← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقصّر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفورٍ أو شاةٍ ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرّأهم على الدماء المعصومة. وكذلك قصّر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم، دون العمل به. وقصّر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص. وقصّر بقوم حتى زيّن لهم ترك سنة رسول الله ﷺ من النكاح، فرغبوا عنه بالكُلِّيّة، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام. وقصّر بقوم حتى جَفَوا الشيوخَ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله. وكذلك قصّر بقوم حتى منعهم قبولَ أقوالِ أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حلّلوه والحرام ما حرّموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة. وقصّر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونها بدون مشيئته وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئًا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة، فهي نفس فعله لا أفعالهم، والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعلٌ البتةَ. وقصّر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلاً في خلقه ولا بائنًا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم، ولا خلفهم ولا أمامهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو في كل مكان بذاته، كالهواء الذي هو داخل في كل مكان.

стр. 247

وقصّر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلاً وأبدًا يقول: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ويقول لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات: ١٧]؛ فلا يزال هذا الخطاب قائمًا به ومسموعًا منه، كقيام صفة الحياة به. وقصّر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يُشَفِّع أحدًا في أحد البتة، ولا يرحم أحدًا بشفاعة أحدٍ، وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده [٣٥ ب] بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم. وقصّر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلاً عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة. وقصّر بقوم حتى نَفَوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطّلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبَّهوه بخلقه ومَثّلوه بهم. وقصّر بقوم حتى عادَوا أهل بيت رسول الله ﷺ ، وقاتلوهم، واستحلُّوا من حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادَّعَوا فيهم خصائص النبوة من العصمة وغيرها، وربما ادعوا فيهم الإلهية. كذا قصّر باليهود في المسيح حتى كذَّبوه، ورمَوه وأمَّه بما برأهما الله منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلهًا يُعبَد مع الله. وقصّر بقوم حتى نَفَوا الأسباب والقُوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمرًا لازمًا لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير.

стр. 248

وقصّر بقوم حتى تعبَّدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباهُهم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال، وهم أشباه اليهود. وقصّر بقوم حتى تزيّنوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يُسقطون به جاهَهم عندهم، وسَمَّوْا أنفسهم الملامتية. وقصّر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها، وعدُّوها فضلاً أو فضولاً، وتجاوز بآخرين حتى قَصَرُوا نظرهم وعملهم (١) عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يُسْقِطُ وَارِدَهُ لوِرْدِهِ. وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا، لو تتبعناه لبلغ مبلغًا كثيرًا، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة. فصل ومن جملة مكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونُحاتة الأفكار، والزَّبَدُ الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تَعدِل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانَتْ عليها غيومُ الخيالات، فمركبها القِيل والقال، والشك والتشكيك وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يُعوَّل عليه، ولا معتقد مطابق للحق يُرجع إليه؛ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا مُنكرًا من القول وزورًا.

стр. 249

فهم في شكّهِم يَعْمَهُون، وفى حَيْرتهِم يتردَّدون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تَلَتْه (١) الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل، واتبعوا ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. فصل ومن كيده بهم وتحيُّله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مِشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق اليونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العَرِيَّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صَقَلتها العقول والأذهان، ومَرّتْ عليها القرون والأزمان. فانظر كيف تلطَّف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين! [٣٦ أ] فصل ومن كيده: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشَّطح والطامَّات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والتُّرَّهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العِيان، وأغناهم عن التقيُّد بالسنة والقرآن.

стр. 250

فحسّن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق، والتجافي عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم، والعمل على تفريغ القلب وخُلُوِّه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلّم. فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول نَقَش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعدٌّ له من أنواع الباطل، وخَيّله للنفس حتى جعله كالمشاهَد كشفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب. فلما تمكّن هذا من قلوبهم سلَخَها من الكتاب والسنة والآثار، كما يُسلَخ الليل من النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها من الآيات البينات، وأنها من قِبَل الله سبحانه إلهامات وتعريفات، فلا تُعْرَضُ على السنة والقرآن، ولا تُعامَل إلا بالقبول والإذعان. فلغير الله ــ لا له ــ سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان: من الخيالات والشطحات وأنواع الهذيان! وكلما ازدادوا بُعْدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم. فصل ومن أنواع مكايده ومكره: أنه يدعو العبد ــ بحسن خلقه وطلاقته وبِشْره ــ إلى أنواع من الآثام والفجور، فيلقاه مَنْ لا يُخلِّصُه من شره إلا تجهُّمُه والتعبيس في وجهه والإعراض عنه، فيحسِّن له العدوُّ أن يلقاه ببِشْره، وطلاقة وجهه، وحسن كلامه، فيتعلق به، فيروم التخلص منه فيعجِز، فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من

