← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ومن لا يرحم لا يُرحم، لولا أنه أمرٌ حق، ووعدٌ صِدق، وأن آخرنا سيلحق أوّلنا؛ لحزنَّا عليك حُزنًا هو أشدّ من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا نقول ما يُسخط الرب». قال الترمذي: «هذا حديث حسن». فانظر إلى هذا النهي المؤكّد، بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق، ولم يقتصر على ذلك، حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك، حتى سمَّاه من مزامير الشيطان، وقد أقرَّ النبي ﷺ أبا بكر الصديق على تسمية الغناء مَزمور الشيطان في الحديث الصحيح كما سيأتي، فإن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهْيٍ أبدا. وقد اختُلف في قوله: «لا تفعلْ»، وقوله: «نهيتُ عن كذا»؛ أيهما أبلغُ في التحريم؟ والصواب بلا ريب: أن صيغة «نهيتُ» أبلغ في التحريم؛ لأن «لا تفعلْ» يحتمل النهي وغيره، بخلاف الفعل الصريح. فكيف يستجيز العارف (١) إباحةَ ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وسمَّاه صوتًا أحمق فاجرًا، ومزمور الشيطان، وجعلَه والنياحة التي لعن فاعلها أخوين؟ وأخرج النهي عنهما مخرجًا واحدًا، ووصفهما بالحُمق والفجور وصفًا واحدًا؟ وقال الحسن (٢): «صوتان ملعونان: مِزمارٌ عند نِعْمة، ورَنّة عند مصيبة».

стр. 492

وقال أبو بكر الهُذَلي (١): قلت للحسن: أكان نساءُ المهاجرات يصنعنَ ما يصنعُ النساء اليوم؟ قال: لا، ولكن هاهنا خمش وجوه، وشقُّ جيوب، ونتفُ أشعار، ولطمُ خدود، ومزامير شيطان، صوتان قبيحان فاحشان: عند نعْمة إن حدثَتْ (٢)، وعند مصيبة إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وجعلتم أنتم في أموالكم حقًا معلومًا للمغنية عند النعْمة، والنائحة عند المصيبة. فصل وأما تسميته صوت الشيطان: فقد قال تعالى للشيطان وحِزْبه: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣، ٦٤]. قال ابن أبى حاتم في «تفسيره» (٣): حدثنا أبي، أخبرنا أبو صالح، كاتب

стр. 493

الليث، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ كل داعٍ إلى معصية. ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية، ولهذا فُسِّر صوت الشيطان به. قال ابن أبى حاتم (١): حدثنا أبي، أخبرنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قال: «استزِلَّ (٢) منهم من استطعت» قال: «وصوتُه الغناء والباطل». وبهذا الإسناد إلى جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال (٣): «صوته المزامير». ثم روى بإسناده عن الحسن البصري، [٧٣ أ] قال (٤): «صوته: هو الدف». وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرَّجِل إليه كذلك، فكل متكلم بغير طاعة الله، وبصوت يَراع أو مزمار، أو دُفّ حرام، أو طبل؛ فذلك صوت الشيطان، وكل ساعٍ في معصية الله على قدميه فهو من رَجِله، وكل راكب في معصية الله فهو من خَيّالته، كذلك قال السلف.

стр. 494

كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس (١)، قال: «رَجِلُه: كل رِجْلٍ مشت في معصية الله». وقال مجاهد (٢): «كل رِجْلٍ تُقاتل في غير طاعة الله فهو من رَجِله». وقال قتادة (٣): «إن له خيلًا ورَجِلًا من الجن والإنس». فصل وأما تسميته مزمورَ الشيطان: ففي «الصحيحين» (٤) عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تُغنِّيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفِراش، وحَوَّل وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ؟ فأقبلَ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتُهما، فخرجتا. فلم ينكر رسول الله ﷺ على أبى بكر تَسميته الغناء مزمار الشيطان، وأقرَّهما؛ لأنهما جاريتان غيرُ مكلَّفتين، تُغنيان بغناء الأعراب، الذي قيل في يوم حرب بُعاثٍ من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد.

стр. 495

فتوسّع حزب الشيطان في ذلك إلى صوت امرأةٍ جميلة أجنبية، أو صبيٍّ أمْرَد، صوتُه فتنة، وصورته فتنة، يُغنِّي بما يدعو إلى الزنى والفجور، وشرب الخمر، مع آلات اللهو التي حرمها رسول الله ﷺ في عِدّة أحاديث كما سيأتي، مع التصفيق والرقص، وتلك الهيئةِ المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأديان (١)، فضلًا عن أهل العلم والإيمان، ويحتجون بغناء جُوَيْريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب، في الشجاعة ونحوها، في يوم عيدٍ، بغير شَبّابةٍ ولا دُفًّ، ولا رقص ولا تصفيق، ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مبطل. نعم؛ نحن لا نحرِّم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله ﷺ على ذلك الوجه، وإنما نحرِّم نحن وسائر أهل العلم والإيمان السماعَ المخالف لذلك، وبالله التوفيق. فصل وأما تسميته بالسُّمود: فقد قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ ـ ٦١]. قال عكرمة، عن ابن عباس (٢): «السّمود: الغناء في لغة حِمْيَر»، يقال:

