← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد رُوي هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ ، رواه أبو حاتم ابنُ حبان وغيره (١). وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه، ثم يقول: حَسِّ يا حُنَيفُ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟» (٢). وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عُمَّاله: «حاسِبْ نفسَك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن من حاسب نفسه في الرخاءِ قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألْهَتْهُ حياتُه وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والحسرة» (٣).

стр. 177

وقال الحسن: «المؤمن قوّامٌ على نفسه، يُحاسِب نفسَه لله، وإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يَفْجؤه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات! حِيْلَ بيني وبينك. ويَفرُط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردتُ إلى هذا ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدًا. إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هَلَكَتِهم، إن المؤمن أسيرٌ في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يَلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله» (١). وقال مالك بن دينار: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا؟! ثم زَمَّها، ثم خَطَمَها، ثم ألزمها كتابَ الله ، فكان لها قائدًا» (٢). وقد مُثِّلَتِ النفسُ مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولًا، ثم

стр. 178

بمطالعة (١) ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيًا، ثم بمحاسبته ثالثًا، ثم يمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعًا، فكذلك النفس؛ يُشارطها (٢) أولًا على حفظ الجوارح السبعة التي حِفْظُها هو رأس المال؛ والربح بعد ذلك، فمن ليس له رأس مال؛ فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة ــ وهي العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج، واليد، والرِّجل ــ هي مركب العَطَب والنجاة، فمنها عطب مَنْ عطب بإهمالها وعدمِ حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها، فحِفْظُها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وَقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يُهملها، فإنه إن أهملها لحظة وقعتْ (٣) في الخيانة ولا بدَّ، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة، حتى يذْهَبَ رأس المال

стр. 179

كلُّه، فمتى أحسّ بالنقصان [٢٥ أ] انتقل إلى المحاسبة؛ فحينئذٍ يتبيَّنُ له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقَّنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه، من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن والاستبدال بغيره؛ فإنه لا بدَّ له منه، فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. ويُعينه على هذه المراقبة والمحاسبةِ معرفتُه أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدًا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدًا. ويعينه عليها أيضًا معرفتُه أن ربح هذه التجارة سُكْنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار، والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحقٌّ على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر: أن لا يغفُلَ عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها (١)، فكل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خَطَرَ لها، يمكن أن يُشترى به كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبدَ الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يَجلِب هلاكَه: خسران عظيم، لا يَسمح بمثله إلا أجهلُ الناس وأحمقهم وأقلهم عقلًا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].

стр. 180

فصل ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همته وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر» (١). وشرح هذا بعضهم، فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهَمّ به العبدُ (٢) وقف أولًا، ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أم غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورًا لم يُقْدِم عليه، وإن كان مقدورًا وقف وقفة أُخري ونظر: هل فعلُه خير من ترْكه، أو تركه خير من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يُقْدِم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة، ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه، أم إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يُقدمِ عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخفّ عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يَخِف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى، ونظر: هل هو مُعانٌ عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك؛ أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده مُعانًا عليه فليُقْدِم عليه

стр. 181

فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوات خصلةٍ من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. فهذه أربع مقامات، يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل؛ فلا كلُّ ما يريد العبد فَعله يكون مقدورًا له، ولا كلُّ ما يكون مقدورًا له يكون فعله خيرًا له من تركه، ولا كلُّ ما يكون فعله خيرًا له من تركه [٢٥ ب] يفعله لله، ولا كلُّ ما يفعله لله يكون مُعانًا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يُقدم عليه، وما يُحجِم عنه. فصل النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصّرت فيها من حق الله؛ فلم تُوقِعها على الوجه الذي ينبغي. وحق الله في الطاعة بمراعاة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود مِنّة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسَه: هل وَفّى هذه المقامات حقَّها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟ الثاني: أن يحاسب نفسه على عمل كان تركُه خيرًا له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لِمَ فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحًا فيه، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظَّفَرُ به.

