← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فصل ومن ذلك اتخاذها عيدًا. والعيد ما يُعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان: فأما الزمان فكقوله ﷺ : «يومُ عرفة ويوم النحر وأيامُ مِنًى عيدنا أهل الإسلام». رواه أبو داود وغيره (١). وأما المكان فكما روى أبو داود في «سننه» (٢) أن رجلًا قال: يا رسول

стр. 387

الله! إني نذرت أن أنْحَر (١) بِبُوانَةَ؟ فقال: «أبِها وثَنٌ من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟»، قال: لا، قال: «فأوفِ بنذرك». وكقوله: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (٢). والعيد: مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وانْتِيابُه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنًى ومُزْدلِفَة وعرفة والمشاعِرَ جعلها الله عيدًا للحُنفاء ومثابةً، كما جعل أيام التعبُّد فيها عيدًا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوّض الحنفاء منها: عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منًى، كما عوّضهم عن أعياد المشركين المكانية: بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ في سَيّدِ القبور، منَبِّهًا به على غيره. فقال أبو داود (٣): حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع،

стр. 388

أخبرني ابن أبي ذِئْب، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ﷺ . وهذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير. وقال أبو يَعْلى الموصليُّ في «مسنده» (١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،

стр. 389

حدثنا زيد بن الحُباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولَد ذي الجناحين، حدثنا [علي بن عمر، عن أبيه، عن] (١) علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةٍ كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مختارته» (٢). وقال سعيد بن منصور [٥٤ ب] في «السنن»: حدثنا حِبّان بن علي: حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المَهْري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني» (٣). وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنا سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (٤) عند القبر، فناداني

стр. 390

وهو في بيت فاطمة يتعشّى، فقال: هَلُمّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلِّمْ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواءٌ (١). فهذان المرسلان ــ من هذين الوجهين المختلفين ــ يدلَّان على ثبوت الحديث؛ لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُويَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدّم مسندًا؟ قال شيخ الإسلام (٢) قدَّس الله روحه: ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نَهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرّي النافلة في البيوت، ونهى عن تحرّي العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقّب النهي عن اتخاذه عيدًا

стр. 391

بقوله: «وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام؛ يحصل مع قربكم من قبري وبُعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا. وقد حرّف هذه الأحاديث بعضُ من أخذ شبهًا من النصارى بالشرك، وشبهًا من اليهود بالتحريف، فقال: هذا أمرٌ بملازمة قبره، والعُكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهي أن يُجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرةً أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذي يكون من الحوْل إلى الحول، واقصدوه كلّ ساعة وكلّ وقت! وهذا مراغمة ومحادّة لله، ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ ، وقَلْبٌ للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس والتلبيس بعد التناقض، فقاتل الله أهلَ الباطل أنّى يُؤفكون! ولا ريب أن مَنْ أمَرَ الناسَ باعتياد أمرٍ وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: «لا تجعلوا عيدًا»؛ فهو إلى التلبيس وضدِّ البيان أقربُ منه إلى الدلالة والبيان، فإن لم يكن هذا تنقيصًا فليس للتنقيص حقيقة فينا، كمن يرمي أنصار الرسول ﷺ وحزبه بدائِه ومُصابه ويَنْسَلُّ كأنه بريء. ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثمًا، وأخف عقوبةً من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته، وهكذا غُيّرت دياناتُ الرسل ﵈، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصارَ والأعوان الذابّين عنه لجَرى عليه ما جرى على الأديان قبله. ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضُّلّال لم يَنْه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعنْ فاعلَ ذلك؛ فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يُعبدُ الله

