← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الزبير، فقال: إن هذا أمرٌ مالنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة؛ فإني تركتهما عند عائشة، فاسألهما ثم ائْتِنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفْتِه يا أبا هريرة! فقد جاءتك مُعضلة، فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبينها، والثلاثُ تحرِّمهَا، حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك. فهذه عائشة ﵂ لم تنكر عليهما، ولا ابنُ الزبير. وفى «الموطأ» (١) أيضًا: عن النعمان بن أبي عَيّاش عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عَمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يَمَسّها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاقُ البكر واحدة، فقال لي عبد الله: إنما أنت قاصّ! الواحدة تبينها، والثلاث تُحرِّمها، حتى تنكح زَوجًا غيره.

стр. 597

وروى عبيد الله (١) عن نافع عن ابن عمر ﵄: إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، لم تحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره. وروى البيهقي (٢) من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شُعبة، عن طارق بن عبد الرحمن: سمعتُ قيس بن أبي حازم، قال: سأل رجلٌ المغيرة وأنا شاهدٌ عن رجل طلق امرأته مئةً، فقال: ثلاثة تحرّم، وسبعٌ وتسعون فَضْلٌ. وروى البيهقي (٣) عن سُويد بن غَفَلة، قال: كانت عائشة الخثْعَميّةُ عند الحسن، فلما قُتل عليّ ﵁ قالت: لتَهْنِك الخلافة! قال: بقتل عليٍّ تُظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثًا، فَتلَفّعَت بثيابها، وقعدت حتى قضَت عِدّتها، فبعث إليها ببقيةٍ بقيت لها من صداقها، وعشرة آلافٍ صدقةً، فقالت لما جاءها الرسول: متاعٌ قليل من حبيبٍ مفارق، فلمّا بَلَغَهُ قولُها بَكَى، وقال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي، يقول: «أيما رجل طلّق امرأته ثلاثًا عند الأقراء، أو ثلاثة مُبْهَمة، لم تحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره» لراجعتُها. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن

стр. 598

عطاء بن السائب، عن علي ﵁ أنه قال في الحرام، والبتّة، والبائن، والخليّة، والبَرِيّة: ثلاثًا، ثلاثًا. قال شعبة: فلقيت عطاءً، فقلت: مَن حَدّثك عن علي؟ قال: أبو البَخْتَرِي. قال أحمد: وأنا أهابُها، لا أجيب فيها؛ لأنه يُروى عن عامة الناس أنها ثلاث: علي، وزيد (١)، وابن عمر، وعامة التابعين. وأما ابن عباس: فروى عنه مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البُكير، ومعاوية بن أبي عياش، وغيرهم، أنه ألزم الثلاث مَنْ أوقعها جملة (٢). قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأيّ شيءٍ تَرُدُّ حديث ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر رضي عنهما: طلاق الثلاث واحدةً، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، وإلى هذا نذهب.

стр. 599

وذكر البيهقي (١): أن رجلاً أتى عِمران بن حُصين وهو في المسجد، فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثًا في مجلس، فقال: أَثِمَ بربِّه، وحرمت عليه امرأته، فانطلق الرجل، فذكر ذلك لأبي موسى، يريد بذلك عَيْبه، فقال: ألا تَرى أن عمران قال كذا وكذا؟ فقال أبو موسى: أكثر اللهُ فينا مثلَ أبي نُجَيْدٍ. قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن علي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا، والإجماع يَثبت بدون هذا، ولهذا حكاه غير واحد منهم أبو بكر بن العَرَبي (٢) وأبو بكر الرازي (٣)، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه قال في رواية الأثرم، وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يُرَدّ إلى السنة، وليس بشيء، وقال: هذا مذهب الرافضة. وظاهر هذا: أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة. وقال الآخرون: قد عرفتم ما في دعوى الإجماع الذي لم يُعلم له مخالف، أنه راجع إلى عدم العلم، لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم

стр. 600

العلم ليس بعلم حتى يحتجّ به ويُقدَّم على النصوص الثابتة! هذا إذا لم يُعلم مخالفٌ، فكيف إذا عُلم المخالف؟ وحينئذ فتكون المسألةُ مسألةَ نزاعٍ يجب رَدُّها إلى الله تعالى ورسوله، ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مُقَلد، وإما مُتَعصب صاحب هَوًى، عاصٍ لله تعالى ورسوله ﷺ ، مُتعرِّضٌ لِلُحُوق الوعيد به؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعًا ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهلُه، والنزاع فيها من عَهْد الصحابة إلى وقتنا هذا. وبيان هذا من وجوه: أحدها: ما رواه أبو داود (١) وغيره من حديث حَمّاد بن زَيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفمٍ واحد فهي واحدة. وهذا الإسناد على شرط البخاري. وقال عبد الرزاق (٢): أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، قال: دخل الحَكَمُ بن عُتيبة (٣) على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البِكْر تُطَلَّق ثلاثًا، فقال: سُئل عن ذلك ابنُ عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عَمرو، فكلّهم قالوا: لا

стр. 601

تَحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، قال: فخرج الحكمُ وأنا معه، فأتى طاوسًا وهو في المسجد، فأكبَّ عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهري، قال: فرأيت طاوسًا رفع يديه تَعَجُّبًا من ذلك، وقال: والله ما كان ابنُ عباس يجعلها إلا واحدةً. أخبرنا ابن جُريج (١)، قال: وأخبرني حسن بن مسلم، عن ابن شهاب، أن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، ولم يَجمع كنّ ثلاثًا، قال: فأخبرت طاوسًا، فقال: أشهدُ ما كان ابن عباس يَراهُنّ إلا واحدة. فقوله: إذا طلق ثلاثًا ولم يجمع كن ثلاثًا، أي: إذا كُنّ متفرقات، فدلّ على أنه إذا جمعهن كانت واحدة، وهذا هو الذي حلف عليه طاوس أن ابن عباس كان يجعله واحدة. ونحن لا نشك أن ابن عباس صحّ عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس بلا شك. الوجه الثاني: أن هذا مذهبُ طاوس. قال عبد الرزاق (٢): أخبرنا ابن جُريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجهَ الطلاق، ووجه العِدّة، وأنه كان يقول: يُطلقها واحدة، ثم يَدَعُها حتى تنقضي عدتها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣): حدثنا إسماعيل بن عُلَيّةَ، عن ليثٍ، عن

стр. 602

طاوس وعطاء، أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة. الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبي رباح. قال ابن أبي شيبة (١): حدثنا محمد بن بشر (٢)، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد، أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة. الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم. الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصين، حكاه عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم. ولفظه: حدثنا سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا، فجعلها النبي ﷺ واحدة (٣). قال أبو عبد الله: «وكان هذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السّنة، فَيُرَدّ إلى السنة». الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهَوَيه في البِكر.

