← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

واحدة، ثم ذكر التي طلق؛ رجعت هذه التي وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيء قد مَرّ. وكذلك نقل أبو الحارث عنه في رجل له أربع نسوة؛ طلق إحداهن، ولم يكن له نِيّة في واحدة بعينها: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونَسِيها. فنصَّ على القرعة في الصورتين، مُسَوِّيًا بينهما. والذي أفتى به علي هو في المنسية، وبه احتج أحمد. قال وَكيع: سمعت عبد الله (١)، قال: سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، لا يدرى أيتهن طلق؟ قال علي: «يقرع بينهن» (٢). والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعًا، فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، ولأن في الإيقاف والإمساك حتى يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع: عدَّة مفاسد له وللزوجات، مندفعة شرعًا، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات، مِنْ تركهنَّ معلقاتٍ، لا ذوات أزواج ولا أيامَى، وتركه هو معلقًا، لا ذا زوج ولا عَزَبًا.

стр. 352

وليس في الشريعة نظير ذلك، بل ليس فيها وقف الأحكام، بل الفصل وقطع الخصومات بأقرب الطرق، فإذا ضاقت الطرق، ولم يَبْقَ إلا القرعة، تعينت طريقًا، كما عينها الشارع في عدة قضايا، حيث لم يكن هناك غيرها، ولم يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف؛ فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلا انكشاف الحال، كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر مِنْ أعظم المفاسد التي لا تأتي بها الشريعة. وغاية ما يقدّر أن القرعة تصيب التي لم يقع عليها الطلاق وتخطئ المطلقة، وهذا لا يضرها هاهنا؛ فإنه لما جُهِل كونها هي التي وقع عليها الطلاق صار المجهولُ كالمعدوم، وكل ما يقدّر من المفسدة في ذلك فمثلها في العتق سواءً، وقد دلت سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة (١). وقد نص أحمد على حِلّ البُضْع بالقرعة. فقال في رواية ابن منصور وحنبل: «إذا زوّجها الوليان من رجلين، ولم يُعلم السابق منهما؛ أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حُكم أنه الأول». فإذا قويت القرعة [٤٩ أ] على تعيين الزوج في حِلِّ البُضع له، فلأن تقوى على تعيين المطلقة في تحريم بُضْعها عنه أولى؛ فإن الطلاق مبنيٌّ على التغليب والسّراية، وهو أسرع نفوذًا وثبوتًا من النكاح من وجوه كثيرة. وقول الشيخ أبي محمد قدس الله روحه: إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحلَّ له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عَقْدٌ.

стр. 353

جوابه بالفرق بين حالتي الدوام والابتداء؛ فإنه هناك شكّ في هذه الأجنبية، هل حصل عليها عقد أم لا؟ والأصل فيها التحريم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يُقْدِمْ على واحدة منهما، وهاهنا ثبت الحل و النكاح، وحصل الشك بعده، هل نزل التحريم في هذه أو في هذه؟ فإما أن يحرّما جميعًا، أو يحلا جميعًا، أو يقال له: اختر من ينزل عليه التحريم، أو يوقف الأمر أبدًا، أو تستعمل القرعة؟ والأقسام الأربعة الأُول باطلة، لا أصل لها في السنة، ولم يعتبرها الشارع؛ بخلاف القرعة. وبالجملة فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأُخرى؛ إذ هناك تحريم متيقَّن، ونحن نشك في حله، وهنا حل متيقَّن، نشك في تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة. قوله: ولأن القرعة لا تزيل التحريم في المطلَّقة، ولا ترفع (١) الطلاق على من وقع عليه. فيقال: إذا جُهِلت المطلَّقة، ولم يكن له سبيل إلى تعيينها، قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة، حيث تعينت طريقًا، فالمطلقة المجهولة قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم، ولو كانت مطلقةً في نفس الأمر؛ فإن الشارع لم يكلفنا بما في نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسي الطلاق بالكلية، وأقام على وطئها حتى تُوفي، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحقٌ به، والميراث ثابت، وهى مطلّقة في

стр. 354

نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة في حكم الله، كما لو طلع الهلال في نفس الأمر، ولم يَرهُ أحد من الناس، أو كان تحت الغَيم؛ فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعًا في حكم الله، وإن كان طالعًا في نفس الأمر. ونظائر هذا كثيرة جدًا. فغاية الأمر أن هذه مطلَّقة في نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون مطلَّقة في الحكم، كما لو نسي طلاقها. قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذِّكْرِ. جوابه: أن القرعة إنما عملت في (١) استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه؛ فإن التراب إنما يُعمَل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه، ونظائر ذلك كثيرة. منها: أن (٢) الاجتهاد إنما يُعمل عند عدم النص فإذا تبين النص؛ فلا اجتهاد إلا في إبطال ما خالفه. قوله: وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يَدرِ واحدةً طلَّق أم ثلاثًا: يلزمه الثلاث، ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى.

