فهذا بعض حِكَمِه في نصر عدوهم عليهم، وإدالته في بعض الأحيان.
الأصل التاسع: أنه إنما خلق السماوات والأرض، وخلق الموت والحياة، وزين الأرض بما عليها، لابتلاء عباده وامتحانهم، ليعلم من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ـ ٣].
فالناس إذا أُرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنتُ، أولا يؤمن بل يستمر على السيئات والكفر، ولابد من امتحان هذا وهذا.
فأما من قال: آمنتُ فلا بد أن يَمتحنه الربُّ ويبتليَهُ، ليتبيّن هل هو صادقٌ في قوله: آمنت أو كاذبٌ؟
стр. 982
فإن كان كاذبًا رجع على عَقِبَيْهِ، وفَرّ من الامتحان كما يَفِرّ من عذاب الله، وإن كان صادقًا ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانًا على إيمانه.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وأما من لم يؤمن فإنه يُمتحن في الآخرة بالعذاب ويُفْتَنُ به، وهي أعظم المحنتين، هذا إذا سَلِم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوباتها، التي أوقعها الله بمن لم يَتَّبع رسله وعصاهم، فلا بُدّ من المحنة في هذه الدار وفى البرزخ وفى القيامة لكل أحدٍ.
ولكن المؤمن أخفُّ محنةً وأسهلُ بليّةً، فإن الله يَدْفَعُ عنه بالإيمان، ويحمل عنه به، ويرزقه من الصبر والثبات والرِّضا والتسليم ما يُهَوِّنُ به عليه محنته. وأما الكافر والمنافق والفاجر، فتشتد محنته وبَلِيّتُه وتدوم، فمِحْنةُ المؤمن خفيفةٌ منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متِّصلة.
ف لا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر والمنافق والفاجر تحصل له اللذة والنعمة ابتداءً، ثم يصير إلى الألم، فلا يطمع أحد أنه يَخْلُص من المحنة والألم البتة.
يوضحه:
الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، لا بدّ له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إراداتٌ، وتصورّات، واعتقادات، فيطلبون منه [١٣٦ أ] أن
стр. 983
يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم آذَوه وعذَّبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلا بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفكُّ عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفى الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفى المخالفة ألم وعذاب إذا لم يُوافق أهواءهم واعتقاداتهم، ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهلُ وأيسرُ من الألم المُرَتَّب على موافقتهم.
واعتبر هذا بمَنْ يطلبون منه الموافقة على ظلم، أو فاحشة، أو شهادة زُور، أو المعاونة على محرّم، فإن لم يوافقهم آذَوه وظلموه وعادَوْه، ولكن تكون له العاقبة والنصرة عليهم إن صبر واتقى، وإن وافقهم فرارًا من ألم المخالفة أعْقَبه ذلك من الألم أعظم مما فرّ منه، والغالبُ أنهم يُسلَّطون عليه، فيناله من الألم منهم أضعافُ ما ناله من اللذة أولًا بموافقتهم.
فمعرفة هذا ومُرَاعاتُه من أنفع ما للعبد، فألمٌ يسيرٌ يُعْقِبُ لذةً عظيمة دائمة أولى بالاحتمال من لذّة يسيرة تُعقِبُ ألمًا عظيمًا دائمًا، والتوفيق بيد الله.
الأصل الحادي عشر: أن البلاء الذي يُصيبُ العبدَ في الله لا يخرجُ عن أربعة أقسام: فإنه إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عِرْضه، أو في أهله ومَنْ يُحِب، والذي في نفسه قد يكون بتَلَفِها تارةً، وبتألُّمها بدون التلف. فهذا مجموع ما يُبتلى به العبد في الله.
وأشدّ هذه الأقسام: المصيبةُ في النفس. ومن المعلوم أن الخلق كلّهم يموتون، وغاية هذا المؤمن أن يُسْتَشْهَدَ في الله، وتلك أشرفُ الموتات وأسهلُها، فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القَرْصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو مُعتادٌ لبني آدم.
стр. 984
فمن عَدَّ مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موتُ الشهيد من أيسر الموتات وأفضلها وأعلاها، ولكن الفارّ يظن أنه بفراره يطول عمره، فيتمتع بالعيش! وقد أكذب الله سبحانه هذا الظن، حيث يقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦].
فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفعُ، فلا فائدة فيه، وأنه لو نفع لم ينفع إلا قليلًا، إذ لابدّ له من الموت، فيفوته بهذا القليل ما هو خيرٌ منه وأنفع، من حياة الشهيد عند ربه.
ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧].
فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحدٌ من الله، إن أراد به سوءًا غيرَ الموت الذي فرّ منه، فإنه فَرّ من الموت لَمّا كان يسوؤُهُ، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءًا غيره لم يعصمه أحد من الله، وأنه قد يَفرّ مما يسوؤُه من القتل في سبيل الله، فيقع فيما يسوؤه مما هو أعظم منه.
وإذا كان هذا في مصيبة النفس، فهكذا الأمر في مصيبة المال والعرض والبدن، فإن مَنْ بَخِلَ بماله أن يُنْفِقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته سَلَبَه الله إياه، أو قَيّضَ له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، بل فيما يعود عليه بمضرَّته عاجلًا وآجلًا. وإن حبسه وادّخره منعه التَّمتُّعَ به، ونقله إلى غيره، فيكون له مَهْنَؤه وعلى مَخلِّفه وزْرُه.
стр. 985
وكذلك من رَفّه بَدَنه وعِرْضه، وآثر راحته على التعب لله وفى سبيله، أتعبه الله سبحانه أضعافَ ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب.
قال أبو حازم (١): لَمَا يَلْقَى الذي لا يتقي الله مِنْ مُعالجة الخلق أعظمُ مما يَلْقى الذي يتقي الله من معالجة التقوى.
واعتبرْ ذلك بحال إبليس، فإنه امتنع من السجود لآدم [١٣٦ ب] فِرارًا أن يخضع له ويذلّ، وطلب إعزازَ نفسه، فصيّره الله أذلّ الأذلِّين، وجعله خادمًا لأهل الفسوق والفجور من ذُرِّيَّته، فلم يرضَ بالسجود له، ورضي أن يَخدِم هو وبَنُوه فُسّاقَ ذرِّيَّته.
وكذلك عُبّادُ الأصنام أنِفُوا أن يتَّبعوا رسولًا من البشر، وأن يعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه، ورضُوا أن يعبدوا إلهًا من الأحجار.
