عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحجُّ إليه من نحو ألفي فرسخ، ولا بدَّ لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه، من مئةٍ إلى عشرة آلاف، لا يكون أقل من هذا ولا أكثر، فيلقيه في صندوق عظيم هناك، ويطوف بالصنم، فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قُسم ذلك المال، فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسَدَنة الصنم ومصالحه.
وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قومُ إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه.
وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتَّى.
فمنهم عُبّاد الشمس، زعموا أنها مَلَك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهى أصلُ نور القمر والكواكب، وتكوُّن الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود والدعاء.
ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا، بيده جَوْهَر على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القُرَى والضِّياع، وله سَدنة وقُوّام وحَجَبة، يأتون البيت ويصلُّون فيه لها ثلاث كَرّات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلُّون، ويدعونه ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، [١٤٢ ب] وإذا توسطت الفَلَك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة، لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحرّي الصلاة في هذه الأوقات (١)، قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًّا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.
стр. 1017
فصل
وطائفة أخرى: اتخذت للقمر صنمًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي.
ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عِجْلٍ، ويجرُّه أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه، ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.
ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا لها هياكلَ ومتعبَّداتٍ، لكل كوكب منها هيكل يخصُّه، وصنم يخصُّه، وعبادة تخصُّه. ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر في كتاب «السرّ المكتوم في مخاطبة النجوم» المنسوب إلى ابن خطيب الرَّيّ؛ تعرف سِرَّ عبادة الأصنام، وكيفية تلك العبادة وشرائطها.
وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام، فإنهم لا تستمرّ لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه.
ومن هاهنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا، زعموا أنها على صورها.
فوَضْعُ الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبودٍ غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته، ليكون نائبًا منابَه، وقائمًا مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحتُ خشبة أو حجرًا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده.
стр. 1018
ومن أسباب عبادته أيضًا: أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها، وتخبرهُم ببعض المغيَّبات، وتَدُلُّهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين. فجهلتهم وسقطهم يظنُّون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطِب! وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام! وبعضهم يقول: إنها ملائكة! وبعضهم يقول: إنها العقول المجرّدة! وبعضهم يقول: هي روحانيات الأجرام العلوية! وكثير منهم لا يسأل عمّا عهد، بل إذا سمع الخطاب من الصنم، اتخذه إلهًا، ولا يسأل عمَّا وراء ذلك.
وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلّص منها إلا الحُنفاء أتباع مِلّة إبراهيم ﵇.
وعبادتها في الأرض مِنْ قَبْلِ نوح ﵇، كما تقدم، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحُجّابها والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طَبَّقَ الأرض.
قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦].
والأمم التي أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام، كما قَصّ الله تعالى ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسُلَ وأتباعهم من الموحدين.
ويكفي في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صحّ عن النبي ﷺ : «أن بَعْثَ النار من كل ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعون» (١).
стр. 1019
وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ [١٤٣ أ] بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
ولو لم تكن الفتنةُ بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدَم عُبّادها على بَذْلِ نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، فهم يشاهدون مصارعَ إخوانهم وما حلّ بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حُبًّا لها وتعظيمًا، ويُوصي بعضهم بعضًا بالصبر عليها، وتحمّل أنواع المكاره في نُصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم التي فُتنت بعبادتها، وما حَلّ بهم من عاجل العقوبات، ولا يَثنيهم ذلك عن عبادتها.
ففتنة عبادة الأصنام أشدّ من فتنة عِشْق الصّوَر، وفتنة الفجور بها، والعاشق لا يَثْنِيه عن مُراده خَشْيَةُ عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة، وهو يشاهدُ ما يحِلّ بأصحاب ذلك من الآلام والعقوبات، والضرب، والحبس، والنّكال، والفقر، غيرَ ما أعدّ الله له في الآخرة وفي البَرْزخ، ولا يزيده ذلك إلا إقدامًا وحرصًا على الوصول والظفر بحاجته. فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام وأشدّ، فإن تألُّهَ القلوب لها أعظمُ من تألُّهها للصور التي يريدُ منها الفاحشة بكثير.
والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أوّلها إلى آخرها مصرّحةٌ ببطلان هذا الدِّين وكفر أهله، وأنهم أعداءُ لله ورُسله، وأنهم أولياء الشيطان وعُبّاده،
стр. 1020
وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حَلّت بهم المَثُلاتُ، ونزلت بهم العقوبات، وأن الله سبحانه بريء منهم هو وجميع ملائكته، وأنه سبحانه لا يغفرُ لهم، ولا يقبل لهم عملًا. وهذا معلوم بالضرورة من الدِّين الحنيف.
وقد أباح الله لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماءَ هؤلاء، وأموالهم، ونساءهم، وأبناءهم، وأمَرَهُمْ بتطهير الأرض منهم حيث وُجِدوا، وذَمَّهم بسائر أنواع الذمّ، وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة، فهؤلاء في شِقٍّ، ورسل الله تعالى كلهم في شِقٍّ.
فصل
ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلوّ في المخلوق، وإعطاؤه فوقَ منزلته، حتى جُعل فيه حَظّ من الإلهية، وشبّهوه بالله ، وهذا هو التشبيه الواقعُ في الأمم، الذي أبطله الله سبحانه، وبعثَ رُسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.
فهو سبحانه يَنْفي وينهى أن يُجعل غيرُه مِثْلًا له، ونِدًّا له، وشبْهًا له، لا أن يُشَبَّه هو بغيره، إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مِثلًا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلًا وشَبَّهتْ به الخالق، فهذا لا يُعرفُ في طائفة من طائفة بني آدم. وإنما الأولُ هو المعروف في طوائف أهل الشرك، غُلوًّا فيمن يُعظِّمونه ويحبُّونه، حتى شبَّهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرّحوا أنه إله، وأنكروا جَعْلَ الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود، يُرجَى ويُخافُ،
стр. 1021
ويُعظّم ويُسجدُ له، ويُحلَف باسمه، وتُقرَّب إليه القرابين، إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى.
فكل مشرك فهو مُشَبِّهٌ إلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يُشَبّهه به من كل وجه، حتى إن الذين وصفوه سبحانه بالنقائص والعيوب، كقولهم:
إنه فقيرٌ، وإن يده مغلولةٌ، وإنه استراح لمَّا فرغ من خلق العالم، والذين جعلوا له ولدًا وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا: لم يكن قصدُهم أن يجعلوا المخلوق أصلًا، ثم يشبهون به الخالق تعالى، بل وصفوه بهذه الأشياء [١٤٣ ب] استقلالًا، لا قصدًا أن يكون غيرُه أصلًا فيها وهو مشبَّه به.
ولهذا كان وصفه سبحانه بهذه الأمور من أبطل الباطل، لكونها في نفسها نقائصَ وعيوبًا، ليس جهة البطلان في اتصافه بها هو التشبيه والتمثيل، فلا يُتَوَقَّفُ في نفيها عنه على ثبوت انتفاء التشبيه، كما يفعله بعض أهل الكلام الباطل، حيث صرَّح بأنه لا يقوم دليل عقلي على انتفاء النقائص والعيوب عنه، وإنما تُنفى عنه لاستلزامها التشبيه والتمثيل.
وهؤلاء إذا قال لهم الواصفون لله سبحانه بهذه الصفات: نحن نُثبتها له على وجهٍ لا يُماثل فيها خلقه، بل نُثبت له فقرًا وصاحبةً وإيلادًا لا يماثل فيه خلقه، كما تثبتون أنتم له علمًا وقدرة وحياة وسمعًا وبصرًا لا يماثل فيه خلقه، فقولنا في هذا كقولكم فيما أثبتموه سواءً= لم يتمكنوا من إبطال قولهم، ويصيرون أكفاءً لهم في المناظرة، فإنهم قد أعْطوهم أنه لا يقوم دليل عقلي على انتفاء النقائص والعيوب، وإنما ننفي ما نُفي عنه لأجل التشبيه والتمثيل، وقد أثبتوا له صفاتٍ على وجه لا يستلزم التشبيه، فقال أولئك: وهكذا نقول نحن.
стр. 1022
ولمّا عرف (١) بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع، وقال: إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع، وعندهم أن الإجماع أدلَّته ظنية لا تفيدُ اليقين، فليس عند القوم يقين وقطعٌ بأن الله سبحانه منزَّه عن النقائص والعيوب.
وأهلُ السنة يقولون: إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجبٌ لذاته، كما أن إثباتَ صفات الكمال والحمد واجب له لذاته، وهو أظهرُ في العقول، والفِطَر، وجميع الكتب الإلهية، وأقوال الرسل من كل شيء.