стр. 496

اسمُدي لنا، أي: غنِّي لنا؛ قال أبو زبيد: وكَأَنَّ العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءٌ ... لِلنَّدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودِ (١) قال أبو عبيدة (٢): المسمود: الذي غُنِّي له. وقال عكرمة (٣): كانوا إذا سمعوا القرآن تغنَّوا، فنزلت هذه الآية. وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السّمود: الغفلة والسهو عن الشيء. قال المبرِّد: هو الاشتغال عن الشيء لهَمٍّ أو فرح، يتشاغل به، وأنشد: رَمَى الْحَدَثَانُ نِسْوَةَ آلِ حرْبٍ ... بمِقْدارٍ سَمَدْنَ لهُ سُمُودًا (٤)

стр. 497

وقال ابن الأنباري (١): السامد: اللاهي، والسَّامد: الغافل، والسامد: الساهي، والسامد: المتكبِّر، والسامد: القائم. وقال ابن عباس (٢) في الآية: «وأنتم مستكبرون». وقال الضحاك (٣): «أَشِرونَ بَطِرُون». وقال مجاهد (٤): «غِضَابٌ مُبَرْطِمُون». وقال غيره: لاهون غافلون معرضون». فالغناء يجمع هذا كلَّه ويوجبه. فهذه أربعة عشر اسمًا، سوى اسم الغناء.

стр. 498

فصل في بيان تحريم رسول الله ﷺ الصريح لآلات اللهو والمعازف، وسياق الأحاديث في ذلك: عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: حدثني أبو عامر [٧٣ ب] أو أبو مالك الأشعري، سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي قوم يستحلّون الحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازف». هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في «صحيحه» (١) مُحتجًّا به، وعلّقه تعليقًا مجزومًا به، فقال: «باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويُسمِّيه بغير اسمه، وقال هشام بن عمّارٍ: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنمٍ الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ــ والله ما كذبني ــ، سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي قوم يستحلّون الحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوم إلى جنب عَلَم، يَروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيِّتُهم الله، ويضعُ العَلَم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة». ولم يصنع من قَدَح في صحة هذا الحديث شيئًا، كابن حزم؛ نُصْرةً لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل سنده به (٢).

стр. 499

وجواب هذا الوهم من وجوه (١): أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام. الثاني: أنه لو لم يسْمَعْه منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صحَّ عنه أنه حدَّث به، وهذا كثيرًا ما يكون: لكثرة مَنْ رواه عن ذلك الشيخ وشهرته؛ فالبخاري أبعدُ خلق الله من التدليس. الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بـ «الصحيح» محتجًّا به، فلولا صِحَّتُهُ عنده لما فعل (٢) ذلك. الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض؛ فإذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: ويُروى عن رسول الله ﷺ ويُذكر عنه، نحو ذلك، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ ؛ فقد جزم وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحًا؛ فالحديث صحيح متصل عند غيره: قال أبو داود في كتاب اللباس (٣): حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَة، حدثنا بشر بن بكر (٤)، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قَيْس،

стр. 500

قال: سمعت عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال: حدثنا أبو عامر أو أبو مالك، فذكره مختصرًا. ورواه أبو بكر الإسماعيلي (١) في كتابه «الصحيح» مسندًا، فقال: أبو عامر، ولم يشكّ. ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلُّها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالًا لما ذَمّهم على استحلالها، ولما قَرَن استحلالها باستحلال الخمر والحِرِ، فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاي المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صحَّ عن الصحابة لبسه، إذ الخَزّ نوعان (٢)؛ أحدهما: من حرير، والثاني: من صوف؛ وقد رُوي هذا الحديث بالوجهين. وقال ابن ماجه في «سننه» (٣): حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن

стр. 501

عيسى عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حُرَيْثٍ، عن ابن أبى مريم، عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، عن أبى مالكٍ الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربَنّ ناسٌ من أمتي الخمر، يُسمُّونها بغير اسمها، يُعزَفُ على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردةَ والخنازير». وهذا إسناد صحيح. وقد توعَّد مستحلَّ المعازف فيه بأن يخسف الله به الأرض، ويمسخهم قردةً وخنازير، وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال فلِكلِّ واحد قِسطٌ من الذم والوعيد. وفي الباب: عن سَهل بن سعدٍ السَّاعدي، وعِمران بن حُصين، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباسٍ، وأبى هريرة، وأبي أُمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين، وعلي بن أبى طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغاز بن ربيعة. ونحن نسوقها [٧٤ أ] لتقرَّ بها عيونُ أهل القرآن، وتَشجَى بها حُلوقُ أهل سماع الشيطان: فأما حديث سهل بن سعد: فقال ابن أبى الدنيا (١): أخبرنا الهيثم بن

