← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومقصوده، لاسيما إذا رَوَوْا حديثًا وفسَّروه بما يوافق الظاهر، هذا مع أنه لم يُعلم أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فَرّق بين تحليل وتحليل، ولا رَخّص في شيء من أنواعه، مع أن المطلقة ثلاثًا مثل امرأة رفاعة القُرَظِيِّ قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة وإلى خلفائه؛ لتعودَ إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك، ولو كان التحليلُ جائزًا لدلَّها رسول الله ﷺ على ذلك؛ فإنها لم تكن تَعدَم من يُحلِّلها، لو كان التحليل جائزًا. قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قُصد بها التحليل وإن لم يشترط في العقد: كثيرة جدًا، ليس هذا موضع ذكرها انتهى. ذكر الآثار عن التابعين قال عبد الرزاق (١): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: إذا نوى الناكحُ أو المُنْكِحُ أو المرأة أو أحدٌ منهم التحليلَ فلا يصلح. أخبرنا (٢) ابن جريج، قال: قلت لعطاء: المحلِّل عامدًا، هل عليه عقوبة؟ قال: ما علمتُ، وإني لأرى أن يعاقَب، قال: وكلُّهم إن تمالأوا على ذلك مُسيؤون، وإن أعطوا (٣) الصداق. أخبرنا (٤) معمر، عن قتادة، قال: إن طلقها المحلِّل فلا يحلُّ لزوجها الأول أن يقربها؛ إذا كان نكاحه على وجه التحليل.

стр. 527

أخبرنا (١) ابن جريج، قال: قلت لعطاء: يُطلِّق المحلِّل؛ يراجعها زوجها؟ قال: يُفَرَّق بينهما. أخبرنا (٢) معمر، عمَّن سمع الحسن يقول في رجل تزوَّج امرأة يحلِّلها ولا يُعلِمها، فقال الحسن: اتَّقِ الله، ولا تكن مسمارَ نارٍ في حدود الله. قال ابن المنذر: قال إبراهيم النخعي (٣): إذا كان نِيَّة أحد الثلاثة ــ الزوج الأول، أو الزوج الآخر، أو المرأة ــ أنه محلل، فنكاح الآخر باطل، ولا تحل للأول. قال: وقال الحسن البصري (٤): إذا هَمَّ أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد. قال: وقال بكر بن عبد الله المزني (٥) في الحالِّ والمحلَّل له: أولئك كانوا يُسمَّون في الجاهلية التيسَ المستعار. قال: وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قال: إن ظنَّا أن نكاحهما على غير دُلْسة. ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» عنه (٦).

стр. 528

وقال هُشيم: أخبرنا سيَّار، عن الشَّعبي: أنه سُئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها طلَّقها ثلاثًا قبل ذلك، أيطلِّقها لترجع إلى زوجها الأول؟ فقال: لا، حتى يحدِّث نفسه أنه يُعمّر معها وتُعمّر معه؛ أي: تُقيم معه. رواه الجوزجاني (١). [٧٧ ب] وروي عن النُّفيلي (٢): حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ، حدثنا عبد الملك، عن عطاء: في الرجل يطلِّق امرأته، فينطلق الرجل الذي يتَحَزَّن له، فيتزوجها من غير مُؤامَرة منه، فقال: إن كان تزوجها ليحلِّلها له لم تحلَّ له، وإن كان تزوجها يريد إمساكها فقد حلَّت له. وقال سعيد بن المسيب في رجل تزوج امرأة ليحلّها لزوجها الأول، ولم يشعر بذلك زوجها الأول ولا المرأة، قال: إن كان إنما نكحها ليُحِلَّها فلا يصلح ذلك لهما؛ فلا تحلُّ. رواه حرب في «مسائله» (٣). وعنه أيضًا، قال: الناس يقولون: حتى يجامعها، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها؛ فلا بأس أن يتزوَّجها الأول. رواه سعيد بن منصور عنه (٤).

стр. 529

فهؤلاء الأئمة الأربعةُ أركان التابعين، وهم الحسن وسعيد بن المسيَّب وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النَّخعي. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد (١) في رجل تزوج امرأةً ليحلها لزوجها الأول وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك؛ إذا كان تزوجها ليحلّها. ذكر الآثار عن تابعي التابعين ومن بعدهم قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رَغْبةٍ: مالكُ بن أنس، والليث بن سعد. وقال مالك ﵀: يفرّق بينهما على كل حال، وتكون الفرقةُ فسخًا بغير طلاق. وقال سفيان الثوري: إذا تزوَّجها وهو يريد أن يحلَّها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها؛ لا يُعجبني إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحًا جديدًا. قال أحمد بن حنبل: جيد. وقال إسحاق: لا يحلُّ له أن يمسكها؛ لأن المحلل لم تَتِمّ له عُقْدة النكاح. وكان أبو عُبيد يقول بقول الحسن والنخعي. وقال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد بن

стр. 530

حنبل عن الرجل تزوَّج المرأة، وفي نفسه أن يُحِلَّها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون. قال الجوزجاني: وبه قال أبو أيوب. وقال ابن أبي شيبة: لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول. قال الجوزجاني: وأقول: إن الإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهَّره، حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يَشِينهُ، ويُنَزّه عما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يُعَيِّرون به المسلمين (١)، على ما تقدم فيه من النهي عن النبي ﷺ ولَعْنِه عليه. ثم ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك والآثار. فصل ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلِّل والمحلَّل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله، فلم يجعلوه زوجًا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه. وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سَمّاه محللًا، فلولا أنه أثبت الحلّ لم يكن محللًا! فيقال: هذه من العظائم؛ فإن هذا يتضمن أن رسول الله ﷺ لعن من فعل السّنّة التي جاء بها، وفعلَ ما هو جائز صحيح في شريعته! وإنما سمَّاه محللًا لأنه أحلّ ما حرّم الله، فاستحقّ اللعنة، فإن الله سبحانه