стр. 603

قال محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء» (١) له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاووس عن ابن عباس ــ كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر يُجعل واحدة ــ على هذا. قال: فإن قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فإن سفيان، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد، وأبا عبيد (٢) قالوا: بانَتْ منه بالأولى، وليست الثنتان بشيءٍ؛ لأن غير المدخول بها تَبِين بواحدة، ولا عدّة عليها. وقال مالك، وربيعة، وأهل المدينة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: إذا قال لها ثلاث مرات: أنت طالق، نَسَقًا متتابعة، حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فإن هو سكت بين التطليقتين بانت بالأُولى، ولم تلحقها الثانية. فصار في وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم: أحدها: أنها واحدة، سواءً قالها بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. والثاني: أنها ثلاث، سواءً أَوْقَعَ الثلاث بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. والثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهي ثلاث، وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهي واحدة. الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول.

стр. 604

قال ابن المنذر في كتابه «الأوسط»: «وكان سعيد بن جُبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة» (١). الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب. وهو غلط عليه، إنما هو مذهب سعيد بن جبير. الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصري الذي استقرّ عليه. قال ابن المنذر: «واختلف في هذا الباب عن الحسن: فرُوي عنه كما رُوِّيناه عن أصحاب النبي ﷺ ، وذكر قَتادة، وحُميد، ويونس عنه أنه رجع عن قوله بعد ذلك، فقال: واحدة بائنة». وهذا الذي ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٢)، فقال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: سألتُ الحسن عن الرجل يطلِّق البكر ثلاثًا، فقالت أم الحسن: وما بعد الثلاث؟ فقال: صدقت، وما بعد الثلاث؟ فأفتى الحسن بذلك زمنًا، ثم رجع، وقال: واحدةٌ تبينها، ويخطُبُها. فقاله حياتَهُ. الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار. قال عبد الرزاق (٣): وأخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن بُكير، عن

стр. 605

نُعمان بن أبي عياش، قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل يطلِّق البكر ثلاثًا، فقال: إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أنت قاصّ، الواحدة تُبينها، والثلاث تحرِّمها، حتى تنكح زوجًا غيره». فذكر عطاءٌ مذهبه، وعبد الله بن عمرٍو مذهبه. الوجه الحادي عشر: أنه مذهب خِلَاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عنه. الوجه الثاني عشر: أنه مذهب محمد بن مقاتل الرازي، حكاه عنه المازري في كتابه «المعلم بفوائد مسلم» (١). قال الخطيب (٢): حدث عن عبد الله بن المبارك، وعَبّاد بن العوّام، ووَكيع بن الجرّاح، وأبي عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد، والبخاري في «صحيحه». وكان ثقة. الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك، حكاها عنه جماعة من المالكية، منهم التلمساني صاحب «شرح الجلّاب»، وعزاها إلى ابن أبي زيد، أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولاً في مذهب مالك، وجعله شاذًّا. الوجه الرابع عشر: أن ابن مُغيث المالكي حكاه في كتاب «الوثائق» (٣)

стр. 606

له، وهو مشهور عند المالكية عن بضعة عشر فقيهًا من فقهاء طُلَيْطِلَة المفتين على مذهب مالك، هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثًا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثًا، ولم يطلق إلا واحدة، كما لو قال: أحلف ثلاثًا كانت يمينًا واحدة، ثم ذكر حججهم من الحديث. الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم اللَّخمي المتيطي، صاحب كتاب «الوثائق الكبير»، الذي لم يُصنَّف في الوثائق مثله، حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف، حتى عن المالكية أنفسهم، فقال: «وأما من قال: أنت طالق ثلاثًا، فقد بانت منه، قال البتة أو لم يقل». قال: «وقال بعض الموثِّقين ــ يريد المصنفين في الوثائق ــ: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مُطَلِّقٌ، كَمْ يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء: على أنه يلزمه الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذي لا شك فيه». قال: «وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قومٌ من الخلف من المفتين بالأندلس». قال: «واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة، وأحاديث مسطورة، أضربنا عنها، واقتصرنا على الصحيح منها؛ فمنها: ما رواه داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رُكانة طلق زوجته عند رسول الله ﷺ ثلاثًا، في مجلس واحد، فقال له النبي ﷺ : «إنما هي واحدة، فإن شئت فدَعْها، وإن شئت فارتجعها» (١). ثم ذكر حديث أبي الصهباء، وذكر بعض تأويلاته التي

стр. 607

ذكرناها. الوجه السادس عشر: أن أبا جَعْفر الطحاويّ حكى القولين في كتابه «تهذيب الآثار» (١)، فقال: «باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا معًا». ثم ذكر حديث أبي الصهباء، ثم قال: «فذهب قومٌ إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا معًا فقد وقعت عليها واحدة، إذا كانت في وقت سُنّة، وذلك أن تكون طاهرًا في غير جماع، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لمّا كان الله إنما أمر عبادَه أن يُطلِّقوا لوقتٍ على صفةٍ، فطلقوا على غير ما أمرهم به، لم يقع طلاقهم، ألا ترى لو أن رجلاً أمر رجلاً أن يُطلق امرأته في وقتٍ، فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة، فطلقها على غير تلك الشريطة: أن طلاقه لا يقع؛ إذ كان قد خالف ما أُمر به». ثم ذكر حُجج الآخرين، والجواب عن حُجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدِّين في إنصاف مُخالفيهم، والبحث معهم، ولم يَسْلُك طريق جاهل ظالم مُعتدٍ، يَبرُك على رُكبتيه، ويُفَجِّر عينيه، ويَصولُ بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فَهْمه، ويقول: القول بهذه المسألة كفر، يوجب ضرب العنق، لِيَبْهَتَ خَصْمه، ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله سبحانه عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عمَّا قاله سائل. الوجه السابع عشر: أن شيخنا ﵀ حكى عن جَدِّه أبي البركات: أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرًّا، وقال في بعض مصنفاته (٢): هذا قول بعض

