فيشِذّ عنهم بروايته. فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به، لم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذًّا، وإن اصْطُلِحَ على تسميته شاذًّا بهذا المعنى لم يكن الاصطلاح موجِبًا لردِّه، ولا مُسَوِّغًا له.
قال الشافعي (١) ﵀: وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات.
قاله في مناظرته لبعض من ردّ الحديث بتفرُّد الراوي به.
ثم إن هذا القول لا يمكن أحدًا من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طَردُه، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم.
والعجب أن الرّادِّين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بَنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن نعدّهُ.
ولمَّا رأى بعضُهم ضعف هذه المسالك (٢)، وأنها لا تجدي شيئًا: استروح إلى تأويله، فقال: معنى الحديث أن الناس كانوا يطلِّقون على عهد رسول الله، وأبي بكر، وعمر واحدةً، ولا يوقعون الثلاث، فلما كان في أثناء خلافة عمر ﵁ أوقعوا الثلاث، وأكثروا من ذلك، فأمضاه عليهم عمر ﵁ كما أوقعوه، فقوله: كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة؛ أي: في التطليق وإيقاع المطلِّقين، لا في حكم الشرع.
قال هذا القائل: وهذا من أقوى ما يُجاب به، وبه يزول كل إشكال.
стр. 562
ولَعَمْرُ الله، لو سكت هذا كان خيرًا له وأستر؛ فإن هذا المسلك من أضعف ما قيل في الحديث، وسياقُه يبين بطلانه بيانًا ظاهرًا لا إشكال فيه، وكأن قائله أحبّ الترويج على قوم ضعفاء العلم، مُخلِدين إلى حَضيض التقليد، فروّج عليهم مثل هذا.
وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث، ولم يُعْنَ بِطُرُقه؛ فقد ذكرنا من بعض ألفاظه قول أبي الصهباء لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وصدرًا من إمارة عمر ﵁؟ فأقرّ ابن عباس بذلك، وقال: نعم.
وأيضًا فقول هذا المتأول: إنهم كانوا يُطلِّقون على عهد رسول الله ﷺ واحدة؛ فقد نقضه هو بعينه وأبطله، حيث احتجّ على وقوع الثلاث بحديث الملاعِن (١)، وحديث محمود بن لبيد: أن رجلًا طلق امرأته على عهد النبي ﷺ ثلاثًا، فغضب النبي ﷺ وقال: «أيُلعَبُ بكتاب الله، وأنا بين أظهُركُم؟» (٢)؛ ثم زاد هذا القائل في الحديث زيادة من عنده، فقال: «وأمضاه عليه، ولم يَرُدّه».
وهذه اللفظة موضوعة، لا تُروى في شيء من طرق هذا الحديث البَتّة، وليست في شيء من كتب الحديث، وإنما هي من كِيس هذا القائل، حمله عليها فَرْطُ التقليد.
стр. 563
ومحمود بن لَبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك، من إمضاءٍ أو ردٍّ إلى واحدة.
والمقصود أن هذا القائل تناقضَ، وتأول الحديث تأويلًا يُعلم بطلانه من سياقه.
ومن بعض ألفاظه: أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر يُرد إلى الواحدة، وهذا موافق للَّفظ الآخر: كان إذا طلق امرأته ثلاثًا جعلوها واحدةً، وجميع ألفاظه متفقة على هذا المعنى، يفسر بعضها بعضًا.
فجعل هذا وأمثالُه المُحْكَم مُتشابهًا، والواضح مُشْكِلًا!
وكيف يصنع بقوله: فلو أمضيناه عليه، فإن هذا يدل على أنه رأي من عمر ﵁ رآه أن يُمضيه عليهم لتتايُعهم فيه، وشدِّهم على أنفسهم ما وسَّعه الله عليهم، وجمعهم ما فَرّقه، وتطليقهم على غير الوجه الذي شرعه، وتعدِّيهم حدوده.
ومن كمال علمه ﵁: أنه علم أن الله لم يجعل المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده، وهؤلاء لم يتَّقوه في الطلاق، ولم يراعوا حدوده، فلا يستحقون المخرج الذي ضمنه لمن اتقاه.
ولو كان الثلاث تقع ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ ، وهو دينه الذي بعثه الله تعالى به، لم يُضِف عمر ﵁ إمضاءه إلى نفسه، ولا كان يصح هذا القول منه، وهو بمنزلة أن يقول في الزنى، وقتل النفس، وقذف المحصنات: لو حرّمناه عليهم، فحرَّمه عليهم، وبمنزلة أن يقول في وجوب الظهر والعصر، ووجوب صوم شهر رمضان، والغُسْلِ من الجنابة: فلو فرضناه عليهم، ففرضه عليهم.
стр. 564
فدعوا هذه التأويلات المستكرهة، التي كلما نظر فيها طالب العلم ازداد بصيرةً في المسألة، وقويَ جانبها عنده؛ فإنه يرى أن الحديث لا يُردُّ يمثل هذه الأشياء.
وقد سلك أبو عبد الرحمن النسائي في «سننه» (١) في الحديث مسلكًا آخر، فقال: «باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة»، ثم ساقه، قال: «حدثنا أبو داود: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس! ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر تُردّ إلى الواحدة؟ قال: نعم».
وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث: وجدتها لا تدلُّ عليها، ولا تُشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون، والحديث لون آخر، وكأنه لما أشكل عليه وجه الحديث حمله على ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طَلُقَتْ واحدة.
ومعلومٌ أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، ثم يتغير في خلافة عمر ﵁، ويُمضي الثلاث بعد ذلك على المطلِّق، والحديث لا يندفع بمثل هذا البتّة.
وسلك آخرون في الحديث مسلكًا آخر، فقالوا: هذا حديث يخالف أصول الشرع، فلا يُلتفت إليه.