стр. 355

فيقال: الخرقي نَصَّ على المسألتين مفرِّقًا بينهما في «مختصره»، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه وأُنْسِيها أخرجت بالقرعة، وقال ما حكاه الشيخ عنه في الموضعين. فأما من شك هل طلق واحدة أم ثلاثًا؟ فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخِرَقي اختار الرواية الأخرى، وهي مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين، وبيان الراجح منهما. وعلى القول بلزوم الثلاث؛ فالفرق بين ذلك وبين [٤٩ ب] إخراج المنسيَّة بالقرعة: أن المجهول في الشرع كالمعدوم، فقد جهلنا وقوع الطلاق بأي الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما، ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما، والوقف مفسدة ظاهرة؛ فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقًا وشك في عدده، فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها؟ فألزمه بالثلاث، فظهر الفرق بينهما على هذا القول، وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال. وأما من حلف بالطلاق: لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة؛ فقد قال الخرقي: إنه يُمنع من وطء زوجته حتى يتيقن، وهذا يحتمل الكراهة والتحريم. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا يحنث، ولا يحرم عليه وطء زوجته، واختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم؛ فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلَّق وشكَّ هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟

стр. 356

فصل وأما من حلف على يمين ثم نسيها، وقوله: يلزمه جميع (١) ما يحلف به، فقول شاذ جدًّا، وليس عن مالك؛ إنما (٢) قاله بعض أصحابه، وسائر أهل العلم على خلافه، وأنه لا يلزمه شيء حتى يتيقن، كما لو شك: هل حلف أو لا؟ فإن قيل: ينبغي أن يلزمه كفارة يمين؛ لأنها الأقل. قيل: موجَب الأيمان مختلف، فما من يمين إلا وهي مشكوك فيها، هل حلف بها أم لا؟ وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمينٍ حَسْبُ؛ لأن ذلك موجَبُ الأيمان كلها عنده. فصل وأما مَن حلف: ليفعلنّ كذا، ولم يُعَيِّن وقتًا، فعند الجمهور هو على التراخي إلى آخر عمره؛ إلا أن يعيِّن بنيّته وقتًا، فيتقيَّد به، فإن عزم على الترك بالكلية حنث حالة عَزْمه. نصّ عليه أحمد. وقال مالك: هو على حنثٍ حتى يفعل، فيُحالُ بينه وبين امرأته إلى أن يأتي بالمحلوف عليه.

стр. 357

وهذا صحيحٌ على أصله في سدِّ الذرائع؛ فإنه إذا كان على التراخي إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة، وصار لا فرق بين الحَلف وعدمه، والحملُ في ذلك على القرينة والعرف إن لم تكن نية، ولا يكاد اليمين يتجرّد عن هذه الثلاثة. وأما تعليق الطلاق بوقت يجيء لا محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ونحوه؛ فللفقهاء في ذلك أربعة أقوالٍ: أحدها: أنها لا تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختيار أبى عبد الرحمن الشافعي، وهو من أجَلِّ (١) أصحاب الوجوه. وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط، كما لا يقبله النكاح، والبيع، والإجارة، والإبراء. قالوا: والطلاق لا يقع في الحال، ولا عند مجيء الوقت. أما في الحال فلأنه لم يوقعه مُنَجَّزًا، وأما عند مجيء الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذٍ، ولم يتجدد سوى مجيء الزمان، ومجيء الزمان لا يكون طلاقًا. وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: يقع الطلاق في الحال، وهذا مذهب مالك، وجماعة من التابعين. وحجتهم: أن قالوا: لو لم يقع في الحال لحصل منه استباحة وطء موقّت، وذلك غير جائز في الشرع؛ لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مُطلقًا غير موقّت، ولهذا حَرُم نكاح المتعة؛ لدخول الأجل فيه، وكذلك وطء المكاتبة. ألا ترى أنه لو عُرّي من الأجل، بأن يقول: إن جئتني بألف درهم فأنت حُرّة، لم يمنع ذلك الوطء.

