← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إلى الصلاة: أين تمضي؟ لقال: أريد أصلي صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينًا؟ بل أعجب من هذا كله: أن غيْرَه يعلم بنيته بقرائن الأحوال؛ فإنه إذا رأى إنسانًا جالسًا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة، وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلي، فإن تقدم بين يدي المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه في الصف علم أنه يريد الائتمام. قال (١): فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه مع اطّلاعه هو على باطنه؟ فقَبوله من الشيطان أنه ما نوى: تصديقٌ له في جحد العِيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقينًا، ومخالفة للشرع، ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة. ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من شرط إيجاد الشيء كونه معدومًا، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شيءٌ، ولو وقف ألف عام. قال (٢): ومن العجب أنه يتوسوس حالَ قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعًا وأدركه، فمن لم يُحصِّل النيةَ في الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يُحصِّلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟

стр. 282

ثم ما يطلبه: إما أن يكون سهلًا أو عسيرًا، فإن كان سهلًا فكيف يُعسِّره؟ وإن كان عسيرًا فكيف تيسّر عند ركوع الإمام سواءً؟ وكيف خفي ذلك على النبي ﷺ وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان؟ أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدي إلى خير؟ وكيف يقول في صلاة رسول الله ﷺ وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهي ناقصة عنده مفضولة، أم هي التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟ فإن قال: هذا مرض بُلِيتُ به، قلنا: نعم؛ سببه قبولك من الشيطان، ولم يَعْذِر اللهُ أحدًا بذلك. ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أُخرجا من الجنة، ونودي عليهما بما سمعت؟ وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم يتقدم قبلهما من يَعتبرانِ به، وأنت فقد سمعت، وحذَّرك الله من فتنته، وبيَّن لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة في ترك السنة، والقبول من الشيطان. قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بِعَشْر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدةً منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضةَ الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا، أربعَ ركعات، مستقبل القبلة، ثم يُزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عنقه (١)،

стр. 283

ويصرخ بالتكبير كأنه يكبِّر على العدو. ولو مكث أحدهم عُمُرَ نوح يُفتِّش: هل فعل رسول الله ﷺ أو أحدٌ من أصحابه شيئًا من ذلك لما ظفر به؛ إلا أن يجاهر بالكذب البحت! فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه، ولدلُّونا عليه فإن كان هذا هُدًى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال (١): ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله في التحيات: أت أت، التحيّ التحيّ، وفى السلام: أَسْ أَسْ، [٤١ ب] وقوله في التكبير: أكككبر ... ونحو ذلك، فهذا؛ الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إمامًا فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي من أكبر الطاعات أعظمَ إبعادًا له عن الله من الكبائر، وما لم يُبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله ﷺ وهديِه، وما كان عليه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك؛ فآذى سامعيه، وأغرى الناسَ بذمِّه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس، ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه (٢)، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك أفضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتدَّ طمعُه فيه، وتعريضُه نفسه للتشديد عليه بالقَدَر عقوبةً له، وإقامته

стр. 284

على الجهل، ورضاه بالخبَل في العقل، كما قال أبو حامد الغزالي وغيره: الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خَبَلٌ في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب. فهذه نحو خمسَ (١) عشرةَ مفسدةً في الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث عثمان بن أبى العاص، قال: قلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، يَلْبِسُهَا عليّ، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه، واتفُل عن يسارك ثلاثًا»، ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله عني. فأهل الوسواس قُرّةُ عين خِنزب وأصحابه، نعوذ بالله منه. فصل ومن ذلك: الإسراف في ماء الوضوء والغُسل. وقد روى أحمد في «مسنده» (٣) من حديث عبد الله بن عمرو: أن

стр. 285

رسول الله ﷺ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأ، فقال: «لا تُسرِفْ»، فقال: يا رسول الله! أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم؛ وإن كنت على نهر جارٍ». وفى «جامع الترمذي» (١) من حديث أُبيّ بن كعب، أن النبي ﷺ قال:

стр. 286

«للوضوء شيطانٌ يقال له الوَلَهان؛ فاتقوا وسواس الماء». وفى «المسند» و «السنن» (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم». وفى كتاب «الشافي» لأبى بكر عبد العزيز، من حديث أم سعد، قالت: قال رسول الله ﷺ : «يُجزِئ من الوضوء مُدّ، والغسل صاع، وسيأتي قوم يستقلُّون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنتي، والآخذ بسنتي في حظيرة القُدُس مُتنزَّه أهل الجنة» (٢).