стр. 182

فصل وأضرّ ما عليه: الإهمالُ، وتركُ المحاسبة، والاسترسالُ، وتسهيلُ الأمور، وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يُغمِض عينيه عن العواقب، ويُمشِّي الحال، ويتكل على العفو؛ فيهمل (١) محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنِس بها، وعَسُر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحِمْية أسهل من الفطام وتركِ المألوف والمعتاد. قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله، قال: كان توبة بن الصمَّة بالرقة، وكان محاسبًا لنفسه، فحسب يومًا، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمس مائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتا! ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفى كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرّ مغشيًّا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلًا يقول: "يا لكِ ركضةً إلى الفردوس الأعلى!» (٢). وجِمَاع ذلك: أن يحاسب نفسه أولًا على الفرائض، فإن تذكَّر فيها نقصًا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلِق له تداركه بالذِّكْر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشته يداه، أو سمعته أذناه: ماذا

стр. 183

أردتِ بهذا؟ ولمن فعلتيه (١)؟ وعلى أي وجه فعلتيه؟ ويعلم أنه لابد أن يُنشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لمن فعلته؟ وديوان: كيف فعلته؟ فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: سؤال عن المتابعة، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]، وقال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. فإذا سُئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟ قال مقاتل (٢): «يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم؛ لكي يسأل الله الصادقين ــ يعني به النبيين ــ عن تبليغ الرسالة». وقال مجاهد: «يسأل المبلِّغين المؤدِّين عن الرسل» (٣)، يعني: هل بلَّغوا عنهم؟ كما يسأل الرسلَ: هل بلَّغوا عن الله؟ والتحقيق: [٢٦ أ] أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته، ويسأل المبلِّغين عنهم عن تبليغ ما بلَّغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بَلَغتهم الرسالة: ماذا أجابوا المرسلين؟ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].

стр. 184

قال قتادة: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيُسأل عن المعبود وعن العبادة (١). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: «يقول تعالى: ثم ليسألنكم الله عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ ومن أين وصلتم إليه؟ وفيمَ أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟» (٢). وقال قتادة: «إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه» (٣). والنعيم المسؤول عنه نوعان: نوع أُخذ من حِلِّه وصُرف في حقه، فيُسأل عن شُكره. ونوع أُخذ بغير حِلِّه، وصُرف في غير حقه، فيُسأل عن مُسْتخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسؤولًا ومحاسبًا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يُناقش الحساب.

стр. 185

وقد دلَّ على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: من الصالحات التي تُنجِيه، أم من السيئات التي تُوبِقه؟ قال قتادة: «ما زال ربُّكم يُقرِّب الساعة حتى جعلها كغدٍ» (١). والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. فصل وفى محاسبة النفس عدة مصالح: منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتها في ذات الله. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، قال: «لا يفقه الرجل كلَّ الفقه حتى يَمقُت الناسَ في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه؛ فيكون لها أشدَّ مقتًا» (٢).

стр. 186

وقال مُطرِّف بن عبد الله: «لولا ما أعلم من نفسي لقَليتُ الناس» (١). وقال مُطرِّفٌ في دعائه بعرفة: «اللهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي» (٢). وقال بكرُ بن عبد الله المُزني: «لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفِر لهم، لولا أني كنت فيهم» (٣). وقال أيوب السختياني: «إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بمعْزِل» (٤). ولما احتُضِر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة، فقال له حماد: يا أبا عبد الله! أليس قد أمنت مما (٥) كنت تخافه؟ وتقدمُ على مَنْ ترجوه، وهو أرحم الراحمين؟ فقال: يا أبا سلمة! أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو ذلك (٦).