стр. 502

خارجة، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي خسفٌ وقذفٌ ومسخ»، قيل: يا رسول الله! متى؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات، واستُحلّت الخمر». وأما حديث عمران بن حصين: فرواه الترمذي (١) من حديث الأعمش، عن هلال بن يساف، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي قذف وخسفٌ ومسخ»، فقال رجل من المسلمين: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهرت القيان والمعازف، وشُربت الخمور». قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وأما حديث عبد الله بن عمرو: فروى أحمد في «مسنده»، وأبو داود (٢) عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله حَرّم الخمر، والميسر، والكُوبة، والغُبَيْراء،

стр. 503

وكلُّ مسكر حرام». وفي لفظ آخر لأحمد (١): «إن الله حرَّم على أمتي الخمر، والميسر، والمِزْر، والكُوبة، والقِنين». وأما حديث ابن عباس: ففي «المسند» (٢) أيضًا عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرّم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام». والكوبة: الطبل، قاله سفيان (٣).

стр. 504

وقيل: البربط. والقِنِّين: هو الطنبور بالحبشية. والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابي. وأما حديث أبي هريرة ﵁: فرواه الترمذي (١) عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دُوَلًا، والأمانة مغنمًا، والزكاةُ مَغرمًا، وتُعلِّم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقَّ أمّه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرِمَ الرجلُ مخافةَ شرِّه، وظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمر، ولعن آخر هذه الأمة أوّلها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، وزلزلة، وخسفًا، ومسخًا، وقذفًا، وآياتٍ تتابع كنظامٍ بالٍ قُطع سِلْكُه فتتابع». قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال ابن أبى الدنيا (٢): حدثنا عبد الله بن عمر الجُشميُّ، ثنا سليمان بن سالم أبو داود، ثنا حسان بن أبي سنان، عن رجل، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يُمسخ قومٌ من هذه الأمة في آخر الزمان قردةً وخنازير»، قالوا: يا رسول الله! أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا

стр. 505

رسول الله؟ قال: «بلى، ويصومون، ويصلُّون، ويحجون»، قيل: فما بالُهم؟ قال: «اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شُربهم ولَهْوهم، فأصبحوا وقد مُسخوا قِردةً وخنازير». وأما حديث أبي أمامة الباهلي: فهو في «مسند أحمد»، و «الترمذي» (١) عنه، عن النبي ﷺ قال: «يَبيتُ طائفةٌ من أمتي على أكل وشرب، ولهو ولعب، ثم يُصبحون قِردةً وخنازير، ويُبعث على أحياءٍ من أحيائهم ريحٌ، فتنسفهم كما نُسفَ من كان قبلكم، باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات». في إسناده فرقد السبخي، وهو من كبار الصالحين، ولكنه ليس بقويٍّ في الحديث، وقال الترمذي: «تكلم فيه يحيى بن سعيد، وقد روى عنه الناس».

стр. 506

وقال ابن أبي الدنيا (١): حدثنا عبد الله بن عمر الجُشَمي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا فرقد السَّبخي، حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله ﷺ قال: وحدثني عاصم بن عمرو البجليُّ، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طُعْم وشُرب ولهو، فيصبحون وقد مُسِخُوا قِردةً وخنازِيرَ، وليُصيبنَّهم خسفٌ وقذف، حتى يصبح الناس فيقولون: [٧٤ ب] خُسِفَ الليلةَ بدار فلان، خُسِفَ الليلةَ ببني فلان، ولتُرسَلَنّ عليهم حجارة من السماء، كما أُرسلت على قوم لوط، على قبائل فيها، وعلى دُورٍ فيها، ولتُرسَلَنّ عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادًا؛ بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم». وفي «مسند أحمد» (٢) من حديث عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله بعثني رحمةً وهُدًى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكِنَّارات ــ يعني البرابط ــ

стр. 507

والمعازف، والأوثان التي كانت تُعبد في الجاهلية». قال البخاري: عبيد الله بن زحر: ثقة، وعلي بن يزيد: ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن: ثقة. وفي «الترمذي» و «مسند أحمد» (١) بهذا الإسناد بعينه، أن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا القَيناتِ، ولا تشتروهنّ، ولا تُعلّموهن، ولا خيرَ في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ [لقمان: ٦]». وأما حديث عائشة ﵂: فقال ابن أبي الدنيا (٢): حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا أبو النَّضر هاشم بن القاسم، حدثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن المنْكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمَّتي خسفٌ ومسخ وقذفٌ»، قالت عائشة: يا رسول الله! وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال: «إذا ظهرت القِيَانُ، وظهر الزِّنى، وشُربت الخمر، ولُبس الحرير، كان ذا عند ذا». وقال ابن أبي الدنيا (٣) أيضًا: حدثنا محمد بن ناصح، حدثنا بقية بن