стр. 531

حرّمها على المطلِّق حتى تنكح زوجًا غيره، والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحًا، وهو الذي شُرع إعلانه، والضربُ عليه بالدف، والوليمة فيه، وجُعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودةً ورحمةً، وجرت العادةُ فيه بضِدّ ما جرت به في نكاح المحلل؛ فإن المحلل لم يدخل على نفقة، ولا كسوة، ولا سُكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصيل نسب ولا صِهْر، ولا قَصْدِ المُقام مع الزوجة، وإنما دخل عاريَّةً كالتيس المستعار للضِّراب، ولهذا شبَّهه به النبي ﷺ ، [٧٨ أ] ثم لعنه. فعُلِم قطعًا لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح (١) المذكور في القرآن، وقد فَطَرَ الله سبحانه قلوبَ الناس على أن هذا ليس بنكاح، ولا المحلِّل زوج، وأن هذا منكر قبيح، يُعَيَّر به المرأة والزوج والمحلِّل والولي، فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله، وأحبّه وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس منه؟ وتأمل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ أي: فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أي: ترجع إليه بعقدٍ جديد، فأتى بحرف «إن» الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يُقيم. والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكّن الزوج فيه من الأمرين، بل يشترطون عليه أنه متى وَطئها فهي طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يُخبِر بوطئها، ولا يُقبلُ قولها في وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها، فبمجرّد إخبارها بذلك تطلَّق عليه.

стр. 532

والله سبحانه شرع النكاح للوصلة الدائمة والاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببًا لانقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وَطئ كان وطؤُه سببًا لانقطاع النكاح، وهذا ضدُّ شرع الله. وأيضًا فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه، فهذا زوج وهذا زوج، وهذا نِكاح وذلك نكاح، وكذلك الطلاق. ومعلوم أن نكاح المحلِّل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح، باذِلٌ للمهر، ملتزم للنفقة والسُّكنَى والكسْوة، وغير ذلك من خصائص النكاح؛ والمحلل بريء من ذلك كلِّه، غير ملتزم لشيء منه. وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتعة، مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زمانًا، وهو ملتزم لحقوق النكاح فالمحلِّل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قَدْرَ ما ينزُو عليها كالتَّيْسِ المستعار لذلك، ثم يفارقها: أولى بالتحريم. وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أكثر من عشرة أوجه (١): أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعًا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يُشرع في زمن من الأزمان. الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبيِّ ﷺ ، ولم يكن في الصحابة محلِّلٌ قطُّ.

стр. 533

الثالث: أن نكاح المتعة مختَلَف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس ــ وإن قيل: إنه رجع عنه (١) ـ، وأباحه عبد الله بن مسعود، ففي «الصحيحين» (٢) عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نسْتخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجلٍ، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. وفتوى ابن عباس بها مشهورة، قال عُروة (٣): قام عبد الله بن الزبير بمكة، فقال: إن ناسًا أعمَى الله قلوبَهم كما أعمى أبصارهم، يُفتون بالمتعة! يُعرِّض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجِلْفٌ جافٍ، فلعمري لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله ﷺ ، فقال له ابن الزبير: فجرّب نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجُمنّك بأحجارك! فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة، وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل. الرابع: أن رسول الله ﷺ لم يجئ عنه في لعن المستمتع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِّل والمحلَّل له وعن الصحابة ما قد تقدم. الخامس: أن المستمتع له غرضٌ صحيح في المرأة، ولها غَرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدَّة، والمحلل [٧٨ ب] لا

стр. 534

غرض له سوى أنه مستعار للضِّراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مسمار نارٍ في حدود الله (١)! وهذه التسمية مطابقة للمعنى. قال شيخ الإسلام: يريد الحسن أن المسمار هو الذي يُثبِّت الشيء المسمور، فكذلك هذا يُثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرَّمها الله عليه. السادس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرَّم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرًا وباطنًا، والمحلِّل ماكرٌ مخادع، متخذٌ آيات الله هُزوًا، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجئ في وعيد المستمتع مثلُه ولا قريبٌ منه. السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سرُّ النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلّها له ولا يطؤها حرامًا (٢)، والمحلِّل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلَّها لغيره، ولهذا سُمي محللًا. فأين من يريد أن يُحِلَّ وطْءَ امرأة يخاف أن يطأها حرامًا إلى من لا يريد ذلك؛ وإنما يريد بنكاحها أن يُحِلّ وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودينه، وضد ما وُضع له النكاح. الثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تَنفرُ من التحليل أشدَّ نِفار، وتُعِّير به أعظم تعيير، حتى إن كثيرًا من النساء تُعَيِّرُ المرأة به أكثر مما تعيِّر بالزنى، ونكاح المتعة لا تنفرُ منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يُبَح في أول الإسلام.

стр. 535

التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابَّة مدةً للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع بالسُّكنى، وإجارة العبد للخدمة مدةً، ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح، ولكن لما دخله التوقيت أخرجَهُ عن مقصود النكاح الذي شُرع بوصف الدَّوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل؛ فإنه لا يشبه شيئًا من ذلك، ولهذا شبّهه الصحابة ﵃ بالسفاح، وشبَّهوه باستعارة التيس للضِّراب. العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب ــ كالبيع والإجارة والهبة والنكاح ــ مُفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسبَّباتٍ لها ومقتضيَاتٍ، فجعل البيع سببًا لملك الرّقبة، والإجارة سببًا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببًا لملك البُضع وحِل الوطء. والمحلل مناقضٌ معاكس لشرع الله ودينه؛ فإنه جعل نكاحه سببًا لتمليك المطلِّق البُضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبُضع، وحِلِّه له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه، وإنما قصد به أمرًا آخر، لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقًا له. الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق؛ فإن المنافق يُظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وهو في الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يُظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسَمِّي المهر، ويُشهد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجًا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلِّق أن الأمر ليس كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة.