стр. 608

أصحاب مالك، وأبى حنيفة، وأحمد. قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم. وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه محمد بن مقاتل، من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة. وأما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جَدِّه بذلك أحيانًا و إلا فلم أقفْ على نقل عن أحد منهم. الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن المتيطيّ (١) في «وثائقه» ــ وقد ذكر الخلاف في المسألة ــ ثم قال: «ومن بعض حججهم أيضًا في ذلك: أن الله أمر بتفريق الطلاق، بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وإذا جمع الإنسان ذلك في كلمة كان واحدة، وكان ما زاد عليها لغوًا، كما جعل مالك ﵀ الذي رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرةً واحدةً»، وبنَى عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: «وممن نصر هذا القول من أهل الفُتيا بالأندلس: أصبغُ بن الحباب، ومحمد بن بَقِيٍّ، ومحمد بن عبد السلام الخُشني، وابن زِنْباع، مع غيرهم من نظرائهم». هذا لفظه. الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القُرْطُبي صاحب كتاب «مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام» ذكر الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة، حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك نفسه، وذكر مَنْ كان يُفتي بها من المالكية، والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جدًّا، ونحن نذكر

стр. 609

نصّه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن (١) مُغيث، ثم نُتْبعه كلامه؛ ليُعْلَم أن النقل بذلك معلوم مُتَدَاوَل بين أهل العلم، وأن من قَصُرَ في العلم باعُه، وطال في الجهل والظلم ذراعُه، يُبادر إلى التكفير والعقوبة جهلاً منه وظلمًا، ويَحِقّ له، وهو الدعيّ في العلم (٢) ليس منه أقربَ رُحْمًا. قال ابن هشام: «قال ابن مُغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة. فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي نَدب الشرع إليه، وطلاق البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها في حيضٍ أو نفاسٍ أو ثلاثًا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلِّق، كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله «ثلاثًا» لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرًا عما مضى، فيقول طلقت ثلاثًا، يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، كان كاذبًا. وكذلك لو حلف بالله ثلاثًا يُرَدِّد الحَلِفَ كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثًا لم يكن حلف إلا يمينًا واحدة، والطلاق مثله. ومثله قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، رُوِّينا ذلك كله عن ابن وَضّاح.

стр. 610

وبه قال من شيوخ قرطبة: ابن زِنباع شيخُ هُدًى، ومحمد بن بَقِيِّ بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد السلام الخُشَني فقيه عصره، وأصْبَغُ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قُرْطُبة. وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فَرّق في كتابه لفظ الطلاق، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يريد أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف، وهو الرجعة في العدة، ومعنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع نَدَمٌ منهما، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، يريد الندَمَ على الفرقة، والرغبةَ في المراجعة. ومُوقعُ الثلاث غيرُ محسن؛ لأنه ترك المندوحة التي وسّع الله تعالى بها ونَبّه عليها، فذكر الله لفظ الطلاق مُفَرَّقًا، فدلَّ على أنه إذا جُمع أنه لفظ واحد. فتدبَّرْه. وقد يخرج من غير ما مسألة من الرواية (١) ما يدل على ذلك، من ذلك قول الرجل: مالي صدقة في المساكين، أن الثلث من ذلك يجزئه. هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه. أفَتَرى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارًا مباحةً دماؤهم؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾! بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدِّين، وذنبهم عند أهل العمى أهل التقليد: كونهم لم يرضَوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون، وردُّوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله.

стр. 611

وَتِلْكَ شَكاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (١) الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر داود وأصحابه، وذَنْبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنّة نبيهم، ونبذُهم القياسَ وراء ظهورهم، فلم يعبأوا به شيئًا. وخالفهم أبو محمد بن حَزْم في ذلك، فأباح جمع الثلاث وأوقعها (٢). فهذه عشرون وجهًا في إثبات النزاع في هذه المسألة، بحسب بضاعتنا المُزْجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير. وقد حكى ابن وَضّاح وابن مُغيث ذلك عن علي، وابن مسعود، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شكٍّ عن ابن مسعود، وعلي، وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصحّ عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم نَعُدّ ما حُكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعدّ ما وقفنا عليه في مواضعه، ونعزوه إليها، وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين المحدَّث المُلْهَم، الذي أُمِرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتطعنون به

стр. 612

أنه كان يرى رسول الله ﷺ وخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة، مع أنه أيسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ثم يَعْمِد إلى مخالفة ذلك برأيه، ويُلزم الأمة بالثلاث من قِبل نفسه، فيُضيِّق عليهم ما وسَّعه الله تعالى، ويُعسِّر ما سَهّله، ويَسُدّ ما فتحه، ويُحرج ما فَسَحه، ثم يُتابعه على ذلك أكابر الصحابة، ويوافقونه، ولا يخالفونه؟ ثم هَبْ أنهم خافوا منه في حياته، وكلّا فإنه كان أتقى لله من ذلك، وكان إذا بيّنت له المرأةُ ما خَفِي عليه من الحق رجع إليه، وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق، وأن يمسكوا عنه خوفًا من عمر ﵁. فقد دار الأمر بين القَدْح في عمر ﵁ والصحابة معه، وبين رَدِّ تلك الأحاديث: إما لضعفها، وإما لنَسْخها، وخفي علينا الناسخ، وإما بتأويلها وحَمْلها على مَحمِل يصحّ، ولا ريب أن هذا أولى لِتَوْفية حَق الصحابة ﵃، الذين هُمْ أعلم بالله تعالى ورسوله ﷺ مِن جميع مَنْ بعدَهم. قيل: لعَمْرُ الله، وإن هذا لسؤالٌ يُورِد أمثالَه أهلُ العلم، وإنه ليحتاج إلى جواب شافٍ كافٍ، فنقول: الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومَنْ وافقه، وطائفة اعتذرت عن عمر ﵁، ولم تردَّ الأحاديث. فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المقدّرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا

стр. 613

اجتهاد يخالف ما وُضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالاً، كمقادير التّعْزيراتِ، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشارع يُنوِّعُ فيها بحَسْبِ المصلحة: فشرعَ التعزيرَ بالقَتْلِ لمدمِن الخمر في المرَّة الرابعة (١). وعَزَمَ على التعزير بتَحْريق البيوت على المتخلِّف عن حضور الجماعة (٢)، لولا ما منعه من تَعَدِّي العقوبة إلى غير مَنْ يَستَحِقّها من النساء والذّرية. وعَزّرَ بحِرْمان النصيب المستحَق من السّلَب (٣). وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شَطْرِ ماله (٤). وعَزّر بالعقوبات المالية في عدّة مواضع. وعَزّر مَنْ مَثّل بعَبْدِه بإخراجه عنه وإعتاقه عليه (٥).

стр. 614

وعَزّر بتَضْعِيف الغُرْم على سارق ما لا قَطْع فيه، وكاتم الضالّة (١). وعزّر بالهجر ومَنْع قربان النساء (٢). ولم يُعرف أنه عَزّر بدِرّة، ولا حَبْسٍ، ولا سَوْطٍ، وإنما حَبَس في تُهمةٍ لِيتبيّن حال المتهم (٣). وكذلك أصحابه، تنوّعوا في التعزيرات بعده: فكان عمر ﵁ يَحلق الرأس، وينفي، ويضرب، ويُحرّق حوانيت الخمَّارين، والقرية التي تُباع فيها الخمر، وحرّق قصر سعدٍ بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية (٤). وكان له رضي الله تعالى عنه في التعزير اجتهادٌ وافقه عليه الصحابة

стр. 615

لكمال نُصْحه، ووفور عِلْمِه، وحسن اختياره للأمّة، وحدوث أسبابٍ اقتضت تَعْزيره لهم بما يَرْدَعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله ﷺ إذ كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتايعوا فيها. فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر، وتتايعوا فيه، وكان قليلاً على عهد رسول الله ﷺ ، جعله عمر ﵁ ثمانين، ونفى فيه (١). ومن ذلك: اتخاذه دِرّة يضرب بها من يستحقُّ الضرب (٢). ومن ذلك: اتخاذه دارًا للسَّجن (٣). ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شَعْرها (٤). وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثيرٍ من الناس الأحكامُ الثابتة اللازمة

стр. 616

التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودًا وعدمًا. ومن ذلك: أنه ﵁ لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبةً لهم، ليكفّوا عنها. وذلك إما من التعزير العارض الذي يُفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس، وينفى عن الوطن، وكما منع النبي ﷺ الثلاثة الذين خُلِّفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم. فهذا له وجه. وإما ظنًّا أن جعل الثلاث واحدةً كان مشروطًا بشرطٍ، وقد زال، كما ذهب إلى ذلك في مُتْعة الحج، إما مُطلقًا، وإما مُتعة الفسخ. فهذا وجهٌ آخر. وإما لقيام مانع قام في زمنه، منعَ (١) من جعل الثلاث واحدة، كما قام عنده مانعٌ من بَيْع أمّهات الأولاد (٢)، ومانعٌ من أخذ الجزية من نصارى بني تَغْلِب (٣)، وغير ذلك. فهذا وجه ثالث. فإن الحكم ينتفي لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه، والإلزام بالفرقة فسخًا أو طلاقًا لمن لم يَقُم بالواجب: مما يسوغ فيه الاجتهاد. لكن تارة يكون حقًّا للمرأة، كما في العِنّةِ، والإيلاء، والعجز عن النفقة، والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك، وتارة يكون حقًّا للزوج، كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه، أو كماله، وتارة يكون حقًّا لله تعالى، كما في

стр. 617

تفريق الحَكَمين بين الزوجين عند من يجعلهما وكيلين، وهو الصواب، وكما في وقوع الطلاق بالمُولِي إذا لم يَفِئْ في مدة التربّص عند كثير من السلف والخلف. وكما قال بعض السلف ووافقهم عليه بعض أصحاب أحمد ﵀: أنهما إذا تطاوعا على الإتيان في الدّبر فُرِّق بينهما. وقريب من ذلك: أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما يراه من مصلحة الولد، فعليه أن يطيعه، كما قاله أحمد ﵀ وغيره. واحتجوا بأن النبي ﷺ أمر عبد الله بن عمر أن يطيع أباه، لمّا أمره بطلاق زوجته (١). فالإلزام إما من الشارع وإما من الإمام بالفرقة، إذا لم يَقُمِ الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد. وأصل هذا أن الله لما كان يُبْغِض الطلاق، لما فيه من كسْرِ الزوجة، وموافقة رضا عَدُوِّه إبليس، حيث يفرحُ بذلك، ويلتزمُ مَنْ يكون على يديه من أولاده، ويُدنيه منه، ومُفارقة طاعته بالنكاح الذي هو واجبٌ أو مستحب، وتعريض كلٍّ من الزوجين للفجور والمعصية، وغير ذلك من مفاسد الطلاق، وكان مع ذلك قد يحتاج إليه الزوج أو الزوجة، وتكون المصلحة فيه= شَرعه على وجْهٍ تحصلُ به المصلحة، وتَنْدفع به