стр. 508

الوليد، عن يزيد بن عبد الله الجُهَني، حدثني أبو العلاء، عن أنس بن مالك: أنه دخل على عائشة ﵂ ورجل معه، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين! حدِّثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنى، وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال: تَزلْزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمتُها عليهم. قال: قلت: يا أم المؤمنين! أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظةٌ ورحمةٌ وبركةٌ للمؤمنين، ونكالٌ وعذاب وسخط على الكافرين، قال أنس: ما سمعت حديثًا بعد رسول الله ﷺ أنا أشدُّ به فرحًا مني بهذا الحديث. وأما حديث علي: فقال ابن أبي الدنيا (١) أيضًا: حدثنا الربيع بن تغلب، حدثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا عملتْ أمتي خمسَ عشرةَ خصلةً حلَّ بها البلاء» قيل: يا رسول الله! وما هُنّ؟ قال: «إذا كان المغنم دُوَلًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته وعَقَّ أمه، وبَرَّ صديقه

стр. 509

وجَفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكْرِم الرجل مخافةَ شرِّه، وشُربت الخمور، ولُبس الحرير، واتخذت القيان، ولعن آخر هذه الآمة أوَّلها، فليترقَّبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا». حدثنا (١) عبد الجبار بن عاصم أبو طالب، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن التميمي، عن عبّاد بن أبي علي، عن عليٍّ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «تُمسَخ طائفة من أمتي قردةً، وطائفة خنازير، ويُخسَف بطائفة، ويُرسَل على طائفةٍ الريحُ العقيم؛ بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف». وأما حديث أنس ﵁، فقال ابن أبي الدنيا (٢): حدثنا أبو عمرو هارون بن عمر القرشي، حدثنا الخصيب بن كثير، عن أبي بكر الهُذليُّ، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «ليكوننَّ في هذه الأمة خسفٌ وقذفٌ ومسخ، ذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا [٧٥ أ] القينات، وضربوا بالمعازف».

стр. 510

قال (١): وأخبرنا أبو إسحاق الأزدي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أحدِ وَلَدِ أنس بن مالك، وعن غيره، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليبيتنَّ رجالٌ على أكلٍ وشرب وعَزف، فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردةً وخنازير». وأما حديث عبد الرحمن بن سابط، فقال ابن أبي الدنيا (٢): أنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن أبان بن تَغلِب، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي خَسف وقذف ومسخ»، قالوا: فمتى ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا أظهروا المعازف، واستحلُّوا الخمور». وأما حديث الغاز بن ربيعة، فقال ابن أبي الدنيا (٣): حدثنا

стр. 511

عبد الجبار بن عاصم، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد، عن أبي العباس الهمداني، عن عمارة (١) بن راشد، عن الغاز بن ربيعة رفع الحديث، قال: «ليُمسخنّ قوم وهم على أريكتهم قردةً وخنازيرَ؛ بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقيان». قال ابن أبي الدنيا (٢): وحدثنا عبد الجبار بن عاصم، قال: حدثني المغيرة بن المغيرة، عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي ﷺ ، أنه قال: «ليستحلَّنّ ناسٌ من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتينَّ الله على أهل حاضرٍ منهم عظيمٍ بجبلٍ حتى يَنْبِذَه عليهم، ويُمسَخ آخرون قِردةً وخنازير». قال ابن أبي الدنيا (٣): أنا هارون بن عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلي، قال: قلت لفَرْقَدٍ السَّبخي: أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة، فقال: يا أبا شيبان، والله ما أكذب على ربي، مرتين أو ثلاثًا؛ لقد قرأت في التوراة: «ليكونن مسخ وقذف وخسف في أمة محمدٍ ﷺ في أهل القبلة»، قال: قلت: يا أبا يعقوب ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير

стр. 512

والذهب، ولئن بقيتَ حتى ترى أعمالًا ثلاثة، فاستيقنْ واستعدَّ واحذرْ، قال: قلت: ما هي؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم؛ فعند ذلك. قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة، ثم قال: والله ليُقذفنَّ رجال من السَّماء بحجارةٍ، يُشدَخون بها في طُرقهم وقبائلهم، كما فُعل بقوم لوطٍ، وليُمسخنَّ آخرون قردةً وخنازير، كما فُعل ببني إسرائيل، وليُخسفن بقوم كما خُسف بقارون. وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمة، وهو مقيَّد في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء، وشُرَّاب الخمر، وفي بعضها مطلق (١). قال سالم بن أبي الجعد (٢): ليأتينَّ على الناس زمان، يجتمعون فيه على باب رجل، ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبوا إليه حاجة، فيخرج إليهم؛ وقد مُسِخ قِردًا أو خنزيرًا، وليَمُرَّنَّ الرجل على الرجل في حانوته يبيع، فيرجع إليه، وقد مُسخ قردًا أو خنزيرًا. وقال أبو الزاهرية (٣) ﵁: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيُمسخ أحدهما قردًا أو خنزيرًا، فلا يمنع الذي نجا منهما