стр. 358

قال المُوقِعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء؛ فإن الشريعة فرّقت بينهما في مواضع كثيرة؛ فإن ابتداء عقد النكاح في الإحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الأمة مع الطَّوْلِ وعدم خوف العَنَت فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الزانية فاسد ــ عند أحمد ومن وافقه ــ دون دوامه. ونظائر ذلك [٥٠ أ] كثيرة جدًا. قالوا: والمعنى الذي حَرُمَ لأجله نكاح المتعة: كون العقد موقّتًا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه، فلا يبطل، كما لو علّق الطلاق بشرط، وهو يعلم أنها تفعله أو يفعله هو ولا بد؛ ولكن يجوز تخلفه. والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثًا وقع في الحال، وإن كان رجعيًا لم يقع قبل مجيئه. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليها (١) في رواية مُهَنَّا: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل موتي بشهر: هي طالقٌ الساعةَ، كان سعيد بن المسيب والزُّهري لا يوقِّتون في الطلاق، قال مهنا: فقلت له: أفتتزوج هذه التي قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهر؟ قال: لا؛ ولكن يمسك عن الوطء أبدًا حتى يموت، هذا لفظه. وهو في غاية الإشكال، فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجَّزًا، فكيف يمنعها من التزويج؟

стр. 359

وقوله: «يمسك عن الوطء أبدًا» يدل على أنها زوجة؛ إلا أنه لا يطؤُها، وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق؛ فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها. فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع (١) الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف في ذلك، فحرَّم وطأها وهو أثر الطلاق، ومنعها من التزويج؛ لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص. ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثًا لم يحلَّ وطؤها بعد الأجل، فيصير حِلُّ الوطء موقّتًا، وإن كان رجعيًا جاز له وطؤها بعد الأجل، فلا يصير الحِلُّ موقّتًا، وهذا أفقه من القول الأول. والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجيء الأجل، وهو قول الجمهور، وإنما تنازعوا: هل هو مُطَلِّقٌ في الحال، ومجيء الوقت شرط لنفوذ الطلاق، كما لو وكّله في الحال، وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر، فمجيء رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، لا لحصول الوكالة، بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكَّلتك، ولهذا يفرّق الشافعي بينهما، فيصحح الأولى، ويبطل الثانية. أو يقال: ليس مطلِّقًا في الحال، وإنما هو مطلِّق عند مجيء الأجل، فيقدَّر حينئذٍ أنه قال: أنت طالق، فيكون حصول الشرط وتقدير حصول «أنت طالق» معًا. فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير

стр. 360

الثانى: نفس السبب تأخر تقديرًا إلى مجيء الوقت، وكأنه قال: إذا جاء رأس الشهر فحينئذٍ أنا قائل لك: أنت طالق، فإذا جاء رأس الشهر قُدِّر قائلاً لذلك اللفظ المتقدم. فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة، فإذا وجد الشرط وجدت العلة، فيصير وجودها مضافًا إلى الشرط، وقبل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخلاف الوجوب؛ فإنه ثابت قبل مجيء الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول، وتأثيره في امتناع وجود العلة قبله، فإذا وُجِدَ وُجِدَتْ. وأصحاب الشافعي يقولون: أثر الشرط في تراخي الحكم، والعلة قد وُجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجيء الشرط، فالمتقدم علة قد تأخر تأثيرها إلى مجيء الشرط. فصل وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم ومالك ــ في إحدى الروايتين عنه ــ: أن من شكّ هل انتقض وضوؤه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطًا، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها. فهذه مسألة (١) نزاع بين الفقهاء. وقد قال الجمهور ــ منهم الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه ــ: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلي بذلك الوضوء الذي تيقنه، وشك في انتقاضه.

стр. 361

واحتجوا بما رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن أبى هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه: أخَرجَ [٥٠ ب] منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». وهذا يَعُمُّ المصلي وغيره. وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابتة في ذمَّته بيقين، وهو يشك في براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هي صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنه شك في شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك. والآخرون يجيبون عن هذا؛ بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في بطلانها، فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شكّ: هل أصاب ثوبَه أو بدنَه نجاسةٌ؟ فإنه لا يجب عليه غَسْلُهُ، وقد دخل في الصلاة بالشك. ففرَّقوا بينهما بفرقين: أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط، ولهذا لا يجب نيَّته، وإنما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنه شرط، وقد شك في ثبوته، فأين هذا من هذا؟ الثاني: أنه قد كان قبل الوضوء مُحْدِثًا، وهو الأصل فيه، فإذا شك في بقائه كان ذلك رجوعًا إلى الأصل، وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك في حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.