стр. 565
قالوا: لأن الله سبحانه ملّك الزوج ثلاث تطليقات، وجعل إيقاعها إليه، فإن قلنا بقول الشافعي ومن وافقه: إن جمع الثلاث جائز، فقد فعل ما أُبيح له، فيصح (١). وإن قلنا: جمع الثلاث حرام، وهو طلاق بِدْعِيّ، فالشارع إنما ملكه تفريق الثلاث فُسْحةً له، فإذا جمعها فقد جَمع ما فُسح له في تفريقه، فلزمه حكمه كما لو فرّقه.
قالوا: وهذا كما أنه يملك تفريقَ المطلَّقات وجمعهنّ، فكذلك يملك تفريق الطلاق وجمعه، فهذا قياس الأصول، فلا نُبطله بخبر الواحد.
قال الآخرون: هذا القياس لا يصلح أن يَثْبُتَ به هذا الحكم، لو لم يُعارَض بنص، فَضْلًا عن أن يقدَّم على النص، وهو قياس مخالف لأصول الشرع، ولغة العرب، وسُنة رسول الله ﷺ ، وعمل الصحابة في عهد الصِّدِّيق.
فأما مخالفته لأصول الشرع: فإن الله سبحانه إنما ملَّك المطلِّق بعد الدخول طلاقًا يملك فيه الرجعة، ويكون مخيّرًا فيه بين الإمساك بالمعروف وبين التسريح بالإحسان، ما لم يكن بعِوَضٍ، أو يستوفي فيه العِدَد، والقرآن قد بيّن ذلك كله؛ فبيّن أن الطلاق قبل الدخول تَبِينُ به المرأة، ولا عِدة عليها، وبيّن أن المفتدية تملك نفسها، ولا رجعة لزوجها عليها، وبين أن المطلَّقة الطَّلْقةَ المسبوقة بطلقتين قبلها تَبين منه وتحرم عليه، فلا تَحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وبَيّن أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزَّوج فيه الرجعة، وهو مخيّر فيه بين الإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان.
стр. 566
وهذا كتاب الله قد تضمَّن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل أحكامها من لوازمها التي لا تنفكّ عنها، فلا يجوز أن تتغيّر أحكامها البتة، فكما لا يجوز في الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرّجعة، وتجب به العِدّة، ولا في الطلقة المسبوقة بطلقتين أن يثبت فيها الرّجعة، وأن تُباح بغير زوجٍ وإصابةٍ، ولا في طلاق الفِدية أن تثبت فيه الرجعة، فكذلك لا يجوز في النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه، فيقع على وجهٍ لا تثبت فيه الرجعة؛ فإنه مخالفٌ لحكم الله تعالى الذي حكم به فيه، وهذا صفة لازمة له، فلا يكون على خلافها البتة.
ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك، فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا وشرع فيه الرجعة، إلا الطلاق قبل الدخول، وطلاق الخُلع، والطلقةَ الثالثة، فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شيء غير هذا فأوجِدُونا إياه.
ومما يوضح ذلك: أن جمهور الفقهاء من الطوائف الثلاثة احتجوا على الشافعي في تجويزه جمع الثلاث بالقرآن، وقالوا: ما شرع الله سبحانه جمعَ الطلاق الثلاث، وما شرع الطلاق بعد الدخول بغير عوض إلا شرع فيه الرجعة؛ ما لم يستوفِ العدد.
واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قالوا: ولا يُعقل في لغة من لغات الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة.
فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وقوله ﷺ : «ثلاثةٌ يُؤتَوْنَ أجْرَهُم مَرتين» (١).
стр. 567
فأجابهم الآخرون بأن المرَّتين والمرَّات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان تارة، وأكثر ما تستعمل في الأفعال، وأما الأعيان فكقوله في الحديث: «انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله ﷺ مرتين» (١)، أي: شِقّتين وفِلقتين. ولمَّا خفي هذا على من لم يُحِطْ به علمًا زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين، وهذا مما يعلم أهل الحديث ومن له خِبرة بأحوال الرسول ﷺ وسيرته أنه غلط، وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة، ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله «مرتين» المرة الزمانية.
إذا عُرف هذا فقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وقوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] أي: ضعفين؛ فيؤتون أجرهم مضاعفًا، وهذا يمكن اجتماع المرتين منه في زمان واحد.
وأما المرَّتان من الفعل فمحالٌ اجتماعهما في زمن واحد؛ فإنهما مِثلان، واجتماعُ المثلين محال، وهو نظير اجتماع حَرفين في آنٍ واحدٍ من متكلمٍ واحدٍ، وهذا مستحيل قطعًا، فيستحيل أن يكون مرّتا الطلاق في إيقاع واحد.
ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رَمَى الجمار بسبع حصَيات جُملةً: أنه غير مُؤَدٍّ للواجب عليه، وإنما يُحسَب له رَمي حصاةٍ واحدة، فهي رميةٌ لا سبع رميات.
واتفقوا كلهم على أنه لو قال في اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أني صادق، كانت شهادة واحدة.
وفى الحديث الصحيح: «من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مئة مرة
стр. 568
حُطَّتْ عنه خطاياه، ولو كانت مثل زَبد البحر» (١). فلو قال: «سبحان الله وبحمده مئة مرة» هذا اللفظ لم يستحقَّ الثواب المذكور، وكانت تسبيحةً واحدة.
وكذلك قوله: «تسبِّحون الله دُبُر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون ثلاثًا وثلاثين، وتكبرون أربعًا وثلاثين» (٢). لو قال: «سبحان الله ثلاثًا وثلاثين» لم يكن مُسَبِّحًا هذا العدد، حتى يأتي به واحدة بعد واحدة.
ونظائر ذلك في الكتاب والسنة أكثر من أن تُذْكَر.
قالوا: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إما أن يكون خبرًا في معنى الأمر؛ أي: إذا طلقتم فطلقوا مرتين، وإما أن يكون خبرًا عن حُكمه الشرعي الديني؛ أي: الطلاق الذي شَرَعْتُه لكم وشرعتُ فيه الرجعة: مرتان. وعلى التقديرين: إنَّما يكون ذلك مرّة بعد مرة، فلا يكون مُوقِعًا للطلاق الذي شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة، ولا يكون موقعًا للمشروع بقوله: أنت طالق ثلاثًا، ولا مرتين.