стр. 187

وذكر ابن زيد (١) عن مسلم بن سعيد الواسطي، قال: أخبرني حمّاد بن جعفر بن زيد، أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غزوة إلى كابُل، وفي الجيش صِلة بن أشيَم، فنزل الناس عند العتمة، فصلّوا ثم اضطجع، فقلت: لأرمُقَنّ عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضةً قريبًا منا، فدخلتُ على إثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسدٌ حتى دنا منه، فصعدت في شجرةٍ، فتراهُ التفت أو عدّهُ جروًا! فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكان آخر، فولّى وإن له لزئيرًا، أقول: تصدّع الجبال منه، قال: فما زال كذلك يصلي؛ حتى [٢٦ ب] كان عند الصبح جلس، فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تُجِيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحتُ وبي من الفترة (٢) شيءٌ الله به عالم (٣). وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدةً (٤).

стр. 188

وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ» (١). وذكر ابن أبى الدنيا عن الجَلْدِ بن أيوب، قال: «كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة، فأُتي في منامه، فقيل له: إن فلانًا الإسكاف خير منك ــ ليلة بعد ليلة ــ فأتى الإسكاف، فسأله عن عمله، فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففُضِّل على الراهب بإزرائه على نفسه» (٢). وذُكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: «لو يعلم الناس بعض ما نحن عليه ما ذلّ لنا لسانٌ بذكر خير أبدًا» (٣). وقال أبو حفص: من لم يَتَّهِمْ نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في

стр. 189

جميع الأحوال، ولم يجرَّها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها» (١). فالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة. فالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها. قال ابن أبى حاتم في «تفسيره» (٢): حدثنا علي بن الحسن (٣)، حدثنا المُقَدَّمي، حدثنا عامر بن صالح عن أبيه، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل: يا أمير المؤمنين! هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. قال: وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار، حدثنا بقية بن صُهبان (٤) الهُنائي، قال: سألت عائشة عن قول الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] فقالت: يا بني! هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى

стр. 190

على عهد رسول الله ﷺ ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم»؛ فجعلت نفسها معنا (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شَرِيكٌ، عن عاصم، عن أبى وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة، فقالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ مِنْ أصْحَابي لمَنْ لا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أَمُوتَ أَبَدًا»، فخرج عبد الرّحمن من عندها مذعورًا، حتّى دخل على عمر، فقال له: اسمع ما تقول أمّك! فقام عمر حتّى أتاها؛ فدخل عليها فسألها، ثمّ قال: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرّئ بعدك أحدًا (٢).

стр. 191

فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليَّ هذا الباب، ولم تُرِدْ أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة. و مَقْتُ النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين ، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل. ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أنّ فلانًا صدِّيق» (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أَتَش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلًا سائحًا عبد الله سبعين سنة، ثم خرج يومًا، فقلّل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف بذنبه، فأتاه آتٍ من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك» (٢).

стр. 192

قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، قال: قال عيسى ابن مريم: «سلوني، فإني ليِّن القلب، صغير عند نفسي» (١). وذكر أحمد أيضًا عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: «كان داود ينظر أَغمص حلقةٍ في بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا ربِّ! مسكين بين ظهراني مساكين» (٢). وذُكر عن عمران بن مُسْلِم القصير، قال: قال موسى: «يا رب! أين أبغيك؟ قال: ابْغِني عند المنكسرة قلوبُهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا» (٣). وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين» (٤).

стр. 193

ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه. ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدًّا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: «بلغني أن نبي الله موسى ﷺ مرَّ برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب! ارحمه فإني قد رحمته، فأوحى الله إليه: لو دعاني حتى ينقطع قواه ما استجبتُ له حتى ينظر في حقِّي عليه» (١). فمِن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يُورِثه مقتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس (٢) من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. فمَن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍّ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسَهم من أنفسهم، وعلَّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم

стр. 194

على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولًا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيًا؟ وأفضل الفكر الفكرُ في ذلك؛ فإنه يسيِّر القلب إلى الله، ويطرحه بين يديه ذليلًا خاضعًا، منكسرًا كَسْرًا فيه جَبْرُهُ، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه، وذليلًا ذلًّا فيه عِزُّه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل، فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى به. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم: حدثنا صالح المُرِّيُّ، عن أبي عمران (١) الجَوْني، عن أبي الجَلد: أن الله تعالى أوحى إلى موسى: «إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًّا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يديّ فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذُمَّ [٢٧ ب] نفسك فهي أولى بالذم، وناجِني حين تناجيني بقلب وَجِلٍ ولسان صادق» (٢).