وكذلك كلّ من امتنع أن يَذِلّ لله، أو يبذل مالَه في مَرْضاته، أو يُتعِبَ نفسه في طاعته، لابدّ أن يذلّ لمن لا يَسْوَى، ويبذل له ماله، ويُتعب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته عقوبةً له. كما قال بعض السلف (٢): من امتنع أن يمشي مع أخيه خُطُواتٍ في حاجته أمْشاه الله تعالى أكثرَ منها في غير طاعته.
فصل
في خاتمةٍ لهذا الباب هي الغايةُ المطلوبة، وجميع ما تقدّم كالوسيلة إليها.
стр. 986
وهي أن محبة الله سبحانه والأُنْسَ به، والشوقَ إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصلُ الدين، وأصلُ أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ (١) عُلومِ الدِّين كلِّها. فمعرفته أجلّ المعارف، وإرادةُ وجهه أجلّ المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرفُ الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم ﵇.
وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وكان النبي ﷺ يُوصي أصحابه إذا أصْبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فِطْرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، ومِلّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين» (٢).
وذلك هو حقيقةُ شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قامَ دينُ الإسلام الذي هو دينُ جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دينٌ سواه ولا يَقبلُ من أحدٍ دينًا غيره:
стр. 987
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فمحبته سبحانه بل كونهُ أحبَّ إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق مِن أعظم واجباتِ الدِّين، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده.
ومن أحبَّ معه مخلوقًا مثلَما يُحِبُّه فهو من الشرك الذي لا يُغْفَر لصاحبه، ولا يُقبل معه عمل.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وإذا كان العبدُ لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه من نفسه وأهله وولده ووالده والناس أجمعين، ومَحبَّتُه تبعٌ لمحبة الله، فما الظنّ بمحبَّته سبحانه؟ وهو سبحانه لم يخلق الجنّ والإنْسَ إلا لعبادته، التي تتضمّنُ كمال محبته، وكمال تعظيمه، والذلّ له، ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب، وأُسّست الجنةُ والنار، وانقسم الناس إلى شقيٍّ وسعيدٍ.
وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيءٌ، فليس كمحبته وإجلاله محبة وإجلالٌ ومخافة.
فالمخلوق كلَّما خِفتَه استوحشتَ منه وهربتَ منه، والله سبحانه كلما خفتَه أنِسْتَ به وفَررْت إليه.
والمخلوق يُخاف ظلمُه وعدوانه، والرب سبحانه إنما يُخاف عَدْلُهُ وقِسْطُهُ.
стр. 988
وكذلك المحبة فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمُحبِّ ووبال عليه، وما يحصل له بها من التألُّم أعظمُ ممَّا يحصل له من اللذة، وكلما كانت أبعدَ عن الله كان ألمها وعذابها أعظم.
هذا إلى ما في محبته من الإعراض عنك، والتَّجنِّي عليك، وعدم الوفاء لك إما لمزاحمة غيرك من المحبِّين له، وإما لكراهته ومعاداته لك، وإما لاشتغاله عنك بمصالحه وما هو أحبُّ إليه منك، وإما لغير ذلك من الآفات.
[١٣٧ أ] وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير هذا الشأن، فإنه لا شيء أحبُّ إلى القلوب من خالقها وفاطرها، فهو إلهها ومعبودها، ووليُّها ومولاها، وربّها ومدبرها ورازقها، ومميتها ومحييها، فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن.
فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسرُّ، ولا أنعم، من محبَّته والأنس به والشوق إلى لقائه.
والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتَمّ من كل نعيم، واللذة التي تَناله أعلى من كل لذة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: إنه ليَمُرّ بي (١) أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب (٢).
وقال آخر: إنه ليمرُّ بالقلب أوقات، يَهتزّ فيها طربًا بأنسه بالله وحبِّه له (٣).
стр. 989
وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيبَ ما فيها (١).
وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (٢).
ووَجْدُ هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبَّةُ أكملَ، وإدراكُ المحبوب أتمَّ، والقربُ منه أوفرَ، كانت الحلاوةُ واللذة والسرور والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحبَّ، وإليه أقرب= وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعْرَفُ إلا بالذوق والوجد. ومتى ذاق القلبُ ذلك لم يُمكِنْه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد له حبًّا ازداد له عبوديةً وذلًّا، وخضوعًا ورِقًّا له، وحرِّيَّةً عن رقِّ غيره.
فالقلب لا يفلح، ولا يصلح، ولا يتنعَّم، ولا يبتهج، ولا يلتذُّ، ولا يطمئنُّ، ولا يسكن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه. ولو حصل له جميع ما يلتذُّ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا، حتى يظفر بما خُلق له، وهُيّئ له، من كون الله وحده نهاية مراده وغاية
стр. 990
مطالبه، فإن فيه فقرًا ذاتيًّا إلى ربه وإلهه، من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًّا إليه، من حيث هو ربُّه وخالقه ورازقه ومدبِّره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه خرج منه تألهه لما سواه، وعبودبته له:
فَأَصْبَحَ حُرًّا عِزَّةً وَصِيَانَةً ... عَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ (١)
وما من مؤمن إلا وفى قلبه محبة لله تعالى، وطمأنينة بذكره، وتنعُّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأُنْسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به، فوجودُ الشيء غيرُ الإحساس والشعور به.
وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه، هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه.
ومتى لم يكن الله وحده غايةَ مراد العبد، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعًا لأجله= لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك، وله من موجَبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب، بحسب ما فاته من ذلك.
ولو سعى في هذا المطلوب بكل طريق، واستفتح من كل باب، ولم يكن [١٣٧ ب] مستعينًا بالله، متوكلًا عليه، مفتقرًا إليه في حصوله، متيقنًا أنه إنما يحصل بتوفيقه ومشيئته وإعانته، لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه= لم
стр. 991
يحصل له مطلوبه، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يوصل إليه سواه، ولا يدلُّ عليه سواه، ولا يُعبد إلا بإعانته، ولا يطاع إلا بمشيئته: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
فإذا عُرف هذا، فالعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذّته، تكون تلك اللّذة والحلاوة الإيمانية قد اسْتَترت عنه وتوارَت، أو نقَصَت أو ذهبت، فإنها لو كانت موجودة كاملةً لما قَدّم عليها لَذّةً وشهوةً لا نِسبة بينها بوجهٍ ما، بل هي أدْنَى من حبة خَرْدَلٍ بالنسبة إلى الدنيا وما فيها.
ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يَسرِق السارق حين يسرقُ وهو مُؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (١)، فإنَّ ذوق حقيقة الإيمان ومباشرته لقلبه يمنعه من أن يُؤثر عليه ذلك القدر الخسيس، وينهاه عما يُشَعِّثه وينقصه.
ولهذا تجد العبد إذا كان مُخلصًا لله، منيبًا إليه، مطمئنًّا بذكره، مشتاقًا إلى لقائه قلبه، منصرفًا عن هذه المحرمات= لا يلتفت إليها، ولا يُعَوّل عليها، ويرى استبداله بها عَمّا هو فيه كاستبداله البَعْر الخسيس بالجوهر النّفيس، وبيعه الذهب بأعقاب الجَزر، وبَيعه المسك بالرّجيع.
ولا ريب أن في النفوس البشرية من هو بهذه المثابة، إنما يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، يَنفِرُ من المطالب العالية واللذات الكاملة، كما ينفر الجُعَلُ من رائحة الورد. وشاهدنا من يُمسك بأنفه عند وجود المسك، ويتكرّه بها لما يناله بها من المضَرّة.
стр. 992
فمن خُلق للعمل في الدّباغة لا يجيء منه العمل في صناعة الطِّيب، ولا يليق به، ولا يتأتَّى منه، والنفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب هو أحبّ إليها منه، أو للخوف من مكروهٍ هو أشقّ عليها من فوات ذلك المحبوب.
فالذنب يُعدم لعدم المقتضي له تارة، لاشتغال القلب بما هو أحبّ إليه منه، ولوجود المانع تارة، من خوف فوات محبوبٍ هو أحب إليه منه:
فالأول: حالُ من حَصَلَ له من ذوق حلاوة الإيمان وحقائقه والتنعم به ما عوّض قلبه عن مَيْله إلى الذنوب.
والثاني: حالُ من عنده داعٍ وإرادةٌ لها، وعنده إيمان وتصديق بوعد الله تعالى ووعيده، فهو يخاف إن واقعها أن يقع فيما هو أكره إليه، وأشقّ عليه.
فالأول للنفوس المطمئنة إلى ربها، والثاني لأهل (١) الجهاد والصبر. وهاتان النفسان هما المخصوصتان بالسعادة والفلاح.
قال الله تعالى في النفس الأولى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ـ ٣٠].
وقال في الثانية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
فالنفوس ثلاثة: نفس مطمئنة إلى ربِّها، وهى أشرف النفوس وأزكاها، ونفسٌ مجاهدة صابرة، ونفس مفتونة بالشهوات والهوى، وهى النفس الشقيّة، التي حَظُّها الألم والعذاب، والبعد عن الله تعالى والحجاب.
стр. 993
فصل
فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كَيده للأبوين ، ثم لم يَقتصر على ذلك، حتى كاد ذُرّيَة نفسه وذرية آدم، فكان مشؤومًا على نفسه، وعلى ذريته، وأوليائه، وأهل طاعته [١٣٨ أ] من الجنّ والإنس.
أما كيده لنفسه: فإن الله سبحانه لمَّا أمره بالسجود لآدم ﵇ كان في امتثال أمره وطاعته سعادتُه وفلاحه وعِزُّه ونجاته، فسوَّلتْ له نفسه الجاهلة الظالمة أن في سجوده لآدم ﵇ غَضاضةً عليه، وهَضْمًا لنفسه، إذ يَخضع ويقعُ ساجدًا لمن خُلق من طينٍ، وهو مخلوقٌ من نار، والنار بزعمه أشرف من الطين، فالمخلوق منها خيرٌ من المخلوق منه، وخضوع الأفضل لمن هو دونه غَضاضَةٌ عليه، وهضْمٌ لمنزلته!
فلما قام بقلبه هذا الهَوَسُ، وقارنَه الحسد لآدم لِمَا رأى ربَّه سبحانه قد خصّه به من أنواع الكرامة، فإنه خَلَقه بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وأسْجَدَ له ملائكته، وعلَّمه أسماء كلّ شيء، وميّزه بذلك عن الملائكة، وأسكنه جنته، فبلغ الحسد من عَدُوّ الله كلَّ مبلغٍ، وكان عدو الله يُطيفُ به وهو صلصالٌ كالفَخّار، فيعجب منه، ويقول: لأمرٍ عظيم قد خُلق هذا، ولئن سُلِّط عليّ لأعصينّه، ولئن سُلّطتُ عليه لأُهْلِكَنّه، فلما تَمّ خلقُ آدم ﵇ في أحسن تقويم وأكمل صورة وأجملها، وكمَلت محاسِنُه الباطنة بالعلم والحلم والوقار، وتولى ربُّه سبحانه خَلْقَهُ بيده، فجاء في أحسن خلق، وأتمّ صورة، طوله في السماء ستون ذراعًا، قد أُلبس رداءَ الجمال والحسن والمهابة والبهاء، فرأت الملائكة منظرًا لم يشاهدوا أحسن منه ولا أجمل، فوقعوا كلُّهم سجودًا له بأمْرِ ربهم ﵎، فشَقّ الحسودُ قميصَهُ من
стр. 994
دُبُرٍ، واشتعلت في قلبه نيران الحسد المتين، فعارض النص بالمعقول بزعمه، كفعل أوليائه من المبطلين، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فأعرض عن النصّ الصريح، وقابله بالرأي الفاسد القبيح، ثم أردف ذلك بالاعتراض على العليم الحكيم، الذي لا تجدُ العقول إلى الاعتراض على حكمته سبيلًا، فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].
وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى: أخبرني لِمَ كرّمتَه؟
وغَوْرُ هذا الاعتراض: أن الذي فعلتَهُ ليس بحكمة ولا صواب، وأن الحكمة كانت تقتضي أن يسجد هو لي، لأن المفضول يخضع للفاضل، فلم خالفتَ الحكمة؟
ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه وإزرائه به، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.
ثم قرَّر ذلك بحجَّته الداحضة، في تفضيل مادَّته وأصله على مادة آدم ﵇ وأصله، فأنتجت له هذه المقدِّمات إباءه وامتناعه من السجود، ومعصية الرب المعبود، فجمع بين الجهل والظلم، والكِبْرِ والحسد والمعصية، ومعارضة النص بالرأي والعقل.