стр. 362

قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هي الأصل، فإذا شككنا في الحدث رجعنا إليه، فأين هذا من الوسواس المذموم شرعًا وعقلاً وعرفًا؟ فصل وأما قولكم: إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غَسْلُهُ كله! فليس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه، ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه. فصل وأما مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس؛ فهذه مسألة نزاع: فذهب مالك في رواية عنه وأحمد إلى أنه يصلي في ثوب بعد ثوب، حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر. وقال الجمهور ــ ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، ومالك في الرواية الأخرى ــ: يتحرّى فيصلي في واحد منها صلاة واحدة، كما يتحرى في القِبلة. وقال المُزني، وأبو ثَوْر: بل يصلي عُريانًا ولا يصلي في شيء منها؛ لأن الثوب النجس في الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عَجَزَ عن السّتْرَة بثوب طاهر، فيسقط فرض السترة. وهذا أضعف الأقوال.

стр. 363

والقول بالتحرِّي هو الراجح، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قَلَّ، وهو اختيار شيخنا. وابن عقيل يُفَصّل، فيقول: إن كثر عدد الثياب تحرّى دفعًا للمشقة، وإن قلّ عمل باليقين. قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرّى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها، فصلّى فيه، لم يُحْكَم ببطلان صلاته بالشك؛ فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شكّ فيها في هذا الثوب، فيصلي فيه، كما لو استعار ثوبًا أو اشتراه ولا يعلم حاله. وقول أبي ثور في غاية الفساد؛ فإنه لو تَيقّن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرًا وأحبَّ إلى الله من صلاته مُتجرِّدًا، بادِيَ السوءَة للناظرين. وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم. فصل وأما مسألة اشتباه الأواني؛ فكذلك ليست من باب الوسواس. وقد اختلف فيها الفقهاءُ اختلافًا متباينًا. فقال أحمد: يتيمم ويتركها، وقال مَرّةً: يريقها ويتيمم؛ ليكون عادمًا للماء الطَّهور بيقين. وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الأواني الطاهرة أكثر تحرّى، وإن تساوت أو كثرت النجسة لم يتحرَّ. وهذا اختيار أبي بكر، وابن شاقْلا، والنّجّاد من أصحاب أحمد. وقال الشافعي، وبعض المالكية: يتحرى بكل حال.

стр. 364

وقال عبد الملك بن الماجِشُون: يتوضأ بكل واحد منها وضوءًا ويصلي. وقال محمد بن مَسْلَمة من المالكية: يتوضأ من أحدها ويصلي، ثم يغسل ما [٥١ أ] أصابه منه، ثم يتوضأ من الآخر ويصلي. وقالت طائفة ــ منهم شيخنا ــ: يتوضأ من أيها شاء، بناءً على أن الماء لا ينجُس إلا بالتغير، فتستحيل المسألة. وليس هذا موضع ذكر حُجج هذه الأقوال وترجيح راجحها. فصل وأما إذا اشتبهت عليه القِبْلة؛ فالذي عليه أهل العلم كلهم: أنه يجتهد ويصلي صلاة واحدة. وشذّ بعض الناس، فقال: يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، وهذا قول شاذ مخالف للسنة، وإنما التزمه قائله في مسألة اشتباه الثياب، وهذا ونحوه من وجوه الالتزامات (١) عند المضايق طردًا لدليل المستدل: مما لا يُلتفت إليها، ولا يُعوَّل عليها. ونظيره التزام من التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة، لمّا ألزمهم أصحاب أبى حنيفة بذلك، قال بعضهم: نقول به. ونظيره إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبيرة مع الإمام، لَمّا ألزمت الحنفية من نازعها في ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم، وقال: نقول به.

стр. 365

فصل وأما من ترك صلاةً من يومٍ لا يعلم عينَها؛ فاختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال: أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق ـ؛ لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينًا إلا بذلك. القول الثاني: أنه يصلي رباعية، ينوي بها ما عليه، ويجلس عَقِيبَ الثانية والثالثة والرابعة، وهذا قول الأوزاعي، وزُفَر بن الهُذَيل، ومحمد بن مقاتل من الحنفية؛ بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبي ﷺ ، وبدون السلام، وأن نية الفرضيّة تكفي من غير تعيين، كما في الزكاة (١)، ولا يضرّ جلوسه عَقِيبَ الثالثة إن كانت المنسية رباعية؛ لأنه زيادة من جنس الصلاة، لا على وجه العَمْدِ. القول الثالث: أنه يجزئه أن يصلي فجرًا ومغربًا، ورباعية ينوي ما عليه؛ وهذا قول سفيان الثوري، ومحمد بن الحسن. ويُخَرَّج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفي من غير تعيين. وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يُسأل: ما تقول في رجل ذكر أن عليه صلاة لم يعيِّنها، فصلى ركعتين وجلس فتشهد، ونوى بها الغَداة ولم يسلِّم، ثم قام فأتى بركعة وجلس وتشهد ونوى بها المغرب، وقام ولم يسلِّم، وأتى برابعة ثم جلس، فتشهد ونوى بها ظهرًا أو عصرًا أو عشاء الآخرة، ثم