стр. 251

باب حسن الخلق وطلاقة الوجه. ومن هاهنا وصّى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع، وأن لا يسلِّم عليهم، ولا يُرِيَهم طلاقةَ وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض. وكذلك أوصَوْا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان، وقالوا: متى كَشفتَ للمرأة أو الصبي بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقيتهما بوجه عابسٍ وُقِيتَ شرَّهما. ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس، ولا تُرِيهم بشرًا ولا طلاقة، فيطمعوا فيك، ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك؛ فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البِشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبِشْر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير. فصل ومن مكايده: أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصَوْنها حيث يكون رضا الرب تعالى في إذلالها وابتذالها، كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فيخيِّل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط الأعداء، وطعنهم فيك، فيزول جاهك؛ فلا يُقبل منك بعد ذلك ولا يُسمَع منك. ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث يكون الخير في إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتبذل لذوي [٣٦ ب] الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيِّل إليك أنك تُعِزُّها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويُذكِّرك قولَ الشاعر:

стр. 252

أُهِينُ لَهُمْ نَفْسِي لأرْفَعهَا بِهِمْ ... وَلَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ الَّتِي لا تُهِينُهَا (١) وغَلِط هذا القائلُ؛ فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده؛ فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزَّه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذَلَلْتَ عند الله وعند أوليائه، وهُنْتَ عليه. فصل ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد، أو رباط، أو زاوية، أو تربة، ويحبسه هناك، وينهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجتَ تبذّلت للناس، وسقطت من أعينهم، وذهبتْ هيبتُك من قلوبهم، وربما ترى في طريقك منكرًا. وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه، منها: الكبر، واحتقار الناس، وحفظ الناموس، وقيام الرياسة. ومخالطةُ الناس تُذهِب ذلك، وهو يريد أن يُزار ولا يزور، ويقصده الناس ولا يقصدهم، ويفرح بمجيء الأمراء إليه، واجتماع الناس عنده، وتقبيل يده، فيترك من الواجبات والمستحبات والقُرُبات ما يُقرِّبه إلى الله، ويتعوّض عنه بما يُقرِّب الناسَ إليه. وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق (٢).

стр. 253

قال بعض الحفّاظ: «وكان يشتري حاجته ويحملها بنفسه»، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره. وكان أبو بكر يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشتري (١). ومرَّ عبد الله بن سلام وعلى رأسه حُزْمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ فقال: أردت أن أدفع به الكِبْرَ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كِبرٍ» (٢). وكان أبو هريرة يحمل الحطب وغيره من حوائجه بنفسه وهو أمير على المدينة، ويقول: «افسحوا لأميركم، افسحوا لأميركم» (٣). وخرج عمر بن الخطاب يومًا وهو خليفة في حاجة له ماشيًا، فأعيا، فرأى غلامًا على حمار له، فقال: يا غلام! احملني فقد أعييتُ، فنزل الغلام عن الدابة، وقال: اركب يا أمير المؤمنين! فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك،

стр. 254

فركب خلف الغلام، حتى دخل المدينة والناس يرونه (١). فصل ومن كيده: أنه يُغرِي الناس بتقبيل يده، والتمسُّح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنُها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يُدفَع البلاءُ عن (٢) الخلق ظن ذلك حقًّا، وربما قيل له: إنه يُتوَسَّل به إلى الله، ويُسأل الله به وبحرمته، فيقضي حاجتهم، فيقع ذلك في قلبه، ويفرح به، ويظنه حقًّا. وذلك كلُّ الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيًا عنه، أو قلة خضوع له، تذمّر لذلك ووجد في باطنه، وهذا شرٌّ من أرباب الكبائر المصرِّين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه. فصل ومن كيده: أنه يُحسِّن إلى أرباب التخلّي والزهد والرياضة العملَ بهاجِسهم وواقعهم، دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ! وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم، فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما

стр. 255

بلغ فمعه شيطانه ونفسه، لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة [٣٧ أ] إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، الذين هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ، وليس بحجة على الخلق. وقد كان سيِّد المحدَّثين المُلهَمِين عمر بن الخطاب، يقول الشيء، فيردُّه عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه. وكان يَعرِض هواجسَه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها، ولا يعمل بها. وهؤلاء الجُهَّال يرى أحدهم أدنى شيء، فيُحكّم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليهما، ويقول: حدَّثني قلبي عن ربي، ونحن أخذنا عن الحي الذي لا يموت، وأنتم أخذتم عن الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق، وأنتم أخذتم (١) الرسوم، وأمثال ذلك من الكلام الذي هو كفر وإلحاد، وغاية صاحبه أن يكون جاهلًا يُعذَر بجهله، حتى قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق؟ فقال: ما يَصْنَع بالسماع من عبد الرزاق مَنْ يسمع من الملك الخلّاق؟! وهذا غاية الجهل؛ فإن الذي سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن، وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو يدعي أنه يسمع الخطاب من مُرْسله، فيستغني به عن ظاهر العلم، ولعل الذي يخاطبه هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعين ومنفردين.

стр. 256

ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول، بما يُلْقَى في قلبه من الخواطر والهواجس؛ فهو من أعظم الناس كفرًا، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا تارة. فما يُلقى في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه؛ إن لم يُعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة؛ وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان. وقد سُئل عبد الله بن مسعود عن مسألة المُفَوّضة شهرًا، فقال بعد الشهر: «أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطًا فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله» (١). وكتب كاتب لعمر بين يديه: «هذا ما أرى اللهُ عمرَ»، فقال: «لا، امْحُه واكتب: هذا ما رأى عمر» (٢). وقال عمر أيضًا: «أيها الناس! اتهموا الرأي على الدّين؛ فلقد رأيتُني يوم

стр. 257

أبي جَنْدَل؛ ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله ﷺ لرددته» (١). واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور، وهم أبَرّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأبعدها من الشيطان، فكانوا أتبع الأمة للسنة، وأشدهم اتهامًا لآرائهم، وهؤلاء ضد ذلك. وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليها شاهدان. قال الجُنيد بن محمد: قال أبو سليمان الدَّارانيُّ: «ربما يقع في قلبي النُكتة من نكت القوم أيامًا؛ فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة» (٢). وقال أبو يزيد: «لو نظرتم إلى رجل أُعِطي من الكرامات حتى يترفّع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود؟» (٣).

стр. 258

وقال أيضًا: «من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادّعى بهذا الشأن؛ فهو مُدّعٍ» (١). وقال سَرِيٌّ السَّقطيُّ: «من ادعى باطن علمٍ ينقضه ظاهرُ حكمٍ فهو غالط» (٢). وقال الجنيد: «مذهبنا هذا مقيَّد بالأصول بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه لا يُقتدى به» (٣). وقال أبو بكر الدّقاق: «من ضيّع حدود الأمر والنهي في الظاهر حُرِم مشاهدةَ القلب في الباطن». وقال أبو الحسين [٣٧ ب] النوري: «من رأيتَهُ يدّعي مع الله حالةً تُخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تَقْرَبْه، ومن رأيته يَدّعي حالة لا يشهد لها حفظُ ظاهر فاتهِمْه على دينه» (٤). وقال أبو سعيد الخراز: «كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل» (٥).

стр. 259

وقال الجريري: «أمرنا هذا كله مجموع على فَصْل واحد: أن تُلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائمًا» (١). وقال أبو حفص الكبير الشأن: «من لم يَزِنْ أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، ولم يَتّهم خواطره؛ فلا تَعُدّوه في ديوان الرجال» (٢). وما أحسنَ ما قال أبو أحمد الشيرازي: «كان الصوفية يَسْخَرون من الشيطان، والآن الشيطان يسخر منهم» (٣). ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: «كان الشيطان فيما مضى ينهب من الناس، واليوم الرجل الذي ينهب من الشيطان». فصل ومن كيده: أمرُهم بلزوم زيٍّ واحد، ولِبْسَة واحدة، وهيئة ومِشْية معيّنة، وشيخ معينٍ، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك؛ بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه، ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمُّونه، وربما يلزم أحدهم موضعًا مُعَيَّنًا للصلاة لا يصلي إلا فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ : أن يُوطِّنَ الرجل المكانَ للصلاة كما يوطّن البعير (٤).