قالوا: ويوضح ذلك أنه حصر الطلاق المشروع في مرتين، فلو شَرَعَ جَمْعَ الطلاق في دَفْعةٍ واحدة لم يكن الحصر صحيحًا، ولم يكن الطلاق كله مرتان، بل كان منه مرتان، ومنه مرة واحدة تَجْمعه، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وأنه لا طلاق للمدخول بها إلا مرتان، وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك.
قالوا: ويدل عليه أن الطلاق اسم مُحلًّى باللام، وليست للعهد، بل
стр. 569
للعموم، فالمراد بالآية: كل الطلاق مرتان، والمرة الثالثة التي تُحرِّمها عليه، وتُسقِط رَجْعَتَهُ، وهذا صريح في أن الطلاق المشروع هو المتفرق؛ لأن المرات لا تكون إلا متفرقة، كما تقدم.
قالوا: ويدُلُّ عليه قول تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فهذا حكم كل طلاق شرعه الله، إلا الطلقة المسبوقة بتطليقتين قبلها؛ فإنه لا يبقى بعدها إمساك.
قالوا: ويدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، و «إذا» من أدوات العموم، كأنَّه قال: أيُّ طلاقٍ وقع منكم في أيِّ وقتٍ فحُكْمُه هذا، إلا أنَّه أخرج من هذا العموم الطَّلقة المسبوقة باثنتين، [فبقي ما عداها داخلًا] [*] في لفظ الآية نصًّا أو ظاهرًا.
قالوا: ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فهذا عام في كل طلاق غير الثالثة المسبوقة باثنتين، فالقرآن يقتضي أن ترجع إلى زوجها إذا أراد في كل طلاق، ماعدا الثالثة.
قالوا: ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١، ٢]، ووجه الاستدلال
стр. 570
بالآية من وجوه:
أحدها: أنه إنما شرع أن يطلّق لعدتها، أي: لاستقبال عِدّتها، فيطلق طلاقًا يعقبه شروعها في العدة، ولهذا أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمر ﵄ لما طلق امرأته في حَيْضها أن يراجعها (١)، وتلا هذه الآية تفسيرًا للمراد بها، وأن المراد بها الطلاقُ في قُبُل العِدّة، وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر.
ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث: إنه لا يجوز له أن يُرْدِف الطلقة بأخرى في ذلك الطّهر، لأنه غير مطلق للعِدّة؛ فإن العدة قد استُقْبِلت من حين الطلقة الأولى، فلا تكون الثانية للعدة.
ثم قال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانيةً طلَّقها بعد عقدٍ أو رَجْعةٍ؛ لأن العدة تنقطع بذلك، فإذا طلقّها بعد ذلك أخرى طلقها للعدة.
وقال في رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية في الطّهر الثاني، ويطلقها الثالثة في الطهر الثالث، وهو قول أبي حنيفة. فيكون مطلقًا للعدة أيضًا؛ لأنها تَبْتَني على ما مضى.
والصحيح هو الأول، وأنه ليس له أن يُردف الطلاق قبل الرّجعة
أو العقد؛ لأن الطلاق البائن لم يكن لاستقبال العدة، بل هو طلاق لغير العدّة، فلا يكون مأذونًا فيه؛ فإن العدة إنما تُحسب من الطلقة الأولى؛ لأنه طلاق للعدة، بخلاف الثانية والثالثة.
стр. 571
ومن جعله مشروعًا قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها، وكلاهما طلاق للعدة.
وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة الطلاق لاستقبالها، كما في القراءة الأخرى التي تفسِّر القراءة المشهورة: (فَطَلِّقوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ).
قالوا: فإذا لم يُشرع إرْداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد، فأنْ لا يُشرع جمعُه معه أولى وأحْرى؛ فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه، ولهذا يُسَوِّغ الإرداف في الأطهار مَن لا يُجوِّز الجمعَ في الطهر الواحد.
وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. قال مجاهد (١): كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننتُ أنه رَادُّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأُحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس؟ وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، فما أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.
وهذا حديث صحيح. فَفَهِمَ ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرمٌ، وهذا فَهْمُ مَنْ دعا له النبي ﷺ أن يُفَقِّهه الله في الدين، ويُعَلِّمه التأويل (٢)، وهو من أحسن الفهوم كما تقرر.
стр. 572
الوجه الثاني من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، وهذا إنما هو في الطلاق الرجعى، فأما البائن فلا سُكنى لها ولا نفقة، لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة التي لا مَطعن في صحتها (١)، الصريحة التي لا شبهة في دلالتها، فدلّ على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له، ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العِوض.
وأبو حنيفة قال: يملك ذلك؛ لأن الرجعة حقّه، وقد أسقطها.
والجمهور يقولون: ثبوتُ الرجعة وإن كان حقًّا له فلها عليه حقوق الزوجية، فلا يملك إسقاطَها إلا بمخالعة أو باستيفاء العِدَدِ، كما دلّ عليه القرآن.
الوجه الثالث: أنه قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، فإذا طلقها ثلاثًا جملةً واحدةً فقد تعدّى حدود الله، فيكون ظالمًا.
الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقد فهم أعلم الأمّة بالقرآن ــ وهم الصحابة ﵃ أجمعين ــ أن الأمر هاهنا هو الرجعة، فقالوا: وأيّ أمرٍ يُحدِثُ بعد الثلاث؟
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا حكم كل طلاقٍ شرعه الله إلا أن يُسبَق
стр. 573
بطلقتين قبله، وقد احتجّ ابن عباسٍ على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُل عِدَتِهِنّ، كما تقدم؛ وهذا حق؛ فإن الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاق في طُهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم؛ لأنه يكون مُطلقًا في غير قُبُل العدّة= فلأن تدُلَّ على تحريم الجمع أولى وأحرى.
قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرْفَقها بالزوج والزوجة؛ لئلا يتسارع العبد في وقوعه، ومفارقة حبيبه، ومدَّ له وقتَ العدة أجلًا؛ لاستدراك الفارط بالرجعة.