стр. 513

ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيُخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي لشأنه ذلك، حتى يقضي شهوته منه. وقال عبد الرحمن بن غَنْم (١): سيكون حَيَّان متجاورين، فيَشُقُّ بينهما نهر، فيستقيان منه، قَبَسُهم واحد، [٧٥ ب] يَقْبِسُ بعضهم من بعضه، فيُصبحان يومًا من الأيام قد خُسف بأحدهما والآخر حَيٌّ. وقال عبد الرحمن بن غَنْم (٢) أيضًا: يوشك أن يقعد اثنان على رَحًى يطحنان، فيُمسَخ أحدهما والآخر ينظر. وقال مالك بن دينار (٣): بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظُلَم، فيفزع الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مُسِخُوا. قال بعض أهل العلم: إذا اتَّصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صبغةً تامةً، صار صاحبه على خُلُق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه، حتى

стр. 514

يبدو على صفحات وجهه بُدُوًّا خفيًّا، ثم يقوَى ويتزايد، حتى يصير ظاهرًا على الوجه، ثم يقوى حتى يَقلِبَ الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة، ومَنْ له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخًا من صور الحيوانات التي تخلَّقوا بأخلاقها في الباطن، فقلّ أن ترى مُختالًا مكارًا مخادعًا خَتَّارًا إلا وعلى وجهه مِسْخة قرد، وقلَّ أن ترى رافضيًّا إلا وعلى وجهه مِسخة خنزير، وقلَّ أن ترى شَرِهًا نَهِمًا نفسه نفسٌ كَلْبِيَّةٌ إلا وعلى وجهه مِسخة كلب. فالظاهر مرتبط بالباطن أتمَّ ارتباطٍ، فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة. ولهذا خوّف النبي ﷺ مَن سابقَ الإمام في الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار (١)؛ لمشابهته للحمار في الباطن؛ فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته، وبطلان أجره، فإنه لا يُسَلِّم قبله، فهو شبيه الحمار في البلادة وعدم الفِطْنَة. إذا عُرف هذا فأحقُّ الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذُكروا في هذه الأحاديث، فهم أسرع الناس مسخًا قردةً وخنازير، لمشابهتهم لهم في الباطن. وعقوبات الربِّ تعالى ــ نعوذ بالله منها ــ جاريةٌ على وفق حكمته وعدله. وقد ذكرنا شُبَه المغنِّين والمفتونين بالسَّماع الشيطاني، ونقضناها نقضًا وإبطالًا في كتابنا الكبير في «السماع» (٢)، وذكرنا الفرق بين ما يحرِّكه سماع الأبيات، وما يحرِّكه سماع الآيات، وذكرنا الشُّبهة التي دخلت على كثير من العُبَّاد في حضوره، حتى عدُّوه من القُرَب. فمن أحبَّ الوقوف على ذلك فهو

стр. 515

مستوفًى في ذلك الكتاب، وإنما أشرنا هاهنا إلى نُبذةٍ يسيرةٍ في كونه من مكايد الشيطان، وبالله التوفيق. فصل ومن مكايده التي بلغ فيها مراده: مكيدةُ التَّحليل، الذي لعن رسول الله ﷺ فاعله، وشبَّهه بالتَّيس المستعار، وعَظُم بسببه العار والشَّنار، وعَيَّر المسلمين به الكفارُ، وحصل بسببه من الفساد ما لا يُحصيه إلا ربُّ العباد، واستُكْرِيَتْ له التُّيوس المستعارات، وضاقت به ذرعًا النفوس الأبيَّات، ونفرت منه أشدَّ من نِفارها من السفاح، وقالت: لو كان هذا نكاحًا صحيحًا لم يَلْعَنْ رسول الله ﷺ من أتى بما شرعه من النكاح، فالنكاح سنته، وفاعل السنَّة مقرّب غير ملعون، والمحلِّلُ ــ مع وقوع اللعنة عليه ــ بالتيس المستعار مقرون، وسماه السلف بمسمار النار. فلو شاهدتَ الحرائر المصونات، على حوانيت المحلِّلين متَبَذِّلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرَ الشاةِ إلى شَفْرة الجازر، وتقول: يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يَجلِبُ اللعنة والمقْت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زِفاف ولا إعلان، بل بالتخفي والكتمان، فلا جهازٌ يُنقل، [٧٦ أ] ولا فِراش إلى بيت الزوج يُحَوَّل، ولا صواحبُ يُهدِينها إليه، ولا مُصلحات يُجَلِّينها عليه، ولا مهرٌ مقبوض ولا مؤخَّر، ولا نفقة ولا كسوة تُقدَّر، ولا وليمة ولا نِثار، ولا دُفٌّ ولا إعلان ولا شعار، والزوج يبذلُ المهر، وهذا التيسُ يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب، والمطَلِّق والوَليُّ واقفان على الباب؛ دنا ليُطَهِّرها بمائه النَّجس الحرام، ويُطيِّبها بلعنة الله تعالى ورسوله ﵊.

