وقال أبو إسحاق الزّجاج (١) وغيره: الاستقسام بالأزلام حرام. ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجِّم: لا تخرجْ من أجل نجم كذا، واخرُجْ من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وذلك دخول في علم الله الذي هو غيب عنا، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله.
والمقصود أن الناس قد ابتُلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب للشرك والعبادة، والأزلام للتكهُّن، وطلب عِلْم ما استأثر الله به، هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين الله سبحانه مضادّ لهذا وهذا، والذي جاء به رسول الله ﷺ إبطالهما، وكسرُ الأنصاب والأزلام.
فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين، من شجرة، أو عمود، أو وثن، أو قبر، أو خشبة، أو غير ذلك، والواجب هدم ذلك كله، ومَحْوُ أثره، كما أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي الهَيّاج الأسدي، قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا أدع تمثالًا إلا طمستُه، ولا قبرًا مشرفًا الا سوّيتُه.
وعمّى الصحابة بأمر عمر بن الخطاب قبرَ دانيال، وأخفاه عن الناس (٣).
стр. 422
ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وضّاح في كتابه (١)، فقال: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بُويعَ تحتها النبي ﷺ [٥٩ ب] فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلُّون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون، عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر ﵁.
فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابةُ رسول الله ﷺ ؛ فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البَلِيّة بها؟
وأبلغ من ذلك: أن رسول الله ﷺ هَدَم مسجد الضِّرار، ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادًا منه، كالمساجد المبنية على القبور؛ فإن حكم الإسلام فيها أن تُهدَم كلُّها، حتى تُسوَّى بالأرض، وهي أولى بالهدم من مسجد الضّرار، وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها كلها؛ لأنها أُسِّست على معصية الرسول، لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم؛ فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناءٌ محرّمٌ، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.
стр. 423
وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة كما تقدم. فهدم القباب والبناء والمساجد التي بُنيتْ عليها أولى وأحرى؛ لأنه لَعَن مُتخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، ونهى عنه، والله يُقيم لدينه وسُنّة رسوله من ينصرهما، ويَذُبّ عنهما، فهو أشد غيرةً وأسرع تغييرًا.
وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطَفْيُه؛ فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ ، ولا يصحُّ هذا الوقف، ولا يحل إثباته وتنفيذه.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي (١): انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب «الحوادث والبدع» (٢): ومن هذا القسم أيضًا: ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك (٣)، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى ان يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر.
стр. 424
وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعُوينة الحمى خارج باب تُوماء (١)، والعمود المخلّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهّل الله تعالى قطْعها واجتثاثَها من أصلها! فما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث.
ثم ساق حديث أبي واقدٍ: أنهم مَرّوا مع رسول الله ﷺ بشجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، وأنهم قالوا لرسول الله ﷺ اجعلْ لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط، فقال النبي ﷺ : «الله أكبر! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لترْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» (٢).
ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية، أنه كان إلى جانبه عين تُسمى عين العافية، كان [٦٠ أ] العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذّر عليه نكاحٌ أو ولد قال: امضُوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة (٣)، فخرج في السَّحَر فهدمها، وأذّن للصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن.
وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحِّدين، كالعامود المخَلّق، والنُّصْب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى ىعبده الجهال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة
стр. 425
صنم في نهر القَلّوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النُّصْب الذي كان عند الرّحَبة يُسْرَج عنده، ويتبرك به المشركون، وكان عمودًا طويلًا على رأسه حجر كالكُرة، وعند مسجد درب الحجر نُصْب قد بُني عليه مسجد صغير، يعبده المشركون، يسَّر الله كَسْرَهُ.
فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت! ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر؛ أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، ويتمسّحون بذلك النُّصُب، ويستلمونه.
ولقد أنكر السَّلف التمسُّح بحجر المقام الذي أمر الله أن يُتخذ منه مُصلّى، كما ذكر الأزرقي في كتاب مكة (١) عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، قال: «إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها (٢)؛ ذُكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخْلَوْلَق».
وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب: فتنة أنصاب (٣) القبور، وهي أصل فتنة
стр. 426
عبادة الأصنام، كما قاله السلف من الصحابة والتابعين، وقد تقدم.