فلم يُبِحْ له أن يُطلق المرأة في حال حيضها؛ لأنه وقت نُفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها، ولا عَقِيبَ جماعها، لأنه قد قَضى غرضه منها، وربَّما فَتَرت رغبته فيها، وزهد في إمساكها لقضاء وطره، فإذا طلقها في هاتين الحالتين ربما يندم فيما بعد هذا، مع ما في الطلاق في الحيض من تطويل العدة، وعَقِيبَ الجماع من طلاق مَن لعلها قد اشتمل رَحِمُها على ولدٍ منه، فلا يريد فراقها.
فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها؛ لطول عهده بجماعها، فلا يُقْدِمُ على طلاقها في هذه الحال إلا لحاجته إليه، فلم يُبحْ له الشارع أن يطلِّقها إلا في هذه الحال، أو في حال استبانة حملها؛ لأن إقدامه أيضًا على طلاقها في هذه الحال دليلٌ على حاجته إلى الطلاق.
وقد أكَّد النبي ﷺ هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطُّهر الذي يلي الحيضة التي طلّق فيها، بل أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن بدا له أن يُطلِّقها فلْيُطَلِّقها، وفى ذلك عدة حكَم:
стр. 574
منها: أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهي في حكم القرْء الواحد، فإذا طلقها في ذلك الطهر فكأنه طلقها في الحيضة؛ لاتصاله بها، وكونه معها كالشيء الواحد.
الثانية: أنه لو أُذن له في طلاقها في ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل الطلاق، وهذا ضِدّ مقصود الرجعة؛ فإن الله تعالى إنما شرعها للإمساك، ولَمِّ شَعَثِ النكاح، وعَود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق؛ فيكون كأنه راجع ليطلِّق، وإنما شرعت الرجعة ليُمسك. وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلِّل؛ فإن الله شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلِّل تزوج ليطلِّق، فهو مضادٌّ الله تعالى في شرعه ودينه.
الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، زال ما في نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صَلحت الحال بينهما، وأقْلعت عمّا يدعوه إلى طلاقها، فيكون تطويل هذه المدة رحمةً به وبها.
وإذا كان الشارع ملتفتًا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج، وشرَعَ الطلاق على هذا الوجه الذي هو أبعدُ شيء عن الندم، فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه بكلمةٍ واحدة، يجمع فيها ما شرعه متفرقًا، بحيث لا يكون له سبيل إليها؟ وكيف يجتمع في حكمة الشارع وحُكمه هذا وهذا؟
فهذه الوجوه ونحوها مما بيَّن بها الجمهورُ أن جمعَ الثلاث غير مشروع، هي بعينها تبيِّن عدم الوقوع، وأنه إنما يقع المشروع وحده، وهي الواحدة.
стр. 575
قالوا: فتبيَّن أنّا بأصول الشرع وقواعده أسعدُ منكم، وأن قياس الأصول وقواعد الشرع من جانبنا، وقد تأيدت بالسنة الصحيحة التي ذكرناها.
وقولكم: إن المطلق ثلاثًا قد جمع ما فُسح له في تفريقه، هو إلى أن يكون حجةً عليكم أقرب؛ فإنه إنما أُذن له فيه ومُلِّكَهُ مفرَّقًا لا مجموعًا، فإذا جمع ما أُمر بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه، ولهذا قال من قال من السلف: رجلٌ أخطأ السنة، فيُردّ إليها. فهذا أحسن من كلامهم وأبين، وأقرب إلى الشرع والمصلحة.
ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملّكه الله تعالى العبدَ، وأذِن فيه مُفرّقًا فأراد أن يجمعه، كرَمْي الجمار الذي إنما شُرعَ له مفرّقًا، واللعان الذي شرع كذلك، وأيمان القسامة التي شرعت كذلك.
ونظير قياسكم هذا: أن له أن يُؤخِّر الصلوات كلها ويُصلِّيها في وقتٍ واحدٍ؛ لأنه جمع ما أُمر بتفريقه! على أن هذا قد فهمهُ كثير من العوام، يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل، ويصلُّون الجميع في وقت واحد، ويحتجُّون بمثل هذه الحجة بعينها، ولو سكتُّم عن نُصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها.
فصل
فاستَروحَ بعضُهم إلى مسلك آخر غير هذه المسالك، لمّا تبين له فسادها، فقال: هذا حديث واحد، والأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ دالّة على خلافه، وذكروا أحاديث:
منها: ما في «الصحيحين» (١) عن فاطمة بنت قيس: أن أبا حَفْص بن
стр. 576
المغيرة طلقها البتّة وهو غائب، فأرسل إليها وكيلَه بشعير، فسَخِطَته، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك؟ فقال: «ليس لك عليه نفقة».
وقد جاء تفسير هذه البتة في الحديث الآخر الصحيح (١): أنه طلقها ثلاثاً، فلم يجعل لها النبي ﷺ سُكنَى ولا نفقة.
فقد أجاز عليه الثلاث، وأسقط بذلك نفقتها وسُكناها.
وفى «المسند» (٢) أن هذه الثلاث كانت جميعًا، فروَى من حديث الشعبي: أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبي ﷺ لما أخرجها من الدار، ومنعها النفقة، فقال: «ما لكَ ولابنةِ قيسٍ؟»، قال: يا رسول الله! إن أخي طلقها ثلاثًا جميعًا ... وذكر الحديث.
ومنها: ما في «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂: أن رجلاً طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوجت، فطُلِّقت، فسُئل النبي ﷺ : أتَحِلّ للأول؟ قال: «لا، حتى يذوق عُسَيْلتها كما ذاق الأول».
ووجه الدليل: أنه لم يستفصل: هل طلقها ثلاثًا مجموعة أو متفرقة؟
стр. 577
ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
ومنها: ما اعتمد عليه الشافعي في قصة الملاعنة: أن عُويمرًا العَجْلاني أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أرأيتَ رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فيقتله فتقتلونه، أو كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائْتِ بها»، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلمّا فرغا من تلاعنهما قال عُويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال الزهري: وكانت تلك سُنّة المتلاعنين. متفق على صحته (١).