стр. 618

المفسدة، وحَرّمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه وأقومها لمصلحة الزوج والزوجة. فشرع له أن يطلقها طاهرًا من غير جماع طَلْقة واحدةً، ثم يَدَعها حتى تنقضي عِدّتها، فإن زال الشر بينهما وحصلت الموافقة كان له سبيل إلى لَمِّ الشَّعَثِ، وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى انقضت عدتها، فإن تبعتها نفسه كان له سبيل إلى خِطْبتها، وتجديد العقد عليها برضاها، وإن لم تتبعها نفسه تركها، فنكحت من شاءت. وجعل العِدّة ثلاثة قُروء، ليطول زَمَنُ المُهْلة والاختيار. فهذا هو الذي شرعه وأذن فيه. ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضي بالفسخ والافتداء، فإذا طلقها مرة بعد مرة بقي له طلقةٌ واحدة، فإذا طلقها الثالثة حَرّمها عليه عقوبة له، ولم يحِلّ له أن ينكحها حتى تنكح زوجًا غيره، ويدخل بها، ثم يفارقها بموت أو طلاق. فإذا علم أن حبيبه تصير إلى غيره، فيحظى به دونه، أمسك عن الطلاق. فلما رأى أميرُ المؤمنين أن الله سبحانه عاقَب المطلِّق ثلاثًا بأن حال بينه وبين زوجته، وحَرّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره= علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرِّم، وبُغضه له، فوافقه أمير المؤمنين ﵁ في عقوبته لمن طلّق ثلاثًا جميعًا بأن ألزمه بها، وأمضاها عليه. فإن قيل: فكان أسهلَ من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الطلاق الثلاث، ويحرِّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب مَنْ فعله؛ لئلا يقع المحذور الذي يترتب عليه. قيل: نعم لَعَمْرُ الله، قد كان يمكنه ذلك، ولذلك ندم عليه في آخر أيامه،

стр. 619

وَوَدّ أنه كان فعله. قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر» (١): أخبرنا أبو يَعْلَى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن (٢) أبي مالك، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ما نَدِمتُ على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حَرّمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح. ومن المعلوم أنه ﵁ لم يكن مرادُه تحريمَ الطلاق الرجعي الذي أباحه الله تعالى، وعُلِم بالضرورة من دين رسول الله ﷺ جوازُه، ولا الطلاق المحرَّم الذي أجمع المسلمون على تحريمه، كالطلاق في الحيض، وفى الطهر المجامَع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر ﵁ أراده. فتعين قطعًا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث، فعُلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! وهذا كالصريح في أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه لأن المطلّق كانت له فُسْحَة من الله تعالى في التفريق، فرغب عَمّا فَسَحَه الله تعالى له إلى الشدّة

стр. 620

والتغليظ، فأمضاه عمر ﵁ عليه، فلما تبين له بالأخرة ما فيه من الشر والفساد نَدِمَ على أن لا يكون حرّم عليهم إيقاع الثلاث، ومنعهم منه، وهذا مذهب الأكثرين: مالك، وأحمد، وأبي حنيفة ﵏. فرأى عمر ﵁ أن المفسدة تندفع بإلزامهم به، فلما تبيّن له أن المفسدة لم تندفع بذلك، وما زاد الأمرُ إلا شدة، أخبر أن الأوْلَى كان عُدُوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وأول خلافة عمر ﵁ أولى من ذلك كله، ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة، ولا يُصلِح الناسَ سواه. ولهذا (١) لما رغب كثير من الناس عما كان عليه الأمر في زمن رسول الله ﷺ ، احتاجوا إلى أحد أمرين (٢): إما الدخول فيما [٨٠ أ] لَعَن رسول الله ﷺ فاعلَه، وتابَع عليه اللعنة، وإما التزام الآصار والأغلال، ورؤية حبيبه حسرة. والذي شرعه الله ورسوله ﷺ ، ودلّت عليه السنة الصحيحة الصريحة: يُخَلِّص من هذا وهذا، ولكن تأبَى حكمةُ الله تعالى أن يَفْتح للظالمين المعتدين لحدوده، الراغبين عن تَقواه وطاعته، أبوابَ التيسير والفرج والسهولة؛ فإن الله سبحانه إنما جعل ذلك لمن اتّقاه، والْتزم طاعته وطاعة رسوله، كما قال تعالى في السورة التي بَيّن فيها الطلاق وأحكامه وحدوده، وما شرعه لعباده فيه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وقال فيها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وقال فيها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ

стр. 621

يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فمن طلّق على غير تقوى الله كان حقيقًا أن لا يجعلَ الله له مخرجًا، وأن لا يجعل له من أمره يسرًا. وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابةُ، حيث قال ابن عباس وابن مسعود (١) لمن طلّق ثلاثًا جميعًا: إنك لم تتق الله، فيجعل لك مخرجًا. وقال شُعبة (٢)، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: سُئِل ابنُ عباسٍ عن رجل طلّق امرأته مئةً، فقال: عصيتَ ربك، وبانتْ منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. وقال الأعمش (٣) عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس: أن رجلاً أتاه، فقال: إن عَمِّي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمَّك عصى الله فأندمه الله تعالى، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، فقال: أفلا يُحلِّلها له رجل؟ فقال: مَنْ يُخادعِ الله يَخْدَعْه. والله تعالى قد جَرَتْ سُنَّته في خلقه بأن يُحرِّم الطيبات شرعًا وقَدرًا على من ظَلَم وتعدّى حدوده، وعصى أمره، وأن يُيسِّر للعُسْرَى مَنْ بَخِلَ بما أمرَهُ به فلم يفعله، واستغنى عن طاعته باتباع شهوته وهواه، كما أنه سبحانهُ يُيسِّر لليُسْرَى مَنْ أعطَى واتّقى، وصدّق بالحُسْنَى. فهذا نهاية إقدام الناس في باب الطلاق.