ومن أعظم كيد الشيطان: أنه يَنْصِب لأهل الشرك قبر معظَّمٍ يُعظِّمه الناس، ثم يجعله وثنًا يُعبد من دون الله، ثم يُوحِي إلى أوليائه: أن مَنْ نهى عن عبادته واتخاذه عيدًا وجَعْلِه وثنًا؛ فقد تنقّصَه، وهضمه حقّه، فيسعى الجاهلون المشركون في قَتْله وعقوبته ويكفِّرونه؛ وذَنْبُه عند أهل الإشراك: أمْرُهُ بما أمر الله به ورسوله، ونهيُه عما نهى الله عنه ورسوله، مِن جَعْلِه وثنًا وعيدًا، وإيقاد السّرُج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه، وتجصيصه، وإشادته، وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو السفر إليه، أو الاستغاثة به من دون الله، مما قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضادّ لما بعث الله به رسوله من تجريد التوحيد لله، وأن لا يُعبدَ إلا الله.
فإذا نهى الموحّدُ عن ذلك غضب المشركون، واشمأزّت قلوبهم، وقالوا: قد تنقَّص أهلَ الرُّتَب العالية، وزعم أنهم لا حُرمة لهم ولا قَدْر، وسَرَى ذلك في نفوس الجهال والطّغام، وكثيرٍ ممن يُنسَب إلى العلم والدّين؛ حتى عادَوا أهل التوحيد، ورَمَوْهم بالعظائم، ونفّروا الناس عنهم، ووَالَوا أهل الشركِ وعظَّموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله، وأنصارُ دينه ورسوله!
ويأبى الله ذلك، فما كانوا أولياءه، إنْ أولياؤهُ إلا المتقون، المتبعون له، الموافقون له، العارفون بما جاء به، الدَّاعون إليه، لا المتشَبّعون بما لم يُعْطَوا، لابِسُو ثياب الزّور، الذين يصدّون الناس عن سُنة نبيهم، ويَبْغُونهم عِوَجًا، وهم يَحْسبون أنهم يُحسِنون صُنْعًا!
стр. 427
[٦٠ ب] فصل
ولا تحسبْ أيُّها المُنْعَمُ عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته (١) وكرامته! أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانًا وأعيادًا وأنصابًا، والنهي عن اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وإيقاد السُّرج عليها، والسفر إليها، والنذر إليها، واستلامها، وتقبيلها، وتعْفِير الجِباه في عَرَصاتها غَضٌّ من أصحابها، ولا تنقيصٌ لهم (٢)، كما يحسبه أهل الإشراك والضلال؛ بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يُحبونه، وتجنُّب ما يكرهونه، فأنت والله وليُّهم ومُحِبّهم، وناصر طريقتهم وسنتهم، وعلى هَدْيهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون أعصَى الناس لهم، وأبعدهم من هَدْيهم ومتابعتهم، كالنصارى مع المسيح ﵇، واليهود مع موسى ﵇، والرافضة مع علي ﵁.
فأهل الحق أوْلَى بأهل الحق من أهل الباطل، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، و ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].
فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضَتْ عن السّنَن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور مُعرضين عن طريقة مَنْ فيهَا وهَدْيِه وسُنته، مشتغلين بقبره عمّا أمرَ به ودَعا إليه! وتعظيمُ الأنبياء والصالحين ومحبَّتُهم إنما هو باتباع ما دَعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا.
стр. 428
فإن من اقتفى آثارهم كان متسبِّبًا (١) إلى تكثير أجورهم؛ باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتّباعهم، فإذا أعرض عمَّا دعوا إليه، واشتغل بضدّه، حَرَمَ نفسَه وحَرَمَهم ذلك الأجرَ، فأيّ تعظيم لهم واحترام في هذا؟
وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المُبتدَعَة، التي يكرهها الله ورسوله؛ لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هَجروا حقيقته المقصودة منه؛ وإلا فَمَن (٢) أقْبَلَ على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفًا بما اشتملت عليه من الكلِم الطيب والعمل الصالح، مُهتمًّا بها كل الاهتمام، أغْنَتْه عن الشرك، وكلُّ من قَصّر فيها أو في بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك.
ومن أصغى إلى كلام الله (٣) بقلبه، وتدبّره وتفهّمه، أغناه عن السّماع الشيطاني الذي يصُدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ويُنبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول ﷺ بكلّيته، وحدّث نفسه باقتباس الهدَى والعلم منه لا من غيره، أغناه عن البدع والآراء والتخرّصات والشطَحات والخيالات، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها.