стр. 366

سلَّم؟ فقال له أبي: «هذا يجزئه، ويقضي عنه على مذهب العراقيين؛ لأنهم اعتمدوا في التشهُّد على خبر ابن مسعود: «إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك» (١)، وأما على مذهب صاحبنا أبي عبد الله الشافعي ومذهبنا؛ لا يجزئ عنه؛ لأنا نذهب إلى قوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢)،

стр. 367

ونذهب إلى الصلاة على رسول الله ﷺ فيها. هذا لفظه. قال أبو البركات: فهذا من أحمد يبيِّن (١) أن قضاء الواحدة لا يجزئه؛ لتعذُّر التحليل المعتبر، لا لفَوْت نية التعيين، فإذا قضى ثلاثًا ــ كما قال الثوري ــ اندفع المفسد. وبكل حالٍ؛ فليس في هذا راحة للموسوسين. فصل وأما من شك في صلاته فإنه يبني على اليقين؛ لأنه لا تبرأ ذمته منه بالشك. وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء؟ وتحريم أكله إذا خالط كلابه كلبًا من غيره؛ فهو الذي أمر به رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد شك في سبب الحلّ، والأصلُ في الحيوان التحريم، فلا يُستباح بالشك في شرط حله، بخلاف ما إذا كان الأصل فيه الحل؛ فإنه لا يحرم بالشك في سبب تحريمه، كما لو اشترى ماءً أو طعامًا أو ثوبًا لا يعلم حاله جاز شربه وأكله ولبسه، وإن شك هل ينجس أم لا؟ فإن الشرط متى شقّ اعتباره، أو كان الأصل عدم المانع، لم يُلتفت إلى ذلك. فالأول: كما إذا أُتي بلحم لا يعلم هل سَمّى عليه ذابحه أم لا؟ وهل ذكّاه في الحلق واللَّبّة، واستوفى شروط الذكاة أم لا؟ لم يحرم أكله؛ لمشقة

стр. 368

التفتيش عن ذلك. وقد قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن ناسًا من الأعراب يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم وكلوا» (١)، مع أنه قد نُهي عن أكل ما لم يُذكر عليه اسم الله. والثاني: كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس؛ فإن الأصل فيها الطهارة، وقد شك في وجود المنجِّس، فلا يلتفت إليه. فصل وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبى هريرة ﵄: فشيء تفرَّدا به، دون الصحابة، ولم يوافق ابنَ عمر على ذلك أحدٌ منهم، وكان ابن عمر يقول: «إن بي وسواسًا فلا تقتدوا بي» (٢). وظاهر مذهب الشافعي وأحمد: أن غسل داخل العينين في الوضوء لا يُستحب، وإن أمِنَ الضررَ؛ لأنه لم يُنقل عن رسول الله ﷺ أنه فعله قط، ولا أمر به، وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان (٣)، وعلي (٤)، وعبد الله بن زيد (٥)،

стр. 369

والرُّبيع بنت مُعَوِّذ (١)، وغيرهم، فلم يقل أحد منهم: إنه غسل داخل عينيه. وفى وجوبه في الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يجب، وهو قول الجمهور. وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة وأولى؛ لأن المضرَّة به أغلب؛ لزيادة التكرار والمعالجة. وقالت الشافعية والحنفية: يجب؛ لأن إصابة النجاسة لهما تَنْدُر، فلا يشق غسلهما منها. وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما في الوضوء، وهو قولٌ لا يُلتفت إليه، ولا يُعرَّج عليه. والصحيح أنه لا يجب غسلهما في وضوء، ولا جنابة، ولا نجاسة. وأما فعل أبى هريرة ﵁: فهو شيء تأوّله، وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة تُلقّب بمسألة «إطالة الغرة»، وإن كانت الغُرَّة في الوجه خاصة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: تُستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره. والثانية: لا تُستحب، وهي مذهب مالك، وهى اختيار شيخنا أبي العباس.