ومن العَجَب أن هؤلاء جاءوا إلى ما عُلم بالاضطرار أن الرسل جاءوا به، ووصفوا الله سبحانه به، ودلّت عليه العقول والفِطرُ والبراهينُ؛ فنفوه، وقالوا: إثباته يستلزم التجسيم والتشبيه، فلم يثبت لهم قدَم البتة فيما يثبتونه له سبحانه وينفونه عنه، وجاءوا إلى ما عُلم بالاضطرار، والفطر، والعقول، وجميع الكتب الإلهية، مِنْ تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب، فقالوا: ليس في أدلة العقل ما ينفيه، وإنما ننفيه بما ننفي به التشبيه.
وليس في الخذلان فوق هذا، بل إثباتُ هذه العيوب والنقائص يُضادّ كماله المقدَّس، وهو سبحانه موصوفٌ بما يُضادُّها ويناقضها من كل وجه، ونفيُها أظهر وأبينُ في العقول من نفي التشبيه، فلا يجوز أن يثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه.
والمقصود أنه لم يكن في الأمم مَنْ مَثّله بخلقه، وجعل المخلوق أصلًا ثم شَبّهه به، وإنما كان التمثيلُ والتشبيهُ في الأمم، حيث شبَّهوا أوثانهم
стр. 1023
ومعبودهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تُعرف أمةٌ من الأمم عليه، وبالغوا فيه، حتى نفوا به عنه صفات الكمال.
وهذا موضع مهمٌّ نافع جدًّا، به يُعرف الفرق بين ما نَزّه الرب سبحانه نفسه عنه، وذمّ به المشركين المشبِّهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دلّ عليه وأُريد به نفيه.
والقرآن مملوءٌ من إبطال أن يكون في المخلوقات [١٤٤ أ] ما يُشبه الرب تعالى أو يماثله، فهذا هو الذي قُصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فهؤلاء جعلوا المخلوق مِثْلًا للخالق، فالنِّدُّ: الشّبْهُ، يقال فلان نِدُّ فلان ونديده، أي: مثله وشبهه، ومنه قول حسان بن ثابت (١):
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِداءُ
ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني له نِدًّا؟» (٢).
стр. 1024
وقال جرير (١):
أَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ إِليّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ
قال ابن مسعود وابن عباس (٢): لا تجعلوا لله أكفاءً من الرجال، تطيعونهم في مَعْصِية الله.
وقال ابن زيد (٣): الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه.
وقال الزجَّاج (٤): أي لا تجعلوا لله أمثالًا.
فالذي أنكره الله سبحانه عليهم: تشبيه المخلوق به، حتى جعلوه ندًّا لله تعالى، يَعْبُدونه كما يعبدون الله.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأنكر هذا التشبيه عليهم، وهو أصلُ عبادة الأصنام.
стр. 1025
ونظيرُ هذا قولهُ سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أي: يعدلون به غيره، فيجعلون له من خَلقِه عِدْلًا وشِبْهًا.
قال ابن عباس (١): يريد: عدلوا بي مِنْ خَلْقِي الحجارةَ والأصنامَ، بعد أن أقرُّوا بنعمتي وربوبيتي.
وقال الزجاج (٢): أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلًا.
والعَدْلُ: التسويةُ، يقال: عدَل الشيءَ بالشيء: إذا سَوّاه، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. قاله مجاهد (٣).
قال الأحمر: يقال: عَدلَ الكافرُ بربِّه عدلًا وعدولًا، إذا سوّى به غيره فعبَده.
وقال الكِسائيّ: عدلتُ الشيء بالشيء أعدِله عدولًا، إذا ساويته به.
ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبِّهين إنهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شِبْهًا وعِدْلًا من
стр. 1026
خلقه، سَوَّوهم به في العبادة والتعظيم.
وقال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
قال ابن عباس (١): شبهًا ومثلًا، وهو مَنْ يُسامِيْه.
وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق ومماثلًا له، بحيث يستحقّ العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سَمِيًّا أو مشبَّهًا لغيره، فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبِّهون جعلوا بعض المخلوقات مُشابهًا له مساميًا ونِدًّا وعِدْلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل.
وكذلك قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٣، ٧٤]، فنهاهم أن يضربوا له مثلًا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلًا لخلقه، فإن هذا لم يقله أحدٌ، ولم يكونوا يفعلونه، فإن الله سبحانه أجلّ وأعظم وأكبر من كل [١٤٤ ب] شيء في فِطَر الناس كلهم، ولكن المشبِّهون المشركون يَغْلُون فيمن يعظمونه، فيشبِّهونهم بالخالق، والله تعالى أجلّ في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلًا، ثم يشبهونه سبحانه بغيره.