стр. 536

الثاني عشر: أن نكاح المحلل لا يُشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطَوْن في أنكحتهم أمورًا منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه. ففي «صحيح البخاري» (١) عن عُروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته: «أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها: نكاحُ الناس اليوم، يخطُب الرجل إلى الرجل وَلِيَّته أو ابنته، فيُصْدِقُها، ثم ينكحُها. والنكاح الآخر: كان الرجل يقول [٧٩ أ] لامرأته إذا طَهُرَت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستَبْضعي منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا، حتى يتبين حَمْلها من ذلك الرجل الذي تَسْتَبْضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاحٌ آخر: يجتمع الرّهْط ما دُون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرَّ ليالي بعد أن تضع حَمْلَها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابنك يا فلان! تُسمي من أحبّتْ باسمه، فيُلْحَقُ به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع. ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، وهُنّ البغايا، كنّ ينصِبنْ على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَمًا، فمن أرادهنّ دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها، جمعوا لها،

стр. 537

ودَعَوْا لهم القافَةَ، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالْتاطَه، ودُعِيَ ابنه، لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالحق هَدَم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم». ومعلومٌ أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذي أشارت إليه عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أقَرّه ولم يهدمه، ولا كان أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم؛ فإن الفِطَر والأمم تنكره وتُعيِّرُ به. فصل وسببُ هذا كلِّه: معصية الله تعالى ورسوله، وطاعة الشيطان في إيقاع الطلاق على غير الوجه الذي شرعه الله، والله سبحانه يُبغض الطلاق في الأصل، كما روى أبو داود (١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق». وفي «سنن ابن ماجه» (٢) من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال

стр. 538

رسول الله ﷺ : «ما بالُ قومٍ يلعبون بحدود الله، يقول: قد طلَّقتك، قد راجعتك، قد طلقتك، قد راجعتك؟». وفي «صحيح مسلم» (١) عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهم منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: قد فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ويجيء أحدهم، فيقول: ما تركتُه حتى فَرّقتُ بينه وبين أهله، قال: فيدنيه منه أو قال: فيلتزمه، ويقول: نِعْمَ أنت». فالشيطانُ وحزبه قد أغرَوْا بإيقاع الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه، وكثيرًا ما يندم المطلِّق، ولا يصبر عن امرأته، ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها إلى أن تتزوج زواج رَغْبة، تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها، أو يفارقها إذا قضى منها وَطَره، ولابُدّ له من المرأة، فيُهْرَع إلى التحليل، وهو حيلة من عشر حِيَلٍ نصبوها للناس:

стр. 539

إحداها: التحيُّل على عدم وقوع الطلاق، وهو نوعان: تَحَيُّل على عدم وقوعه مع صحة النكاح بالتّسريح، فيأمرونه أن يقول لها: إذا طلقتك، أو إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ثلاثًا، فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا، لا مُطْلقًا ولا مُقَيَّدًا عن المسرِّحين، فسدُّوا باب الطلاق، وجعلوا المرأة كالغُلِّ في عُنق الزوج، لا سبيل له إلى طلاقها أبدًا. الحيلة الثانية: التحيُّل على عدم وقوع الطلاق بكونِ النكاح فاسدًا، فلا يقع فيه الطلاق، ويتحيّلون لبيان فساده من وجوه: منها: أن عَدالة الولي شرط في صحته، فإذا كان في الولي ما يَقْدَحُ في عدالته؛ فالنكاح باطل، فلا يقع فيه الطلاق، والقوادح كثيرة، فلا تكاد تُفتِّش فيمن شئت إلا وجدت فيه قادحًا. ومنها: [٧٩ ب] أن عدالة الشهود شرط، والشاهد يفسُق بجلوسه على مقعد حرير، أو استناده إلى مسْنَد حرير، أو جلوسه تحت مركاة (١) حرير، أو تجمُّرِه بمجمرة فضة، ونحو ذلك، مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد. فيا للعجب! يكون الوطء حلالًا، والنسب لاحقًا، والنكاح صحيحًا، حتى يقع الطلاق، فحينئذ يطلب وجه إفساده! الحيلة الثالثة: التحيُّل بالمخالعة، حتى يفعل المحلوف عليه، فإذا فعله تزوَّجها بعقد جديد. الحيلة الرابعة: إذا وقع الفأس في الرأس، وحنث ولابد، اشترى غلامًا دون البلوغ، وزوَّجه بها، وأمرها أن تمكِّنه من إيلاج الحَشَفة هناك، فإذا فعل وهبها إياه، فانفسخ نكاحها بملكه، فتعتدُّ وتُرَدُّ إلى المطلّق، فإن عجزوا عن

стр. 540

ذلك وأعوزَهم انتقلوا إلى: الحيلة الخامسة: وهي استكراء التيس الملعون المستعار، ليَنْزُوَ عليها، ويُحِلّها بزعمه. فهذه خمس حيل للخاصة. وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيُّلُ على رَدِّها إلى المطلِّق بأي طريق اتفق؛ قالوا: المقصود هو الرجوع، والحيلة مقصودة لغيرها، وأعيان الحيل ليست مقصودة، فاستنبطوا لهم خمس حيلٍ أخرى: إحداها: أن يأمروا المحلِّل بأن يطأها برجله، فيطأها وهي قاعدة أو مضطجعة برجله ثم يخرج، ورأوا أن الوطء بالرجل أسهلُ عليهم وأقلّ مفسدة من الوطء بالآلة؛ فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود، فما كان أقل فسادًا كان أقرب إلى المقصود. الحيلة الثانية: أن تكون حاملًا، فتلدُ ذكرًا، وكأنهم قاسُوا الذكر الذي معها خارجًا على الذكر الذي يَشُقُّها داخلًا، وهذا من جنس قياس التيس الملعون على الزوج المقصود! الحيلة الثالثة: أن يَصُبّ المحلِّل عليها دُهنًا، يتشربه جَسَدُها ولا يطأُها، وكأنهم قاسوا تَشَرُّبَ جَسِدها للدهن وسَريانه فيه على تشرُّبه للنُّطْفَة وسَرايتها (١) فيه! الحيلة الرابعة: السفر عنها أو سفرها عنه، فإذا قدم ظنَّ أن ذلك كافٍ عن الزوج، ولا أدري من أين ألقَى إليهم الشيطانُ ذلك؟ وكأنهم ظنُّوا أنهم قد التقوا من الآن، وأن السفر قطع حكم ما مضى رأسًا!