стр. 195

ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه: أنه لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلًا، كائنًا ما كان، ومَنْ أدلّ بعمله لم يصعد إلى الله، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله، أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البَقْل من دموعي، فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك، خيرٌ من أن تبكي وأنت تُدِلُّ بعملك؛ فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه، فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلَها، وأن تكون كالنّحلة، إن أكلت أكلت طيِّبًا، وإن وضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود لم تضرَّه ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله نُصْح الكلب لأهله؛ فإنهم يُجِيعونه ويطردونه؛ ويأبى إلا أن يحوطَهم وينصحهم» (١). ومن هاهنا أخذ الشاطبي قوله: وَقَدْ قِيلَ كُنْ كَالكَلْبِ يُقْصِيهِ أَهْلُهُ ... وَلا يَأْتلِي في نُصْحِهِمْ مُتَبَذِّلَا (٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا سيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا الجريرى، قال: «بلغني أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله تعالى حاجة، فتعبد

стр. 196

واجتهد، ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات ليلةً مُزريًا على نفسه، وقال: يا نفس! مالك لا تُقضَى حاجتك؟ فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وألزم الملامةَ نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أُتِيتُ، ولكن من قِبَل نفسي أُتيتُ، فبات ليلةً مزريًا على نفسها، وألزم الملامة نفسه، فقُضِيت حاجته» (١).

стр. 197

الباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطان هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعًا، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها؛ فإنهم توسعوا في ذلك، وقصَّروا في هذا الباب. ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس؛ فإن النفس المذمومة ذُكرت في قوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، واللوامة في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، وذُكرت النفس المذمومة في قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]، وأما الشيطان فذُكر في عدة مواضع، وأُفردت له سورة تامة (١)، فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره؛ فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهي مركَبُه، وموضع سِرّه، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس في موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة في قوله: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» (٢)، كما تقدم ذلك في الباب الذي قبله.

стр. 198

وقد جمع النبي ﷺ بين الاستعاذة من الأمرين؛ في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! علِّمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيتُ؟ قال: «قل: اللهم عالِمَ الغيب والشهادة! فاطر السماوات والأرض! ربَّ كل شيء ومليكَه! أشهد أن لا إله إلا أنت؛ أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجُرّه إلى مسلم. قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك» (١). فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته: فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما. فصل قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ

стр. 199

عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ ــ ١٠٠]. ومعنى اسْتَعِذْ بِالله: امتنع به، واعتصم به، والجأ إليه، ومصدره: العَوْذ، والْعِيَاذ، والمَعَاذ؛ وغالِب استعماله في المستعاذ به، ومنه قول النبي ﷺ : «لقد عذتِ بِمَعاذ» (١). وأصل اللفظة من اللَّجأ إلى الشيء والاقتراب منه، ومن كلام العرب: «أطيبُ اللحم عُوَّذُه»؛ أي الذي قد عاذ بالعظم واتصل به، و «ناقة عائذ»: يعوذ بها ولدها، وجمعها عُوذ كحُمْر. ومنه في حديث الحُديبية: «معهم العُوذ المطافيل» (٢)؛ والمطافيل: جمع مُطْفِلٍ، وهى الناقة التي معها فصيلها. قالت طائفةٌ ــ منهم صاحب «جامع الأصول» (٣) ــ: استعار ذلك للناس؛ أي معهم النساء وأطفالهن. ولا حاجة إلى ذلك، بل اللفظ على حقيقته، أي قد خرجوا إليك بدوابِّهم ومراكبهم، حتى أخرجوا معهم النوق التي معها أولادها. فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه: منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أَثَّره فيها الشيطان،