ومن بَعُدَ عن ذلك فلا بدّ له أن يتعوَّض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عَمَرَ قلبه بمحبّة الله وذِكْرِه، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضًا عن عِشْق الصور، وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أيُّ شيء استحسنه ملكه واستعبده.
стр. 429
فالمُعْرِض عن التوحيد مشركٌ شاء أم أبى، والمُعْرض عن السنة مبتدع ضالٌّ شاء أم أبى، والمُعْرِض عن محبة الله وذكره عبد الصّورِ شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التُّكْلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فصل
فإن قيل: فما الذي أوقع عُبّاد القبور في الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا [٦١ أ] ولا حياة ولا نشورًا؟
قيل: أوقعهم في ذلك أمور:
منها: الجهل بحقيقة ما بعث اللهُ به رسولَه بل جميعَ الرسل من تحقيق التوحيد، وقَطْع أسباب الشرك، فقلّ نصيبُهم جدًّا من ذلك، ودعاهم الشيطانُ إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يُبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعُصِموا بقدر ما معهم من العلم.
ومنها: أحاديث مكذوبة مُختلَقة، وضعها أشباه عُباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ ، تُناقض دينَه وما جاء به، كحديث: «إذا أعْيَتكُم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» (١)، وحديث: «لو أحسَنَ أحدُكم ظنَّه بحجرٍ نفعه» (٢)، وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقِضةٌ لدين الإسلام،
стр. 430
وضعَها المشركون، وراجت على أشباههم من الجهال الضُّلال، والله بعث رسوله بقتل من حَسَّن ظنَّه بالأحجار، وجَنّب أمّتَه الفتنةَ بالقبور، بكل طريق كما تقدم.
ومنها: حكايات حُكِيَتْ لهم عن تلك القبور: أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شِدة، فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة، فقُضِيَتْ له، وفلان نزل به ضُرٌّ فاسترجى صاحبَ ذلك القبر، فكُشِفَ ضرُّه.
وعند السّدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوسُ مُولَعةٌ بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها، وتسمع بأن قبر فلان تِريْاق مُجرّب، والشيطان له تلطُّفٌ في الدعوة، فيدعوهم أولًا إلى الدعاء عنده، فيدعو العبدُ عنده بحُرْقَةٍ وانكسار وذِلّة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر؛ فإنه لو دعاه كذلك في الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب دعوة المضطرِّ ولو كان كافرًا، وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
стр. 431
مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقد قال الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فقال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
فليس كلُّ من أجاب الله دعاءه يكون راضيًا عنه، ولا محبًّا له، ولا راضيًا بفعله، فإنه يجيب البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. وكثير من الناس يدعو دعاءً يَعْتدي فيه، أو يُشرك في دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يُسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مُرضٍ لله، ويكون بمنزلة من أُمْلِيَ له، وأُمِدّ بالمال والبنين، وهو يظن أن الله يُسارع له في الخيرات، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
فالدعاء قد يكون عبادة، فيثاب عليه الداعي، وقد يكون دعاءَ مسألةٍ تُقضى به حاجته، ويكون مضرةً عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فتُقضى حاجتُه، ويعاقبه على ما جرى عليه من إضاعة حقوقه، وارتكاب حدوده.
والمقصود أن الشيطان بلُطف كيده يُحسِّن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجةً أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله؛ فإن شأن الله أعظم من أن يُقسَم عليه، أو يُسألَ بأحدٍ من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك.
стр. 432
فقال أبو الحسين القُدُورى في شرح «كتاب الكَرْخي» (١): قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي [٦١ ب] لأحد أن يدعو الله إلا به، قال: وأكره أن يقول: أسألك بمَعْقِد العزِّ من عرشك، وأكره أن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام».
قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم؛ لأنه لا حقَّ لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه.
وأما قوله: «بمعْقد العِزِّ من عرشك» فكرهه أبو حنيفة، ورخّص فيه أبو يوسف. قال: وروي أن النبي ﷺ دعا بذلك (٢). قال: ولأن مَعْقد العزّ من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش، مع عظمته، فكأنه سأله بأوصافه.
стр. 433
وقال ابن بَلْدَجِيٍّ في «شرح المختار» (١): ويُكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حقَّ للمخلوق على خالقه، أو يقول في دعائه: أسألك بمعقد العزّ من عرشك. وعن أبى يوسف جوازه.
وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: «أكره كذا»، هو عند محمد حرام، وعند أبى حنيفة وأبى يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
وفى «فتاوى أبى محمد بن عبد السلام» (٢): أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشيء من مخلوقاته: لا الأنبياء، ولا غيرهم، وتوقف في نبينا ﷺ ، لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث، وإن (٣) لم يعرف صحة الحديث.
فإذا قرّر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجَعُ في قضاء حاجته، نقله درجةً أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبرَه وثنًا، يعكُف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلّق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله، واستلامه، والحج إليه، والذّبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومَنْسكًا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
قال شيخنا قدَّس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب:
стр. 434
أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عُبّاد الأصنام، ولهذا قد يمتثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب، كما يتمثل لعبّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدُهم مَنْ يعظِّمه، فيتمثّل له الشيطان أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة.
وكذلك السجود للقبر، والتمسح به وتقبيله.
المرتبة الثانية: أن يسأل اللهَ به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته والصلاة عنده؛ لأجل طلب حوائجه.
فهذا أيضًا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهى محرمة، وما علمتُ في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبرُ فلان تِرْياقٌ مُجرّب.
والحكاية المنقولة عن الشافعي ــ أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبى حنيفة ــ من الكذب الظاهر.
فصل
في الفرق بين زيارة الموحِّدين للقبور، وزيارة المشركين:
أما زيارة الموحدين فمقصودها ثلاثة أشياء:
стр. 435
أحدها: تذكّر الآخرة، والاعتبار والاتعاظ، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: «زوروا القبور؛ فإنها تُذكِّركم الآخرة» (١).
الثاني: الإحسان إلى الميت، [٦٢ أ] وأن لا يطول عَهْده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحيّ مدة طويلةً تناساه، فإذا زار الحيّ فرح بزيارته وسُرَّ بذلك، فالميت أولى؛ لأنه قد صار في دار قد هَجر أهلَها إخوانُهم وأهلُهم ومعارفُهم، فإذا زاره وأهدى إليه هديةً من دعاءٍ، أو صدقة، أو أهدى قربةً، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يُسرّ الحيُّ بمن يزوره ويهدي له.
ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يُصلِّي عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتّباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ ، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذ عن عُبّاد الأصنام.
قالوا: الميت المعظّم الذي لروحه قربٌ ومزيَّة عند الله، لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علّق الزائرُ روحه به، وأدناها منه، فاضَ من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمامُ الزيارة: أن يتوجّه الزائر بروحه وقلْبه إلى الميت، ويعكُف
стр. 436
بهمَّته عليه، ويُوجِّه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفاتٌ إلى غيره، وكلما كان جمعُ الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه: ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عُبّاد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عُبدت الكواكب، واتُّخذت لها الهياكل، وصُنّفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعبّاد القبور اتخاذها أعيادًا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السّرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكُلِّيَّة، وسدّ الذرائع المفْضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضُوه في قصده، وكان ﷺ في شِقٍّ، وهؤلاء في شِقٍّ.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنُّوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله.
قالوا: فإن العبد إذا تعلَّقت روحه بروح الوجيه المقرّب عند الله، وتوجَّه بهمَّته إليه، وعكف بقلبه عليه؛ صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبَّهوا ذلك بمن يخدُم ذا جاهٍ وحظوة وقُرْبٍ من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال، ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلُّقه به.
فهذا سرُّ عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسَبَى ذراريهم، وأوجب لهم النار.
стр. 437
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣،٤٤].
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يَشْفَع بنفسه إلى نفسه، ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه [٦٢ ب] له وأمره، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده.
وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومَنْ وافقهم، وهى التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيعٌ من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذِنَ هو لمن يشفعُ فيه، كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 438
فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه.
والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور.
فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك؛ فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة العبد المأمور، الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان، ولهذا كان أسعدُ الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جرّدُوا التوحيد وخلّصوه من تعلّقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
فأخبر أنه لا يحصل يومئذٍ شفاعة تنفع؛ إلا بعد رضاهُ قول المشفوع له، وإذنه للشافع. فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه؛ فإنه سبحانه علّقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.