стр. 260

وكذلك ترى أحدَهم لا يصلي إلا على سجادة، ولم يُصلّ رسول الله ﷺ على سجادة قط، ولا كانت السجادة تُفرش بين يديه، بل كان يصلي على الأرض، وربما سجد في الطين، وكان يصلي على الحصير، فيصلي على ما اتفق بَسْطُهُ، فإن لم يكن ثمة شيء صلى على الأرض. وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة، ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شيء عليه التقيُّدُ بالرسوم الوضعية، وهي من أعظم الحُجُب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيَّد بها حبس بها قلبه عن سيره، وكان أحسن أحواله الوقوف معها، ولا وقوف في السير، بل إما تقدُّمٌ وإما تأخُّرٌ، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]، فلا وقوف في الطريق؛ إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر. ومن تأمّل هدي رسول الله ﷺ وسيرته وجده مناقضًا لهدي هؤلاء؛ فإنه كان يلبس القميص تارة، والقَباء تارة، والجُبَّة تارة، والإزار والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومُرْدفًا لغيره، ويركب الفرس مُسْرَجًا وعُرْيانًا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة، ويمشي وحده تارة، ومع أصحابه تارة. وهَدْيه عدمُ التكلّفِ وعدمُ التقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدي هؤلاء بَوْن بعيد.

стр. 261

فصل ومن كيده الذي بلغ به من الجهَّال ما بلغ: الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله ﷺ ، وخَيّل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي، حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه. ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس، فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبَّوا دعوته، واتبعوا أمره، ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله ﷺ وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ ، أو اغتسل كاغتساله؛ لم يطهُر ولم يرتفع حَدَثه. ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقَّةً للرسول؛ فقد كان رسول الله ﷺ [٣٨ أ] يتوضأ بالمُدّ، وهو قريب من ثُلثِ رطل بالدّمَشْقي، ويغتسل بالصّاع (١) وهو نحو رطل وثلث. والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه. وصحَ عنه أنه توضأ مرة مرة (٢)، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن «من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم» (٣).

стр. 262

فالموسوس مسيء مُتَعدٍّ ظالم بشهادة رسول الله ﷺ ، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به، متعدٍّ فيه لحدوده؟ وصحّ عنه أنه كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما، فيها أثر العجين (١). ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفي هذا القدر لغسل اثنين، كيف والعجين يحلِّلُه الماء فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل في الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده عند آخرين، فلا تصح به الطهارة.

стр. 263

وكان ﷺ يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل ميمونة وأم سلمة. وهذا كله في «الصحيح» (١). وثبت أيضًا في «الصحيح» (٢) عن ابن عمر، أنه قال: «كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضَّأون من إناء واحد». والآنية التي كان رسول الله ﷺ وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية، ولا كانت لها مادة تمدُّها، كأنبوب الحمام ونحوه، ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجري الماء من حافاتها، كما يراعيه جهال الناس ممن بُلي بالوسواس في جُرْن الحمام. فهدي رسول الله ﷺ الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته: جواز الاغتسال من الحياض والآنية، وإن كانت ناقصة غير فائضة. ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده، ولم يُمكِّن أحدًا أن يشاركه في استعماله، فهو مبتدع مخالف للشريعة. قال شيخُنا: ويستحق التعزير البليغ، الذي يزجره وأمثالَه عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع. ودلَّت هذه السنن الصحيحة على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يُكثِرون صبّ الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان. قال سعيد بن المسيّب: «إني لأستنجي من كوز الحُبِّ، وأتوضأ، وأُفْضِلُ منه لأهلي» (٣).