стр. 370

والمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغُرّ المحَجّلون يوم القيامة من أثر الوضوء؛ فمن استطاع منكم فليُطِلْ غُرّته وتَحْجيله». متفق عليه (١)، ولأن الحِلْية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (٢). قال النافون للاستحباب: قال رسول الله ﷺ : «إن الله حَدَّ حدودًا فلا تعتدوها» (٣)، والله سبحانه قد حدّ المرفقين والكعبين، فلا ينبغي تعدِّيهما، ولأن رسول الله ﷺ لم يَنقُل مَنْ نقل عنه وضوءه أنه تعدّاهما، ولأن ذلك أصل الوسواس ومادّته، ولأن فاعله إنما يفعله قُربةً وعبادةً، والعبادات مبناها

стр. 371

على الاتباع، ولأن ذلك ذريعة إلى الغَسْلِ إلى الفخذ، وإلى الكتف، وهذا مما يُعلم أن النبي ﷺ وأصحابَه لم يفعلوه ولا مرة واحدة، ولأن هذا من الغلُوِّ، وقد قال ﷺ : «إياكم والغلوّ في الدين» (١)، ولأنه تعمُّق، وهو منهي عنه، ولأنه عضو من أعضاء الطهارة، فكُرِهَ مجاوزته كالوجه. وأما الحديث فراويه عن أبي هريرة عنه نُعَيْمٌ المُجْمِرُ، وقد قال: «لا أدري؛ قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرتَّه فليفعل» من قول رسول الله ﷺ ، أو من قول أبي هريرة؟». روى ذلك عنه الإمام أحمد في «المسند» (٢). وأما حديث الحلية، فالحلية (٣) المزيِّنة ما كان في مَحَلِّهِ، فإذا جاوز محلَّه لم يكن زينة. فصل وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال، وتمشية الأمر كيف اتفق، إلى آخره. فلعمر الله إنهما لطرفا إفراطٍ وتفريطٍ، وغلو وتقصير، وزيادة [٥٢ أ] ونقصان، وقد نهى الله سبحانه عن الأمرين في غير موضع؛ كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقوله:

стр. 372

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النّمَط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين، ولم يلحقوا بغُلُوّ المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وَسَطًا، وهى الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدلُ هو الوسط بين طرفي الجَوْرِ والتفريط، والآفاتُ إنما تتطرّق إلى الأطراف، والأوساط مَحْميَّة بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها. قال الشاعر: كانَتْ هِيَ الوَسَط المَحْمِيَّ فَاكْتَنَفَتْ ... بِهَا الحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا (١) فصل ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يُرد الله فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابُها من دون الله، وعُبِدتْ قبورهم، واتُّخِذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوّرت صورُ أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظلٌّ، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا

стр. 373

يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ ـ ٢٤]. قال ابن جرير (١): «وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا: ما حدثنا به ابن حُميد، حدثنا مِهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يَغوثَ ويَعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرْناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَون المطرَ، فعبدوهم». قال سفيان، عن أبيه، عن عِكْرمة قال: «كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام» (٢). حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا عبد الرزاق (٣)، عن مَعْمر، عن قتادة؛ في هذه الآية، قال: «كانت آلهةً يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان وَدٌّ لكلبٍ بدُوْمَة الجَنْدَل، وكان سُواعٌ لهُذَيل، وكان يَغوث لبني غُطَيف من مُراد، وكان يَعوقُ لهَمْدَان، وكان نَسر لذي الكَلاع من حِمْيَر» (٤).

стр. 374

وقال الوالِبي، عن ابن عباس: «هذه أصنام كانت تُعْبَدُ في زمان نوح» (١). وقال البخاري (٢): حدثنا إبراهيم بن موسى: حدثنا هشام، عن ابن جُريج قال: قال عطاء، عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بَعْدُ، أما وَدٌّ فكانت لكَلْبٍ بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهُذَيل، وأما يَغُوث فكانت لمراد، ثم لبني غُطيف بالجُرْف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهَمْدان، وأما نَسْر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكَلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انصبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعَبد (٣)، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلمُ عُبِدت». وقال غير واحد من السلف (٤): «كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمَدُ فعبدوهم».