стр. 287

وفي «سنن الأثرم» من حديث سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر بن عبد الله قال: «يُجزِئ من الوضوء المُدُّ، ومن الغسل من الجنابة الصاعُ، فقال رجل: ما يكفيني! فغضب جابر حتى ترَبّد وجهه، ثم قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرًا» (١). وقد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢) مرفوعًا، ولفظه: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «يُجزِئ من الغسل الصاعُ، ومن الوضوء المدُّ».

стр. 288

وفي «صحيح مسلم» (١) عن عائشة: «أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد؛ يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك». وفي «سنن النسائي» (٢) [٤٢ أ] عن عُبيد بن عُمير: أن عائشة قالت: لقد رأيتُني أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من هذا، فإذا تَوْرٌ موضوع مثل الصاع أو دونه؛ نَشرع فيه جميعًا، فأُفيض بيدي على رأسي ثلاث مرات، وما أنقض لي شعرًا. وفي «سنن أبى داود» و «النسائي» (٣) عن عَبّاد بن تميم، عن أم عُمارة

стр. 289

بنت كعب أن النبي ﷺ توضأ، فأُتي بماء في إناء قَدْرَ ثُلُثي المد. وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن لي رِكوةً أو قدحًا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأُفْضِل منه فضلًا»، قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لسليمان بن يَسار فقال: «وأنا يكفيني مثل ذلك»، قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد ابن عمّار بن ياسر، فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ . رواه الأثرم في «سننه» (١). وقال إبراهيم النخعي: «كانوا أشدَّ استيفاءً للماءِ منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء» (٢). وهذا مبالغة عظيمة (٣)؛ فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفًا بالدمشقي. وفى «الصحيحين» (٤) عن أنس: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». وفى «صحيح مسلم» (٥) عن سَفِينة، قال: «كان رسول الله ﷺ يُغسِّله

стр. 290

الصاعُ من الجنابة، ويُوضّئه المد». وقال إبراهيم النخعي: «إني لأتوضأ من كوز الحُبّ مرتين» (١). وتوضأ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقدر نصف المد، أو أزيد بقليل (٢). وقال محمد بن عجلان: «الفقه في دين الله: إسباغ الوضوء، وقلة إهراق الماء» (٣). وقال الإمام أحمد: «كان يقال: من قلة فقه الرجل وَلَعُهُ بالماء». وقال الميموني: «كنت أتوضأ بماء كثير، فقال لي أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته». وقال عبد الله بن أحمد: «قلت لأبي: إني لأُكثر الوضوء، فنهاني عن ذلك، وقال: يا بُني، يقال: إن للوضوء شيطانًا يقال له الولَهان، قال لي ذلك في غير مرةٍ، ينهاني عن كثرة صبّ الماء، وقال لي: أقْلِلْ من هذا الماء يا بني!».

стр. 291

وقال إسحاق بن منصور: «قلت لأحمد: نزيد على ثلاث في الوضوء؟ فقال: لا والله، إلا رجلًا مُبْتَلًى». وقال أسود بن سالم ــ الرجلُ الصالح شيخ الإمام أحمد ــ: «كنت مبتلًى بالوضوء، فنزلتُ دِجْلَة أتوضأ، فسمعت هاتفًا يقول: يا أسود! يحيى، عن سعيد: «الوضوء ثلاث، ما كان أكثر لم يُرْفَع»، فالتفتُّ فلم أر أحدًا» (١). وقد روى أبو داود في «سننه» (٢) من حديث عبد الله بن المُغَفَّل، قال:

стр. 292

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء». فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله، وإن أسقطت الفرض عنه؛ فلا تُفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء! ومن مفاسد الوسواس: أنه يَشغلُ ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكًا لغيره كماء الحمَّام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدَّين، حتى يرتهن من ذلك بشيء كثير جدًا، يتضرّر به في البرزخ ويوم القيامة. فصل ومن ذلك: الوسواس في انتقاض الطهارة؛ لا يُلتفتُ إليه. وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد؛ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». [٤٢ ب] وفي «الصحيحين» (٢) عن عبد الله بن زيد، قال: شُكي إلى