وسِرُّ ذلك أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محضٌ، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم وأمرهم، ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك تقدَّموا وشفعوا له عند الله؛ فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه، وما يجب له، ويمتنع عليه،
стр. 439
فإن هذا محال ممتنع، سببُه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج، وبهذا القياس الفاسد عُبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيعَ والوليَّ.
والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق والمخلوق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.
فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم؛ فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلِحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قَبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع؛ لأنهم يخافون أن يردّوا شفاعتهم، [٦٣ أ] فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بُدًّا من قبول شفاعتهم على الكره والرضا.
فأما الغنيّ الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وكل من في السماوات والأرض عبيدٌ (١) له، مقهورون بقهره، مصرَّفون بمشيئته، لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عِزّه وسلطانه ومُلكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرةٍ.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧].
стр. 440
وقال سبحانه في سيدة آي القرآن آية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤].
فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يُطلق نفيها تارة بناءً على أنها هي المعروفة المتعاهدة (١) عند الناس، ويُقيِّدُها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه؛ فإنه الذي أَذِنَ، والذي قَبِل، والذي رضي عن المشفوع، والذي وفّقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله.
فمتخذ الشفيع مشركٌ لا تنفعه شفاعته، ولا يُشَفَّع فيه، ومتخذُ الرب وحده إلهه ومعبوده، ومحبوبه، ومرجُوَّه، ومخوفه، الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد من سَخَطه: هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ
стр. 441
بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
فبين سبحانه أن المتخذين شفعاءَ مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له.
وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خَلْقًا ولا أمرًا ولا إذنًا، بل هو سبب مُحَرِّكٌ له من خارج، كسائر الأسباب التي تُحرّك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه، كمن شُفِع عنده في أمر يُحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يُخالفه، كمن يُشْفَعُ إليه في أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعتُه أقوَى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع، وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضي القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحدُ الأمرين بمرجِّح.
فشفاعة الإنسان عند المخلوق مِثْلِه هي سعيٌ في سبب منفصل عن المشفوع إليه، يُحرِّكه به، ولو على كُرْهٍ منه، فمنزلة الشفاعة [٦٣ ب] عنده منزلة من يأمر غيره أو يُكْرِهه على الفعل، إما بقوةٍ وسلطان، وإما بما يرغِّبه، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع: إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته.
وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه؛ فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويَرْضَ عن الشافع، لم يمكن أن توجد،
стр. 442
والشافع لا يشفع عنده لحاجة الربّ إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لديه، وإنما يشفع عنده مُجرَّد امتثالٍ لأمره وطاعةٍ له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر؛ فإن أحدًا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعةٍ ولا غيرها إلا بمشيئة الله وخَلْقه، فالرب تعالى هو الذي يحرِّك الشفيع حتى يشفع.
والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرّك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغنٍ عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده، فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه من رزق أو نصر أو غيره، فكلٌّ منهما محتاج إلى الآخر.
ومن وفّقه الله لفهم هذا الموضع ومعرفته تبيَّن له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
فصل
ومن مكايد عدوّ الله ومصايده، التي كاد بها من قلَّ نصيبه من العلم والعقل والدِّين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماعُ المُكاء والتصْدية، والغناء بالآلات المحرّمة، الذي (١) يصُدُّ القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رُقية اللواط والزِّنى، وبه ينال العاشق الفاسق من
стр. 443
معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحَسّنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشُّبَه الباطلة على حُسْنه؛ فقبلت وحْيَه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذيَّاك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكُلِّيَّتها عليه، وانصبَّت انصبابةً واحدةً إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النَّشوان، وتكسَّروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسُّر المخانيث والنِّسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط خُمارُه النفوس، ففعل فيها أعظم ما تفعله حُمَيَّا الكؤوس.