стр. 392

فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها، وأن يُعتاد قصدُها وانتيابها، ولا تُجعل كالعيد الذي يجيء من الحَوْل إلى الحول؟ وكيف يسأل ربَّه سبحانه [٥٥ أ] أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: ولولا ذلك لأُبرز قبرُه، ولكن خُشي أن يُتخذ مسجدًا؟ وكيف يقول: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليّ حيثما كنتم»؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضُّلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟ وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄ نهى ذلك الرجلَ أن يتحرّى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث، وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين، عن جده علي ﵁، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن (١) شيخُ أهل بيته، كَرِه أن يقصد الرجلُ القبرَ إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. قال شيخنا (٢): فانظر هذه السنّة، كيف مخرجُها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله ﷺ قُربُ النسب، وقرب الدار! لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، وكانوا له أضبط. فصل ثم إن في اتخاذ القبور أعيادًا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضبُ لأجله كلُّ مَنْ في قلبه وقارٌ لله، وغَيْرة على التوحيد، وتهجين

стр. 393

وتقبيح للشرك، ولكن ... ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ (١) فمن مفاسد اتخاذها أعيادًا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على تُرابها، وعبادة أصحابها، والاستعانة (٢) بهم، وسؤالُهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عُبّاد الأوثان يسألونها أوثانَهم. فلو رأيت غُلاة المتخذين لها عيدًا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجِباه، وقَبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكَوْا حتى يُسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوْا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يُبدئ ولا يُعيد، ونادَوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنَوا منها صلَّوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر رُكّعًا سُجّدًا يبتغون فضلًا من الميت ورضوانًا، وقد ملأوا أكُفَّهم خيبة وخسرانًا، فَلِغَيْر الله بل للشيطان ما يُراق هناك من العَبَرات، ويرتفع من الأصوات، ويُطلب من الميت من الحاجات، ويُسأل من تفريج الكُربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليَّات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيهًا له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركًا وهُدًى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما

стр. 394

يفعل به وفْدُ البيت الحرام؟ ثم عَفّروا لَدَيْه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تُعفَّر كذلك بين يديه في السجود، ثم كمّلوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحِلاق، واستمتعوا بخَلاقهم من ذلك الوثن؛ إذ لم يكن لهم عند الله من خَلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتُهم ونُسكهم وقُربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يُهنِّئ بعضهم بعضًا، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرًا وافرًا وحظًّا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلِّفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجِّك كل عام. هذا؛ ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا [٥٥ ب] استقصينا جميع بِدَعهم وضلالهم؛ إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شَمَّ أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهمّ الأمور: سَدّ الذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يؤول إليه، وأحكمُ في نَهْيه عنه وتوعُّده عليه، وأن الخير والهُدَى في اتباعه وطاعته، والشرّ والضلال في معصيته ومخالفته. ورأيتُ لأبي الوفاء بن عَقيل في ذلك فصْلًا حسنًا (١)، فذكرته بلفظه، قال: لما صعُبت التكاليف على الجهّال والطَّغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاعٍ وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور

стр. 395

وإكرامها (١) بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكَتْب الرّقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبرُّكًا، وإفاضة الطِّيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخِرَق على الشجر، اقتداءً بمن عبد اللّات والعزّى، والويلُ عندهم لمن لم يُقَبِّل مَشهد الكفّ، ولم يتمسّح بآجُرّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد أو علي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجًا بالجِصّ والآجرّ، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يُرِق ماء الورد على القبر». انتهى. ومن جمع بين سُنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم: رأى أحدهما مضادًّا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا. فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها. ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مَشاهد؛ مضاهاةً لبيوت الله. ونهى عن إيقاد السُّرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها. ونهى أن تُتخذ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي الهَيّاج

стр. 396

الأسدي، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا أدَع تمثالًا إلا طَمَسْتُه، ولا قبرًا مُشرفًا إلا سَوّيْتُه. وفى «صحيحه» (١) أيضًا عن ثُمامة بن شُفَيٍّ، قال: كنا مع فضالة بن عُبيد بأرض الروم بِرُودِس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فَضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القِباب. ونهى عن تجْصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه. ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في «سننه» (٣)، عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصّص القبور، وأن يكتب عليها. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

стр. 397

وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره. ونهى أن يُزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود (١) من حديث جابر أيضًا: أن رسول الله ﷺ نهى أن يُجصَّص القبر، أو يكتب [٥٦ أ] عليه، أو يزاد عليه. وهؤلاء يزيدون عليه ــ سوى التراب ــ الآجُرّ والأحجار والجِصّ. ونهى عمر بن عبد العزيز ﵁ أن يُبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا يُفعل ذلك بقبره (٢). وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرًّا (٣). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجُرّ على قبورهم (٤). وأوصى أبو هريرة ﵁ حين حضرته الوفاةُ: أن لا تضربوا عليّ فسطاطًا (٥).