فأهانَ نفسَه كلَّ الإهانة من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من حيث أراد رفعتها، وأذلَّها من حيث أراد عزتها، وآلمها كلّ الألم من حيث أراد لذتها، ففعل بنفسه ما لو اجتهد أعظمُ أعدائه في مَضَرّته لم يبلغ منه ذلك المبلغَ، ومن كان هذا غِشَّه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه؟
стр. 995
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فصل
وأما كيده للأبوين: فقد قَصّ الله سبحانه علينا قِصّته معهما، وأنه لم يزَل يخدعهما ويَعِدهما ويُمَنّيهما الخلود في الجنة، حتى حلف لهما بالله جَهْدَ يمينه أنه ناصحٌ لهما، حتى اطمأنّا إلى قوله، وأجاباه إلى ما طلبَ منهما، فجرى عليهما من المحنة، والخروج من الجنة، [١٣٨ ب] ونزْع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك بكَيْده ومكره الذي جرى به القلمُ، وسبقَ به القدر، ورَدّ الله سبحانه كيده عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبةُ مكره عليه، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]!
وظن عدو الله بجهله أن الغَلَبة والظَّفَر له في هذا الحرب، ولم يعلم بكَمين جيش: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولا بإقبال دَوْلَة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢].
وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلّى عن صَفِيِّه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وأسجد له ملائكته، وعَلّمه أسماء كل شيء، من أجل أَكْلَةٍ أكلَها.
وما علم أن الطبيب قد عَلّم المريض الدواءَ قبل المرض، فلما أحسّ بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لمَّا رماهُ العدُوُّ بسهمه وقعَ في غير مَقتل،
стр. 996
فبادر إلى مُداواة الجُرْح، فقام كأنْ لم يكُن به قَلَبَةٌ.
بُلي العدوّ بالذنب فأصرّ، واحتج وعارَض الأمر، وقَدَح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزّلّة. وبُلي الحبيبُ بالذنب، فاعترف وتاب وندم، وتضرّع واستكان وفَزِع إلى مَفْزَع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأُزيل عنه العَيبُ، وغُفر له الذنب، فقُبل منه المتاب، وفُتح له من الرحمة والهداية كلُّ باب. ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومَنْ كانت شِيمتُهُ التوبة والاستغفار فقد هُدي لأحسن الشيم.
فصل
ثم كاد أحدَ وَلَدَيْ آدم، ولم يَزل يتلاعبُ به حتى قتلَ أخاه، وأسخَطَ أباهُ، وعصَى مولاه، فَسَنّ للذرية قتل النفوس، وقد ثبت في «الصحيح» (١) عنه ﷺ أنه قال: «ما مِنْ نفسٍ تُقتلُ ظلمًا إلا كان على ابنِ آدمَ الأوّلِ كِفْلٌ من دَمِها، لأنه أوّلُ مَنْ سَنَّ القتل».
فكاد العدوّ هذا القاتل بقطيعة رحمه، وعقوق والديه، وإسخاط ربّه، ونقص عَدَدِه (٢)، وظلم نفسه، وعَرّضه لأعظم العقاب، وحَرَمَه حظّه من جزيل الثواب.
فصل
ثم جرى الأمرُ على السداد والاستقامة، والأمّة واحدةٌ، والدينُ واحدٌ، والمعبود واحد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
стр. 997
وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
قال سعيد عن قتادة (١): ذُكِرَ لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرةُ قرون، كلهم على الهُدَى وعلى شريعة من الحقّ، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعثَ الله نوحًا، وكان أولَ رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وبُعِث عند الاختلاف بين الناس وترْك الحق.
وقال ابن عباس (٢): ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كانوا على الإسلام كلهم.
وهذا هو القول الصحيح في الآية.
وقد روى عطية، عن ابن عباس (٣) ﵄: كانوا أمة واحدة
стр. 998
كانوا كفارًا.
وهذا قول الحسن، وعَطاء، قالا (١): كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح ﵉ أمة واحدة، على مِلّة واحدة، وهى الكفر، كانوا كفارًا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله نوحًا، وإبراهيم، والنبيين.
وهذا القول ضعيف جدًا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه.
قال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا أبو زُرعة، حدثنا شَيبان بن فَرُّوخ، حدثنا هَمّامٌ، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانوا على الإسلام كلهم.
وهذا هو الصواب قطعًا، فإن في قراءة أُبيّ بن كعب: «فاختلفوا [١٣٩ أ] فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».
стр. 999
ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
والمقصود أن العدوّ كادهم وتلاعَبَ بهم، حتى انقسموا قسمين: كفارًا ومؤمنين، فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث.
وكان أول ما كاد به عُبّاد الأصنام من جهة العكوف على القبور، وتصاوير أهلها، ليتذكروهم بها، كما قصّ الله سبحانه قصتهم في كتابه، فقال: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ١٣].
قال البخاري في «صحيحه» (١) عن ابن عباس ﵄: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحَى الشيطانُ إلى قومهم أن انصِبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسِخَ العلم عُبِدَتْ.
وقال ابن جرير (٢): عن محمد بن قَيْس، قال: كانوا قومًا صالحين من بني آدم، كان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبّ إليهم إبليسُ، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسْقَون المطر، فعبدوهم.
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي (٣): أخبرني أبي، قال: أول ما
стр. 1000
عُبدت الأصنام أن آدم ﵇ لمَّا مات جعله بنو شِيْث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أُهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل في الأرض.
قال هشام (١): فأخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: فكان بنو شيث ﵇ يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظِّمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل: يا بني قابيل! إن لبني شيث دُوَّارًا يدورون حولَه ويعظِّمونه، وليس لكم شيء، فنحَتَ لهم صنمًا، فكان أوّل من عملها.
قال هشام (٢): وأخبرني أبي، قال: كان ودٌّ، وسواعٌ، ويغوث، ويعوق، ونسرٌ قومًا صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم! هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أني لا أقدِرُ أن أجعل فيها أرواحًا، قالوا: نعم، فنحَتَ لهم خمسة أصنام على صورها، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول، وكانت عُملت على عهد يَرْد بن مهلائيل بن قَينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشدّ من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظّم أوّلونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظَّموا أمرهم، واشتدّ كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس ﵇ فدعاهم، فكذَّبوه، فرفعه الله مكانًا عليًّا.