стр. 293

رسول الله ﷺ : الرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا». وفي «المسند»، و «سنن أبي داود» (١) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في الصلاة، فيأخذ شعرة من دُبره، فيَمُدُّها، فيُرى أنه قد أحدث، فلا ينصرِفْ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». ولفظ أبي داود (٢): «إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت؛ فليقل له: كذبت؛ إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه». فأمر النبي ﷺ بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلومًا متيقنًا، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله! قال الشيخ أبو محمد (٣): ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللًا قال: هذا من الماء

стр. 294

الذي نضحتُه؛ لما روى أبو داود (١) بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفي ــ أو الحكم بن سفيان ــ قال: «كان النبي ﷺ إذا بال توضأ وينتضح». وفي رواية (٢): «رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم نضح فرجه»، وكان ابن عمر ينضح فرجه؛ حتى يَبُلَّ سراويله (٣).

стр. 295

وشكا إلى الإمام أحمد بعضُ أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء، فأمره أن ينضح فرجه إذا بال، قال: ولا تجعل ذلك من هِمَّتك، والْهُ عنه. وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا، فقال: «الْهُ عنه»؛ فأعاد عليه المسألة، فقال: «أتَسْتَدِرُّه لا أبا لك؟! الْهُ عنه» (١). فصل ومن هذا: ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول؛ وهو عشرة أشياء: السَّلْت، والنَّتْر، والنحْنَحَة، والمشي، والقفز، والحَبْل، والتفقد، والوجور، والحشو، والعصابة، والدَّرَجة. أما السلت فيسلُته من أصله إلي رأسه، على أنه قد روي في ذلك حديث غريب لا يثبت، ففي «المسند» و «سنن ابن ماجه» (٢) عن عيسي بن يَزْداد،

стр. 296

عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات». وقال جابر بن زيد: «إذا بُلْتَ فامسح أسفل ذكرك؛ فإنه ينقطع» رواه سعيد عنه (١). قالوا: ولأنه بالسلت والنتر يُستخرج ما يُخشى عَوْدُه بعد الاستنجاء. قالوا: وإن احتاج إلى مشي خطوات لذلك ففعل فقد أحسن. والنحنحة ليستخرج الفضلة، وكذلك القفز؛ يرتفع عن الأرض شيئًا، ثم يجلس بسرعة. والحبل يتخذ بعضهم حبلًا يتعلق به، حتى يكاد يرتفع، ثم ينخرط فيه حتى يقعد. والتفقد: يمسك الذكر ثم ينظر في المخرج: هل بقي فيه شيء أم لا؟ والوجور: يمسكه ثم يفتح الثقب، ويصب فيه الماء. والحشو يكون معه مِيل وقطن يحشوه به؛ كما يحشو الدُّمَّل بعد فتحها. والعصابة: يعصبه بخرقة. والدَّرَجةُ: يصعد في سُلَّم قليلًا، ثم ينزل بسرعة. والمشيُ: يمشي خطوات، ثم يعيد الاستجمار. قال شيخنا: وذلك كله وسواس وبدعة. فراجعته في السلت والنتر؛ فلم يره، وقال: لم يصحَّ الحديث، قال: والبول كاللبن في الضَّرع، إن تركته قَرّ، وإن حلبته دَرّ. قال: ومن اعتاد ذلك ابتُلي به (٢) بما عوفي منه مَن لها عنه.

стр. 297

قال: ولو كان هذا سنة؛ لكان أولى الناس به رسول الله ﷺ وأصحابه؛ وقد قال اليهودي لسلمان: «لقد علَّمكم نبيُّكم كل شيء حتى الخِرَاءة، فقال: أجل» (١). فأين علَّمنا نبيُّنا ﷺ ذلك أو شيئًا منه؟ بلى؛ علّم المستحاضة أن تتلجّم (٢)، وعلى قياسها من به سَلَس [٤٣ أ] البول؛ أن يتحفّظ، ويشدَّ عليه خِرقة. فصل (٣) ومن ذلك: أشياء سهَّل فيها المبعوثُ بالحنيفية السمحة؛ فشدّد فيها هؤلاء. فمن ذلك: المشي حافيًا في الطرقات، ثم يصلي ولا يغسل رجليه، فقد روى أبو داود في «سننه» (٤): عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت: يا

стр. 298

رسول الله! إن لنا طريقًا إلى المسجد مُنْتِنَة، فكيف نفعل إذا تطهَّرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق أطيب منها؟»، قالت: قلت: بلى، قال: «فهذه بهذه». وقال عبد الله بن مسعود: «كنا لا نتوضأ من مَوْطئ» (١). وعن علي ﵁: أنه خاض في طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه (٢). وسئل ابن عباس عن الرجل يطأ العَذِرةَ، قال: «إن كانت يابسة فليس بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه» (٣).