стр. 516

حتى إذا قضيا عُرس التحليل، ولم يحصل بينهما المودَّة والرحمة التي ذكرها الله تعالى في التنزيل؛ فإنها لا (١) تحصل باللعن الصَّريح، ولا يوجبها إلا النكاح الجائز الصحيح؛ فإن كان قد قبض أجرةَ ضِرابه سلفًا وتعجيلًا، وإلا حَبسها حتى يعطيه أجره طويلًا، فهل سمعتم بزوج لا يأخذ بالساق؛ حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق؟ حتى إذا طهَّرها وطيَّبها، وخلَّصها بزعمه من الحرام وجَنَّبها؛ قال لها: اعترفي بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق، فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق، فتأتي المضمَّخةُ (٢) إلى حضرة الشهود، فيسألونها: هل كان ذاك؟ فلا يمكنها الجحود، فيأخذون منها أو من المطلق أجرًا، وقد أرهقوهما من أمرهما عسرًا، هذا وكثير من هؤلاء المستأجَرين للضِّراب يحلِّل الأمَّ وابنتها في عقدين، ويجمع ماءه في أكثر من أربع وفي رحم أختين. وإذا كان هذا من شأنه وصفته، فهو حقيق بما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لعن رسولُ الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له، رواه الحاكم في «الصحيح» (٣)، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»،

стр. 517

قال: «والعمل عليه عند أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين، وهو قول الفقهاء من التابعين. ورواه الإمام أحمد في «مسنده»، والنسائي في «سننه» (١) بإسناد صحيح، ولفظهما: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والموتَشمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا ومُوكِله. وفي «مسند الإمام أحمد»، و «سنن النسائي» (٢) أيضًا، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: آكل الربا، وموكله، وشاهداه، وكاتبه ــ إذا علموا به ــ،

стр. 518

والواصلة، والمستوصلة، ولاوي الصدقة، والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيًا بعد هجرته، والمحلِّل، والمحلَّل له: ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة. وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ : أنه لعن المحلِّل والمحلَّل له، رواه الإمام أحمد وأهل «السنن» كلهم غير النسائي (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». رواه الإمام أحمد (٢) بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثقات، وثَّقهم ابن

стр. 519

مَعِين وغيره. وقال الترمذي في كتاب «العلل» (١): «سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي: صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي: ثقة». وقال أبو عبد الله ابن ماجه في «سننه» (٢): حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا أبو عامر، عن زَمْعَة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له. وعن ابن عباس أيضًا قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن المحلِّل، فقال: «لا إلا نكاح رغبة، لا نكاح دُلْسَةٍ، ولا استهزاءٍ بكتاب الله، ثم يذوق العُسَيْلَة». رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب «المترجم» (٣)، قال: أخبرنا

стр. 520

إبراهيم بن إسماعيل [٧٦ ب] بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة عنه. وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم، فإن كثيرًا من الحفاظ يضعفه، والشافعي حَسَنُ الرأي فيه، ويحتج بحديثه. وعن عُقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتَّيس المستعار؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلِّل؛ لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» رواه ابن ماجه (١) بإسنادٍ رجالُه كلهم موثَّقون، لم يُجَرَّح واحد منهم.

стр. 521

وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فجاء رجل من أهل القرية بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئًا من ماله، فتزوَّجها ليُحِلَّها له. فقال: لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سُئل عن مثل ذلك، فقال: «لا، حتى ينكح مُرتَغِبًا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم يحلَّ له حتى يذوق العُسَيْلَة»، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنَّف» (١) بإسناد جيد. وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدلَّ على ثبوته عنده، وقد عمل به أصحاب رسول الله ﷺ كما سيأتي، وهو موافق لبقيَّة الأحاديث الموصولة. ومثل هذا حجة باتفاق الأئمة، وهو والذي قبله نصٌ في التحليل المنويِّ. وكذلك حديث نافع عن ابن عمر ﵄: «أن رجلًا قال له: امرأةٌ تزوجتها، أُحِلُّها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم. قال: لا، إلا نكاح رَغْبَة، إن أعجبتْك أمسكتَها، وإن كرهتهَا فارقتَها، وإن كنا نعدُّ هذا على عهد رسول الله ﷺ سِفاحًا» (٢). ذكره شيخ الإسلام في «إبطال التحليل» (٣).