قال الشافعي: فقد أقرّه رسول الله ﷺ على الطلاق ثلاثًا، ولو كان حرامًا لما أقرّه عليه.
ومنها: ما رواه النسائي (٢) عن محمود بن لبيد، قال: أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟»، حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟
ولم يقل: إنه لم يقع عليه إلا واحدة، بل الظاهر أنه أجازها عليه؛ إذ لو كانت زوجته ولم يقع عليه إلا واحدة لبيّن له ذلك؛ لأنه طلقها ثلاثًا يعتقد لزومها، فلو لم يلزمه لقال له: هي زوجتك بعدُ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
стр. 578
ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن رُكانة: أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: «ما أردتَ؟»، قال: واحدة، قال: «آلله ما أردتَ بها إلا واحدة؟» قال: آلله ما أردتُ بها إلا واحدة.
ورواه الترمذي، وفيه: فقال: يا رسول الله! إني طلقت امرأتي البتة، فقال: «ما أردتَ بها؟»، فقلت: واحدة، قال: «والله؟» قلت: والله، قال: «فهو ما أردتَ» (١).
قال أبو داود: «هذا أصح من حديث ابن جُريج: أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا».
قال ابن ماجه: «سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطَّنافِسيّ يقول: ما أشرفَ هذا الحديثَ!».
стр. 579
قال أبو عبد الله ابن ماجه: «أبو عُبَيْدٍ تركه ناحيةً، وأحمد جَبُن عنه».
ووجه الدلالة: أنه حلّفه ما أراد بها إلا واحدة؟ وهذا يدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك، ولو كانت واحدة مُطْلقًا لم يفترق الحالُ بين أن يريد واحدة أو أكثر. وإذا كان هذا في الكناية فكيف في الطلاق الصريح؛ إذا صرح فيه بالثلاث؟
ومنها: ما رواه الدارقطني (١) من حديث حَمّاد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، قال: سمعت مُعاذ بن جَبَل يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا معاذ! مَنْ طلّق للبِدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ألزمناه بدعته».
ومنها: ما رواه الدارقطني (٢) من حديث إبراهيم بن عُبيد الله بن
стр. 580
عُبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده، قال: طلّق بعضُ آبائي امرأته ألفًا، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق امرأته ألفًا، هل له من مَخْرج؟ فقال: «إن أباكم لم يَتّق الله فيجعل له مخرجًا! بانت منه بثلاثٍ على غير السنة، وتسعُ مئةٍ وسبعة وتسعون إثمٌ في عنقه».
ومنها: ما رواه الدارقطني (١) أيضًا من حديث زاذان عن علي ﵁، قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلاً طلّق البتة، فغضب، وقال: «أتتخذون آيات الله هُزُوًا (٢) ولعبًا؟ من طلّق البتة ألزمناه ثلاثًا، لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره».
стр. 581
ومنها: ما رواه الدارقطني (١) من حديث الحسن البصري، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض، ثم أراد أن يُتبعها بتطليقتين أُخريين عند القَرائن، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السّنة، والسنة أن تستقبل الطّهر، فتُطَلِّقَ عند ذلك أو أمسِكْ». فقلت: يا رسول الله! أرأيت لو طلقتها ثلاثًا، أكان يحلّ لي أن أراجعها؟ قال: «لا، كانت تبين منك، وتكون معصية».
ومنها: ما رواه أبو داود، والنسائي (٢) عن حماد بن زيد، قال: قلت
стр. 582
لأيوب: هل علمت أحدًا قال في «أمرك بيدك»: إنها ثلاث غيرَ الحسن؟ قال: لا. ثم قال: اللهم غفْرًا، إلا ما حدثني قَتادة عن كثير مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث». فلقيتُ كثيرًا فسألته، فلم يعرفه، فرجعتُ إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسِيَ.
ورواه الترمذي (١)، وقال: «لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حمّاد بن زيد».
وحسبك بسليمان بن حرب وحماد بن زيد، ثقتين ثبتين.
ومنها: ما رواه البيهقي (٢) من حديث سُويد بن غَفَلة، عن الحسن: أنه طلق عائشة الخثعميَّة ثلاثًا، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي، يقول: «أيّما رجل طلَّق امرأته ثلاثًا عند الأقْراء أو ثلاثًا مُبهمة لم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره» لراجعتها.
رواه من حديث ابن حُميد، حدثنا سلمة بن الفَضل، عن عمرو (٣) بن أبى قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُويد. وهذا مرفوع.
стр. 583
قالوا: فهذه الأحاديث أكثر وأشهر، وعامَّتها أصحّ من حديث أبى الصهباء، وحديث ابن جُريج، عن عكرمة عن ابن عباس؛ فيجب تقديمها عليه، ولا سيما على قاعدة الإمام أحمد، فإنه يُقدِّم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند التعارض، وإن كان الحديث الفردُ متأخرًا، كما قَدّم في إحدى الروايتين أحاديث تحريم الأوعية على حديث بُريدة لكونها متعددة؛ وحديثُ بريدة في إباحتها فرد، وهو متأخّر، فإنه قال: «كنتُ نهيتُكم عن الانتباذ في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم، غير أن لا تشربوا مُسْكرًا». مع أنه حديث صحيح، رواه مسلم (١)، ولا نعرف له عِلّة.
فصل
قال الآخرون: هذه الأحاديث التي ذكرتموها، ولم تَدَعوا بعدها شيئًا، هي بين أحاديث صحيحة لا مَطعنَ فيها ولا حجةَ فيها، وبين أحاديث صريحة الدلالة، لكنها باطلة أو ضعيفة لا يصح شيء منها. ونحن نذكر ما فيها ليتبيّن الصواب، ويزول الإشكال:
أما حديث فاطمة بنت قيس: فمن أصح الأحاديث، مع أن أكثر المنازعين لنا في هذه المسألة قد خالفوه، ولم يأخذوا به، فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسُّكنى، ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وأما الشافعي ومالكٌ فأوجبوا لها السكنى. والحديث قد صرّح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى، فخالفوه ولم يعملوا به، فإن كان الحديث صحيحًا وهو حجةٌ فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظًا، بل هو غلط كما قاله بعض المتقدمين، فليس حجةً علينا في جمع الثلاث. فأما أن
стр. 584
يكون حجة لكم على منازعيكم، وليس حجة لهم عليكم، فبعيدٌ من العدل والإنصاف.