стр. 200

فأمر أن يطرُدَ مادة الداء، ويُخلِي منه القلب، ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكّن منه، ويؤثِّر فيه، كما قيل: أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى ... فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكّنَا (١) فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحمٍ ومُضادٍّ له، فينجع فيه. ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نارٌ يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر أن يستعيذ بالله منه؛ لئلا يُفسِد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. وكأنَّ من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة؛ لَحَظَ هذا المعنى، وهو لعَمْر اللهِ (٢) مَلْحَظ جيد؛ إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في القراءة، وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف، وهي محصّلة للأمرين. ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن، وتستمع لقراءته، كما في حديث أُسيد بن حُضَير لما كان يقرأ، ورأى مثلَ الظُّلة فيها مثل المصابيح،

стр. 201

فقال عليه النبي ﷺ : «تلك الملائكة» (١) والشيطان ضد الملَك وعدوُّه، فأُمر القارئ أن يطلب من الله مباعدة عدوه عنه حتى تحضره خاصتُه وملائكته، فهذه وليمة لا تجتمع فيها الملائكة والشياطين. ومنها: أن الشيطان يُجْلِب على القارئ بخيله ورَجله، حتى يَشْغَله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن؛ فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ [٢٨ ب] بالله منه. ومنها: أن القارئ مناجٍ لله بكلامه، والله تعالى أشد أَذَنًا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قينته (٢)، والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء، فأُمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته لله، واستماع الربِّ قراءتَهُ. ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أُمنيته (٣)، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، كما قال الشاعر في عثمان: تَمنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ... وَآخِرَهُ لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ (٤)

стр. 202

فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟ ولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخبط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يَعدمْ منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة. ومنها: أن الشيطان أحرصُ ما يكون على الإنسان عندما يهُمُّ بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه، وفى «الصحيح» عنه ﷺ : «إن شيطانًا تَفلَّتَ عليّ البارحة، فأراد أن يقطع عليّ صلاتي» الحديث (١). وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله، كان اعتراض الشيطان له أكثر. وفى «مسند الإمام أحمد» من حديث سَبْرة بن أبى الفاكه، أنه سمع النبى ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرُقِه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتُسلِم وتَذَرُ دينَك ودينَ آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذَرُ أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كالفَرَس في الطِّوَل، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد ــ وهو جهاد النفس والمال ــ؛ فقال: تقاتِل فتُقتلُ، فتُنكَحُ المرأة ويُقسم (٢) المال!» (٣).

стр. 203

فالشيطان بالرَّصدِ للإنسان على طريق كل خير. وقال منصور عن مجاهد: «ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهَّز معهم إبليس مثل عدتهم». رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١). فهو بالرَّصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدُوَّه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولًا، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع في سيره. ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتيَّ به بعدها القرآن، ولهذا لم تُشرَع الاستعاذة بين يدي كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعدَّ لاستماع كلام الله، ثم شُرع ذلك للقارئ وإن كان وحده (٢)؛ لما ذكرنا من الحكم وغيرها. فهذه بعض فوائد الاستعاذة. وقد قال أحمد في رواية حنبل: «لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ؛ لقوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]». وقال في رواية ابن مُشَيْشٍ: «كلما قرأ يستعيذ». وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي إذا قرأ استعاذ، يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم».

стр. 204

وفى «المسند» والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ» (١). وقال ابن المنذر: جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: [٢٩ أ] «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». واختار الشافعي، وأبو حنيفة، والقاضي في «الجامع» أنه يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وهو روايةٌ عن أحمد؛ لظاهر الآية، وحديث ابن المنذر. وعن أحمد من رواية عبد الله: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»؛ لحديث أبي سعيد. وهو مذهب الحسن، وابن سيرين.