стр. 398

وكره الإمام أحمد أن يُضرب على القبر فسطاط. والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، والمتخذينها (١) أعيادًا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب: مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادُّون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، وقد صرّح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. قال أبو محمد المقدسي (٢): ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يُلْعَن مَنْ فعله، ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبَه تعظيمَ الأصنام. قال: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر؛ لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يُحذّر ما صنعوا متفق عليه (٣). ولأن تخصيص (٤) القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب إليها، وقد رُوِّينا أن ابتداء عبادة الأصنام

стр. 399

تعظيمُ الأموات باتخاذ صورهم، والتمسح بها، والصلاة عندها». انتهى. وقد آل الأمر بهؤلاء الضُّلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حَجًّا، ووضعوا له مناسك، حتى صنّف بعض غُلاتهم (١) في ذلك كتابًا وسماه «مناسك حج المشاهد»؛ مضاهاةً منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عُبّاد الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عمَّا تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حَصْره: فمنها: تعظيمها المُوقِع في الافتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدًا. ومنها: السفر إليها. ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعُبّادُها يُرجّحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضلَ من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيّمها ليلة يُطفأ القنديلَ المعلَّق عليها. ومنها: النذر لها ولسدنتها. ومنها: اعتقاد المشركين أن بها يُكشف البلاء، ويُنصر على الأعداء، ويُستنزل غيث السماء، وتُفرج الكرب، وتُقضى الحوائج، ويُنصر المظلوم، ويُجار الخائف، إلى غير ذلك.

стр. 400

ومنها: الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السُّرج عليها. ومنها: الشرك الأكبر الذي يُفعل عندها. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم؛ فإنهم يؤذيهم ما يُفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما يفعل النصارى عند قبورهم (١)، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ؛ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨]، قال الله للمشركين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ الآية [الفرقان: ١٩]، وقال تعالى [٥٦ ب]: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها. ومنها: محادة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها. ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير، والإثم العظيم.

стр. 401

ومنها: إماتة السنن، وإحياء البدع. ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبِّها إلى الله؛ فإن عُبّاد القبور يقصدونها من (١) التعظيم والاحترام والخشوع ورِقَّة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه. ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد، ودينُ الله الذي بعث به رسوله ﷺ بضد ذلك، ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عَمروا المشاهد، وأخربوا المساجد. ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المَزُورِ بالدعاء له، والترحّم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلَبَ هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بَركة ما شرعه الله من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له. فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان، التي شرعها الله على لسان رسوله ﷺ ، ثم وازِنْ بينها وبين زيارة أهل الإشراك، التي شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك.

стр. 402

قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلتي منه؛ يخرج من آخر الليل إلى البَقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما تُوعدون؛ غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بَقيع الغَرْقد». رواه مسلم (١). وفى «صحيحه» (٢) عنها أيضًا: أن جبريل ﵇ أتاه، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفرَ لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين! ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم (٣) للاحقون». وفى «صحيحه» (٤) أيضًا عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام على أهل الديار ــ وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار ــ من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». وعن بُريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليَزُرْ، ولا تقولوا هُجْرًا» رواه أحمد، والنسائي (٥).

стр. 403

وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور، سدًّا للذريعة، فلما تمكّن التوحيدُ في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هُجْرًا، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله ﷺ فإن زيارته غير مأذون فيها. ومن أعظم الهُجْر: الشرك عندها قولًا وفعلًا. وفى «صحيح مسلم» (١)، عن أبى هريرة [٥٧ أ] ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «زوروا القبور؛ فإنها تُذكّر الموت». وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». رواه الإمام أحمد (٢).