стр. 1027
فإن الذي يشبِّهه بغيره: إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم، لأنه مَثّل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه نسبة في العظمة والجلالة، وعاقلٌ لا يفعل ذلك.
وإن قصد التنقُّص شبَّهه بالناقصين المذمومين، لا بالكاملين الممدوحين.
ومن هنا يُعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل، لا بالكاملين ولا بالناقصين، وأن نفي تلك الصفات يستلزمُ تشبيهه بأنقص الناقصين.
فانظر إلى الجهمية وأتباعهم، جاءوا إلى التشبيه المذموم، فأعرضوا عنه صفحًا، وجاءوا إلى الكمال والمدح، فجعلوه تشبيهًا وتمثيلًا، عكس ما بيَّنه القرآن، وجاء به من كُلّ وجهٍ.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، هو سَلْبٌ عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق سبحانه، ولم يقل: ولم يكن هو كفوًا لأحد، فينفي عن نفسه مشابهته للمخلوق ومكافأته له، إذ كان ذلك أبين وأظهر من أن يُحتاج إلى نفيه.
وسرُّ ذلك أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه في شيء من صفاته وخصائصه، وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق ولا يشابهه، ولا هو نِدًّا له ولا كفؤًا، فليس فيه مدح له.
فإنه لو مُدِح بعضُ الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات، ولا الحجارة، ولا الخشب، ونحو ذلك= لم يُعَدّ هذا مدحًا، ولا ثناءً عليه، ولا كمالًا له. بخلاف ما إذا قيل: لا تجعل للملك نِدًّا، ولا كفؤًا، ولا شبيهًا من
стр. 1028
رعيَّته، تعظّمه كتعظيمه، وتطيعه كطاعته، فإنه ليس في رعيته من يُساميه، ولا يماثله، ولا يكافيه= كان هذا غاية المدح.
وكذلك قول سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبِّهون والمشركون، ولم يقصد به نفي صفات كماله، وعلوّه على خلقه، وتكلُّمه بكتبه، وتكليمه لرسله، ورؤية المؤمنين له جَهْرةً بأبصارهم، كما يُرى الشمس والقمر في الصّحْو، فإنه سبحانه إنما ذكر هذا في سياق ردّه على المشركين، الذي اتخذوا من دونه أولياء، يوالونهم من دونه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٦ ـ ١١].
فتأمل كيف ذكر هذا النفي تقريرًا للتوحيد، وإبطالًا [١٤٥ أ] لما عليه أهلُ الشرك، من تشبيه آلهتهم وأوليائهم به حتى عبدوهم معه، فحرّفها المحرّفون وجعلوها تُرْسًا لهم في نفي صفات كماله، وحقائق أسمائه وأفعاله.
стр. 1029
وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نَفيًا ونَهيًا هو أصل شرك العالم وعبادة الأصنام، ولهذا نَهى النبي ﷺ أن يسجُدَ أحدٌ لمخلوق مثله (١)، أو يحلف بمخلوق، أو يُصلّي إلى قبرٍ، أو يتخذ عليه مسجدًا، أو يُعلّق عليه قنديلًا، أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك، حذرًا من هذا التشبيه الذي هو أصلُ الشرك.
أما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد.
فتبين أن المشبّهة هم الذين يُشَبّهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع، والحَلِف به، والنّذْر له، والسجود له، والعُكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا مُتّكلٌ على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك.
فهؤلاء هم المشبِّهة حقًّا، لا أهل التوحيد المثبتون لله ما أثبت لنفسه، والنافون عنه ما نفاه عن نفسه، الذين لا يجعلون له ندًّا من خلقه، ولا عدلًا، ولا كُفؤًا، ولا سَمِيًّا، وليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع.
стр. 1030
فمن تدبَّر هذا الفصل حَقّ التدبر تبيَّن له كيف وقعت الفتنة في الأرض بعبادة الأصنام، وتبيّن له سرُّ القرآن في الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة، ولاسيَّما إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيلَ الصفات والأفعال، كما هو الغالب عليهم، فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله، وتشبيه خلقه به.