стр. 264

وقال الإمام أحمد: «مِنْ فقهِ الرجل قِلَّة وَلُوعِهِ بالماء». وقال المرُّوذي: «وضّأْتُ أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا: إنه لا يحسن الوضوء؛ لقلة صَبّه الماء». وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يَبُلّ الثَّرى. وثبت عنه ﷺ في «الصحيح» (١): أنه توضأ من إناء، فأدخل يده فيه، ثم تمضمض واستنشق. وكذلك كان في غُسْلِه يُدْخِلُ يده في الإناء، ويتناول الماء منه. والموسوس لا يُجوِّز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء، أو يَسْلُبَهُ طَهوريَّته بذلك. وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله ﷺ ، وأن يأتي بمثل (٢) ما أتى به أبدًا، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفَرَق، قريبًا من خمسة أرطال بالدمشقيّ، يَغمِسان أيديَهما فيه، ويُفْرِغان عليهما؟ فالمُوَسْوِسُ يشمئزّ من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذُكِر الله وحده.

стр. 265

قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا، والعمل بقوله ﷺ : «دع ما يَرِيْبك إلى ما لا يَرِيْبك» (١)، وقوله: «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرضه» (٢)، وقوله: «الإثم ما حاك في الصدر» (٣). [٣٨ ب] وقال بعض السلف: الإثم حَوَازُّ القلوب (٤).

стр. 266

وقد وَجدَ النبي ﷺ تمرةً، فقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (١)، أفلا تَرى أنه ترك أكلها احتياطًا؟ قد أفتى مالك من طلق امرأته وشَكّ هل هي واحدة أم ثلاث: بأنها ثلاث؛ احتياطًا للفروج. وأفتى من حلف بالطلاق أن في هذه اللوزة حبَّتين، وهو لا يعلم ذلك، فبان الأمر كما حلف عليه: أنه حانث؛ لأنه حلف على ما لا يعلم. وقال فيمن طلَّق واحدة من نسائه ثم أُنسيَها: تُطلَّق عليه جميع نسائه احتياطًا، وقطعًا للشك. وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يُحلَف به عادة، فيلزمه الطلاق، والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين بالله، والحج ماشيًا، ويقع الطلاق في جميع نسائه، ويعتق عليه جميع عبيده وإمائه، وهذا أحد القولين عندهم. ومذهب مالك أيضًا: أنه إذا حلف ليفعلنّ كذا، أنه على حنث حتى يفعله، فيحال بينه وبين امرأته إذا كان حالفًا بالطلاق حتى يفعل، فإذا فعل خُلِّيَ بينه وبين امرأته.

стр. 267

ومذهبه أيضًا: إذا قال: إذا جاء رأس الحَوْل فأنت طالق ثلاثًا: أنها تُطلَّق في الحال. وهذا كله احتياط. وقال الفقهاء: من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله. وقالوا: إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجّس منها ثياب، وشكَّ فيها، صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجس، وزاد صلاة ليتيقَّن براءة ذمته. وقالوا: إذا اشتبهت الأواني الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم. وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة، فلا يدري في أي جهة، فإنه يصلي أربع صلوات عند بعض الأئمة؛ لتبرأ ذمته بيقين. وقالوا: من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلي خمس صلوات. وقد أمر النبي ﷺ من شك في صلاته أن يبني على اليقين (١). وحرَّم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بسهمه أو بغيره (٢)، كما إذا وقع في الماء. وحرَّم أكله إذا خالط كلبه كلبًا آخر؛ للشك في تسمية صاحبه عليه. وهذا باب يطول تتبُّعه. فالاحتياط والأخذ باليقين غير مُستنكر في الشرع، وإن سمَّيتموه وسواسًا.

стр. 268

وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه في الطهارة حتى عمي (١). وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع في العَضُد، وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين (٢). فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين، وتركنا ما يَريب إلى ما لا يريب، وتركنا المشكوك (٣) فيه للمتيقَّن المعلوم، وتجنبنا محلّ الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين، ولا في البدعة والجِينَ، وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال؟ حتى لا يبالي العبد بدينه، ولا يحتاط له، بل يُسهِّل الأشياء ويُمَشّي حالها، ولا يبالي كيف توضأ؟ ولا بأيّ ماءٍ توضأ؟ ولا بأيّ مكان صلى؟ ولا يبالي ما أصاب ذيله وثوبه، ولا يسأل عما عهد، بل يتغافل، ويحسّن ظنه، فهو مهمل لدينه لا يبالي ما شك فيه؛ ويحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك، فأين هذا ممن استقصى في فعل ما أُمر به، واجتهد فيه، حتى لا يُخِلّ بشيء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور، وأن لا ينقص منه شيئًا!