فلغير الله بل للشيطان قلوبٌ هناك تُمزَّقُ، وأثوابٌ تُشقَّق، وأموالٌ في غير طاعة الله تُنفق، حتى إذا عمل السُّكْرُ فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزَّهم بصوته وحِيَلِه، وأجلب عليهم بخَيْله ورَجِلِه، وخَزَ في صدورهم وخزًا، وأزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًّا، فطوْرًا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسطَ الديار، فيا رحمتا للسقوف والأرض من دكّ تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، وياشماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذةً وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرّك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيه وَجدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زَنْدًا، حتى إذا تُلي عليهم قرآن [٦٤ أ] الشيطان وولَجَ مزموره سَمْعَه، تفجَّرت ينابيع الوَجد من قلبه على عينيه فجَرَت، وعلى أقدامه فرقَصَت، وعلى يديه فصفّقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه
стр. 444
فاشتعلت. فيا أيها الفاتن المفتون! والبائع حظَّه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسرٍ مغبون! هلَّا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد؟ وهذه الأحوال السَّنِيَّات عند تلاوة السور والآيات؟
ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجِنسِيّة علَّة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب لولا التعلُّق من الشيطان بأقوى سبب؟ ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللاً؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
ولقد أحسن القائل (١):
تُلِيَ الكتَابُ فأطْرَقُوا لا خِيفَةً ... لكِنَّهُ إِطْرَاقُ سَاهٍ لاهِي
وأتَى الغِنَاءُ فكالحَميرِ تَنَاهَقُوا ... وَاللهِ مَا رَقَصُوا لأجْلِ اللهِ
دُفٌّ وَمِزْمَارٌ وَنغْمَةُ شَادِنٍ ... فمتَى رَأَيتَ عِبَادَةً بملاهي
ثَقُلَ الكِتَابُ عليهمُ لَمَّا رَأوْا ... تَقْيِيدَهُ بأَوَامِرٍ وَنَوَاهِي
سَمِعُوا له رَعْدًا وبَرْقًا إِذْ حَوَى ... زَجْرًا وتخوِيفًا بِفِعْلِ مَنَاهِي
وَرَأَوْهُ أَعْظمَ قاطعٍ لِلنَّفسِ عَنْ ... شهَوَاتِها يَا ذَبْحَهَا (٢) المُتَنَاهِي
وَأتى السماعُ مُوافِقًا أَغْرَاضَها ... فَلأَجْلِ ذاكَ غَدَا عَظِيمَ الجاهِ
أيْنَ المُسَاعِدُ لِلْهَوَى مِنْ قاطعٍ ... أَسْبَابَهُ عِنْدَ الجَهُولِ السَّاهي
стр. 445
إنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الجُسُومِ فإنَّهُ ... خَمْرَ العُقولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِي
فانْظُرْ إِلى النَّشْوَان عِنْدَ شَرَابَه ... وانْظُرْ إلى النِّسْوَانِ عِنْدَ مَلاهِي
وانظُرْ إِلى تمْزِيقِ ذَا أَثوَابَهُ ... مِن بَعْدِ تمزيقِ الفُؤَادِ اللاهِي
واحْكُمْ بأيّ الخَمْرَتَيْن أحَقّ بالـ ... تَّحْريمِ والتَّأْثِيمِ عِنْدَ الله
وقال آخر (١):
برِئْنَا إِلَى اللهِ منْ مَعْشَرٍ ... بهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا
وكم قلْتُ يَا قَوْمِ أَنْتُمْ عَلَى ... شَفَا جُرُفٍ مَا بِهِ مِنْ بِنَا
شَفَا جُرُفٍ تحْتَهُ هُوَّةٌ ... إِلى دَرَكٍ كَمْ بِهِ مِنْ عَنا
وتَكْرَارُ ذَا النُّصْحِ مِنّا لَهُمْ ... لنُعْذِرَ فِيهِمْ إِلى ربَّنا
فَلمَّا اسْتَهانُوا بَتَنْبِيهنَا ... رَجَعْنَا إِلى الله في أَمْرِنا
فعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ المُصْطَفَى ... وَمَاتوُا عَلَى تَاتَنَا تَنْتَنَا
ولم يزل أنصارُ الإسلام وأئمة الهُدى تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتُحذِّر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة.
стр. 446
قال الإمام أبو بكر الطرطوشى في خطبة كتابه في تحريم السماع (١):
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، ونسأل الله أن يُرِينا الحق حقًّا فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه، وقد كان الناس فيما مضى يستسرُّ أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقلّ العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جِهارًا، ثم ازداد الأمر إدبارًا، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين ــ وفقنا الله وإياهم ــ استزَلَّهُم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطّقْطَقَة والنقير، واعتقدتْه (٢) من الدين الذي يُقرِّبهم إلى الله، وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقَّت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملةَ الدين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فرأيت أن أُوضح الحقّ، وأكشف عن شُبه أهل الباطل، بالحجج [٦٤ ب] التي تضمّنها كتاب الله وسنة رسوله، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفُتيا عليهم في قاصي الأرض ودانيها، حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها، والله ولي التوفيق.
ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه وقال: «إذا اشترى جارية فوجدها مُغنية كان له أن يردَّها بالعيب».
وسئل مالك عما يُرخِّص فيه أهل المدينة من الغِناء، فقال: «إنما يفعله عندنا الفُسّاق».
стр. 447
قال: وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب.
وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافًا أيضًا بين أهل البصرة في المنع منه.
قلت: مذهب أبى حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظُ الأقوال. وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمِزْمار، والدّف، حتى الضرب بالقَضيب، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وتُرَدُّ به الشهادة.
وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسقٌ، والتلذذ به كفرٌ. هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثًا لا يصح رفعه (١).
قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مرّ به، أو كان في جواره.
وقال أبو يوسف ــ في دار يُسْمَعُ منها صوتُ المعازف والملاهي ــ: ادْخُل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهى عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذنٍ لامتنع الناس من إقامة الفرض.
قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصَرَّ حبسه أو
стр. 448
ضربه سياطًا، وإن شاء أزْعجه عن داره.
وأما الشافعي فقال في كتاب «أدب القضاء» (١): «إن الغناء لَهْوٌ مكروه، يُشبِه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه تُردّ شهادته».
وصرَّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حِله، كالقاضي أبى الطيب الطبري، والشيخ أبى إسحاق، وابن الصباغ.
قال الشيخ أبو إسحاق في «التنبيه» (٢): ولا تصح ــ يعني الإجارة ــ على منفعة محرَّمة، كالغناء، والزّمْر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا.
وقال في «المهذب» (٣): ولا يجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم.
فقد تضمن كلام الشيخ أمورًا:
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال باطل، بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.
الرابع: أنه لا يجوز للرجل بَذْل ماله للمغنِّي، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل مالٍ في مقابلة محرم، وأن بَذْلَه في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
стр. 449
الخامس: أن الزمر حرام. وإذا كان الزمر ــ الذي هو أخفّ آلات اللهو ــ حرامًا، فكيف بما هو أشدّ منه؛ كالعود، والطّنْبور، واليرَاع؟
ولا ينبغي لمن شَمّ رائحة العلم أن يتوقّف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شِعار الفُسّاق وشاربي الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النواوي في «روضته» (١): «القسم الثاني: أن يغُنِّي ببعض آلات الغناء، مما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مُطْرِبٌ، كالطنبور والعود والصّنْج، وسائر المعازف والأوتارـ يحرم استماعه واستعماله».
قال: وفي اليَراع وجهان، صحّح البغويُّ التحريم.
ثم ذكر عن الغزالي الجواز.
قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو الشّبّابة.
وقد صنف أبو القاسم الدَّوْلَعي كتابًا في تحريم اليراع.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدّفّ والشّبّابة، فقال في «فتاويه» (٢): «وأما [٦٥ أ] إباحةُ هذا السماع وتحليله فليُعْلَم أن الدُفّ والشّبّابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدّ بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نُقل في الشّبّابة مفردة، والدف مفردًا، فمن لا يُحَصِّلُ أو لا يتأملُ ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع
стр. 450
الجامع هذه الملاهي، وذلك وَهم بَيِّنٌ من الصَّائر إليه، تُنادي عليه أدلة الشرع والعقل. مع أنه ليس كل خلاف يُسْتَرْوَحُ إليه، ويعتمد عليه، ومن تَتبَّع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد.
قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القُربات والطاعات؛ قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]».
وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بَلاءُ الإسلام منهم: المحلِّلون لما حَرّم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه.
والشافعي وقُدماء أصحابه والعارفون بمذهبه من أغلظ الناس قولاً في ذلك.
وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: «خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثَتْه الزّنادقة، يُسَمّونه التّغْبير، يصدُّون به الناس عن القرآن» (١).
فإذا كان هذا قولَه في التغبير، وتعليله أنه يصدّ عن القرآن، وهو شِعْرٌ يُزهِّد في الدنيا، يغنِّي به مُغنٍّ، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نِطْع أو مَخَدّة على توقيع غنائه؛ فليت شِعري ما يقول في سماعٍ التغبيرُ عنده كتَفْلةٍ (٢) في بحر؛ قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرّمٍ؟ فالله بيْن
стр. 451
دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.
قال سفيان بن عيينة: «كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنةٌ لكل مفتون» (١).
ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.