стр. 205

ويدلُّ عليه ما رواه أبو داود في قصة الإفك: أن النبي ﷺ جلس، وكشف عن وجهه وقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (١). وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم»، وبه قال سفيان الثوري، ومسلم بن يَسار، واختاره القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل؛ لأن قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، ظاهره أنه يعقب قوله: «أعوذ بالله» بقوله: «من الشيطان الرجيم»، وقوله في الآية الأخرى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] يقتضي أن يلحق بالاستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم في جملة مستقلة بنفسها؛ مؤكدة بحرف «إنَّ»؛ لأنه سبحانه هكذا ذَكره. وقال إسحاق: الذي أختاره ما ذُكر عن النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من هَمْزه ونفخه ونَفْثِه». وقد جاء في الحديث تفسير ذلك، قال: «وهمزه: المُوتَة، ونفخه: الكِبْر، ونفثه: الشعر» (٢).

стр. 206

وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ ــ ٩٨]، والهَمَزات: جمع هَمْزة كتَمَرات وتَمْرة، وأصل الهمز: الدفع. قال أبو عبيد (١) عن الكسائي: هَمَزتُه، ولَمَزْتُهُ، ولَهزتُه، ونَهزتُه: إذا دفعته. والتحقيق: أنه دفعٌ بنَخْز، وغَمْزٌ يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب. قال ابن عباس والحسن: ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: نزغاتهم ووساوسهم (٢). وفُسِّرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، هذا قول مجاهد (٣). وفُسِّرت بخنقهم؛ وهو الموتة التي تشبه الجنون (٤).

стр. 207

وظاهر الحديث: أن الهمز نوع غير النفخ والنفث. وقد يقال ــ وهو الأظهرـ: إن همزات الشياطين إذا أُفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصًّا، كنظائر ذلك. ثم قال: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. قال ابن زيد: في أموري (١). وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن (٢). وقال عكرمة: عند النزع والسِّياق (٣). فأمَره أن يستعيذ من نَوْعَيْ شرِّهم: إصابتهم له بالهمز، وقربهم ودنوّهم منه. فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم. ونظير هذا قولُه في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان (٤) بالاستعاذة منه؛ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ

стр. 208

الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. ونظير ذلك قولُه في سورة فُصِّلت: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، فهذا لدفع شر شيطان الإنس، ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ [٢٩ ب] مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، وقال هاهنا: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ فأكد بـ (إنّ) وبضمير الفصل، وأتى باللام في ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقال في الأعراف: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ: أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده؛ أريد إثبات مجرد الوصف الكافي في الاستعاذة، والإخبار أنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك، ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ، والعلم لفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين. وامتاز المذكور في «فصلت» بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكُّوا في سمعه لقولهم، وعلمه بهم (١)، كما ثبت في «الصحيحين» (٢) من حديث ابن مسعود، قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، كثيرٌ شحمُ بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم، فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم:

стр. 209

يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إنْ سَمِعَ بعضَهُ سمعه كُلَّه، فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣]. فجاء التأكيد في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في سياق هذا الإنكار، أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوْا، وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون. وحسّن ذلك أيضًا: أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم؛ ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. وأيضًا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله، وأدلة ثبوتها، وآيات ربوبيته، وشواهد توحيده؛ ولهذا عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]، فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه السَّميعَ العَلِيمَ، كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرّفةً. والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانِهم من الشياطين، ووعد المستعيذ بأن له ربًّا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي (١) عبدوها من

стр. 210

دونه؛ ليس لهم أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، فالله سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف يُسَوُّونها به في العبادة. فعلمتَ أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير التعريف. والله أعلم بأسرار كلامه. ولمّا كان المستعاذ منه في سورة ﴿حم﴾ المؤمن هو شرّ (١) مجادلة الكفار في آياته، وما ترتَّب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦]؛ فإنه لما كان المستعاذ منه كلامهم وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا؛ فإنه يرانا هو وقَبيلُه من حيث لا نراه، بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله. فصل فالقرآن أرشد إلى دفع [٣٠ أ] هذين العدوّين بأسهل الطرق: بالاستعاذة، والإعراض عن الجاهلين، ودفع إساءتهم بالإحسان، وأخبر عن عِظم حظِّ من لقّاه ذلك؛ فإنه ينال بذلك كفّ شر عدوه وانقلابه صديقًا، ومحبة الناس له، وثناءهم عليه، وقهر هواه، وسلامة قلبه من الغِلّ والحقد، وطمأنينة الناس حتى عدوه إليه، هذا غير ما يناله من كرامة الله، وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاجلًا وآجلًا. ولما كان ذلك لا يُنال إلا بالصبر قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]؛ فإن النَّزِق الطائش لا يصبر عن المقابلة.