стр. 1001
ولم يزل أمرهم يشتد ــ فيما قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ــ حتى أدرك نوح، فبعثه الله تعالى نبيًّا، وهو يومئذٍ ابن أربع مئة وثمانين سنةً، فدعاهم إلى الله تعالى في نبوّته عشرين ومئة سنةٍ، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ست مئة سنة، وغرق من غرق، ومَكث بعد ذلك ثلاث مئة وخمسين سنة، وكان بين آدم ونوح ألفا سنة [١٣٩ ب] ومئتا سنة، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جُدّة، فلما نضب الماء وبقيت على الشَّطّ فَسَفت الريحُ عليها حتى وارَتْها.
قلت: ظاهر القرآن يدلُّ على خلاف هذا، وأن نوحًا ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأن الله أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة.
قال الكلبي (١): وكان عمرو بن لُحَيٍّ كاهنًا، وله رَئِيٌّ من الجنّ، فقال له: عَجِّل المسيرَ والظَّعْنَ من تهامة، بالسعد والسلامة، ائتِ جُدّة، تجدْ فيها أصنامًا معدَّة، فأورِدْها تِهامة ولا تَهَبْ، ثم ادعُ العرب إلى عبادتها تُجَبْ. فأتى نهر جُدّة فاستثارها، ثم حملها حتى وَرَدَ تهامة، وحضر الحجّ، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبةً، فأجابه عوفُ بن عُذرَةَ بن زيد اللَّات، فدفع إليه وَدًّا فحمله، فكان بوادي القُرى بدُومة الجَندل، وسمى ابنه عبد وَدّ، فهو أول من سُميّ به، وجعل عوفٌ ابنه عامرًا سادنًا له، فلم يزل بنوه يَسْدُنونه حتى جاء الله بالإسلام.
стр. 1002
قال الكلبي (١): فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى وَدًّا، قال: وكان أبي يبعثني باللبن إليه، فيقول: اسْقِهِ إلهك، فأشربُه، قال: ثم رأيت خالد بن الوليد ﵁ كَسَرَه فجعله جُذاذًا، وكان رسولُ الله ﷺ بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ودّ وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم، وهدمه وكسره.
قال الكلبي (٢): فقلت لمالك بن حارثة: صِفْ لي ودًّا، حتى كأني أنظر إليه، قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد زُبِرَ أي نُقِش (٣) عليه حُلَّتان، مُتّزِرٌ بحلة، مُرْتَدٍ بأخرى، عليه سيفٌ قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حَرْبة فيها لواء، ووَفْضَةٌ فيها نَبْلٌ، يعني جَعْبةً.
وأجابت عمرَو بن لُحَيٍّ: مُضَرُ بن نزار، فدفع إلى رجل من هُذيل ــ يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مُدركة بن الْيَأس بن مُضَر ــ سُواعًا، فكان بأرض يقال لها: رُهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مُضر، وفى ذلك يقول رجل من العرب:
تَرَاهُمْ حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفًا ... كَمَا عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلَى سُوَاعِ (٤)
وأجابته مَذْحِج، فدفع إلى أنْعُمَ بن عمرو المرادي: يغوث، وكان بأكمة
стр. 1003
باليمن، تعبده مَذْحِج ومن والاها.
وأجابته هَمْدان، فدفَع إلى مالك بن مرثد بن جُشَم: يعوق، فكان بقرية يقال لها: خَيْوان، فعبده هَمْدان ومن والاها من اليمن.
وأجابت حِمْيَر، فدفع إلى رجل من ذي رُعَين يقال له مَعْدِي كَرِبَ: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلْخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هَوّدهم ذو نُواس.
فلم تزل هذه الأصنام تُعبَد، حتى بعث الله النبي ﷺ ، فهدمها وكسرها (١).
قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في «صحيحه» (٢) عن ابن عباس، قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ: أما وَدّ فكانت لكَلْبٍ بدُومة الجَنْدَل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكان لمراد، ثم لبني غُطيف بالجُرف عند سبأ، وأما يَعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيرَ لآل ذي الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح، وذكر ما تقدم.
وفى «صحيح البخاري» (٣) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله [١٤٠ أ] ﷺ : «رأيتُ عمرو بن عامر الخُزاعيّ يَجُرّ قُصْبَهُ في النار، وكان أولَ مَنْ سَيَّبَ السوائب». وفى لفظٍ: «وَغَيّر دينَ إبراهيم».
стр. 1004
وقال ابن إسحاق (١): حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي، أن أبا صالح السمّان حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثَمَ بن الجَوْنِ الخُزَاعِيّ: «يا أكثم! رأيت عَمرو بن لُحيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبَه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به، ولا به منك»، فقال أكثمُ: عسى أن يَضُرّني شَبهُه يا رسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أولَ مَنْ غَيّر دين إسماعيل، فنصبَ الأوثانَ، وبَحّر البحيرة، وسَيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي».
قال ابن هشام (٢): وحدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لُحَيٍّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآبَ من أرض البَلْقاء، وبها يومئذٍ العماليقُ، وهم وَلَدُ عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نَستمطر بها فتُمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال: أفلا تُعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هُبَلُ، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
стр. 1005
قال هشام (١): وحدثني أبي وغيره: أن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة، ووُلِدَ بها أولادُهُ، فكثروا، حتى ملأوا مكة، ونَفَوْا من كان بها من العماليق: ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يَظعنُ من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم، وصبَابَةً بمكة، فحيثما حلّوا وضعوه وطافُوا به كطوافهم بالبيت، حُبًّا للبيت، وصبابةً به، وهم على ذلك يعظِّمون البيت ومكة، ويحُجُّون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉، ثم عبدوا ما استحسنوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيرَهُ، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح ﵇، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحجّ والعمرة، والوقوف بعرفة والمزْدلفة، وإهداء البُدْن.
وكانت نِزَارُ تقول في إهْلالها: لَبّيْكَ اللّهُمَّ لبيْكَ، لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك، تملكه وما ملك!
وكان أولَ مَنْ غَيّر دين إسماعيل فنَصبَ الأوثان، وسَيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحَمَى الحامي: عمرو بن ربيعة، وهو لحيّ بن حارثة، وهو أبو خُزاعة، وكانت أم عمرو فُهيرة بنت عمرو بن الحارث، وكان الحارث الذي يَلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لُحيّ نازعه في الولاية، وقاتل جرهم ببني إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من
стр. 1006
بلاد مكة، وتولّى حِجابة البيت، ثم إنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حَمّةً (١)، إن أتيتها بَرأت، فأتاها فاستَحَمّ فيها، فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة.