стр. 541

الحيلة الخامسة: أن يجتمعا على عَرَفات، فإذا وقف بها على الجبل لم تَحتجْ بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم. وقد سُئلنا نحن وغيرنا عن ذلك، وسمعناه منهم! فصل واعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلَّق كما أمره الله ورسوله وشرعه له، أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حُكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ فلو اتّقى اللهَ عامةُ المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال؛ فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه أن يُطلِّقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عِدّتُها فإن بَدَا له أن يُمسكها في العِدّة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدَّتها أمكنه أن يستقبل العَقْد عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يَضرَّه أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يَحْتَجْ إلى حيلة ولا تحليل. ولهذا سُئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مئةً؟ فقال: عَصَيْتَ ربَّك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا (١). وقال سعيد بن جُبير (٢): جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت

стр. 542

امرأتي ألفًا، فقال: أما ثلاث فتحرِّم عليك امرأتَك، وبقيَّتهن وِزْر، اتخذْت آيات الله هُزُوًا. وقال مجاهد: كنتُ عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننتُ أنه رادُّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدُكم فيركبُ الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس؟ والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتقِ الله؛ فلا أجد لك مخرجًا، عَصَيْتَ ربك، وبانت منك امرأتك. ذكره أبو داود (١). وقد (٢) روى النسائي (٣) عن محمود بن لَبيد، قال: أُخْبِرَ رسول الله ﷺ

стр. 543

عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غَضْبانَ، ثم قال: «أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظْهُرِكم؟»، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله! ألا أقْتُله؟ وهذه الآثار موافقة لما دلّ عليه القرآن؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مَرّة بعد مرة. ولم يشرعه جملة واحدة أصلًا. قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والمرتان في لغة العرب بل وسائر لغات الناس: إنما تكون لما يأتي مرة بعد مرة، فهذا القرآن من أوله إلى آخره، وسُنة رسول الله ﷺ ، وكلام العرب قاطبةً شاهدٌ بذلك، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وقوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]، ثم فسرها بالأوقات الثلاثة. وشواهد هذا أكثر من أن تُحصى. ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فهذه هي المرة الثالثة. فهذا هو الطلاق الذي شرعه الله سبحانه مرةً بعد مرةٍ بعد مرةٍ، فهذا شَرْعُهُ من حيث العدد.

стр. 544

وأما شرعه من حيث الوقت: فشرع الطلاق للعدّة، وقد فسّره النبي ﷺ بأن يطلقها طاهرًا من غير جماع (١)، فلم يشرع جَمْعَ ثلاث، ولا تطليقتين، ولم يشرع الطلاق في حَيْضِ، ولا في طهر وطئ فيه. وكان المطلق في زمن رسول الله ﷺ كلِّه، وزمَنِ أبي بكر كلِّه، وصَدْرًا من خلافة عمر ﵄؛ إذا طلّق ثلاثًا تُحْسَب له واحدة، وفي ذلك حديثان صحيحان: أحدهما رواه مسلم في «صحيحه»، والثاني رواه الإمام أحمد في «مسنده». فأما حديث مسلم (٢): فرواه من طريق ابن طاوُس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: كان الطلاق على عَهْد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنَتين من خلافة عمر: طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هاتِ من هَنَاتِك! ألم يكن الطلاقُ الثلاث على عَهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم. وفي لفظ لأبي داود (٤): أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال

стр. 545

لابن عباس، قال: أمَا علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً: على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر ﵄؟ فقال ابن عباس: بَلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة: على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر ﵄، فلمّا رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجْروهنّ عليهم. هكذا في هذه الرواية: قبل أن يدخل بها. وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وخَلْقٌ من السلف، جعلوا الثلاث واحدة في غير المدخول بها. وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها: قبل الدخول؛ ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئًا. وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثةُ نَفَرٍ: طاوس وهو أجلُّ من رواه عنه، وأبو الصهباء العدوي، وأبو الجوزاء، وحديثه عند الحاكم في «المستدرك» (١). ولفظه: أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس، فقال: أتعلم أن

стр. 546

الثلاث كُنّ يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله عليه الصلاة السلام إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ورواية طاوس نفسه، عن ابن عباس ليس في شيء منها: قبل الدخول، وإنما حكَى ذلك طاوس عن سؤال أبي الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه، ولعله إنما بلغه جعلُ الثلاث واحدة في حق مُطلِّقٍ قبل الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس، وقال: كانوا يجعلونها واحدة؟ فقال له ابن عباس: نعم، الأمرُ على ما قلت. وهذا لا مفهوم له، فإنّ التقييد في الجواب وقع في مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يُعْتَبَرُ مفهومه. نعم، لو لم يكن السؤال مقيدًا، فقيّد المسؤولُ الجوابَ، كان مفهومه معتبرًا، وهذا كما إذا سُئل عن فأرة وقعت في سَمْن، فقال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فألقُوها وما حولَها وكُلُوه» (١)، لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة. وبالجملة، فغير المدخول بها فَرْد من أفراد النساء، فَذُكِرَ النساء مطلقًا في أحد الحديثين، وذُكِرَ بعض أفرادهن في الحديث الآخر، فلا تعارض بينهما. وأما الحديث الآخر، فقال أبو داود في «سننه» (٢): حدثنا أحمد بن

стр. 547

صالح: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا ابن جُريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد ــ أبو رُكانة وإخْوَتِهِ ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزيَنْة، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما يُغني عنِّي إلا كما تُغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها، ففرِّقْ بيني وبينه، فأخذت النبي ﷺ حَمِيّةٌ، فدعا بِركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون فلانًا يُشبه منه كذا وكذا؟ من عبد يزيد، وفلانًا يشبه منه كذا وكذا؟»، قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : «طَلِّقها»، ففعل، فقال: «راجع امرأتك أمّ رُكانة وإخوته»، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله؟! قال: «قد علمت، رَاجِعْها»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]. فأمره أن يراجعها وقد طلقها ثلاثًا، وتلا الآية التي هي وما بعدها صريحة في كون الطلاق الذي شرعه الله لعباده: هو الطلاق الذي يكون للعدّة، فإذا شارفت انقضاءها فإما أن يُمسكها بمعروف، أو يفارقها بمعروف، وأنه سبحانه شرعه على وجه التوسِعَة والتيّسير، فلعلّ المطلِّق أن يَندم، فيكون له سبيل إلى الرّجعة، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، فأمره بالمراجعة. وتلاوته الآية كافٍ في الاستدلال على ما كان عليه الحال.