стр. 404

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، ونحن بالأثر». رواه أحمد، والترمذي وحسنه (١). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروا القبور؛ فإنها تُزهّد في الدنيا، وتُذكّر الآخرة». رواه ابن ماجه (٢).

стр. 405

وروى الإمام أحمد (١)، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإن فيها عِبْرة». فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأُمته، وعلّمهم إياها، هل تجد فيها شيئًا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مُضادّة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسنَ ما قال مالكُ بن أنس ﵀: «لن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أوّلَها». ولكن كلما ضعُف تمسُّك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عُوّضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك. ولقد جَرّد السلف الصالحُ التوحيدَ، وحَمَوْا جانبه، حتى كان أحدُهم إذا سلّم على النبي ﷺ ، ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار

стр. 406

القبر، ثم دعا. فقال سلمة بن وَرْدان: رأيتُ أنس بن مالك ﵁ يُسلّم على النبي ﷺ ثم يُسندِ ظهره إلى جِدار القبر، ثم يدعو (١). ونص على ذلك الأئمةُ الأربعةُ: أنه يستقبل القِبْلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر؛ فإن الدعاء عبادة. وفي «الترمذي» (٢) وغيره مرفوعًا: «الدعاء هو العبادة».

стр. 407

فجرَّد السلفُ العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أَذِن فيه رسول الله ﷺ من السلام على أصحابها، والاستغفار لهم، والترحّم عليهم. وبالجملة فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شُرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبًا واستحبابًا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي. قال عوف بن مالك: صلّى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نُزُله، ووسّع مُدْخَله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدّنَس، وأبْدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعِذْه من عذاب القبر ــ أو من عذاب النارـ»؛ حتى تمنيتُ أن أكون أنا الميت، لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت. رواه مسلم (١). وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: «اللهم أنت ربّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتَها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بِسرها وعلانيتها، جئنا شُفعاء؛ فاغفر له». رواه الإمام أحمد (٢).

стр. 408

وفي «سنن أبي داود» (١) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم على الميت فأخْلِصوا له الدعاء». وقالت عائشة وأنس عن النبي ﷺ : «ما من ميت يصلي عليه أُمةٌ من المسلمين يبلُغون مئةً كُلُّهم يشفعون له؛ إلا شُفِّعوا فيه» رواه مسلم (٢). وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما مِنْ رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يُشركون [٥٧ ب] بالله شيئًا؛ إلا شفّعهم الله فيه». رواه مسلم (٣). فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له، والاستغفار، والشفاعة فيه. ومعلوم أنه في قبره أشدّ حاجة منه على نَعْشِه؛ فإنه حينئذٍ مُعرَّض للسؤال وغيره.

стр. 409

وقد كان ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: «سلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل» (١). فعُلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا نَدعو به، ونشفع له، لا نستشفع به، فبَعد الدفن أولى وأحرى. فبدّل أهل البدع والشرك قولًا غير الذي قيل لهم، بدَّلوا الدعاءَ له بدعائه نفسه، والشفاعةَ له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة ــ التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت وإحسانًا إلى الزائر، وتذكيرًا بالآخرة ــ سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مُخّ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار. ومن المُحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا، ويُصرف عنه القرونُ الثلاثة المفضّلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يُرْزَقَه الخُلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فهذه سُنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بِضْعًا وعشرين سَنةً، حتى توفاه الله، وهذه سُنّة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يُمكنُ بَشرًا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل

стр. 410

صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فَدَعَوْا عندها، وتمسّحوا بها، فضلًا أن يُصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم؟ فَلْيُوقِفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك. بلى؛ يمكنهم أن يأتوا عن الخُلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وُجد في ذلك عدَّة مصنَّفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى؛ فيها من خلاف ذلك كثير، كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة. وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يُحاط بها، وقد ذكرنا إنكار عمر على أنس صلاته عند القبر، وقوله له: «القبر القبر» (١). وقد ذكر محمد بن إسحاق في «مغازيه» (٢) من زيادات يونس بن