واتخذت العربُ الأصنام، فكانت أقدمُها مناةَ، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المسلك بقُدَيْدٍ بين مكة والمدينة، وكانت العربُ جميعها تعظمه، وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما [١٤٠ ب] قارب من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويُهدون له، ولم يكن أحدٌ أشدّ إعظامًا له من الأوس والخزرج (٢).
قال هشام (٣): وحدثنا رجلٌ من قريش، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عَمّار بن ياسر، قال: كانت الأوس والخزرج ومَنْ جاورهم من عرب أهل يثرب وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده، لا يرون لحجّهم تمامًا إلا بذلك.
وكانت مناةُ لهُذَيْلٍ وخُزاعة، فبعث رسول الله ﷺ عليًّا، فهدمها عام الفتح، ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهى أحدث من مناة، وكانت صخرةً مُرَبّعة، وكان سدنتها من ثقيفٍ، وكانوا قد بَنَوْا عليها، وكانت قريش وجميع
стр. 1007
العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمّي زَيد اللات، وتَيْم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليُسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلَمَت ثقيفٌ، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها وحرّقها بالنار.
ثم اتخذوا العُزّى، وهى أحدثُ من اللات ومناة، اتخذها ظالمُ بن أسعد، وكانت بوادٍ من نخلة، فوق ذاتِ عِرْقٍ، وبنوا عليها بيتًا، وكانوا يسمعون منه الصوْت.
قال هشام (١): وحدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كانت العُزّى شيطانةً، تأتى ثلاث سَمُراتٍ ببطن نخلةَ، فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: «ائتِ بطنَ نخلة، فإنك ستجد ثلاث سَمُرات، فاعضد الأولى»، فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه قال: «هل رأيت شيئًا؟»، قال: لا، قال: «فاعضد الثانية»، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: «هل رأيت شيئًا؟»، قال: لا. قال: «فاعضد الثالثة»، فأتاها، فإذا هو بحبشيةٍ نافشةٍ شعرها، واضعةٍ يَديْها على عاتقها، تصرفُ بأنيابها، وخلفها سادِنُها، فقال خالد: يا عُزَّى كُفْرَانَكِ لا سُبْحَانَكِ، إنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكِ. ثم ضربها، ففلق رأسها، فإذا هي حُمَمَةٌ، ثم عضد الشجرة، وقتل السادن، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «تلك العُزّى، ولا عُزّى بعدها للعرب».
قال هشام (٢): وكانت لقريش أصنامٌ في جَوف الكعبة وحولها، وأعظمها عندهم: هُبَلُ، وكان فيما بلغني من عَقيقٍ أحمر، على صورة إنسانٍ
стр. 1008
مكسور اليد اليُمنَى، أدركته قريشٌ كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب، وكان أولُ مَنْ نصبه خُزَيمة بن مُدْرِكة بن اليأس بن مُضر، وكان في جوف الكعبة، وكان قُدّامه قِدَاحٌ مكتوبٌ في أحدها: صريحٌ، وفى الآخر: مُلْصَقٌ، فإذا شكُّوا في مولودٍ أهدوا له هَدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج «صريح» ألحقوه، وإن كان «ملصقا» دفعوه. وكانوا إذا اختصموا في أمرٍ أو أرادوا سفرًا أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ! فقال رسول الله ﷺ : «قولوا له: الله أعْلَى وأجَلّ» (١). وكان لهم إسافٌ، ونائِلةُ.
قال هشام (٢): فحدّث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن إسافًا رجلٌ من جُرْهُم يقال له: إسافُ بن يَعْلَى، ونائلةُ بنتُ زيد من جرْهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن، فأقبلوا حُجّاجًا، فدخلا البيت، فوجدا غَفْلَةً من الناس وخَلْوةً من البيت، ففَجَر بها في البيت، فمُسِخَا حجرين، فأصبحوا، فوجدوهما مِسْخين، فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خُزاعة وقُرَيش، ومَنْ حجّ البيت بعدُ من العرب.
قال هشام (٣): [١٤١ أ] لما مُسِخا حجرين وُضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس، فلما طال مُكثهما وعُبدت الأصنام عُبدا معها، وكان أحدهما مُلصقًا بالكعبة، والآخر في موضع زَمزم، فنقلت قريشٌ الذي كان مُلصقًا بالكعبة إلى الآخر، فكانوا يذبحون وينحرون عندهما.
стр. 1009
وكان من تلك الأصنام: ذو الخَلَصَة (١)، وكان مَرْوَةً بيضاء منقوشةً، عليها كهيئة التاج، وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع (٢) ليالٍ من مكة، وكانت تعظمه وتُهدي إليه خَثْعم وبَجِيلة، فقال رسول الله ﷺ لجرير (٣): «ألا تكفيني ذا الخَلَصة؟» (٤)، فسار إليه بأحمَس، فقاتلته خثعم وباهلة، فظفر بهم، وهدم بيت ذي الخلصة، وأضرم فيه النار فاحترق.
وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تَبالَة.
وكان لدَوْس صَنمٌ يقال له: ذو الكَفّين، فلما أسلموا بعث رسول الله ﷺ الطُّفيل بن عمرٍو فحرقه.
وكان لبني الحارث بن يَشْكُر صنم يقال له: ذو الشِّرَى.
وكان لقُضاعة ولَخْمٍ وجُذامٍ وعامِلةَ وغَطَفان صنمٌ في مشارف الشام، يقال له: الأُقيصر.
وكان لمُزَيْنة صنمٌ يقال له: نُهْمٌ، وبه كانت تُسَمّى عبد نُهْم.
وكان لعنزة صنم يقال له: سُعَير.
وكان لطيِّئٍ صنم ــ يقال له: الفِلْس (٥).
وكان لأهل كلّ دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم
стр. 1010
السفر كان آخر ما يصنعُ في منزله: أن يتمسّح به، وإذا قدِم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله: أن يتمسح به (١).