стр. 375

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، [٥٢ ب] وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته (١) عن عائشة ﵂: أن أمّ سَلَمَة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كَنِيسة رأتها بأرضِ الحبشة يقال لها: ماريةُ، فذكرتْ له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح؛ بَنَوْا على قَبره مسْجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وفى لفظ آخر في «الصحيحين» (٢): أن أم حبيبة وأم سَلمة ذكرتا كنيسة رأينها. فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور. وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، قال: «كان يَلُتّ لهم السّويق، فمات، فعكفوا على قبره» (٣). وكذلك قال أبو الجَوْزاء عن ابن عباس: «كان يلتّ السويق للحاجّ» (٤).

стр. 376

فقد رأيتَ أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونَسْر واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي ﷺ . قال شيخنا (١): وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور؛ هي التي أوقعت كثيرًا من الأُمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك؛ فإن الشّرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقربُ إلى النفوس من الشرك بخشَبة أو حَجَر. ولهذا تَجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادةً لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السَّحَر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حَسَم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بَرَكة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بَرَكة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذٍ، وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون، سدًّا للذريعة. قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور، متبرِّكًا بالصلاة في تلك البُقعة، فهذا عين المحادّة لله ورسوله، والمخالفةِ لدينه، وابتداع دينٍ لم يأذن به الله؛ فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول

стр. 377

الله ﷺ : أن الصلاة عند القبور منهيّ عنها، وأنه لَعن من اتخذها مساجد، فمِنْ أعظم المحدثات وأسباب الشّرك: الصلاةُ عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، فقد صرّح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعةً منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرَّح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة، والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم؛ إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يُظَنّ بهم أن يُجوّزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعنُ فاعله، والنهي عنه. ففي «صحيح مسلم» (١) عن جُندَب بن عبد الله البَجلي، قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت مُتخذًا من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ألا وإن مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ [٥٣ أ] ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك». وعن عائشة وعبد الله بن عباس، قالا: لما نُزِل برسول الله ﷺ طَفِقَ يَطرحُ خَمِيصةً له على وجهه، فإذا اغْتَمّ كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يُحذّر ما صنعوا. متفق عليه (٢).

стр. 378

وفى «الصحيحين» (١) أيضًا عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قاتَل الله اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفى رواية مسلم (٢): «لعن الله اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق مَنْ فعل ذلك من أهل الكتاب؛ ليُحذِّر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يَقُمْ منه: «لعن الله اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرهُ؛ غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا. متفق عليه (٣). وقولها: «خُشيَ» هو بضم الخاء؛ تعليلاً لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في «مسنده» (٤) بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود

стр. 379

رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شِرار الناس من تُدرِكهم الساعة وهم أحياءٌ، والذين يتخذون القبور مساجد». وعن زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». رواه الإمام أحمد (١). وعن ابن عباس، قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج». رواه الإمام أحمد، وأهل «السنن» (٢).

стр. 380

وفي «صحيح البخاري» (١): أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبرَ، القبرَ. وهذا يدل على أنه كان من المُسْتَقرِّ عند الصحابة ﵃: ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور، وفعلُ أنس لا يدل على اعتقاد جوازه؛ فإنه لعله لم يَرَهُ، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذَهل عنه، فلما نبَّهه عمر تنبَّه. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : «الأرضُ كلها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» رواه الإمام أحمد، وأهل «السنن الأربعة»، وصححه أبو حاتم بن حبان (٢).

стр. 381

وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القِبلة. فروى مسلم في «صحيحه» (١) عن أبي مَرْثَد الغَنَويّ، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها». وفى هذا إبطالُ قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ ، وهو باطل من عِدّة أوجه: منها: أن الأحاديث كلَّها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعلِّلون بالنجاسة. ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة؛ فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طرِيُّون. ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرةَ والحمامَ، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر (٢) الحُشوش والمجازر ونحوها (٣) أولى من ذكر القبور.

стр. 382

ومنها: أن موضع مسجده ﷺ كان مقبرة للمشركين، فنَبَش قبورَهم وسَوّاها واتخذه مسجدًا، ولم ينقل ذلك الترابَ، بل سوى الأرض ومهّدها وصلى فيه. كما ثبت في «الصحيحين» (١) عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، فنزل بأعلى المدينة في حَيٍّ يقال [٥٣ ب] لهم: بنو عمرو بن عَوْف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا مُتَقَلِّدين السيوفَ، وكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته، وأبو بكر دونه (٢)، وملأُ بَنِي النجار حوله، حتى ألْقى بفناء أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مَرابِض الغنم، وإنه أمَر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: «يا بني النجار! ثامِنُوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله، لا نطلبُ ثمنه إلا إلى الله، فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبِشت، ثم بالخَرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفّوا النخل قِبْلَة المسجد، وجعلوا عِضادَتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يَرْتَجزون. وذكر الحديث. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عُبّاد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك سدًّا لذريعة التشبه الذي لا يكاد يخطر ببال المصلي؛ فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرًا ما تدعو صاحبها إلى الشرك، ودعاء الموتى، واستيجابهم، وطلب