стр. 299

وقال حفص: «أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدَينِ إلي المسجد، فلما انتهينا عدلتُ إلي المطهرة لأغسل قدمي من شيء أصابها، فقال عبد الله: لا تفعل؛ فإنك تطأ الموطأ الرديء، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب ــ أو قال: النظيف ــ فيكون ذلك طهورًا، فدخلنا المسجد جميعًا فصلينا» (١). وقال أبو الشّعْثاء: «كان ابن عمر يمشي بمنًى في الفروث (٢) والدماء اليابسة حافيًا، ثم يدخل المسجد فيصلي فيه، ولا يغسل قدميه» (٣). وقال عمران بن حُدير: «كنت أمشي مع أبي مِجْلز إلي الجمعة، وفي الطريق عَذِراتٌ يابسة، فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سَوْدات، ثم جاء حافيًا إلي المسجد؛ فصلى ولم يغسل قدميه» (٤). وقال عاصم الأحول: «أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا: بلى، ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها، قال: هل وطئتم على شيء رطْبٍ تعلّق بأرجلكم؟ قلنا: لا. فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار؛ تجفّ فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم؟» (٥).

стр. 300

فصل ومن ذلك: أن الخُفّ والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفلَه أجزأ دَلْكُه بالأرض مطلقًا، وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة. نصَّ عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه. قال أبو البركات: ورواية إجزاء الدّلك مطلقًا هي الصحيحة عندي؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور» (١)، وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بِخُفّيه فطهورهما التراب» رواهما أبو داود (٢).

стр. 301

وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: «لِمَ خلعتم؟»، قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقْلِبْ نعليه، ثم لينظر؛ فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض، ثم لِيُصَلِّ فيهما». رواه الإمام أحمد (١).

стр. 302

وتأويل ذلك على ما يُستقذر من مُخاطٍ أو نحوه من الطاهرات؛ لا يصح لوجوه: أحدها: أن ذلك لا يسمي خبثًا. الثاني: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة؛ فإنه لا يبطلها. الثالث: أنه لا يخلع النعل لذلك في الصلاة؛ فإنه عملٌ لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة. الرابع: أن الدارقطني روى في «سننه» (١) في حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما دَمَ حَلَمة». والحَلَمُ: كبار القُراد. ولأنه محلٌّ يتكرر ملاقاته النجاسة غالبًا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل الاستجمار، [٤٣ ب] بل أولى؛ فإن محل الاستجمار يلاقي النجاسة في اليوم مرتين أو ثلاثًا.

стр. 303

فصل وكذلك ذيل المرأة على الصحيح، وقالت امرأة لأم سلمة: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : «يُطهّره ما بعده». رواه أحمد، وأبو داود (١). وقد رخّص النبي ﷺ للمرأة أن تُرخِي ذيلها ذراعًا (٢)، ومعلوم أنه

стр. 304

يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تُطهِّره الأرضُ. فصل ومما لا تَطيب به قلوبُ الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله ﷺ وأصحابه، فعلًا منه وأمرًا. فروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه. متفق عليه (١). وعن شدّاد بن أوْسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في خِفافهم ولا نعالهم». رواه أبو داود (٢). وقيل للإمام أحمد: أيصلي الرجل في نعليه؟ فقال: «إي والله».

стр. 305

وترى أهل الوسواس إذا بُلي أحدهم بصلاة الجنازة في نعليه، قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر، حتى لا يصلي فيهما. وفي حديث أبي سعيد الخدرى: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر؛ فإن رأى على نعليه قذرًا فليمسحه، وليصلِّ فيهما» (١). فصل ومن ذلك: أن سنة رسول الله ﷺ الصلاة حيث كان، وفي أيّ مكان اتفق، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمّام وأعطان الإبل، فصح عنه ﷺ أنه قال: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا؛ فحيثما أدركتْ رجلًا من أمتي الصلاةُ فليصلِّ» (٢). وكان يصلي في مرابض الغنم؛ وأمر بذلك، ولم يشترط حائلًا. قال ابن المنذر (٣): أجمع كل من يُحفَظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم؛ إلا الشافعي، فإنه قال: أكره ذلك؛ إلا إذا كان سليمًا من أبعارها. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل». رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» (٤).