قال ابن إسحاق (٢): وكان لخولان صنمٌ يقال له: عَمّ أنس، بأرض خَوْلان، يَقسمون له من أنعامهم وحروثهم قَسْمًا بينه وبين الله بزعمهم، فما دَخلَ في حق الله من حق عم أنس ردّوه عليه، وما دخل في حقِّ الصنم من حقِّ الله الذي سمَّوه له تركوه له، وفيهم أنزل الله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
قال ابن إسحاق (٣): وكان لبني مَلْكان بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدركة صنم يقال له: سعد، صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل من بني مَلْكان بإبلٍ له مُؤَبّلَة، ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل وكان يُهَراقُ عليه الدماء نَفَرتْ منه، فذهبت في كل وجه، فغضب رَبّها، فأخذ حجرًا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك! نَفّرت عني إبلي، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
أَتَيْنَا إِلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْد
وَهَلْ سَعْدُ إِلا صَخْرَةٌ بِتَنُوفَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لا تَدْعُو لِغَيٍّ وَلا رُشْدِ (٤)
стр. 1011
قال ابن إسحاق (١): وكان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سلمة، وشريفًا من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنمًا من خشب يقال له: مَناة، فلما أسلم فِتيان بنى سلمة: معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو، وغيرهم ممن أسلم وشهد العَقَبة، وكانوا يُدلِجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه، فيطرحونه في بعض حُفَرِ بني سلمة، وفيها عَذِرات الناس مُنَكَّسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم! مَنْ عدا على إلاهتنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطَهّره وطيَّبه، ثم قال: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأُخْزِينّه، فإذا أمسى ونام عَدَوا ففعلوا بصنمه مثل ذلك، فيغدو يلتمسه، فيجد به مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، فيعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به ذلك، فلما طال عليه استخرجه من حيث ألْقَوْهُ، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه، فعلقه عليه، ثم قال [١٤١ ب] له: والله إني لا أعلم مَنْ يصنَعُ بك ما ترى، فإن كان فيك خيرٌ فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عَدَوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا، فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سَلمة، فيها عَذِرٌ من عَذر الناس، وغدا عمروٌ، فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتَّبعه، حتى وجده في تلك البئر مُنكَّسًا، مقرونًا بكلب ميتٍ، فلما رآه أبصر شأنه، وكلّمه مَنْ أسْلَمَ من قومه، فأسلم، وحسن إسلامه، فقال حين أسلم وعَرَف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك، وما أبصر من أمره، ويشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العَمَى والضلالة:
وَاللهِ لَوْ كُنْتَ إِلهًا لَمْ تَكُنْ ... أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ في قَرَنْ
стр. 1012
أُفٍّ لِمَلْقَاكَ إِلهًا مُسْتَدَنْ ... الآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الغَبَنْ
الْحَمدُ للّهِ الْعَليّ ذِي المِنَنْ ... الوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ
هُوَ الذي أَنْقَذَني مِنْ قَبْلِ أنْ ... أَكُونَ في ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ (١)
قال ابن إسحاق (٢): واتخذ أهلُ كل دارٍ في دارهم صنمًا يعبدونه، فإذا أراد رجلٌ منهم سفرًا تمسّح به، وإذا قدم من سفر تمسّح به، فيكون آخرُ عهدِه به، وأولُ عهده به، فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوتٌ تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحُجّاب، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، ويُطاف بها كما يُطاف بالكعبة، ويُنحر عندها كما يُنحر عند الكعبة.
وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا، أخذَ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه رَبًّا، وجعل الثلاثة أثافيّ لقِدْره، فإذا ارتْحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر فعل مثل ذلك (٣).
قال حنبل (٤): حدثنا حسن بن الربيع، قال: حدثنا مهديّ بن ميمون،
стр. 1013
قال: سمعت أبا رجاء العُطارِديّ يقول: لما بُعث النبي ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلِمة الكذاب، فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبدُ الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نُلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثْيَةً من تُراب، ثم جئنا بغَنَم، فحلبناها عليه، ثم طُفنا به.
وقال أبو رجاء (١) أيضًا: كنا نَعْمِد إلى الرّملِ فنجمعه، ونحلب عليه، فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض، فنعبده زمانًا، ثم نلقيه.
وقال أبو بكر بن أبى شيبة (٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أبى زينب، قال: سمعت أبا عثمان النّهديّ يقول: كنا في الجاهلية نعبدُ حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرحال! إن ربكم قد هلك، فالتمسوا ربًّا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينما نحن كذلك نطلبه، إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنا قد وجدنا ربكم، أو شِبْهه، فإذا حجرٌ، فنحرنا عليه الجُزُر.
وقال محمد بن سعد (٣): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني
стр. 1014
الحجاج بن صفوان، عن ابن أبى حسين، عن شَهر بن حَوْشب، عن عمرو بن عَبَسة، قال: كنت امرءًا ممن عبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرجُ الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقِدْره، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثم لعلّه يجد ما هو أحسنُ منه قبل أن يرتحل، فيتركه ويأخذ غيره.
ولما فتح رسول الله ﷺ مكة وجد حول البيت ثلاث مئة وستين صنمًا، فجعل يَطعَنُ بِسِيَةِ قَوْسه في وُجوهها وعيونها، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ [١٤٢ أ] الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، وهى تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها، فأُخْرِجت من المسجد وحُرّقت (١).
فصل
وتلاعُبُ الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعبَ بكل قوم على قدر عقولهم:
فطائفةٌ دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى، الذين صوّرُوا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح ﵇، ولهذا لعنَ النبي ﷺ المتخذين على القبور المساجدَ والسُّرج، ونهى عن الصلاة إلى القبور، وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد، ونهى أمّته أن يتخذوا قبره عيدًا، وقال: «اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وأمر بتسوية القبور، وطَمْسِ التماثيل (٢).
стр. 1015
فأبى المشركون إلا خلافَه في ذلك كله، إما جهلًا، وإما عنادًا لأهل التوحيد، ولم يضرّهم ذلك شيئًا، وهذا السبب هو الغالبُ على عوامِّ المشركين.
وأما خواصّهم: فإنهم اتخذوها بزعمهم على صُور الكواكِب المؤثِّرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتًا، وسَدَنَةً، وحُجّابًا، وحَجًّا، وقُربانًا، ولم تزل هذه في الدنيا قديمًا وحديثًا.
فمنها: بيتٌ على رأس جبل بأصبهان، كان به أصنام، أخرجها بعض ملوك المجوس، وجعله بيت نارٍ.
ومنها: بيتٌ ثانٍ وثالثٌ ورابعٌ بصنعاء، بناه بعض المشركين على اسم الزهرة، فخرَّبه عثمان بن عفان (١) رضي الله تعالى عنه.
ومنها: بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فَرْغَانَة، فخرَّبَهُ المعتصم.
وأشد الأمم في هذا النوع من الشرك: الهند.