стр. 522

فصل وأما الآثار عن الصحابة: ففي كتاب «المصنف» لابن أبي شيبة و «سنن الأثرم» و «الأوسط» لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا أُوتَى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما. ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: لا أُوتَى بمحلِّل ولا محلَّلة إلا رجمتهما (١). وهو صحيحٌ عن عمر. وقال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن الزُّهري (٢)، عن عبد الملك بن المغيرة، قال: سُئل ابن عمر ﵄ عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذاك السِّفاح. ورواه ابن أبي شيبة (٣).

стр. 523

وقال عبد الرزاق (١): أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن شريك العامري، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سئل عن رجل طلق ابنة عَمّ له، ثم رغب فيها ونَدِم، فأراد أن يتزوَّجها رجل يُحلِّلُها له. فقال ابن عمر ﵄: كلاهما زانٍ، وإن مكث عشرين سنةً أو نحو ذلك، إذ كان الله يعلم أنه يريد أن يُحِلَّها له. قال (٢): وأخبرنا معمر، والثوري (٣)، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ وسأله رجل، فقال: إن عمِّي طلَّق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، قال: كيف ترى في رجل يُحلِّلها؟ قال: من يُخادع الله يخدعه. وعن سليمان بن يسار (٤)، قال: رُفع إلى عثمان ﵁ رجل

стр. 524

تزوج امرأةً ليُحِلَّها لزوجها، ففرَّق بينهما، وقال: لا ترجع إلا بنكاح رَغْبةٍ غير دُلْسة. رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب «المترجم»، وذكره ابن المنذر عنه في كتاب «الأوسط». وفي «المهذَّب» (١) لأبي إسحاق الشيرازي: عن أبي مرزوق التُّجيبي أن رجلًا أتى عثمان ﵁، فقال: إن جاري طلق امرأته في غضبه، ولقي شدَّة، فأردت أن أحتسِبَ نفسي ومالي، فأتزوَّجها، ثم أبنيَ بها، ثم أطلقها، فترجع إلى زوجها الأول. فقال له عثمان ﵁: لا تنكحها إلا نكاح رَغبة. وذكر أبو بكر الطُّرطوشي في «خلافه» (٢) عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ في المحلل: لا ترجع [٧٧ أ] إليه إلا بنكاح رغبة؛ غير دُلسة ولا استهزاء بكتاب الله. وعلي ﵁ هو ممن روى عن النبي ﷺ أنه لعن المحلِّل (٣)، فقد جعل هذا من التحليل. وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٤) عن ابن عباس ﵄ قال:

стр. 525

لَعن الله (١) المحلِّل والمحلَّل له. وهو ممن روى عن النبي ﷺ لَعْنَ المحلل (٢)، وقد فسَّره بما قُصد به التحليل، وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما اتفقا عليه، وتراضيا وتعاقدا على أنه نكاح لعنةٍ لا نكاح رغبة؟ وذكر ابن أبي شيبة (٣) عن ابن عمر ﵄، قال: لعن الله المحلِّل والمحلَّل له. وروى الجوزجاني (٤) بإسناد جيد، عن ابن عمر ﵄: أنه سئل عن رجل تزوج امرأةً ليُحِلَّها لزوجها، فقال: لعن الله الحالَّ والمحلَّل له. قال شيخ الإسلام (٥):وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر ﵃، مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ عليه، فهي مُبَيِّنة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله ﷺ ، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بمراده

стр. 526

ومقصوده، لاسيما إذا رَوَوْا حديثًا وفسَّروه بما يوافق الظاهر، هذا مع أنه لم يُعلم أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فَرّق بين تحليل وتحليل، ولا رَخّص في شيء من أنواعه، مع أن المطلقة ثلاثًا مثل امرأة رفاعة القُرَظِيِّ قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة وإلى خلفائه؛ لتعودَ إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك، ولو كان التحليلُ جائزًا لدلَّها رسول الله ﷺ على ذلك؛ فإنها لم تكن تَعدَم من يُحلِّلها، لو كان التحليل جائزًا. قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قُصد بها التحليل وإن لم يشترط في العقد: كثيرة جدًا، ليس هذا موضع ذكرها انتهى. ذكر الآثار عن التابعين قال عبد الرزاق (١): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: إذا نوى الناكحُ أو المُنْكِحُ أو المرأة أو أحدٌ منهم التحليلَ فلا يصلح. أخبرنا (٢) ابن جريج، قال: قلت لعطاء: المحلِّل عامدًا، هل عليه عقوبة؟ قال: ما علمتُ، وإني لأرى أن يعاقَب، قال: وكلُّهم إن تمالأوا على ذلك مُسيؤون، وإن أعطوا (٣) الصداق. أخبرنا (٤) معمر، عن قتادة، قال: إن طلقها المحلِّل فلا يحلُّ لزوجها الأول أن يقربها؛ إذا كان نكاحه على وجه التحليل.