стр. 411

بكير (١)، عن أبي خَلدة خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية، قال: لما فتحنا تُسْتَر وجدنا في بيتِ مال الهُرْمُزان سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب ﵁، فدعا له كَعبًا، فنسخه بالعربية، فأنا أولُ رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتُكم وأموركم ولُحون (٢) كلامكم، وما هو كائن بعدُ، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليلُ دفنّاه وسوينا القبور كلها، لنُعَمِّيَه على الناس لا يَنْبشونه، فقلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حُبست عنهم أبرزوا السرير فيُمْطَرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مُنذْ كَمْ وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاث مئة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا؛ إلا شُعيرات من قَفاه، إن لحوم الأنبياء لا تُبليها الأرض، ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره؛ لئلا يفتتن به الناس، ولم يُبْرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون [٥٨ أ] لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانًا مَنْ لا يُداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سَدنَة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. فلو كان الدعاء عند القبور، والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلةً أو سنة أو مباحًا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر عَلَمًا لذلك، ودعوا عنده،

стр. 412

وسنُّوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخُلوف التي خلفت بعدهم. وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفَّر الهِمم والدّواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه. وحينئذٍ فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أولا يكون: فإن كان أفضل فكيف خفي علمًا وعملًا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلةً بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخُلوف علمًا وعملًا؟ ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء؛ فإن المضطر يتشبّثُ بكل سبب، وإن كان فيه كراهةٌ ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعًا وشرعًا. فتعيّن القسم الآخر، وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذَريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة، بل استحبابُ الدعاء عندها شرعُ عبادةٍ لم يشرعها الله، ولم يُنزّل بها سلطانًا. وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.

стр. 413

فروى غير واحد عن المَعْرُور بن سُوَيد، قال: صليتُ مع عمر بن الخطاب ﵁ في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجدٌ صلى فيه النبي ﷺ فهم يصلّون فيه، فقال: إنما هَلَك مَنْ كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتّبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبِيَعًا. فمن أدْرَكته الصلاة منكم في هذه المساجد فليُصَلّ، ومَنْ لا فَليَمْضِ ولا يتعمّدها (١). وكذلك أرسل عمر رضي الله تعالى عنه أيضًا؛ فقطَع الشجرة التي بايع تحتها أصحابُ النبي ﷺ (٢). بل قد أنكر رسول الله ﷺ على الصحابة لمّا سألوه أن يجعل لهم شَجَرة يُعلّقون عليها أسلحتهم ومتاعَهم بخصوصها. فروى البخاري في «صحيحه» (٣) عن أبي واقِد اللَّيثي، قال: خرجنا مع

стр. 414

رسول الله ﷺ قِبَلَ حُنَين، ونحن حَديثُو عَهدٍ بكفر، وللمشركين سِدْرَةٌ، يَعْكُفون حولها ويَنُوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواطٍ، فمررنا بسِدْرةٍ، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ، كما لهم ذاتُ أنواط، فقال النبي ﷺ : «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]! لتركبنَّ سَنَنَ من كان قبلكم». فإذا كان اتخاذُ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذَ إله مع الله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها؛ فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به [٥٨ ب] ودعائه، والدعاء عنده؟ فأيّ نِسبَةٍ للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون! قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك (١): فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سِدْرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويَرجُون البُرءَ والشفاء من قِبَلها، ويَضْربُون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذاتُ أنواط، فاقطعوها. ومن له خِبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره، عَلِمَ أن بين السلف وبين هؤلاء الخُلوف من البُعْد أبعد ما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء، كما قيل:

стр. 415

سَارَتْ مُشَرّقَةً وَسِرْتَ مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ ومُغرِّبِ (١) والأمر والله أعظم مما ذكرنا. وقد ذكر البخاري في «الصحيح» (٢) عن أمّ الدرداء ﵂، قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقلت له: ما لَك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا! وروى مالك في «الموطأ» (٣) عن عمه أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: ما أعرف شيئًا مما أدركتُ عليه الناس إلا النّداء بالصلاة؛ يعني الصحابة ﵃. وقال الزهريّ: دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت له: ما يُبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئًا مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيّعت، ذكره البخاري (٤). وفي لفظ آخر: ما كنت أعرف شيئًا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم (٥).