стр. 269

قالوا: وجِماعُ ما ينكرونه علينا: احتياط [٣٩ أ] في فعل مأمور، أو احتياط في تجنب محظور، وذلك خير وأحسن عاقبةً من التهاون بهذين؛ فإنه يُفضِي غالبًا إلى النقص من الواجب، والدخول في المحرَّم، وإذا وازنّا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخفّ، هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسًا، وإنما نسميه احتياطًا واستظهارًا، فلستم بأسعد منا بالسنة، ونحن حَولها نُدَنْدِن، وتكميلها نريد. قال أهلُ الاقتصاد والاتباع: قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وهذا الصراط المستقيم الذي وصّانا باتباعه: هو الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو قَصْد السبيل، وما خرج عنه فهو من السُّبُل الجائرة، قاله من قاله. لكن الجَوْر قد يكون جَوْرًا عظيمًا عن الصراط، وقد يكون يسيرًا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، وهذا كالطريق الحسيّ (١)، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورًا فاحشًا، وقد يجور دون ذلك، ف الميزان الذي يُعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه: هو ما كان رسول الله ﷺ وأصحابه

стр. 270

عليه، والجائر عنهُ إما مُفرِّط ظالم، أو مجتهد متأوّل، أو مقلد جاهل، فمنهم المستحق للعقوبة (١)، ومنهم المغفور له، ومنهم المأجور أجرًا واحدًا، بحسب نيَّاتهم ومقاصدهم، واجتهادهم في طاعة الله ورسوله، أو تفريطهم. ونحن نسوق من هَدْي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه ما يبين أيّ الفريقين أولى باتباعه، ثم نجيب عما احتجوا به، بعون الله وتوفيقه. ونقدِّم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلوّ، وتعدِّي الحدود، والإسراف، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين. قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ غَدَاة العَقَبَة وهو على ناقته: «الْقُطْ لي حَصًى»، فلقطتُ له سبع حصياتٍ من حصى الخَذْف، فجعل ينفُضُهُنّ في كَفّه ويقول: «أمثال هؤلاء فارْموا»، ثم قال: «أيها الناس! إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلوُّ في الدين»، رواه الإمام أحمد، والنسائي (٢).

стр. 271

وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : «لا تُشدّدوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم؛ فإن قومًا شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، ﴿رَهْبَانِيَّةً ... ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾» (١). فنهى ﷺ عن التشدُّد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقَدَر، وإما بالشرع. فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به.

стр. 272

وبالقَدر: كفعل أهل الوسواس، فإنهم شددوا على أنفسهم؛ فشدد عليهم القَدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم. قال البخاري (١): «وكره أهل العلم الإسراف فيه، يعني الوضوء [٣٩ ب]، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ ». وقال ابن عمر: «إسباغ الوضوء: الإنقاء» (٢). فالفقه كلُّ الفقه: الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسّنّة. قال أُبَيّ بن كَعْب: «عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله فاقشعرَّ جلدُه من خشية الله؛ إلا تحاتَّتْ عنه خطاياه كما يَتحاتُّ عن الشجرة اليابسة وَرَقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادًا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم» (٣).

стр. 273

قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه «ذم الوسواس» (١): الحمد لله الذي هدانا بنعمته، وشرَّفنا بمحمد ﷺ وبرسالته، ووفَّقنا للاقتداء به والتمسك بسنّته، ومَنّ علينا باتِّباعه الذي جعله عَلَمًا على محبته ومغفرته، وسببًا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. أما بعد، فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوًّا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧]، وحذَّرنا الله تعالى من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرًا لنا من طاعته، وقطعًا للعذر في متابعته، وأمرنا الله باتباع صراطه المستقيم، ونهانا عن اتباع السُّبل، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا

стр. 274

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وسبيل الله وصراطه المستقيم: هو الذي كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته، بدليل قوله : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فمن اتَّبع رسول الله ﷺ في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع، متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد الله بالمحبة والمغفرة والإحسان. فصل ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته، وقبِلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله ﷺ وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ ، أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله ﷺ في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين: أنه قد صار نجسًا، يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولَغ فيهما كلب، أو بال عليهما هِرّ. ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية [٤٠ أ] الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غَسْلًا يشاهده ببصره، ويكبِّر (١)