فصل
وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه (٢): سألت أبي عن الغناء، فقال: الغناء يُنْبِتُ النفاق في القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفُسَّاق.
قال عبد الله: وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى القطان يقول: لو أن رجلاً عمل بكلِّ رُخصةٍ ــ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة ــ لكان فاسقًا.
قال أحمد: وقال سليمان التّيْميّ: لو أخذتَ برخصةِ كل عالم أو زَلّة كل
стр. 452
عالم اجتمع فيك الشر كله (١).
ونصَّ على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها.
وعنه في كسرها ــ إذا كانت مُغَطَّاةً تحت ثيابه وعَلِمَ بها ــ روايتان منصوصتان.
ونصَّ في أيتام ورثوا جاريةً مُغَنية، وأرادوا بيعها، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجةٌ، فقالوا: إذا بيعت مُغَنيةً ساوت عشرين ألفًا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجةً لا تساوي ألفين؛ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فَوّت هذا المال على الأيتام.
فصل
وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمْرَدِ: فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادًا للدين.
قال الشافعي ﵀: وصاحبُ الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه [٦٥ ب] تُرد شهادته، وغَلَّظ القول فيه، وقال: هو دِياثة، فمن فعل ذلك كان ديُّوثًا.
قال القاضي أبو الطيِّب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا.
стр. 453
قال: وكان الشافعي يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضَعَتْهُ الزنادقة ليَشْغَلُوا به عن القرآن.
قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومُستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعونٍ عليهما.
قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن (١)؛ فإنه قال: وما خالف في الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد؛ فإن الساجي حكى عنه أنه كان لا يرى به بأسًا، والثاني: عبيد الله بن الحسن العَنْبري قاضي البصرة، وهو مطعون فيه.
فصل
قال أبو بكر الطرطوشي (٢): وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع، وسائر البقاع الشريفة، والمشاهد الكريمة، وليس (٣) في الأُمة من رأى هذا الرأي.
قلت: ومن أعظم المنكرات تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله في المسجد الأقصى عَشِيّة عَرَفة، ويقيمونه أيضًا في مسجد الخَيْف أيام مِنًى؛ وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفي مرارًا، ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه، والناس في الطواف، فاستدعيت حِزْب الله، وفَرّقنا
стр. 454
شملهم، ورأيتهم يقيمونه بعرفات، والناس في الدعاء والتضرّع والابتهال والضجيج إلى الله، وهم في هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء!
فإقرار هذه الطائفة على ذلك فِسقٌ يَقْدحُ في عدالة مَنْ أقرّهم ومنصبِه الديني.
وما أحسن ما قال بعض العلماء (١)، وقد شاهد هذا وأفعالهم:
أَلا قُلْ لَهُمْ قَوْلَ عبد نَصُوحٍ ... وَحَقُّ النَّصِيحَةِ أَنْ تُسْتَمعْ
مَتَى عُلِّمَ الناسُ في دِينِنا ... بأَنّ الغِنَا سُنَّةٌ تُتّبَع
وأَنْ يأكلَ المَرْءُ أَكْلَ الحِمارِ ... وَيَرْقُصَ في الجَمْعِ حَتَّى يقَعْ
وقَالُوا سَكِرْنَا بِحُبِّ الإِلهِ ... وَمَا أسْكَرَ القَوْمَ إلا القِصَعْ
كَذَاكَ البَهَائمُ إِنْ أُشْبِعَت ... يُرَقِّصُهَا رِيُّها والشِّبَعْ
ويُسْكِرُهُ النَّايُ ثُمَّ الغِنا ... و ﴿يَس﴾ لَوْ تُلِيَتْ ما انْصَدَعْ
فيَا لَلْعقُولِ وَيَا لَلنُّهَى ... أَلا مُنْكِرٌ مِنْكُمُ لِلبِدَعْ
تُهَانُ مَسَاجِدُنَا بَالسَّما عِ ... وَتُكْرَمُ عَنْ مِثْلِ ذَاكَ البِيَعْ
وقال آخر، وأحسن ما شاء (٢)(٣):
ذَهَبَ الرِّجَالُ وحال دُونَ مجَالِهمْ ... زُمَرٌ مِنَ الأوْبَاشِ وَالأَنذَالِ
زَعَمُوا بأَنّهُمُ عَلَى آثَارِهِمْ ... سَارُوا ولكِنْ سِيَرةَ البَطّال