стр. 416

وقال الحسن البصري: سأل رجل أبا الدرداء ﵁ فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله ﷺ بين أظهرنا هل كان ينكر شيئًا مما نحن عليه؟ فغضب، واشتد غضبه، وقال: وهل كان يعرف شيئًا مما أنتم عليه؟ (١). وقال المبارك بن فَضَالة: صلى الحسنُ الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء، ولو أن رجلًا من المهاجرين اطّلع من باب مسجدكم ما عرف شيئًا مما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتكم هذه! (٢). وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود ﵁: «كيف أنتم إذا لَبِستكم فتنة، يَهْرَم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس، يتخذونها سُنة؛ إذا غُيّرت قيل: غُيّرت السنة، أو هذا منكر» (٣).

стр. 417

وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به، ولا التفات إليه؛ فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء، وأنس، كما تقدم. وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى: حدثني محمد بن عُبيد بن ميمون، حدثني عبد الله بن إسحق الجعفري، قال: كان عبد الله بن الحسن يُكْثِرُ الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يومًا السّنن، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهّال، حتى يكونوا هم الحكّام، فهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء (١). فصل ومن أعظم مكايده: ما نصبَهُ للناس من الأنصاب والأزلام التي هي مِنْ عمله، وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك، وعَلّق الفلاح باجتنابه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فالأنصاب: كل ما نُصِب يُعْبد من دون الله من حجر، أو شجر، أو وثنٍ، أو قبرٍ، وهي [٥٩ أ] جمع، واحدها نُصْب، كطنْب وأطناب.

стр. 418

قال مجاهد (١)، وقتادة (٢)، وابن جريج (٣): كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويُشرِّحون اللحم عليها، وكانوا يعظِّمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يُصَوَّر ويُنقش. وقال ابن عباس (٤): هي الأصنام التي تُعَبد من دون الله. وقال الزّجاج (٥): حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان.

стр. 419

وقال الفرّاء (١): هي الآلهة التي كانت تُعَبد، من أحجار (٢) وغيرها. وأصل اللفظة: الشيء المنصوب الذي يقصده من رآه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. قال ابن عباس (٣): إلى غاية أو عَلَمٍ يُسرعون. وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن (٤): يعني: إلى أنصابهم، أيُّهم يستلمها أولًا. قال الزجاج (٥): وهذا على قراءة من قرأ ﴿نُصُب﴾ بضمتين، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، قال: ومعناه: أصنام لهم. والمقصود أن النُّصُب كل شيء نُصِبَ، من خشبة أو حجر أو عَلَم. والإيفاض: الإسراع. وأما الأزلام: فقال ابن عباس (٦): هي قداح كانوا يَستقسمون بها في

стр. 420

الأُمور؛ أي يطلبون بها عِلْمَ ما قُسِم لهم. وقال سعيد بن جُبير (١): كانت لهم حَصَيات، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها. وقال أيضًا (٢): هي القِدْحان (٣) اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية في أمورهم، أحدهما: عليه مكتوب أمرني ربي، والآخر: نهاني ربي، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا بها، فإن خرج الذي عليه «أمرني» فعلوا ما همّوا به، وإن خرج الذي عليه: «نهاني» تركوه. قال أبو عُبيد (٤): الاستقسام: طلبُ القسمة. وقال المبرد: الاستقسام: أخذُ كلِّ واحدٍ قَسْمَه. وقيل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح، كقسم اليمين. وقال الأزهري: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قُسِم لكم من أحد الأمرين.