стр. 622

يبقى أن يقال: فإذا خفيَ على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يُفَرِّقوا بين الحلال والحرام منه جهلاً، وأوقعوا الطلاق المحرّم يظنونه جائزًا، هل يَسْتَحِقّون العقوبة بالإلزام به؛ لكونهم لم يتعلموا دينهم الذي أمرهم الله تعالى به، وأعرضوا عنه، ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؟ وماذا يحرم عليهم منه؟ أم يُقال: لا يستحقون العقوبة؛ لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعًا ولا قدرًا إلا بعد قيام الحجة، ومخالفة أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؟ وأجمعَ الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم، متعمدٍ لارتكاب أسبابها، والتعزيراتُ مُلْحَقة بالحدود. فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبي ﷺ : «التائبُ من الذنبِ كَمَنْ لا ذنبَ له» (١)، فمن طلّق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلاً، ثم علمَ

стр. 623

به فندم وتاب، فهو حقيق بأن لا يُعاقَب، وأن يُفْتَى بالمخرج الذي جعله الله تعالى لمن اتّقاه، ويُجعَل له من أمره يُسرًا. والمقصود أن الناس لابدّ لهم في باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون منها: أحدها: باب العلم والاعتدال الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ ، وشرعه للأمة، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم. والثاني: باب الآصار والأغلال الذي فيه من العُسْرِ والشدّة والمشقة ما فيه. والثالث: باب المكر والاحتيال الذي فيه من الخداع والتحيّل، والتلاعب بحدود الله تعالى، واتخاذ آياته هُزُوًا، ما فيه. ولكل باب من المطلِّقين وغيرهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ. فصل ومن مكايده التي كاد بها الإسلام وأهله: الحِيَلُ، والمكر، والخداع [٨٠ ب] الذي يتضمن تحليلَ ما حَرّمه الله، وإسقاط ما فَرضه، ومضادّتَه في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذَمّه. فإن الرأي رأيان: رأيٌ يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، فهو الذي اعتبره السلف وعملوا به. ورأيٌ يخالف النصوص، وتشهدُ له بالإبطال والإهْدار، فهو الذي ذَمُّوه وأنكروه.

стр. 624

وكذلك الحيل نوعان: نوع يُتَوَصَّل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلُّص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي. فهذا النوع محمودٌ يُثاب فاعله ومُعَلِّمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرّمات، وقلب المظلوم ظالمًا والظالم مظلومًا، والحق باطلًا والباطل حقًا. فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمّه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. وقال الإمام أحمد ﵀: لا يجوز شيءٌ من الحيل في إبطال حق مسلم. وقال الميموني: قلت لأبى عبد الله: من حلف على اليمين ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحيلة؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز، قلت: أليس حيلتنا فيها أن نَتَّبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولًا في شيء اتَّبعناه؟ قال: بلى، هكذا هو، قلت: أوَليس هذا منا نحن حيلةً؟ قال: نعم. فبيّن الإمام أحمد: أن مَن اتبع ما شُرع له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي عُلّقت بها الأحكام، ليس بمحتالٍ الحيل المذمومة، وإن سُميت حيلة، فليس الكلام فيها. وغرضُ الإمام أحمد بهذا: الفرقُ بين سلوك الطريق المشروعة التي شُرعت لحصول مقصود الشارع، وبين الطريق التي تُسلك لإبطال مقصوده. فهذا هو سِرّ الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن في النوع الثاني.

стр. 625

قال شيخنا (١) ﵀: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه: الوجه الأول: قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨، ٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال في أهل العهد: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، فأخبر أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون، وأن الله تعالى خادعُ مَنْ خدعه، وأنه يكفي المخدوع شَرَّ مَنْ خدعه. والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة، بإظهار الخير مع إبطان خلافه، لتحصيل مقصود المخادع، وهذا موافق لاشتقاق اللفظ في اللغة، فإنهم يقولون: طريق خَيْدَع، إذا كان مخالفًا للقصد لا يُشعَر به، ولا يُفطن له، ويقال للسراب: الخيدع، لأنه يَغُرّ من يراه، وضَبٌّ خَدِع أي: مراوغ، كما قالوا: أخْدَعُ من ضَبٍّ، ومنه: «الحرْب خَدْعة» (٢)، وسوق خادعةٌ أي: متلونة، وأصله: الإخفاءُ والسَّتر، ومنه سميت الخِزانة مُخْدَعًا. فلما كان القائل: «آمنت» مُظهرًا لهذه الكلمة، غير مريد حقيقتها المطلوبة شرعًا، بل مريدًا لحكمها وثمرتها فقط مُخادعًا= كان المتكلم بلفظ بعْتُ، واشتريت، وطلقت، ونكحت، وخالعت، وآجرت، وساقيت،

стр. 626

وأقرضت ــ غير مريد لحقائقه الشرعية المطلوبة منها، بل مريدًا لأمور أخرى غير ما شُرِعت له، أو ضدّ ما شُرِعت له ــ مخادعًا. ذاك مخادعٌ في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه. قال شيخنا (١) ﵀: وهذا ضرب من النفاق في آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين. يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن منصور (٢) عن ابن عباس ﵄: أنه جاءه رجل، فقال: إن عَمي طلق امرأته ثلاثًا، أيُحِلّها له رجل؟ فقال: مَنْ يُخادعِ الله يخدعْه. وعن أنس (٣) بن مالك (٤): أنه سئل عن العِينَة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله تعالى لا يُخْدَع، هذا ما حرّم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بِمُطَيَّن في كتاب «البيوع» له. وعن ابن عباس (٥): أنه سئل عن العِينة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يُخْدَع، هذا ممّا حرّم الله تعالى ورسوله. رواه الحافظ أبو محمد النَّخْشَبِيُّ.

стр. 627

فسمى الصحابةُ من أظهر عقد التبايع ومقصودُه به الربا خداعًا لله، وهم المرجوع إليهم في هذا الشأن، والمعوَّل عليهم في فَهْم القرآن. وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثًا: لا يُحِلُّها إلا نكاح رَغْبة، لا نكاح دُلْسة. قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة. وقال أيوب السَّخْتِيَاني (١) في المُحْتالين: يُخادعون الله كما يخادعون الصبيان، فلو أتَوْا الأمر عِيانًا كان أهون عليّ. وقال شَريك بن عبد الله القاضي في «كتاب الحيل»: هو «كتاب المخادعة». وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول ﷺ أنهم يريدون سِلْمه، ومقصودهم بذلك المكْرُ به من حيث لا يشعر، فيظهرون له أمانًا، ويُبطنون له خلافه، كما أن المحلل والمرابي يُظهران النكاح والبيع المقصودين، ومقصود هذا: الطلاقُ بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر: ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد من بيع الألف الحالّة بألفٍ ومئتين إلى أجل، فمخالفة ما يدلّ عليه العقد شرعًا أو عُرْفًا خَديعة. قال (٢): وتلخيص ذلك أن مُخادعة الله تعالى حرام، والحيلُ مخادعةٌ لله.