هذا مع أنَّا نتنزَّل على هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمّل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتجَّ به؛ فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنّما كان قد طلقها تطليقتين قبل ذلك، ثم طلقها آخر الثلاث، كذا جاء مصرّحًا به في «الصحيح».
فروى مسلم في «صحيحه» (١) عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبى طالب ﵁ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقةٍ كانت بقيَتْ من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعيّاش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لكِ نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقةَ لك» وساق الحديث بطوله.
فهذا المفسَّرُ يُبَيِّن ذلك المجمَل، وهو قوله: طلَّقها ثلاثًا.
وقال الليث (٢): عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلَّقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث.
стр. 585
ذكره أبو داود (١)، ثم قال: «وكذلك رواه صالح بن كَيسان (٢)، وابن جُريج (٣)، وشعيب بن أبي حمزة (٤)؛ كلهم عن الزّهري».
ثم ساق (٥) من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزهري، عن عبيد الله، قال: أرسل مَروان إلى فاطمة فسألها؟ فأخبرته: أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي ﷺ أمّر عليّ بن أبي طالب ﵁ على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وذكر الحديث بتمامه.
والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصةُ بن ذُؤيب، كذلك ذكره أبو داود من طريق أخرى (٦).
стр. 586
فهذا بيان حديث فاطمة.
قالوا: ونحن أخذنا به جميعه، ولم نخالف شيئًا منه؛ إذ كان صحيحًا صريحًا، لا مطعن فيه، ولا معارض له، فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار.
وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ: طلقها ثلاثًا، وطلقها البتة، وطلقها آخر ثلاث تطليقات، وأرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وطلقها ثلاثًا جميعًا. هذه جملة ألفاظ الحديث، وبالله التوفيق.
فأما اللفظ الخامس وهو قوله: «طلقها ثلاثًا»، فهذا أولاً من حديث مُجالد عن الشعبي، ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره، مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي، فتفرَّد مُجالد (١) على ضَعْفه من بينهم بقوله: ثلاثًا جميعًا.
وعلى تقدير صحته: فالمراد به أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صحَّ أن يقال: طلقها ثلاثًا جميعًا؛ فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد، وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع في الآن الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، فالمراد حصول الإيمان من الجميع، لا إيمانهم كلِّهم في آنٍ واحد سابِقِهم ولاحِقِهم.
стр. 587
فصل
وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة ﵂: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا، فسُئل النبي ﷺ : هل تَحِلّ للأول؟ فقال: «لا» الحديث، هو حقٌّ يجب المصير إليه، لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثًا بفَمٍ واحد، فلا تُدخلوا فيه ما ليس فيه.
وقولكم: «لم يستفصل»، جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلومًا، وأن الثلاث إنما تكون ثلاثًا واحدةً بعد واحدة، وهذا مقتضى اللغة، والقرآن، والشرع، والعُرف كما بيّنا؛ فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم.
فصل
وأما ما اعتمد عليه الشافعي من طلاق الملاعن ثلاثًا بحَضرة رسول الله ﷺ ولم ينكره، فلا دليل فيه؛ لأن الملاعنة يَحْرُمُ عليه إمساكها، وقد حُرِّمت عليه تحريمًا مؤبدًا، فما زاد الطلاقُ الثلاث هذا التحريم الذي هو مقصود اللعان إلا تأكيدًا وقوة.
هذا جواب شيخنا ﵀.
وقال ابن المنذر، وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث وأنه بِدعَة، ثم قال: «وأما ما اعْتَلّ به من رأى أن مُطَلِّق الثلاث في مرة واحدة مُطلِّق للسنة بحديث العَجلاني؛ فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبيةٍ، علم الزوج الذي طلّق ذلك أو لم يعلم؛ لأن قائله يوقع الفرقة بالْتِعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة، فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالْتِعانِ الزوج وحده». انتهى.
стр. 588
وحينئذٍ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالْتِعان الزوج وحده، كما يقوله الشافعي، أو بالْتِعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم:
فإن وقعت بالْتِعانِه أو الْتِعانهما فالطلاق الذي وقع منه لَغوٌ، لم يُفد شيئًا البتة، بل هو في طلاق أجنبية.
وإن وقعت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرِّق بينهما تفريقًا يُحرِّمها عليه تحريمًا مؤبدًا، فالطلاق الثلاث أكّد هذا التحريم الذي هو موجَب اللعان، ومقصود الشارع، فكيف يُلحق به طلاق غير الملاعنة، وبينهما أعظم فرق؟
فصل
وأما حديث محمود بن لَبيد في قصة المطلق ثلاثًا، فالاحتجاج به على الجواز من باب قَلْبِ الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم، لا على الإباحة. والاستدلال به على الوقوع من باب التكهنّ والخَرص، والزيادة في الحديث ما ليس فيه، ولا يدل عليه بشيءٍ من وجوه الدلالات البتة.
ولكن المقلِّد لا يُبالي بنُصرة تقليده بما اتفق له، وكيف يُظَنّ برسول الله ﷺ أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله، وصحَّحه، واعتبره في شرعه وحُكمه، ونفَّذه؟ وقد جعله مستهزئًا بكتاب الله تعالى. وهذا صريحٌ في أن الله لم يشرع جمع الثلاث، ولا جعله من أحكامه.
стр. 589
فصل
وأما حديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله ﷺ استحلفه: ما أراد بها إلا واحدة؟ فحديث لا يصح.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «العلل» (١) له: «قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء».