قال يحيى بن بِشْر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجلٌ يقال له: بَرَهْمَنْ، ووضعَ لهم أصنامًا، وجعل أعظم بيوتها بيتًا بمدينة من مدائن السِّنْدِ، وجعل فيه صنمهم الأعظم، وزَعم أنه بصورة الهَيُولَى الأكبر، وفُتحت هذه المدينة في أيام الحجاج، واسمها المُلْتان، فأراد المسلمون قَلْعَ الصنم، فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثُلُثَ ما يجتمع له من المال، فأمر
стр. 1016
عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحجُّ إليه من نحو ألفي فرسخ، ولا بدَّ لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه، من مئةٍ إلى عشرة آلاف، لا يكون أقل من هذا ولا أكثر، فيلقيه في صندوق عظيم هناك، ويطوف بالصنم، فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قُسم ذلك المال، فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسَدَنة الصنم ومصالحه.
وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قومُ إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه.
وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتَّى.
فمنهم عُبّاد الشمس، زعموا أنها مَلَك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهى أصلُ نور القمر والكواكب، وتكوُّن الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود والدعاء.
ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا، بيده جَوْهَر على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القُرَى والضِّياع، وله سَدنة وقُوّام وحَجَبة، يأتون البيت ويصلُّون فيه لها ثلاث كَرّات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلُّون، ويدعونه ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، [١٤٢ ب] وإذا توسطت الفَلَك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة، لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحرّي الصلاة في هذه الأوقات (١)، قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًّا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.
стр. 1017
فصل
وطائفة أخرى: اتخذت للقمر صنمًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي.
ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عِجْلٍ، ويجرُّه أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه، ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.
ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا لها هياكلَ ومتعبَّداتٍ، لكل كوكب منها هيكل يخصُّه، وصنم يخصُّه، وعبادة تخصُّه. ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر في كتاب «السرّ المكتوم في مخاطبة النجوم» المنسوب إلى ابن خطيب الرَّيّ؛ تعرف سِرَّ عبادة الأصنام، وكيفية تلك العبادة وشرائطها.
وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام، فإنهم لا تستمرّ لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه.
ومن هاهنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا، زعموا أنها على صورها.
فوَضْعُ الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبودٍ غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته، ليكون نائبًا منابَه، وقائمًا مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحتُ خشبة أو حجرًا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده.
стр. 1018
ومن أسباب عبادته أيضًا: أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها، وتخبرهُم ببعض المغيَّبات، وتَدُلُّهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين. فجهلتهم وسقطهم يظنُّون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطِب! وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام! وبعضهم يقول: إنها ملائكة! وبعضهم يقول: إنها العقول المجرّدة! وبعضهم يقول: هي روحانيات الأجرام العلوية! وكثير منهم لا يسأل عمّا عهد، بل إذا سمع الخطاب من الصنم، اتخذه إلهًا، ولا يسأل عمَّا وراء ذلك.
وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلّص منها إلا الحُنفاء أتباع مِلّة إبراهيم ﵇.
وعبادتها في الأرض مِنْ قَبْلِ نوح ﵇، كما تقدم، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحُجّابها والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طَبَّقَ الأرض.
قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦].
والأمم التي أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام، كما قَصّ الله تعالى ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسُلَ وأتباعهم من الموحدين.
ويكفي في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صحّ عن النبي ﷺ : «أن بَعْثَ النار من كل ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعون» (١).
стр. 1019
وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ [١٤٣ أ] بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
ولو لم تكن الفتنةُ بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدَم عُبّادها على بَذْلِ نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، فهم يشاهدون مصارعَ إخوانهم وما حلّ بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حُبًّا لها وتعظيمًا، ويُوصي بعضهم بعضًا بالصبر عليها، وتحمّل أنواع المكاره في نُصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم التي فُتنت بعبادتها، وما حَلّ بهم من عاجل العقوبات، ولا يَثنيهم ذلك عن عبادتها.
ففتنة عبادة الأصنام أشدّ من فتنة عِشْق الصّوَر، وفتنة الفجور بها، والعاشق لا يَثْنِيه عن مُراده خَشْيَةُ عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة، وهو يشاهدُ ما يحِلّ بأصحاب ذلك من الآلام والعقوبات، والضرب، والحبس، والنّكال، والفقر، غيرَ ما أعدّ الله له في الآخرة وفي البَرْزخ، ولا يزيده ذلك إلا إقدامًا وحرصًا على الوصول والظفر بحاجته. فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام وأشدّ، فإن تألُّهَ القلوب لها أعظمُ من تألُّهها للصور التي يريدُ منها الفاحشة بكثير.
والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أوّلها إلى آخرها مصرّحةٌ ببطلان هذا الدِّين وكفر أهله، وأنهم أعداءُ لله ورُسله، وأنهم أولياء الشيطان وعُبّاده،
стр. 1020
وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حَلّت بهم المَثُلاتُ، ونزلت بهم العقوبات، وأن الله سبحانه بريء منهم هو وجميع ملائكته، وأنه سبحانه لا يغفرُ لهم، ولا يقبل لهم عملًا. وهذا معلوم بالضرورة من الدِّين الحنيف.
وقد أباح الله لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماءَ هؤلاء، وأموالهم، ونساءهم، وأبناءهم، وأمَرَهُمْ بتطهير الأرض منهم حيث وُجِدوا، وذَمَّهم بسائر أنواع الذمّ، وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة، فهؤلاء في شِقٍّ، ورسل الله تعالى كلهم في شِقٍّ.
فصل
ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلوّ في المخلوق، وإعطاؤه فوقَ منزلته، حتى جُعل فيه حَظّ من الإلهية، وشبّهوه بالله ، وهذا هو التشبيه الواقعُ في الأمم، الذي أبطله الله سبحانه، وبعثَ رُسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.
فهو سبحانه يَنْفي وينهى أن يُجعل غيرُه مِثْلًا له، ونِدًّا له، وشبْهًا له، لا أن يُشَبَّه هو بغيره، إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مِثلًا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلًا وشَبَّهتْ به الخالق، فهذا لا يُعرفُ في طائفة من طائفة بني آدم. وإنما الأولُ هو المعروف في طوائف أهل الشرك، غُلوًّا فيمن يُعظِّمونه ويحبُّونه، حتى شبَّهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرّحوا أنه إله، وأنكروا جَعْلَ الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود، يُرجَى ويُخافُ،