стр. 628

بيان الأول: أن الله تعالى ذَمّ المنافقين بالمخادعة، وأخبر أنه خادِعُهم، وخَدْعُه للعبد عقوبةٌ تَستَلْزِمُ فِعْلَهُ للمُحَرَّم. وبيان الثاني: أن ابن عباس وأنسًا وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا: أن التحليل ونحوه من الحيل مخادعةٌ لله تعالى، وهم أعلمُ بكتاب الله تعالى. الثاني (١): أن المخادعة إظهار شيء من الخير وإبطان خلافه، كما تقدم. الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلام ومرادُه غيره: سُمِّي مخادعًا لله تعالى، وكذلك المرائي؛ فإن النفاق والرِّياء من باب واحد، فإذا كان هذا الذي أظهر قولًا غير مُعتقدٍ ولا مُريدٍ لما يُفهم منه، وهذا الذي أظهر فعلًا غير معتقد ولا مريد لما شرع له: مخادعًا، فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين: إما إظهار فعل لغير مقصوده الذي شُرع له، أو إظهار قول لغير مقصوده الذي شُرع له، وإذا كان مشاركًا لهما في المعنى الذي به سُمِّيا مخادعين وجب أن يَشْركهما في اسم الخِداع، وعُلم أن الخداع اسمٌ لعموم الحيل، لا لخصوص هذا النفاق. الوجه الثاني (٢): أن الله سبحانه ذمّ المستهزئين بآياته، والمتكلم بالأقوال التي جعل الشارع لها حقائق ومقاصد، مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله تعالى التي يستحل بها الفروج، ومثل العهود والمواثيق التي بين المتعاقدين، وهو لا يريد بها حقائقها المقوِّمة لها، ولا مقاصدها التي جُعلت هذه الألفاظ محصِّلة لها، بل يريد أن يراجع المرأة ليضرّها ويُسيء عشرتَها،

стр. 629

ولا حاجة له في نكاحها، أو ينكحها ليحلّها لمطلِّقها لا ليتخذِّها زوجة، أو يخلعها ليلبسها، أو يبيع بيعًا جائزًا، ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله، وهو ممن اتخذ آيات الله تعالى هزوًا. يوضّحه: الوجه الثالث: ما رواه ابن ماجه (١) بإسنادٍ حسن عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله، ويستهزئون بآياته: طلقتك، راجعتك، طلقتك، راجعتك؟». فجعل المتكلم بهذه العقود غيرَ مريدٍ لحقائقها وما شُرعت له، مستهزئًا بآيات الله تعالى، متلاعبًا بحدوده. ورواه ابن بطة (٢) بإسناد جيدٍ، ولفظه: «خلعتك، راجعتك، خلعتك، راجعتك». الوجه الرابع: ما رواه النسائي (٣) عن محمود بن لبيد: أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: «أيُلَعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» الحديث، وقد تقدم. فجعله لاعبًا بكتاب الله مع قصده الطلاق، لكنه خالف وجه الطلاق، وأراد به غير ما أراد الله تعالى به؛ فإن الله أراد أن يطلِّق طلاقًا يملك فيه ردّ المرأة إذا شاء، فطلق هو طلاقًا لا يملك فيه ردّها.

стр. 630

وأيضًا فإن المرّتين والمرات في لغة القرآن والسنة، بل ولغة العرب، بل ولغات سائر الأمم، لِمَا كان مرّة بعد مرة، فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة فقد تعدّى حدود الله تعالى، وما دلّ عليه كتابه، فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتّب عليه الشارع حكمًا ضدّ ما قصده الشارع؟ الوجه الخامس: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم مما بلاهم به في سورة ﴿ن﴾؛ وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم إذا جَدُّوا نهارًا؛ بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من التمر، فأرادوا أن يجدّوا ليلًا ليسقط ذلك الحق، ولئلا يأتيهم مسكين، وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنّتهم طائفًا وهم نائمون، فأصبحت كالصّريم، وذلك لمّا تحيّلوا على إسقاط نصيب المساكين، بأن يصرموها مصبحين قبل مجيء المساكين، فكان في ذلك عبرةٌ لكل محتال على إسقاط حقٍّ من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده. الوجه السادس: أن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردةً، لمّا احتالوا على إباحة ما حرّمه الله سبحانه عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجُمعة، فلمّا وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة: ففي هذا زجرٌ عظيم لمن تعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبَّس بعلم الفقه، وهو غير فقيه؛ إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها، ليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلّوا ذلك تكذيبًا لموسى ﵇ وكفرًا بالتوراة وإنما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الاتقاء، وباطنه

стр. 631

باطن الاعتداء. ولهذا والله أعلم مُسخوا قردةً؛ لأن صورة القرد فيها شَبَهٌ من صورة الإنسان، وفى بعض ما يُذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحدّ والحقيقة، فلمّا مُسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى، بحيث لم يتمسَّكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مسخهم الله تعالى قردةً يشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة، جزاء وفاقًا. يوضِّحه: الوجه السابع: أن بني إسرائيل كانوا أكلوا الربا وأموال الناس بالباطل، كما قصّه الله تعالى في كتابه، وذلك أعظم من أكْلِ الصيد المحرّم في يوم بِعَيْنهِ، ولذلك كان الربا والظلم حرامًا في شريعتنا، والصيدُ يوم السبت غير مُحرم فيها، ثم إن أَكَلَةَ الربا وأموال الناس بالباطل لم يُعاقَبوا بالمسْخ، كما عُوقِب به مُسْتَحِلُّو الحرام بالحِيلة، وإن كانوا عُوقبوا بجنسٍ آخر، كعقوبات أمثالهم من العُصاة. فيُشبه والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جُرْمًا، إذ هم بمنزلة المنافقين، ولا يعترفون بالذنب، بل قد فَسدَت عقيدتهم وأعمالهم، كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم؛ فإن من أكل الربا والصيد المحرَّم عالمًا بأنه حرام فقد اقترن بمعصيته اعترافُه بالتحريم، وهو إيمان بالله تعالى وآياته، ويترتب على ذلك مِن خَشْيَة الله تعالى، ورَجاء مَغْفِرته، وإمكان التوبة، ما قد يُفْضِي به إلى خيرٍ ورحمة. ومَنْ أكله مُسْتحلًّا له بنوع احتيال تأوّلَ فيه فهو مُصِرٌّ على الحرام، وقد اقترن به اعتقاده الفاسد في حِلِّ الحرام، وذلك قد يُفضي به إلى شَرٍّ طويل.