وقال الخَلّال في كتاب «العلل» عن الأثْرَم: «قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة في البتّة؟ فضعفه، وقال: ذاك جعله بنيَّته».
وقال شيخنا ﵀ (٢): «الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، وأبى عُبيد، وغيرهم، ضعَّفوا حديث ركانة البتة؛ وكذلك أبو محمد بن حَزم، وقالوا: إن رُوَاتَهُ قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبْطُهم».
قال: «وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا يثبت، وقال أيضًا: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا؛ وأهل المدينة يُسَمّون من طلق ثلاثًا طلق البتة».
فإن قيل: فقد قال أبو داود: «حديث البتة أصح من حديث ابن جُريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به»؛ يعني: وهم الذين رووا حديث البتة.
стр. 590
فقال شيخنا في الجواب: «أبو داود إنما رجّح حديث البتة على حديث ابن جريج، لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول، فقال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني بعض ولد أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِه ــ أمَّ ركانة ثلاثًا ... الحديث (١). ولم يرو الحديث الذي رواه أحمد في «مسنده» (٢) عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنا داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: طلق رُكانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحد.
فلهذا رجّح أبو داود حديث الْبَتّة على حديث ابن جُريج، ولم يتعرّض لهذا الحديث، ولا رواه في «سُننه». ولا ريب أنه أصحُّ من الحديثين، وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضمّ حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها، وتعدّد طرقها= أفادت العلم بأنها أقوى من حديث البتة بلا شك.
ولا يمكن من شَمَّ روائحَ الحديث ولو على بُعْدٍ أن يرتاب في ذلك، فكيف يقدِّم الحديث الضعيف الذي ضعَّفه الأئمة ورواته مجاهيل، على هذه الأحاديث؟».
فصل
وأما حديث مُعاذ بن جبل: فلقد وَهَت مسألةٌ يُحتجّ فيها بمثل هذا الحديث الباطل.
стр. 591
والدارقطني إنما رواه للمعرفة، وهو أجلّ من أن يَحْتَجَّ به. وفى إسناده إسماعيل بن أميّة الذَّارع، يرويه عن حَمَّاد، قال الدارقطني بعد روايته: «وإسماعيل بن أمية: متروك الحديث» (١).
فصل
وأما حديث عُبادة بن الصّامت الذي رواه الدارقطني: فقد قال عَقِيبَ إخراجه: «رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي» (٢).
فصل
وأما حديث زاذان عن عليٍّ ﵁: فيرويه إسماعيل بن أميّة القُرشي، قال الدارقطني: «إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث» (٣).
قلت: وفى إسناده مجاهيل وضعفاء.
فصل
وأما حديث الحسن عن ابن عمر: فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف.
قال الدارقطني (٤): حدثنا على بن محمد بن عُبَيد الحافظ، حدثنا محمد بن شاذان الجوهَرِيّ، حدثنا معلى بن منصور، حدثنا شعيب بن رُزَيْقٍ، أن عطاءً الخرسانى حدّثهم، عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، فذكره.
стр. 592
وشعيب، وثّقه الدارقطني. وقال أبو الفتح الأزديّ: «فيه لِينٌ». وقال البيهقي (١) وقد روى هذا الحديث: «هذه الزيادات انفرد بها شعيب، وقد تكلّموا فيه». انتهى.
ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا، فلم يأتِ أحد منهم بما أتى به شعيب البتة، ولهذا لم يروِ حديثَهُ هذا أحدٌ من أصحاب «الصحيح» ولا «السنن».
فصل
وأما حديث كثير مولى سَمُرة، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: فقد أنكره كثير لمّا سُئل عنه، ومثل هذا بعيد أن يُنسى، وقد أعَلّ البيهقي هذا الحديث، وقال (٢): «كثير لم يَثْبُتْ من معرفته ما يوجب الاحتجاج به»، قال: «وقول العامة بخلاف روايته».
وقد ضعفه عبد الحق في «أحكامه» (٣)، وابن حزم في كتابه (٤).
فصل
وأما حديث سُويد بن غَفَلة عن الحسن: فمن رواية محمد بن حُميد الرازي، قال أبو زُرعة الرّازى: «كذاب». وقال صالح جَزَرة: «ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن الشاذَكُوني».
стр. 593
وسَلَمَة بن الفضل، قال أبو حاتم: «منكر الحديث». وإن كان الأبرش فقد ضعفّه إسحاق بن راهَويه وغيره.
فصل
فلما رأى آخرون ضَعْفَ هذه المسالك استَرْوحوا إلى مسلك آخر، وظنُّوا أنهم قد استراحوا به من كُلفة التأويل ومشَقّته، فقالوا: الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث، وهو أكبر من خبر الواحد، كما قال الشافعي ﵀: «الإجماع أكبر من الخبر المنفرد»، وذلك أن الخبر يجوز الخطأ والوهم على راويه، بخلاف الإجماع؛ فإنه معصوم.
قالوا: ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك:
فثبت في «صحيح مسلم» (١): أن عمر ﵁ أمضى عليهم الثلاث، ووافقه الصحابة.
قال سعيد بن منصور (٢): حدثنا سفيان، عن شقيق، سمع أنسًا يقول: قال عمر في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها؛ قال: هي ثلاث، لا
стр. 594
تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وكان إذا أُتِيَ به أوْجعه.
وروى البيهقي (١) من حديث ابن أبي لَيلى، عن علي ﵁ فيمن طلّق ثلاثًا قبل الدخول، قال: لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره.
وروى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره (٢).
وروى أبو نُعيم، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن بعض أصحابه: جاء رجلٌ إلى عليٍّ ﵁، فقال: طلّقتُ امرأتي ألفًا، فقال: ثلاثٌ تُحرِّمها عليك، واقسِمْ سائرها بين نسائك (٣).
وقال عَلْقَمَة بن قيس (٤): أتى رجلٌ ابن مسعود ﵁، فقال: إن
стр. 595
رجلاً طلق امرأته البارحة مئةً، قال: قُلتَها مرةً واحدة؟ قال: نعم. قال: تُريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم، قال: هو كما قلت.