стр. 548

فإن قيل: فهذا الحديث فيه مجهول، وهو بعض بني أبي رافع، والمجهول لا تقوم به حجة. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإمام أحمد قد قال في «المسند» (١): حدثنا سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحُصين، عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: طلّق رُكانةُ بن عبد يزيد أخو المُطّلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزنَ عليها حُزنًا شديدًا، فسأله رسول الله ﷺ : «كيف طلّقتها؟» قال: طلّقتُها ثلاثًا، قال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم، قال: «فإنما تلك واحدة؛ فارْجِعْها إن شئت»، قال: فراجعها. قال: وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طُهْر.

стр. 549

ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مُختارته» (١) التي هي أصحّ من «صحيح الحاكم». فهذا موافق للأول، وكلاهما موافق لحديث طاوس، وأبي الصّهباء، وأبي الجوزاء، عن ابن عباس به، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس به؛ فإن عكرمة كان مولاه مصاحبًا له، وكان يقيِّده على العلم، وكان طاوس خاصًا عنده، يجتمع به كثيرًا، ويدخل عليه مع الخاصَّة، وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة، وكذلك ابن إسحاق، لمَّا صحَّ عنده هذا الحديث أفتى بموجبه، وكان يقول: جهل السُّنَّةَ فيُردُّ إليها. فرواةُ هذا الحديث أفتوا به، وعملوا به. وعن ابن عباس فيه روايتان: إحداهما: موافقة عمر ﵁ تأديبًا وتعزيرًا للمطلقين، والثانية: الإفتاء بموجبه. وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ــ وحَسْبُك بهذا السند صِحَّةً وجلالةً ــ: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفمٍ واحد فهي واحدة. ذكره أبو داود في «السنن» (٢).

стр. 550

الوجه الثاني: أن هذا المجهول هو من التابعين، من أبناء مولى النبي ﷺ ، ولم يكن الكذب مشهورًا فيهم، والقصة معروفة محفوظة، وقد تابعه عليها داود بن الُحصين وهذا يدل على أنه حفظها. الوجه الثالث: أن روايته لم يُعتمد عليها وحدها، فقد ذكرنا رواية داود بن الحصين، وحديث أبي الصهباء، فهَبْ أن وجود روايته وعدمها سواء؛ ففي حديث داود كفاية، وقد زالت تُهمة تَدْليس ابن إسحاق بقوله: حدثني. وقد احتجَّ الأئمة بهذا السند بعينه في حديث تقدير العرايا بخمسة أوسُق أو دونها (١)، وأخذوا به وعملوا بموجَبه، مع مخالفة عمومات الأحاديث الصحيحة في مَنع بيع الرُّطب بالتّمر (٢) له. والقول بهذه الأحاديث موافقٌ لظاهر القرآن، ولأقوال الصحابة، وللقياس، ومصالح بني آدم: أما ظاهر القرآن: فإن الله سبحانه شرع الرّجْعة في كل طلاق إلا طلاق غير المدخول بها والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأُولَيَيْن، وليس في القرآن طلاقٌ بائن قط إلا في هذين الموضعين، وأحدهما بائن غير مُحرِّم، والثاني بائن محرِّم، وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، والمرتان ما كان مرة بعد مرة، كما تقدم.

стр. 551

وأما القياس: فإن الله سبحانه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]. فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات أنِّي صادق، أو قالت: أشهدُ بالله أربع شهاداتٍ أنه كاذبٌ كانت شهادةً واحدةً، ولم تكن أربعًا؛ فكيف يكون قوله: أنت طالقٌ ثلاثًا ثلاث تطليقاتٍ؟ وأيُّ قياسٍ أصحُّ من هذا؟ وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه. ولهذا لو قال المقرّ بالزنى: إني أقرّ بالزنى أربع مرات؛ كان ذلك مرةً واحدة، وقد قال الصحابة لماعزٍ: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ فلو قال: أُقِرُّ به أربع مرات كانت مرة واحدة، فهكذا الطلاق سواءً. فهذا القياس، وتلك الآثار، وذاك ظاهر القرآن. وأما أقوال الصحابة: فيكفي كون ذلك على عهد الصديق، ومعه جميع الصحابة، لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حُكي في زمانه القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قديم؛ وإنما حدثَ الخلافُ في زمن عمر ﵁، واستمر الخلاف في المسألة إلى وقتنا هذا، كما سنذكره. قالوا: فقد صحَّ بلا شك أنهم كانوا في زمن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر مُدّة خلافته كلها، وصَدْرًا من خلافة عمر ﵄: يوقعون على من طلق ثلاثًا واحدة. قالوا: فنحن أحقّ بدعوى الإجماع منكم؛ لأنه لا يُعرف في عهد الصِّدِّيق أحدٌ رد ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماعٌ فهو من جانبنا أظهرُ ممن

стр. 552

يَدّعيه من نِصْفِ خلافة عمر ﵁ وهَلُمّ جَرًّا؛ فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائمًا، وذكره أهلُ العلم في مصنفاتهم قديمًا وحديثًا. فمِمّن ذكر الخلاف في ذلك: داود وأصحابه، واختاروا أن الثلاث واحدة. وممن حكى الخلاف: الطحاوي في كتابه «اختلاف العلماء» (١)، وفي كتاب «تهذيب الآثار» (٢)، وأبو بكر الرازي في كتاب «أحكام القرآن» (٣)، وحكاه ابنُ المنذر، وحكاه ابن حزم (٤)، وحكاه المؤرِّج في «تفسيره»، وحكى حجّة القولين، ثم قال: وهي مسألة خلاف بين العلماء، وحكاه محمد بن نَصْر المَرْوَزِي (٥)، واختار القول الثالث (٦): أنها واحدة في حق البِكْر، ثلاث في حق المدخول بها. وحكاه من المتأخرين: المازَرِيّ في كتاب «المُعْلِم» (٧)، وحكاه عن محمد بن مُقاتل من أصحاب أبي حنيفة، وهو من أجلِّ أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبي حنيفة، فهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة. وحكاه التِّلِمْسَانِيُّ في «شرح التفريع» في مذهب مالك قولًا في مذهبه، بل رواية عن