فصل
ومن كيده وتلاعبه: ما تلاعب بعبّاد النار، حتى اتخذوها آلهةً معبودةً.
وقد قيل: إن هذا كان من عهد قابيل، كما ذكر أبو جعفر محمد بن جرير (١): أنه لما قتلَ قابيلُ هابيلَ وهرب من أبيه آدم ﵇، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قُبل قُرْبانه وأكلته النار، لأنه كان يخدُمها ويعبدها، فانصِبْ أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعَقِبك، فبنى بيت نار، فهو أوّلُ من نصب النار وعبدها.
وسرى هذا المذهب في المجوس، فبنوا لها بيوتًا كثيرة، واتخذوا لها الوقوف والسدنة والحُجّاب، فلا يدعونها تَخْمُدُ لحظةً واحدة، فاتخذ لها أفريدون بيتًا بطوس، وآخر ببخارى، واتخذ لها بهمنُ بيتًا بسجستان، واتخذ لها أبو قباذ بيتًا بناحية بُخارى، واتُّخذت لها بيوت كثيرة.
стр. 1031
وعُبّاد النار يُفَضّلونها على التراب، ويعظِّمونها، ويصوِّبون رأي إبليس.
وقد رُمي بَشَّار بن بُرْد بهذا المذهب لقوله في قصيدته (١):
الأَرْضُ سَافِلَةٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ ... وَالنَّارُ مَعْبُودَةٌ مُذْ كانَتِ النَّارُ
ويقولون: إنها أوسع العناصر خيرًا، وأعظمها جِرْمًا، وأوسعها مكانًا، وأشرفها جوهرًا، وألطفها جسمًا، ولا كوْن في العالم إلا بها، ولا نُموَّ ولا انعقادَ إلا بممازجتها.
ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أُخدودًا مُرَبّعًا في الأرض، ويطوفون به.
وهم أصنافٌ مختلفة:
فمنهم: من يُحرّم إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، وهم أكثر المجوس.
وطائفة أخرى منهم مَن تبلغُ بهم عبادتهم لها إلى أن يُقرّبوا أنفسهم وأولادهم لها، وهؤلاء أكثر ملوك الهند [١٤٥ ب] وأتباعهم، ولهم سُنة معروفة في تقريب نفوسهم، وإلقائهم فيها، فيَعمِدُ الرجل الذي يريد أن يفعل ذلك بنفسه أو بولده أو حبيبه، فيُجَمّله ويُلبسه أحسن اللباس، وأفخر الحُليِّ، ويركب أعلى المراكب، وحول المعازف والطبول والبوقات، فيُزَفّ إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه، حتى إذا ما قابلها ووقف عليها وهى تأجَّجُ
стр. 1032
طرحَ نفسه فيها، فضجَّ الحاضرون ضَجّةً واحدةً بالدعاء له، وغِبْطةً على ما فعل، فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى يأتيهم الشيطان في صورته وشكله وهيأته، لا ينكرون منه شيئًا، فيأمرهم بأمره، ويوصيهم بما يوصيهم به، ويوصيهم بالتمسُّك بهذا الدين، ويخبرهم أنه صار إلى جَنّة ورياض وأنهار، وأنه لم يتألم بمسّ النار له، فلا يَهولنَّهم ذلك، ولا يمنعنَّهم عن أن يفعلوا مثله.
ومنهم: زُهّاد وعبَّاد، يجلسون حول النار صائمين عاكفين عليها.
ومن سُنّتهم: الحث على الأخلاق الجميلة، كالصدق، والوفاء، وأداء الأمانة، والعفة، والعدل، وترك أضدادها، ولهؤلاء شرائعُ في عبادتها ونواميس وأوضاع لا يُخِلّون بها.
فصل
ومن كَيده وتلاعبه: تلاعبه بطائفة أخرى تَعْبُدُ الماء من دون الله، وتُسَمّى الحلبانية. وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء، وبه كلُّ ولادة ونموّ ونشوء، وطهارة وعمارة (١)، وما من عمل في الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء، فكان حقه أن يُعبَد.
ومن شريعتهم في عبادته: أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرَّد، وستر عورته، ثم دخل فيه، حتى يصير إلى وسطه، فيقيم هناك ساعتين، أو أكثر، بقدر ما أمكنه، ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين، فيقطعها صغارًا، فيلقيها فيه شيئًا فشيئًا، وهو يُسبّحه ويمجِّده، فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه، ثم أخذ منه، فيضعه على رأسه ووجهه وجسده، ثم يسجد وينصرف.