стр. 306

وروى الإمام أحمد (١) من حديث عُقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تُصلُّوا في أعطان الإبل أو مَبارِك الإبل». وفي «المسند» (٢) أيضًا، من حديث عبد الله بن المغَفّل، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل؛ فإنها خُلِقَتْ من الشياطين».

стр. 307

وفي الباب عن جابر بن سَمُرة (١)، والبراء بن عازب (٢)، وأُسيد بن حُضير (٣)، وذي الغُرّة (٤)، كلهم رووا عن النبي ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم»، وفي بعض ألفاظ (٥) الحديث: «صلُّوا في مرابض الغنم؛ فإن فيها بَرَكة». وقال: «الأرض كلّها مسجد إلا المقبرة والحمّام». رواه أهل «السنن»

стр. 308

كلهم إلا النسائي (١). فأين هذا الهدي من فِعْل مَنْ لا يصلي إلا على سجادة، تُفرش فوق البساط فوق الحصير، ويوضع عليها المنديل، ولا يمشي على الحصير، ولا على البساط، بل يمشي عليها قفزًا (٢) كالعصفور؟

стр. 309

فما أحقَّ هؤلاء بقول ابن مسعود: «لأنتم أهدى من أصحاب محمدٍ، أو أنتم على شعبةِ ضلالةٍ» (١).

стр. 310

وقد صلى النبي ﷺ على حصير قد اسْوَدّ من طول ما لُبِس، فنُضح له بالماء وصلَّى عليه (١)، ولم يُفْرَش له فوقه سجادة ولا منديل. وكان يسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفي الطين [٤٤ أ] تارة، حتى يُرى أثره على جبهته وأنفه. وقال ابن عمر: «كانت الكلاب تُقبلُ وتُدبِر وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك». رواه البخاري، ولم يقل: «وتبول»، وهو عند أبي داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة (٢). فصل ومن ذلك: أن الناس في عصر الصحابة والتابعين ومَن بعدهم كانوا يأتون المساجد حُفاةً في الطين وغيره. قال يحيى بن وَثّاب: قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ، يخرج إلى المسجد حافيًا؟ قال: لا بأس به (٣).

стр. 311

وقال كُمَيْلُ بن زياد: «رأيت عليًا يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد، فصلَّى ولم يغسل رجليه» (١). وقال إبراهيم النخعي: «كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد، فيصلون» (٢). وقال يحيى بن وثَّاب: «كانوا يمشون في ماء المطر، وينتضح عليهم» (٣). رواها سعيد بن منصور في «سننه». وقال ابن المنذر (٤): «وطئ ابن عمر بمنًى وهو حافٍ في ماء وطين، ثم صلَّى ولم يتوضأ». قال: «وممن رأى ذلك: علقمة، والأسود، وعبد الله بن مَعقِل (٥)، وسعيد ابن المسيب، والشعبي، والإمام أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين للشافعية».

стр. 312

قال: «وهو قول عامة أهل العلم، ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع، كما في أطعمة الكفار وثيابهم، وثياب الفسَّاق شَرَبة الخمر (١) وغيرهم». قال أبو البركات ابن تيمية: «وهذا كله يُقوِّي طهارة الأرض بالجفاف؛ لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة بقعة من طرقاته، التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها، للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسة بعد ذهاب أثرها، ولَمَا جاز له التحفّي بعد ذلك، وقد عُلم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك، ويَعضده أمرُه ﷺ بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خَبَثًا. ولو نجست الأرضُ بذلك نجاسةً لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك؛ لأنه يسلكه الحافي وغيره». قلت: وهذا اختيار شيخنا ﵀. وقال أبو قِلابة: «جفاف الأرض طهورها» (٢).

стр. 313

فصل ومن ذلك: أن النبي ﷺ سُئل عن المَذْي، فأمر بالوضوء منه، فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «تأخذ كفًّا من ماء، فتنضحُ به حيث ترى أنه أصابه». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي (١). فجوّز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام (٢). قال شيخنا: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها؛ لكثرة ما تصيب ثياب العزَبَ، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف والحذاء. ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنّه لهم النبي ﷺ من جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف، مع أن المحلّ يعرَق، فينضح إلى الثوب، ولم يأمر بغسله. ومن ذلك: أنه يُعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز.