стр. 553

مالك، وحكاه غيره قولًا في المذهب، فهو أحد القولين في مذهب مالك، وأبي حنيفة. وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختياره، وأسوأُ أحواله أن يكون كبعض أصحاب الوجوه في مذهبه، كالقاضي وأبي الخطاب، وهو أجلّ من ذلك، فهو قول في مذهب أحمد بلا شك. وأما التابعون، فقال ابن المنذر: كان سعيد بن جُبير، وطاوس، وأبو الشّعْثاء، وعطاء، وعَمْرو بن دينار، يقولون: من طلق البِكْر ثلاثًا فهي واحدة. قال: واختُلِف في هذا الباب عن الحسن: فرُوي عنه أنها ثلاث، وذكر قتادة، وحُميد، ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، وقال: واحدة بائنة. وقال محمد بن نصر في كتاب «اختلاف العلماء» (١): أجمع أهل العلم: أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقةً، ولم يدخل بها، أنها بانَتْ منه، وليس عليها عِدّة، واختلفوا في غير المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلاثًا بلفظٍ واحد: فقال الأوزاعي، ومالك، وأهل المدينة: لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره. وروي عن ابن عباس، وغير واحد من التابعين أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة. وأكثر أهل الحديث على القول الأول. قال: وكان إسحاق (٢) يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأوّل حديث

стр. 554

طاوس، عن ابن عباس ــ كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵃ تُجعل واحدة ــ على هذا. قلت: هذا تأويل إسحاق. وأما أبو داود فجعله منسوخًا، فقال في كتاب «السنن»: «باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث»، ثم ساق حديث ابن عباس (١) ﵄: أن الرجل كان إذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم ذكر في أثناء الباب حديث أبي الصهباء. وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتًا لمّا كان الرجل يراجع امرأته كلما طلقها. وهذا وَهمٌ، لوجهين: أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ، كما كان في أول الإسلام. الثاني: أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله ﷺ ، وكونُ الثلاث واحدةً قد عُمِل به في خلافة الصديق كلها، وأول خلافة عمر ﵁. فمن المستحيل أن يُنسخ بعد ذلك. وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبي ﷺ ، ولا عن أمره.

стр. 555

قال: وغير جائز أن يُظَنّ بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا، ثم يُفْتِي بخلافه، فلما لم يجز ذلك دَلّ فُتْيا ابن عباس ﵁ على أن ذلك لم يكن عن علم النبي ﷺ ولا عن أمره؛ إذ لو كان ذلك عن علم النبي ﷺ ما اسْتَحَلَّ ابنُ عباس أن يفتيَ بخلافه، أو يكون ذلك منسوخًا، استدلالًا بفُتيا ابن عباس. وهذا المسلك ضعيف جدًّا لوجوه: أحدها: أن حديث عِكرمة عن ابن عباس ــ في رد النبي ﷺ امرأة رُكانة عليه بعد الطلاق الثلاث ــ يُبطل هذا التأويل رأسًا. الثاني: أن هذا لو كان صحيحًا لقال ابن عباس لأبي الصهباء: ما أدري أبَلَغ ذلك رسول الله ﷺ أو لم يبلغه؟ فلما أقرّه على ذلك إقرارَ راوٍ لذلك: عُلم أنه مما بلغه (١). الثالث: أنه لو كان ذلك صحيحًا لم يقل عمرُ: إن الناس قد استعجلوا في شيء (٢) كانت لهم فيه أناة، بل كان الواجب أن يبين أن السنة عن رسول الله ﷺ في خلاف ذلك، وأن هذا العمل من الناس خلافُ دين الإسلام وشرع محمد ﷺ ، ولا يقول: فلو أنا أمضيناه عليهم! فإن هذا إنما يكون إمضاءً من الله تعالى ورسوله، لا من عمر. الرابع: أنه من الممتنع أو المستحيل أن يكون خيارُ الخلق يُطَلِّقُون في عهد رسول الله ﷺ وعَهْد خليفته من بعده ويُراجعون، على خلاف دينه،

стр. 556

فيطلِّقون طلاقًا محرمًا، ويراجعون رَجْعة محرمة، ولا يُعْلِمون بذلك رسول الله ﷺ ، وهو بَينَ أظْهُرِهم. ثم حديث ابن عباس الذي رواه أحمد يردّ ذلك، ثم تردُّه فتوى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه (١)، وهي ثابتة عنه بأصحّ إسناد؛ كما أن الرواية الأخرى ثابتة عنه. وكيف يستمر جَهْلُ أخيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياته ﷺ ، ومدة حياة الصديق ﵁ كلها، وشَطْرًا من خلافة عمر ﵁، ثم يظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة الجائزان؟ وكيف يصحُّ قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة؟ وكيف يصح قوله: فلو أنا أمضيناه عليهم؟ فهذا المسلك كما ترى! وأما الإمام أحمد ﵀ فإنما ردَّه بفتوى ابن عباس بخلافه، وهو راوي الحديثين. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاقُ الثلاثُ على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄: طلاق الثلاث واحدة؛ بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه. وكذلك نقل عنه ابن منصور. وهذا المسلك إنما يجيء على إحدى الروايتين: أن الصحابيّ إذا عمل

стр. 557

بخلاف الحديث لم يُحتجّ به، واتُّبع عمل الصحابي. والمشهور عنه أن العبرة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث. ولهذا أخذ برواية ابن عباس في حديث بريرة (١)، وأن بَيْعَ الأمَة لا يكون طلاقًا لها؛ لأن رسول الله ﷺ خَيّرها، ولو انفسخ النكاح ببيعها لم يُخيّرها، مع أن مذهب ابن عباس أن بيع الأمة طلاقها، واحتج بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأباح وَطْءَ مملوكته المزوَّجة، ولو كان النكاح باقيًا لم ينفسخ لم يُبَحْ له وطؤها. والجمهور وأحمد معهم خالفوه في ذلك، وقالوا: لا يكون بيعها طلاقًا، واحتجوا بحديث بَرِيرة، وتركوا رأيه لروايته؛ فإن روايته معصومة، ورأيه غير معصوم. والمشهور من مذهب الشافعي أن الأخذ بروايته دون رأيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة عكس ذلك، وعن أحمد روايتان. فهذا المسلك في رد الحديث لا يقْوى. وسلك آخرون في رد الحديث مسلكًا آخر؛ فقالوا: هو حديث مضطرب لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخاري، وترجم في «صحيحه» (٢) على خلافه، فقال: «باب جواز الطلاق الثلاث في كلمة، لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾»، ثم ذكر حديث اللّعان، وفيه: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ولم يغير عليه النبي ﷺ ، وهو لا يقرّ على باطل.