стр. 1033
فصل
ومن تلاعبه: تلاعبُهُ بعبّاد الحيوانات، فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبدُ الجن، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، يعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.
قال ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، وغيرهم: أضللتم منهم كثيرًا.
стр. 1034
فيُجِيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، يَعْنُونُ: استمتاع كل نوعٍ بالنّوْع الآخر.
فاستمتاع الجن بالإنس: طاعَتُهم لهم فيما يأمرونهم من الكفر، والفسوق، والعصيان، فإن هذا أكبرُ أغراض الجنّ من الإنس، فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطَوْهُم مُناهُمْ.
واستمتاع الإنس بالجنّ: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها [١٤٦ أ]، فأطاعَهُم الإنسُ فيما يُرضيهم من الشّرك، والفواحش، والفجور، فأطاعتهُم الجن فيما يُرضيهم من التأثيرات، والإخبار ببعض المغَيَّبات.
فتمتع كلٌّ من الفريقين بالآخر.
وهذه الآية منطبقةٌ على أصحاب الأحوال الشيطانية، الذين لهم كُشوفٌ شيطانية وتأثيرٌ شيطاني، فيحسبهم الجاهلُ أولياء الرحمن، وإنما هُم من أولياء الشيطان، أطاعوه في الإشراك، ومعصية الله، والخروج عمّا بعث به رسله، وأنزل به كتبه، فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات.
واغترّ بهم مَنْ قلّ حَظّه من العلم والإيمان، فوالَى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحَسّنَ الظنّ بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سُنة الرسول وما جاء به، ولم يَدَعْها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين، وشَطَحات المارقين، وتُرّهات المتصوفين.
стр. 1035
والبصيرُ الذي نوّر الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثرُ هذا الخلق، وكان ناقدًا لا يروجُ عليه الزّغلُ، تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية، وهي منطبقة عليهم.
فالفاسقُ يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطانُ يستمتع به في قبوله منه، وطاعته له، فيسُرّه ذلك، ويفرحُ به منه.
والمشرك يستمتع به الشيطان، بشركه به، وعبادته له، ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له.
ومَنْ لم يُحِط علمًا بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسرّ امتحان الرب سبحانه كُلًّا من الثقلين بالآخر.
ثم قالوا: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾، وهو يتناول أجلَ الموت وأجل البعث، فكلاهما أجلٌ أجّله الله تعالى لعباده، وهما الأجَلان اللذان قال الله فيهما: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
وكأن هذا والله أعلم إشارةٌ منهم إلى نوع استعطاف وتوبة، فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت، وانقطع بانقطاع أجله، فلم يستمرّ، ولم يدُم، فبلغ الأمر الذي كان أجَلُه، وانتهى إلى غايته، ولكل شيء آخرٌ، فقال تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، فإنه وإن انقطع زمنُ التمتع وانقضى أجله، فقد بقي زمنُ العقوبة، فلا يُتَوهّم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض، أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه.
والمقصود أن الشيطان تلاعب بالمشركين، حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله.
стр. 1036
فصل
ومن تلاعبه بهم: أن زيَّن لقوم عبادة الملائكة، فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خَلق الله وأحقَّهم باللعن و الذم.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠،٤١].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٧ ـ ١٩].
وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير [١٤٦ ب] وبيان:
فقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ عامٌّ في كل عابدٍ ومن عبده من دون الله.
وأما قوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾:
فقال مجاهد فيما رواه وَرْقاء، عن ابن أبى نجيح، عنه (١) قال: هذا
стр. 1037
خطاب لعيسى، وعُزَير، والملائكة.
وروى عنه ابن جُريج نحوه (١).
وأما عكرمة، والضحاك (٢)، والكلبي (٣)، فقالوا: هو عامٌّ في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾.
قال مقاتل (٤): يقول سبحانه: أأنتم أمرتموهم بعبادتكم؟
﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: أم هُمْ أخطأوا الطريق؟
فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة، والمسيح، وعُزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابنُ جرير: يقول تعالى: قالت الملائكة وعيسى للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
стр. 1038
وقال ابن عباس (١)، ومقاتل (٢): نَزّهوا الله وعظَّموه أن يكون معه إلَهٌ.
وفيها قراءتان:
أشهرهما: ﴿نَتّخِذَ﴾: بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل (٣)، وهي قراءة السبعة.
