ثم بمحاسبته ثالثًا، ثم يمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعًا، فكذلك النفس؛ يُشارطها (٢) أولًا على حفظ الجوارح السبعة التي حِفْظُها هو رأس المال؛ والربح بعد ذلك، فمن ليس له رأس مال؛ فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة ــ وهي العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج، واليد، والرِّجل ــ هي مركب العَطَب والنجاة، فمنها عطب مَنْ عطب بإهمالها وعدمِ حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها، فحِفْظُها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وَقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يُهملها، فإنه إن أهملها لحظة وقعتْ (٣) في الخيانة ولا بدَّ، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة، حتى يذْهَبَ رأس المال

стр. 179

كلُّه، فمتى أحسّ بالنقصان [٢٥ أ] انتقل إلى المحاسبة؛ فحينئذٍ يتبيَّنُ له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقَّنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه، من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن والاستبدال بغيره؛ فإنه لا بدَّ له منه، فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. ويُعينه على هذه المراقبة والمحاسبةِ معرفتُه أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدًا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدًا. ويعينه عليها أيضًا معرفتُه أن ربح هذه التجارة سُكْنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار، والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحقٌّ على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر: أن لا يغفُلَ عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها (١)، فكل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خَطَرَ لها، يمكن أن يُشترى به كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبدَ الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يَجلِب هلاكَه: خسران عظيم، لا يَسمح بمثله إلا أجهلُ الناس وأحمقهم وأقلهم عقلًا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].

стр. 180

فصل ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همته وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر» (١). وشرح هذا بعضهم، فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهَمّ به العبدُ (٢) وقف أولًا، ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أم غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورًا لم يُقْدِم عليه، وإن كان مقدورًا وقف وقفة أُخري ونظر: هل فعلُه خير من ترْكه، أو تركه خير من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يُقْدِم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة، ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه، أم إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يُقدمِ عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخفّ عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يَخِف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى، ونظر: هل هو مُعانٌ عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك؛ أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده مُعانًا عليه فليُقْدِم عليه
следующие страницы →