стр. 421

وقال أبو إسحاق الزّجاج (١) وغيره: الاستقسام بالأزلام حرام. ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجِّم: لا تخرجْ من أجل نجم كذا، واخرُجْ من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وذلك دخول في علم الله الذي هو غيب عنا، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله. والمقصود أن الناس قد ابتُلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب للشرك والعبادة، والأزلام للتكهُّن، وطلب عِلْم ما استأثر الله به، هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين الله سبحانه مضادّ لهذا وهذا، والذي جاء به رسول الله ﷺ إبطالهما، وكسرُ الأنصاب والأزلام. فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين، من شجرة، أو عمود، أو وثن، أو قبر، أو خشبة، أو غير ذلك، والواجب هدم ذلك كله، ومَحْوُ أثره، كما أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي الهَيّاج الأسدي، قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا أدع تمثالًا إلا طمستُه، ولا قبرًا مشرفًا الا سوّيتُه. وعمّى الصحابة بأمر عمر بن الخطاب قبرَ دانيال، وأخفاه عن الناس (٣).

стр. 422

ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وضّاح في كتابه (١)، فقال: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بُويعَ تحتها النبي ﷺ [٥٩ ب] فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلُّون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون، عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر ﵁. فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابةُ رسول الله ﷺ ؛ فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البَلِيّة بها؟ وأبلغ من ذلك: أن رسول الله ﷺ هَدَم مسجد الضِّرار، ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادًا منه، كالمساجد المبنية على القبور؛ فإن حكم الإسلام فيها أن تُهدَم كلُّها، حتى تُسوَّى بالأرض، وهي أولى بالهدم من مسجد الضّرار، وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها كلها؛ لأنها أُسِّست على معصية الرسول، لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم؛ فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناءٌ محرّمٌ، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.

стр. 423

وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة كما تقدم. فهدم القباب والبناء والمساجد التي بُنيتْ عليها أولى وأحرى؛ لأنه لَعَن مُتخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، ونهى عنه، والله يُقيم لدينه وسُنّة رسوله من ينصرهما، ويَذُبّ عنهما، فهو أشد غيرةً وأسرع تغييرًا. وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطَفْيُه؛ فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ ، ولا يصحُّ هذا الوقف، ولا يحل إثباته وتنفيذه. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي (١): انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها. وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب «الحوادث والبدع» (٢): ومن هذا القسم أيضًا: ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك (٣)، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى ان يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر.

стр. 424

وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعُوينة الحمى خارج باب تُوماء (١)، والعمود المخلّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهّل الله تعالى قطْعها واجتثاثَها من أصلها! فما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث. ثم ساق حديث أبي واقدٍ: أنهم مَرّوا مع رسول الله ﷺ بشجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، وأنهم قالوا لرسول الله ﷺ اجعلْ لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط، فقال النبي ﷺ : «الله أكبر! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لترْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» (٢). ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية، أنه كان إلى جانبه عين تُسمى عين العافية، كان [٦٠ أ] العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذّر عليه نكاحٌ أو ولد قال: امضُوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة (٣)، فخرج في السَّحَر فهدمها، وأذّن للصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن. وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحِّدين، كالعامود المخَلّق، والنُّصْب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى ىعبده الجهال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة

стр. 425

صنم في نهر القَلّوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النُّصْب الذي كان عند الرّحَبة يُسْرَج عنده، ويتبرك به المشركون، وكان عمودًا طويلًا على رأسه حجر كالكُرة، وعند مسجد درب الحجر نُصْب قد بُني عليه مسجد صغير، يعبده المشركون، يسَّر الله كَسْرَهُ. فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت! ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر؛ أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، ويتمسّحون بذلك النُّصُب، ويستلمونه. ولقد أنكر السَّلف التمسُّح بحجر المقام الذي أمر الله أن يُتخذ منه مُصلّى، كما ذكر الأزرقي في كتاب مكة (١) عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، قال: «إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها (٢)؛ ذُكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخْلَوْلَق». وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب: فتنة أنصاب (٣) القبور، وهي أصل فتنة
следующие страницы →