стр. 383

الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك، مما هو محادّة ظاهرة لله ورسوله؟ فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة مما يدل على أن النبي ﷺ قصد منع الأمة من الفتنة بالقبور؛ كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم؟ ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعنة بين متخذي المساجد عليها، وموقدي السُّرُج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفى ارتكاب الكبيرة صِنوان؛ فإن كل ما لَعَن عليه رسول الله ﷺ فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السُّرج عليها إنما لُعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما؛ فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها، ولهذا حكى الله سبحانه عن المتغلِّبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. ومنها: أنه ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، فذِكْرُهُ ذلك عَقيبَ قوله: «اللهم

стр. 384

لا تجعل قبري وثنًا يعبد» تنبيه منه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسُّلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تُعبد. وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفَهِمَ عن الرسول ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه واللعن والنهي بصيغتيه ــ صيغة «لا تفعلوا»، وصيغة «إني أنهاكم» ــ ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربَّه ومولاه، وقلّ نصيبه أو عُدِمَ من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانةٌ لحِمَى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريدٌ له وغضب لربِّه أن يُعدَل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابًا لنهيه، وغَرّهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشدَّ لها تعظيمًا، وأشدَّ فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعَمْرُ الله مِنْ هذا [٥٤ أ] الباب بعينه دُخِلَ على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دُخِلَ على عبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهَدَى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم، وإنزالِهِمْ منازَلُهمْ التي أنزلهم الله إياها، من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. وأمّا المشركون فعصوا أمرهم، وتنقَّصوهم في صورة التعظيم لهم.

стр. 385

قال الشافعي (١) رحمة الله عليه: «أكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعَل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس». وممَّن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرَم في كتاب «ناسخ الحديث ومنسوخه»؛ فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: «جُعلت لي الأرض مسجدًا إلا المقبرة والحمام» (٢)، وحديث زيد بن جَبِيرَة (٣)، عن داود بن الحُصين، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في سبع مواطن (٤)، وذكر منها المقبرة؛ قال الأثرم: «إنما كُرِهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد».

стр. 386

فصل ومن ذلك اتخاذها عيدًا. والعيد ما يُعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان: فأما الزمان فكقوله ﷺ : «يومُ عرفة ويوم النحر وأيامُ مِنًى عيدنا أهل الإسلام». رواه أبو داود وغيره (١). وأما المكان فكما روى أبو داود في «سننه» (٢) أن رجلًا قال: يا رسول

стр. 387

الله! إني نذرت أن أنْحَر (١) بِبُوانَةَ؟ فقال: «أبِها وثَنٌ من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟»، قال: لا، قال: «فأوفِ بنذرك». وكقوله: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (٢). والعيد: مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وانْتِيابُه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنًى ومُزْدلِفَة وعرفة والمشاعِرَ جعلها الله عيدًا للحُنفاء ومثابةً، كما جعل أيام التعبُّد فيها عيدًا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوّض الحنفاء منها: عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منًى، كما عوّضهم عن أعياد المشركين المكانية: بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ في سَيّدِ القبور، منَبِّهًا به على غيره. فقال أبو داود (٣): حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع،

стр. 388

أخبرني ابن أبي ذِئْب، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ﷺ . وهذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير. وقال أبو يَعْلى الموصليُّ في «مسنده» (١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،

стр. 389

حدثنا زيد بن الحُباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولَد ذي الجناحين، حدثنا [علي بن عمر، عن أبيه، عن] (١) علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةٍ كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مختارته» (٢). وقال سعيد بن منصور [٥٤ ب] في «السنن»: حدثنا حِبّان بن علي: حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المَهْري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني» (٣). وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنا سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (٤) عند القبر، فناداني

стр. 390

وهو في بيت فاطمة يتعشّى، فقال: هَلُمّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلِّمْ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواءٌ (١). فهذان المرسلان ــ من هذين الوجهين المختلفين ــ يدلَّان على ثبوت الحديث؛ لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُويَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدّم مسندًا؟ قال شيخ الإسلام (٢) قدَّس الله روحه: ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نَهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرّي النافلة في البيوت، ونهى عن تحرّي العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقّب النهي عن اتخاذه عيدًا
следующие страницы →