стр. 558

قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يُروَى: عن طاوس، عن ابن عباس، وتارةً: عن طاوس، عن أبي الصهباء، عن ابن عباس، وتارة: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، فهذا اضطرابه من جهة السند. وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها؛ جعلوها واحدة؟ وتارة يقول: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر واحدة؟ فهذا يخالف اللفظ الآخر. وهذا المسلك من أضعف المسالك، وردُّ الحديث به ضَرْبٌ من التّعَنُّتِ. ولا يُعرف أحد من الحفاظ قَدحَ في هذا الحديث ولا ضَعّفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأي شيء ترده؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس خلافه، ولم يردّه بتضعيف ولا قدح في صحته، وكيف يتهيّأ القدحُ في صحته؛ ورواتُه كلهم أئمة حفاظ؟ حَدّث به عبد الرزاق وغيره عن ابن جُريج بصيغة الإخبار، وحَدّث به كذلك ابن جُريج عن ابن طاوس، وحدث به ابن طاوس عن أبيه، وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن، وطاوس من أخص أصحاب ابن عباس، ومذهبه أن الثلاث واحدة. وقد رواه حَمّاد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاووس، فلم ينفرد به عبد الرزاق، ولا ابن جُريج، ولا عبد الله بن طاوس، فالحديث من أصح الأحاديث. وتَرْكُ رواية البخاري له لا يوهِنه، وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلّا يطوِّل كتابه؛ فإنه سمّاه: «الجامع المختصر الصحيح ... »، ومثل هذا العذر لا يقبله من له حظٌّ من العلم.

стр. 559

وأما رواية مَنْ رواه عن أبي الجوزاء: فإن كانت محفوظةً فهي مما يزيد الحديث قوة، وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر، فهي وَهْم في الكُنية (١)؛ انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مُلَيكة: من أبي الصهباء إلى أبي الجَوْزاء؛ فإنه كان سيء الحفظ، والحفاظ قالوا: أبو الصهباء، وهذا لا يوهِن الحديث. وهذه الطريق عند الحاكم في «المستدرك» (٢). وأما رواية من رواه مُقَيّدًا قبل الدخول: فقد تقدم أنها لا تناقض رواية الآخرين، على أنها عند أبي داود: عن أيوب، عن غير واحد، ورواية الإطلاق: عن مَعْمر، وابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، فإن تعارضا فهذه الرواية أولى، وإن لم يتعارضا فالأمر واضح. وحديث داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ : صريحٌ في كون الثلاث واحدةً في حق المدخول بها. وغاية ما يُقَدّر في حديث أبي الصهباء أن قوله: قبل الدخول زيادة من ثقة، فيكون الأخذ بها أولى. وحينئذٍ فيدلّ أحد حديثي ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت في حق البِكْر، وحديثَه الآخر على أنه ثابت في حكم الثيِّب أيضًا، فأحد الحديثين يُقَوِّي الآخر، ويَشْهد بصحته، وبالله التوفيق. وقد ردَّه آخرون بمسلك أضعف من هذا كله، فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاوس وحده. فقالوا: فأين أكابر الصحابة وحُفّاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذي الحاجةُ إليه شديدة جدًّا؟ فكيف خفي هذا على جميع

стр. 560

الصحابة، وعَرَفه ابن عباس وحده؟ وخفي على أصحاب ابن عباس كلِّهم، وعلمه طاوس وحده؟ وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا تُردّ أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا فكم من حديثٍ تفرّد به واحد من الصحابة، لم يَرْوِه غيره، وقَبِلته الأمة كلهم، فلم يردَّه أحد منهم. وكم من حديث تفرّد به من هو دون طاوس بكثير، ولم يردَّه أحد من الأئمة. ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يُقْبَل، وإنما يُحكى عن أهل البدع ومَنْ تَبعهم في ذلك أقوالٌ، لا يُعرف لها قائل من الفقهاء. وقد تفرّد الزهرى بنحو ستين سُنّة، لم يروها غيره (١)، وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرُّده. هذا مع أن عكرمة روى عن ابن عباس ﵄ حديث رُكانة، وهو موافق لحديث طاوس عنه، فإن قَدَح في عكرمة أبطل وتناقض؛ فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قَدْح من قَدَحَ فيه. فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله: أن يُتوقّفَ فيه، ولا يُجزم بصحته عن رسول الله ﷺ . قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشذوذ: أن يخالف الثقاتِ فيما رووه،

стр. 561

فيشِذّ عنهم بروايته. فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به، لم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذًّا، وإن اصْطُلِحَ على تسميته شاذًّا بهذا المعنى لم يكن الاصطلاح موجِبًا لردِّه، ولا مُسَوِّغًا له. قال الشافعي (١) ﵀: وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات. قاله في مناظرته لبعض من ردّ الحديث بتفرُّد الراوي به. ثم إن هذا القول لا يمكن أحدًا من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طَردُه، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم. والعجب أن الرّادِّين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بَنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن نعدّهُ. ولمَّا رأى بعضُهم ضعف هذه المسالك (٢)، وأنها لا تجدي شيئًا: استروح إلى تأويله، فقال: معنى الحديث أن الناس كانوا يطلِّقون على عهد رسول الله، وأبي بكر، وعمر واحدةً، ولا يوقعون الثلاث، فلما كان في أثناء خلافة عمر ﵁ أوقعوا الثلاث، وأكثروا من ذلك، فأمضاه عليهم عمر ﵁ كما أوقعوه، فقوله: كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة؛ أي: في التطليق وإيقاع المطلِّقين، لا في حكم الشرع. قال هذا القائل: وهذا من أقوى ما يُجاب به، وبه يزول كل إشكال.