стр. 211

ولما كان الغضب مَرْكَبَ الشيطان ــ فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان ــ: أُمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتَمُدُّ الاستعاذةُ للنفس المطمئنة، فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصبر الذي يكون النصر معه، وجاء مدد الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان، فـ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. قال مجاهد (١)، وعكرمة (٢)، والمفسرون: ليس له حجة. والصواب أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة، فالقدرة داخلة في مُسمَّى السلطان، وإنما سُمِّيت الحجة سلطانًا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلُّط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال في سورة الحجر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ ــ ٤٢]. وقال في سورة النحل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى

стр. 212

رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠]. فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولَّاه. ولما علم عدوُّ الله أن الله لا يُسلّطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته، وهو وليُّهم وسلطانهم ومتبوعهم. فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع، فكيف ينفيه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠،٢١]. قيل: إن كان الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ عائدًا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعًا؛ أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وإن كان عائدًا على ما عاد عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾، وهو الظاهر؛ ليصحّ الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي،

стр. 213

ويكون المعنى: وما سلّطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة (١). قال ابن قُتيبة (٢): «إن إبليس لما سأل الله النظرة: فأنظَره، قال: لأُغوِينَّهم ولأُضِلَّنهم ولآمرنَّهم بكذا، ولأتخذنّ من عبادك نصيبًا مفروضًا، وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدّره فيهم يتمّ، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتّبعوه وأطاعوه صدَّق عليهم ما ظنَّه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكِّين، يعني: نعلمهم موجودين ظاهرين، فيحق القول ويقع الجزاء». وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشكّ فيها، وهم الذين تولَّوه وأشركوا به؛ فيكون السلطان ثابتًا لا منفيًّا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات. فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم؟ حيث يقول لأهل النار: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مُقررًا له لا منكرًا، فدلّ على أنه كذلك. قيل: هذا سؤال جيد، وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع هو الحجة والبرهان؛ أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتجُّ به عليكم، كما قال ابن عباس: «ما كان لي من حجة أحتجُّ بها عليكم» (٣)؛ أي ما

стр. 214

أظهرتُ لكم حجةً إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة. وأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، فهو تسلُّطُه (١) عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكُّنه منهم، بحيث يؤُزُّهم إلى الكفر والشرك ويُزعِجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، قال ابن عباس: «تُغريهم إغراءً» (٢)، وفي رواية: «تُشْلِيهم إشلاءً» (٣)، وفي لفظ: «تُحرِّضهم تحريضًا» (٤)، وفي آخر: «تُزعِجهم إلى المعاصي إزعاجًا» (٥)، وفي آخر:

стр. 215

«تُوقِدهم» (١)؛ أي: تُحرِّكهم كما يحرَّك الماء بالإيقاد تحته. وقال الأخفش: «تُوهِّجهم» (٢). وحقيقة ذلك: أن الأزّ هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز؛ لأن الماء يتحرك عند الغليان، ومنه الحديث: «لِجَوفه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل من البكاء» (٣). قال أبو عبيدة (٤): الأزيز: الالتهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال: اُزَّ قِدْرَك أي: أَلْهِبْ تحتها بالنار؛ وائتزَّت القِدْرُ: إذا اشتد غليانها. فقد حصل للأزّ معنيان، أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب.
следующие страницы →