стр. 275

ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه، ثم يشك هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينًا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها؛ مكابرةً منه لعِيانه، وجحدًا ليقين نفسه، حتى تراه متلدِّدًا متحيرًا؛ كأنه يعالج شيئًا يجتذبه، أو يجد شيئًا في باطنه يستخرجه؛ كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس، وقبول من وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته. ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العَرْك، وربما فتح عينيه في الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه. قلت: ذكر أبو الفرج ابن الجوزي (١) عن أبى الوفاء ابن عقيل أن رجلًا قال له: أَنغَمِسُ في الماء مرارًا كثيرة، وأشكّ هل صح الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب؛ فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يُفِيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبيّ حتى يبلغ» (٢)، ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك

стр. 276

هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون. قال (١): وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فَوّت عليه رَكعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ويكذب. قلت: وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم: رأيته أنا يكرر عقد النية مرارًا عديدة، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة، فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غمّ شديد، وأقاما متفرقين دهرًا طويلًا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها، ففرق بينهما، ورُدَّتْ إلى الأول بعد أن كاد يَتْلَف لمفارقتها. وبلغني عن آخر: أنَّه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، والتقعُّر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يومًا إلى أن قال: أصلي، أصلي ــ مرارًا ــ صلاة كذا وكذا، وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاءً لله، فقطع الصلاة

стр. 277

رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. قال (١): ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف، حتى يكرره مرارًا. قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكككبر. قال: وقال لي إنسان منهم: قد عجزتُ عن قول: «السلام عليكم»، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن، وقد استرحتَ. وقد بلغ الشيطان منهم أنْ عَذَّبهم في الدنيا والآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول، وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صنعًا. فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله وفعله، وليعزِمْ على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدوّ له لا يدعوه إلى خير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وليترك [٤٠ ب] التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﷺ كائنًا ما كان؛ فإنه لا يُشَكّ أن رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم. ومَنْ عَلِمَهُ قال: فإلى أين العدول عن سنته؟ وأيّ شيء ينبغي للعبد غير طريقته (٢)؟ ويقول لنفسه: ألستِ تعلمين أن طريقة رسول الله ﷺ هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت: بلى؛ قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول:

стр. 278

لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعتِ سبيله كنت قرينه، وستقولين: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ ، فليقْتَدِ بهم، وليحتَذِ (١) طريقتهم؛ فقد رُوِّينا عن بعضهم أنه قال: «لقد تقدمني قوم؛ لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته». قلت: هو إبراهيم النَّخَعيُّ (٢). وقال زين العابدين يومًا لابنه: «يا بني! اتخذ لي ثوبًا ألبسه عند قضاء الحاجة؛ فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء، ثم يقع على الثوب». ثم انتَبَه (٣) فقال: «ما كان للنبي ﷺ وأصحابه إلا ثوب واحد». فتركه (٤). وكان عمر رضي الله تعالى عنه يَهُمّ بالأمر ويَعزِم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله ﷺ انتهى، حتى إنه قال: «لقد هممتُ أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه بلغني أنها تُصبَغ ببول العجائز»، فقال له أُبَيٌّ: «ما لك أن تنهى؛ فإن رسول الله ﷺ قد لبسها، ولُبِستْ في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله». فقال عمر: «صدقت» (٥).

стр. 279

ثم ليُعْلَم أن الصحابة ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادّخرها الله عن رسوله وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله ﷺ الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم (١) الصَّحابة لبدَّعوهم. وها أنا أذكرُ ما جاء في خلافِ مذهبهم؛ على ما يسَّره الله تعالى مُفصَّلًا (٢):

стр. 280

الفصل الأول في النية في الطهارة والصلاة النية: هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلُّها القلب، لا تعلُّق لها باللسان أصلًا، ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التي أُحدِثتْ عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركًا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها، ويعذّبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها؛ فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء ، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يُتصور انفكاك ذلك عن النية؛ فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير نية؛ فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك، ولو كلَّفه الله تعالى الصلاة والوضوء بغير نية لكلَّفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه، وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله؟ و إن شك في حصول نيّته فهو نوع جنون ، فإن عِلْمَ الإنسان بحال نفسه أمر يقيني، فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك في ذلك؟ ولو دعاه داعٍ إلى شغل في تلك الحال لقال: إني [٤١ أ] مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه

стр. 281

إلى الصلاة: أين تمضي؟ لقال: أريد أصلي صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينًا؟ بل أعجب من هذا كله: أن غيْرَه يعلم بنيته بقرائن الأحوال؛ فإنه إذا رأى إنسانًا جالسًا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة، وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلي، فإن تقدم بين يدي المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه في الصف علم أنه يريد الائتمام. قال (١): فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه مع اطّلاعه هو على باطنه؟ فقَبوله من الشيطان أنه ما نوى: تصديقٌ له في جحد العِيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقينًا، ومخالفة للشرع، ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة. ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من شرط إيجاد الشيء كونه معدومًا، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شيءٌ، ولو وقف ألف عام. قال (٢): ومن العجب أنه يتوسوس حالَ قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعًا وأدركه، فمن لم يُحصِّل النيةَ في الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يُحصِّلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟

стр. 282

ثم ما يطلبه: إما أن يكون سهلًا أو عسيرًا، فإن كان سهلًا فكيف يُعسِّره؟ وإن كان عسيرًا فكيف تيسّر عند ركوع الإمام سواءً؟ وكيف خفي ذلك على النبي ﷺ وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان؟ أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدي إلى خير؟ وكيف يقول في صلاة رسول الله ﷺ وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهي ناقصة عنده مفضولة، أم هي التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟ فإن قال: هذا مرض بُلِيتُ به، قلنا: نعم؛ سببه قبولك من الشيطان، ولم يَعْذِر اللهُ أحدًا بذلك. ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أُخرجا من الجنة، ونودي عليهما بما سمعت؟ وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم يتقدم قبلهما من يَعتبرانِ به، وأنت فقد سمعت، وحذَّرك الله من فتنته، وبيَّن لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة في ترك السنة، والقبول من الشيطان. قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بِعَشْر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدةً منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضةَ الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا، أربعَ ركعات، مستقبل القبلة، ثم يُزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عنقه (١)،

стр. 283

ويصرخ بالتكبير كأنه يكبِّر على العدو. ولو مكث أحدهم عُمُرَ نوح يُفتِّش: هل فعل رسول الله ﷺ أو أحدٌ من أصحابه شيئًا من ذلك لما ظفر به؛ إلا أن يجاهر بالكذب البحت! فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه، ولدلُّونا عليه فإن كان هذا هُدًى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال (١): ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله في التحيات: أت أت، التحيّ التحيّ، وفى السلام: أَسْ أَسْ، [٤١ ب] وقوله في التكبير: أكككبر ... ونحو ذلك، فهذا؛ الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إمامًا فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي من أكبر الطاعات أعظمَ إبعادًا له عن الله من الكبائر، وما لم يُبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله ﷺ وهديِه، وما كان عليه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك؛ فآذى سامعيه، وأغرى الناسَ بذمِّه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس، ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه (٢)، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك أفضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتدَّ طمعُه فيه، وتعريضُه نفسه للتشديد عليه بالقَدَر عقوبةً له، وإقامته

стр. 284

على الجهل، ورضاه بالخبَل في العقل، كما قال أبو حامد الغزالي وغيره: الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خَبَلٌ في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب. فهذه نحو خمسَ (١) عشرةَ مفسدةً في الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث عثمان بن أبى العاص، قال: قلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، يَلْبِسُهَا عليّ، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه، واتفُل عن يسارك ثلاثًا»، ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله عني. فأهل الوسواس قُرّةُ عين خِنزب وأصحابه، نعوذ بالله منه. فصل ومن ذلك: الإسراف في ماء الوضوء والغُسل. وقد روى أحمد في «مسنده» (٣) من حديث عبد الله بن عمرو: أن

стр. 285

رسول الله ﷺ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأ، فقال: «لا تُسرِفْ»، فقال: يا رسول الله! أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم؛ وإن كنت على نهر جارٍ». وفى «جامع الترمذي» (١) من حديث أُبيّ بن كعب، أن النبي ﷺ قال:
следующие страницы →