стр. 314

قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، كالبغل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا يُبتلون بذلك في مغازيهم، فلا يغسلونه من جسد ولا ثوب (١). ومن ذلك: نصُّ أحمد على أن الوَدْيَ يُعفى عن يسيره كالمذي، وكذلك يُعفى عن يسير القيء، نص عليه أحمد. وقال شيخنا: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المِدّة والقَيْح والصديد، قال: ولم يَقُمْ دليل على نجاسته. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاها أبو البركات. وكان ابن عمر لا ينصرف منه في الصلاة (٢)، وينصرف من الدم (٣).

стр. 315

[٤٤ ب] وعن الحسن نحوه (١). وسئل أبو مِجْلَز عن القَيْح يصيب البدن والثوب؟ فقال: «ليس بشيء، إنما ذكر الله الدمَ؛ ولم يذكر القيح» (٢). وقال إسحاق بن راهويه: «كل ما كان سوى الدم فهو عندي مثل العَرَق المنتن وشبهه، ولا يوجب وضوءًا» (٣). وسئل أحمد: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: «لا، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه». وقال مرةً: «القيح والصديد والمِدَّةُ عندي أسهل من الدم». ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: أنه لو وقع بَعْرُ الفأر في حِنطة فطُحنت، أو في دُهن مائع؛ جاز أكله ما لم يتغير؛ لأنه لا يمكن صونه عنه، قال: فلو وقع في الماء نجَّسه.

стр. 316

وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز أكل الحنطة التي أصابها بول الحمير عند الدِّيَاس من غير غسل، قال: لأن السلف لم يحترزوا من ذلك. وقالت عائشة: «كنا نأكل اللحم، والدمُ خطوطٌ على القِدر» (١). وقد أباح الله سبحانه صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فيه من الصيد ومَعَضّه (٢) ولا تقويره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحدٌ من الصحابة. ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحكم، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والإمام أحمد في أصح الروايتين، وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة، لم يكن عالمًا بها، أو كان يعلمها لكنه نسيها، أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها: أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه. ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها. متفق عليه (٣). ولأبي داود (٤): أن ذلك كان في إحدى صلاتي العَشِيّ.

стр. 317

وهو دليلٌ على جواز الصلاة في ثياب المربِّية والمرضع والحائض والصبي، ما لم يتحقّق نجاستها. وقال أبو هريرة: «كنا مع النبي ﷺ في صلاة العشاء؛ فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فلما رفع رأسه أخذهما بيديه من خلفه أخذًا رفيقًا، ووضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته». رواه الإمام أحمد (١).

стр. 318

وقال شداد بن الهاد، عن أبيه: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو حاملٌ الحسن أو الحسين، فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها، فلما قضى الصلاة قال: «إن ابني ارتحلني؛ فكرهت أن أُعْجِله». رواه أحمد، والنسائي (١). وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل؛ وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعليّ مِرْط وعليه بعضه». رواه أبو داود (٢). وقالت: «كنت أنا ورسول الله ﷺ نَبيتُ في الشّعار الواحد، وأنا طامِث حائض؛ فإن أصابه منّي شيء غسل مكانه، ولم يَعْدُهُ، وصلى فيه». رواه أبو داود (٣).

стр. 319

ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان يلبس الثياب التي نسجها المشركون ويصلي فيها (١). وتقدم قول عمر بن الخطاب ﵁، وَهَمُّه أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تُصبغ بالبول، وقول أُبيٍّ له: «ما لك أن تنهى عنها؛ فإن رسول الله ﷺ لبسها، ولُبست في زمانه، ولو علم الله أنها حرام لبيّنه لرسوله». قال: صدقت (٢). قلت: وعلى قياس ذلك: الجُوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه من باب الوسواس. ولما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الجابيةَ استعار ثوبًا من نصراني فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه (٣)، وتوضأ من جَرَّة

стр. 320

نصرانية (١). وصلّى سلمان وأبو الدرداء ﵄ في بيت نصرانية، فقال [٤٥ أ] لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر نصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّرا قلوبكما، ثم صليا أين أحببتما. فقال له سلمان: خذها من غير فقيه (٢). ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضأون من الحياض والأواني المكشوفة، ولا يسألون: هل أصابتها نجاسة، أو وردَها كلب أو سبع؟ ففي «الموطأ» (٣) عن يحيي بن سعيد: «أن عمر ﵁ خرج في
следующие страницы →