وأتاه رجلٌ، فقال: إنه طلق امرأته البارحة عددَ النّجوم، فقال له مثل ذلك، ثم قال: قد بَيّن الله سبحانه أمر الطلاق، فمن طلّق كما أمره الله تعالى فقد بُيِّن له، ومن لبّس جعلنا به لَبْسه، والله لا تُلبِّسون إلا على أنفسكم، ونَتَحمّلُه عنكم! هو كما تقولون.
وروى مالك في «الموطأ» (١) عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان، عن محمد بن إياس بن البُكير، قال: طلّق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن يَنكحها، فجاء يسْتَفتي، فذهبتُ معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وابن عباس ﵄ عن ذلك، فقالا له: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجًا غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدةً، فقال ابن عباس: إنك قد أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكِ ما كان لك من فضل.
وفى «الموطأ» (٢) أيضًا في هذه القصة: أن ابن البُكير سأل عنها ابن
стр. 596
الزبير، فقال: إن هذا أمرٌ مالنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة؛ فإني تركتهما عند عائشة، فاسألهما ثم ائْتِنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفْتِه يا أبا هريرة! فقد جاءتك مُعضلة، فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبينها، والثلاثُ تحرِّمهَا، حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك.
فهذه عائشة ﵂ لم تنكر عليهما، ولا ابنُ الزبير.
وفى «الموطأ» (١) أيضًا: عن النعمان بن أبي عَيّاش عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عَمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يَمَسّها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاقُ البكر واحدة، فقال لي عبد الله: إنما أنت قاصّ! الواحدة تبينها، والثلاث تُحرِّمها، حتى تنكح زَوجًا غيره.
стр. 597
وروى عبيد الله (١) عن نافع عن ابن عمر ﵄: إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، لم تحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره.
وروى البيهقي (٢) من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شُعبة، عن طارق بن عبد الرحمن: سمعتُ قيس بن أبي حازم، قال: سأل رجلٌ المغيرة وأنا شاهدٌ عن رجل طلق امرأته مئةً، فقال: ثلاثة تحرّم، وسبعٌ وتسعون فَضْلٌ.
وروى البيهقي (٣) عن سُويد بن غَفَلة، قال: كانت عائشة الخثْعَميّةُ عند الحسن، فلما قُتل عليّ ﵁ قالت: لتَهْنِك الخلافة! قال: بقتل عليٍّ تُظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثًا، فَتلَفّعَت بثيابها، وقعدت حتى قضَت عِدّتها، فبعث إليها ببقيةٍ بقيت لها من صداقها، وعشرة آلافٍ صدقةً، فقالت لما جاءها الرسول: متاعٌ قليل من حبيبٍ مفارق، فلمّا بَلَغَهُ قولُها بَكَى، وقال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي، يقول: «أيما رجل طلّق امرأته ثلاثًا عند الأقراء، أو ثلاثة مُبْهَمة، لم تحِلّ له حتى تنكح زوجًا غيره» لراجعتُها.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن
стр. 598
عطاء بن السائب، عن علي ﵁ أنه قال في الحرام، والبتّة، والبائن، والخليّة، والبَرِيّة: ثلاثًا، ثلاثًا.
قال شعبة: فلقيت عطاءً، فقلت: مَن حَدّثك عن علي؟ قال: أبو البَخْتَرِي.
قال أحمد: وأنا أهابُها، لا أجيب فيها؛ لأنه يُروى عن عامة الناس أنها ثلاث: علي، وزيد (١)، وابن عمر، وعامة التابعين.
وأما ابن عباس: فروى عنه مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البُكير، ومعاوية بن أبي عياش، وغيرهم، أنه ألزم الثلاث مَنْ أوقعها جملة (٢).
قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأيّ شيءٍ تَرُدُّ حديث ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر رضي عنهما: طلاق الثلاث واحدةً، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، وإلى هذا نذهب.
стр. 599
وذكر البيهقي (١): أن رجلاً أتى عِمران بن حُصين وهو في المسجد، فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثًا في مجلس، فقال: أَثِمَ بربِّه، وحرمت عليه امرأته، فانطلق الرجل، فذكر ذلك لأبي موسى، يريد بذلك عَيْبه، فقال: ألا تَرى أن عمران قال كذا وكذا؟ فقال أبو موسى: أكثر اللهُ فينا مثلَ أبي نُجَيْدٍ.
قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن علي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا، والإجماع يَثبت بدون هذا، ولهذا حكاه غير واحد منهم أبو بكر بن العَرَبي (٢) وأبو بكر الرازي (٣)، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه قال في رواية الأثرم، وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يُرَدّ إلى السنة، وليس بشيء، وقال: هذا مذهب الرافضة.
وظاهر هذا: أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة.
وقال الآخرون: قد عرفتم ما في دعوى الإجماع الذي لم يُعلم له مخالف، أنه راجع إلى عدم العلم، لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم
стр. 600
العلم ليس بعلم حتى يحتجّ به ويُقدَّم على النصوص الثابتة! هذا إذا لم يُعلم مخالفٌ، فكيف إذا عُلم المخالف؟
وحينئذ فتكون المسألةُ مسألةَ نزاعٍ يجب رَدُّها إلى الله تعالى ورسوله، ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مُقَلد، وإما مُتَعصب صاحب هَوًى، عاصٍ لله تعالى ورسوله ﷺ ، مُتعرِّضٌ لِلُحُوق الوعيد به؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعًا ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهلُه، والنزاع فيها من عَهْد الصحابة إلى وقتنا هذا. وبيان هذا من وجوه:
أحدها: ما رواه أبو داود (١) وغيره من حديث حَمّاد بن زَيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفمٍ واحد فهي واحدة.
وهذا الإسناد على شرط البخاري.
وقال عبد الرزاق (٢): أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، قال: دخل الحَكَمُ بن عُتيبة (٣) على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البِكْر تُطَلَّق ثلاثًا، فقال: سُئل عن ذلك ابنُ عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عَمرو، فكلّهم قالوا: لا