стр. 632

وقد جاء ذكرُ المسخ في عِدّة أحاديث، قد تقدم بعضها في هذا الكتاب (١)، كقوله في حديث أبي مالك الأشعري الذي رواه البخاري في «صحيحه»: «ويَمسخ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة». وقوله في حديث أنس: «لَيَبيتَنّ رجالٌ على أكلٍ وشربٍ وعَزْفٍ، فيُصْبِحُون على أرائكهم ممسوخِين قِرَدَةً وخنازير». وفي حديث أبي أُمامة: «يَبيتُ قوم على شرب الخمور وضرب القِيان، فيصبحون قردةً». وحديث عائشة: «يكون في أُمتي خسف ومسخ وقذف». وفي حديث أبي أمامة أيضًا: «يبيت قوم من هذه الأمة على طُعْمٍ وشرب ولهو، فيصبحون وقد مُسِخوا قردةً وخنازيرَ». وفي حديث عِمران بن حُصين: «يكون في أمتي قَذْفٌ ومَسخٌ وخَسْفٌ». وكذلك في حديث سَهْل بن سَعْدٍ. وكذلك في حديث علي بن أبي طالب، وقوله: «فلْيَرْتَقبوا عند ذلك ريحًا حَمْراء، وخَسْفًا، ومسخًا». وفى حديثه الآخر: «تُمسخ طائفة من أمتي قِردة، وطائفة خنازير». وقوله في حديث أنس ﵁: «لَيكونَنّ في هذه الأمة خَسْفٌ وقَذْفٌ ومسخٌ». وفى حديث أبي هريرة ﵁: «يُمسخ قوم من هذه الأمة في آخر

стр. 633

الزمان قِرَدةً وخنازير»، قالوا: يا رسول الله! أليس يَشْهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ قال: «بلى، ويصومون، ويصلون، ويحجون»، قالوا: فما بالُهم؟ قال: «اتخذوا المعازف والدفوف والقَيْناتِ، فباتوا على شُرْبهم ولَهْوِهم، فأصبحوا وقد مُسِخوا قِردةً وخنازير». وفى حديث جُبير بن نُفَير (١): «لَيُبْتَلَيَنّ آخِرُ هذه الأمة بالرّجْفِ، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا عاد الله تعالى عليهم بالرّجْفِ، والقَذْفِ، والمسخ، والصواعق». وقال سالم بن أبي الجَعْد: ليأتينّ على الناس زمانٌ يجتمعون فيه على باب رجل، ينظرون أن يخرج إليهم فيطلبوا إليه الحاجة، فيخرج إليهم، وقد مُسِخَ قردًا أو خنزيرًا، ولَيَمُرّنّ الرجل على الرجل في حانوته يبيعُ، فيرجع إليه وقد مُسخَ قردًا أو خنزيرًا. وقال أبو الزاهرية: لا تقومُ الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيُمسخ أحدهما قردًا أو خنزيرًا، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك، حتى يقضي شَهْوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيُخْسَف بأحدهما، فلا يَمنَع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك، حتى يقضي شهوته منه. وقال عبد الرحمن بن غَنْمٍ: يوشك أن يقعد اثنان على ثِفالِ رَحًى يطحنان، فيُمْسخ أحدُهما، والآخرُ ينظر.

стр. 634

وقال مالك بن دينار: بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظُلَم، فيفزعُ الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مُسخوا. وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها بأسانيدها: ابنُ أبي الدنيا في كتاب «ذَمِّ الملاهي» (١). ف المسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة ولا بدّ، وهو واقعٌ في طائفتين: - علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه، فقلبَ الله تعالى صُورَهم، كما قلبوا دينه. - والمجاهرين المتَهَتِّكين بالفسق والمحارم. ومن لم يُمْسَخْ منهم في الدنيا مُسخ في قَبره، أو يوم القيامة. وقد جاءَ في حديثٍ الله أَعلم بحاله: «يُحشر أكَلَة الربا يوم القيامة في صورة الخنازير والكلاب» (٢)؛ من أجلِ حيلتهم على الربا، كما مُسخ أصحاب داود لاحتيالهم على أخذ الحيتان يوم السبت. وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديث كثيرة. قال شيخنا (٣) ﵀: «وإنما ذاك إذا استحلُّوا هذه المحرَّمات

стр. 635

بالتأويلات الفاسدة؛ فإنهم لو استحلّوها مع اعتقاد أن الرسول ﷺ حرَّمها كانوا كفارًا، ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ، كسائر الذين يفعلون هذه المعاصي مع اعترافهم بأنها معصية، ولَمَا قيل فيهم: يَسْتَحِلّون، فإن المستحل للشيء هو الذي يفعله معتقدًا حِلّه، فيُشْبِهُ أن يكون استحلالهم للخمر يعني به: أنهم يُسَمّونَها بغير اسمها، كما جاء (١) في الحديث، فيشربون الأنبذة المحرّمة، ولا يسمونها خمرًا، واستحلالُهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجردُ سمع صوت فيه لَذّة، وهذا لا يحرُم كأصوات الطيور، واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال في بعض الصور، كحال الجرب وحال الحكّة ونحوهما، فيقيسون عليه سائر الأحوال، ويقولون: لا فرق بين حالٍ وحال وهذه التأويلات ونحوها واقعة في الطوائف الثلاثة، الذين قال فيهم عبد الله بن المبارك ﵀: وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلا الملُوكُ ... وَأحْبَارُ سَوءٍ ورُهْبَانُها (٢) ومعلوم أنها لا تُغني عن أصحابها من الله شيئًا، بعد أن بَلّغ الرسول ﷺ ، وبيّن تحريم هذه الأشياء بيانًا قاطعًا للعذرِ، مُقيمًا للحجة. والحديث الذي رواه أبو داود (٣) بإسناد صحيح من حديث
следующие страницы →