стр. 562

ولَعَمْرُ الله، لو سكت هذا كان خيرًا له وأستر؛ فإن هذا المسلك من أضعف ما قيل في الحديث، وسياقُه يبين بطلانه بيانًا ظاهرًا لا إشكال فيه، وكأن قائله أحبّ الترويج على قوم ضعفاء العلم، مُخلِدين إلى حَضيض التقليد، فروّج عليهم مثل هذا. وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث، ولم يُعْنَ بِطُرُقه؛ فقد ذكرنا من بعض ألفاظه قول أبي الصهباء لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وصدرًا من إمارة عمر ﵁؟ فأقرّ ابن عباس بذلك، وقال: نعم. وأيضًا فقول هذا المتأول: إنهم كانوا يُطلِّقون على عهد رسول الله ﷺ واحدة؛ فقد نقضه هو بعينه وأبطله، حيث احتجّ على وقوع الثلاث بحديث الملاعِن (١)، وحديث محمود بن لبيد: أن رجلًا طلق امرأته على عهد النبي ﷺ ثلاثًا، فغضب النبي ﷺ وقال: «أيُلعَبُ بكتاب الله، وأنا بين أظهُركُم؟» (٢)؛ ثم زاد هذا القائل في الحديث زيادة من عنده، فقال: «وأمضاه عليه، ولم يَرُدّه». وهذه اللفظة موضوعة، لا تُروى في شيء من طرق هذا الحديث البَتّة، وليست في شيء من كتب الحديث، وإنما هي من كِيس هذا القائل، حمله عليها فَرْطُ التقليد.

стр. 563

ومحمود بن لَبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك، من إمضاءٍ أو ردٍّ إلى واحدة. والمقصود أن هذا القائل تناقضَ، وتأول الحديث تأويلًا يُعلم بطلانه من سياقه. ومن بعض ألفاظه: أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر يُرد إلى الواحدة، وهذا موافق للَّفظ الآخر: كان إذا طلق امرأته ثلاثًا جعلوها واحدةً، وجميع ألفاظه متفقة على هذا المعنى، يفسر بعضها بعضًا. فجعل هذا وأمثالُه المُحْكَم مُتشابهًا، والواضح مُشْكِلًا! وكيف يصنع بقوله: فلو أمضيناه عليه، فإن هذا يدل على أنه رأي من عمر ﵁ رآه أن يُمضيه عليهم لتتايُعهم فيه، وشدِّهم على أنفسهم ما وسَّعه الله عليهم، وجمعهم ما فَرّقه، وتطليقهم على غير الوجه الذي شرعه، وتعدِّيهم حدوده. ومن كمال علمه ﵁: أنه علم أن الله لم يجعل المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده، وهؤلاء لم يتَّقوه في الطلاق، ولم يراعوا حدوده، فلا يستحقون المخرج الذي ضمنه لمن اتقاه. ولو كان الثلاث تقع ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ ، وهو دينه الذي بعثه الله تعالى به، لم يُضِف عمر ﵁ إمضاءه إلى نفسه، ولا كان يصح هذا القول منه، وهو بمنزلة أن يقول في الزنى، وقتل النفس، وقذف المحصنات: لو حرّمناه عليهم، فحرَّمه عليهم، وبمنزلة أن يقول في وجوب الظهر والعصر، ووجوب صوم شهر رمضان، والغُسْلِ من الجنابة: فلو فرضناه عليهم، ففرضه عليهم.

стр. 564

فدعوا هذه التأويلات المستكرهة، التي كلما نظر فيها طالب العلم ازداد بصيرةً في المسألة، وقويَ جانبها عنده؛ فإنه يرى أن الحديث لا يُردُّ يمثل هذه الأشياء. وقد سلك أبو عبد الرحمن النسائي في «سننه» (١) في الحديث مسلكًا آخر، فقال: «باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة»، ثم ساقه، قال: «حدثنا أبو داود: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس! ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر تُردّ إلى الواحدة؟ قال: نعم». وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث: وجدتها لا تدلُّ عليها، ولا تُشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون، والحديث لون آخر، وكأنه لما أشكل عليه وجه الحديث حمله على ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طَلُقَتْ واحدة. ومعلومٌ أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، ثم يتغير في خلافة عمر ﵁، ويُمضي الثلاث بعد ذلك على المطلِّق، والحديث لا يندفع بمثل هذا البتّة. وسلك آخرون في الحديث مسلكًا آخر، فقالوا: هذا حديث يخالف أصول الشرع، فلا يُلتفت إليه.

стр. 565

قالوا: لأن الله سبحانه ملّك الزوج ثلاث تطليقات، وجعل إيقاعها إليه، فإن قلنا بقول الشافعي ومن وافقه: إن جمع الثلاث جائز، فقد فعل ما أُبيح له، فيصح (١). وإن قلنا: جمع الثلاث حرام، وهو طلاق بِدْعِيّ، فالشارع إنما ملكه تفريق الثلاث فُسْحةً له، فإذا جمعها فقد جَمع ما فُسح له في تفريقه، فلزمه حكمه كما لو فرّقه. قالوا: وهذا كما أنه يملك تفريقَ المطلَّقات وجمعهنّ، فكذلك يملك تفريق الطلاق وجمعه، فهذا قياس الأصول، فلا نُبطله بخبر الواحد. قال الآخرون: هذا القياس لا يصلح أن يَثْبُتَ به هذا الحكم، لو لم يُعارَض بنص، فَضْلًا عن أن يقدَّم على النص، وهو قياس مخالف لأصول الشرع، ولغة العرب، وسُنة رسول الله ﷺ ، وعمل الصحابة في عهد الصِّدِّيق. فأما مخالفته لأصول الشرع: فإن الله سبحانه إنما ملَّك المطلِّق بعد الدخول طلاقًا يملك فيه الرجعة، ويكون مخيّرًا فيه بين الإمساك بالمعروف وبين التسريح بالإحسان، ما لم يكن بعِوَضٍ، أو يستوفي فيه العِدَد، والقرآن قد بيّن ذلك كله؛ فبيّن أن الطلاق قبل الدخول تَبِينُ به المرأة، ولا عِدة عليها، وبيّن أن المفتدية تملك نفسها، ولا رجعة لزوجها عليها، وبين أن المطلَّقة الطَّلْقةَ المسبوقة بطلقتين قبلها تَبين منه وتحرم عليه، فلا تَحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وبَيّن أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزَّوج فيه الرجعة، وهو مخيّر فيه بين الإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان.
следующие страницы →