стр. 527

أخبرنا (١) ابن جريج، قال: قلت لعطاء: يُطلِّق المحلِّل؛ يراجعها زوجها؟ قال: يُفَرَّق بينهما. أخبرنا (٢) معمر، عمَّن سمع الحسن يقول في رجل تزوَّج امرأة يحلِّلها ولا يُعلِمها، فقال الحسن: اتَّقِ الله، ولا تكن مسمارَ نارٍ في حدود الله. قال ابن المنذر: قال إبراهيم النخعي (٣): إذا كان نِيَّة أحد الثلاثة ــ الزوج الأول، أو الزوج الآخر، أو المرأة ــ أنه محلل، فنكاح الآخر باطل، ولا تحل للأول. قال: وقال الحسن البصري (٤): إذا هَمَّ أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد. قال: وقال بكر بن عبد الله المزني (٥) في الحالِّ والمحلَّل له: أولئك كانوا يُسمَّون في الجاهلية التيسَ المستعار. قال: وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قال: إن ظنَّا أن نكاحهما على غير دُلْسة. ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» عنه (٦).

стр. 528

وقال هُشيم: أخبرنا سيَّار، عن الشَّعبي: أنه سُئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها طلَّقها ثلاثًا قبل ذلك، أيطلِّقها لترجع إلى زوجها الأول؟ فقال: لا، حتى يحدِّث نفسه أنه يُعمّر معها وتُعمّر معه؛ أي: تُقيم معه. رواه الجوزجاني (١). [٧٧ ب] وروي عن النُّفيلي (٢): حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ، حدثنا عبد الملك، عن عطاء: في الرجل يطلِّق امرأته، فينطلق الرجل الذي يتَحَزَّن له، فيتزوجها من غير مُؤامَرة منه، فقال: إن كان تزوجها ليحلِّلها له لم تحلَّ له، وإن كان تزوجها يريد إمساكها فقد حلَّت له. وقال سعيد بن المسيب في رجل تزوج امرأة ليحلّها لزوجها الأول، ولم يشعر بذلك زوجها الأول ولا المرأة، قال: إن كان إنما نكحها ليُحِلَّها فلا يصلح ذلك لهما؛ فلا تحلُّ. رواه حرب في «مسائله» (٣). وعنه أيضًا، قال: الناس يقولون: حتى يجامعها، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها؛ فلا بأس أن يتزوَّجها الأول. رواه سعيد بن منصور عنه (٤).

стр. 529

فهؤلاء الأئمة الأربعةُ أركان التابعين، وهم الحسن وسعيد بن المسيَّب وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النَّخعي. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد (١) في رجل تزوج امرأةً ليحلها لزوجها الأول وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك؛ إذا كان تزوجها ليحلّها. ذكر الآثار عن تابعي التابعين ومن بعدهم قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رَغْبةٍ: مالكُ بن أنس، والليث بن سعد. وقال مالك ﵀: يفرّق بينهما على كل حال، وتكون الفرقةُ فسخًا بغير طلاق. وقال سفيان الثوري: إذا تزوَّجها وهو يريد أن يحلَّها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها؛ لا يُعجبني إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحًا جديدًا. قال أحمد بن حنبل: جيد. وقال إسحاق: لا يحلُّ له أن يمسكها؛ لأن المحلل لم تَتِمّ له عُقْدة النكاح. وكان أبو عُبيد يقول بقول الحسن والنخعي. وقال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد بن

стр. 530

حنبل عن الرجل تزوَّج المرأة، وفي نفسه أن يُحِلَّها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون. قال الجوزجاني: وبه قال أبو أيوب. وقال ابن أبي شيبة: لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول. قال الجوزجاني: وأقول: إن الإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهَّره، حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يَشِينهُ، ويُنَزّه عما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يُعَيِّرون به المسلمين (١)، على ما تقدم فيه من النهي عن النبي ﷺ ولَعْنِه عليه. ثم ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك والآثار. فصل ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلِّل والمحلَّل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله، فلم يجعلوه زوجًا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه. وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سَمّاه محللًا، فلولا أنه أثبت الحلّ لم يكن محللًا! فيقال: هذه من العظائم؛ فإن هذا يتضمن أن رسول الله ﷺ لعن من فعل السّنّة التي جاء بها، وفعلَ ما هو جائز صحيح في شريعته! وإنما سمَّاه محللًا لأنه أحلّ ما حرّم الله، فاستحقّ اللعنة، فإن الله سبحانه
следующие страницы →