والثانية: ﴿نُتّخَذَ﴾: بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول (٤)، وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كُلّ واحدةٍ من القراءتين إشكالٌ:
فأما قراءة الجمهور (٥): فإن الله سبحانه إنما سَألهم هل أضلُّوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلُّوا باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقًا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دوني من أولياءَ؟ حتى يقولوا: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، وإنما سألهم: هل أمرتم عبادي هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قِبَل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، ولكنهم آثروه وارتضَوْهُ، أو لم نأمر بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
стр. 1039
فلما رأى أصحابُ القراءة الأخرى ذلك فَرُّوا إلى بناء الفعل للمفعول، وقالوا: الجوابُ يصحّ على ذلك ويُطابقُ، إذ المعنى: ليس يصلحُ لنا أن نُعْبَد ونُتَّخذ آلهةً، فكيف نأمرُهم بما لا يَصْلُح لنا، ولا يحسُنُ منّا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمرٌ آخر، وهو قوله: «مِنْ أَوْلِيَاءَ»، فإن زيادة «مِنْ» لا يحسن إلا مع قَصْدِ العموم، كما تقول: ما قام من رجل، وما ضربتُ من رجل، فأما إذا كان النفيُ واردًا على شيء مخصوصٍ فإنه لا يحسن زيادةُ «من» فيه، وهم إنما نَفَوْا عن أنفسهم ما نُسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك، فنفَوا عن أنفسهم ذلك بأنّه لا يحْسُنُ منهم ولا يليق بهم أن يُعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا أن تُقرأ: «مَا كانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِكَ» أو: «مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ».
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نَعْبُدَ غيرك، ونتخذ غيرك وليًّا ومعبودًا، فكيف ندعو أحدًا إلى عبادتنا؟ إذ كُنّا نحنُ لا نعبُدُ غيركَ، فكيف ندعو أحدًا إلى أن يعبدَنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يروْن لأنفسهم عبادة غير الله تعالى، فكيف يدعُون غيرهم إلى عبادتهم؟
هذا جواب الفراء (١).
وقال الجُرجاني: هذا [١٤٧ أ] بالتدريج يصيرُ جوابًا للسؤال الظاهر، وهو أن مَنْ عبد شيئًا فقد تولّاه، وإذا تولّاه العابدُ صار المعبود وليًّا للعابد، يدُلّ
стр. 1040
على هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، فدل على أن العابد يصير وليًّا للمعبود. ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليًّا يعبدنا، وهذا أبسط، لقول ابن عباس في هذه الآية قال: يقولون: ما تولَّيناهم، ولا أحببنا عبادتهم.
قال: ويحتملُ أن يكون قولُهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أن يريدوا مَعْشَرَ العبيد لا أنفسهم، أي: نحن وهم عبيدك، [فكان لا ينبغي لعبيدك] (١) أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعًا منهم، كما يقول الرجل لمن أتى مُنكرًا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، أي: أنت مثلي عبد محاسب، فإذا لم يحسنْ من مثلي أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ مَنْ قرأ ﴿نُتّخَذَ﴾ بضم النون، وهذه القراءةُ أقربُ في التأويل.
لكن قال الزّجَّاج (٢): هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذتُ من أحدٍ وليًّا، ولا يجوز ما اتخذتُ أحدًا من ولي، لأن (من) إنما دخلت لأنها تنفي واحدًا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائمًا، وما من رجل محبًّا لما يضرّهُ، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره ولا وجه عندنا لهذا البتة،
стр. 1041
ولو جاز هذا لجاز في ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]: ما أحدٌ عنه من حاجزين، فلو لم تدخل (من) لصحّتْ هذه القراءة.
قال صاحب «النظم» (١): العِلّةُ في سقوط هذه القراءة: أن (مِنْ) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه ، فإذا كان قبل المفعول مفعولٌ سواه لم يحسن دخول (مِنْ) كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، فقوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدًا من ولدٍ لم يحسُنْ فيه دخول (مِنْ)، لأن فعلَ الاتخاذ مشغولٌ بـ: (أحَدٍ).
وصحَّح آخرون هذه القراءة لفظًا ومعنًى، وأجروْها على قواعد العربية. قالوا: وقد قرأ بها مَنْ لا يُرتاب في فصاحته، فقرأ بها زيدُ بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو جعفر، ومُجاهد، ونصر بن عَلقمة، ومكحول، وزيد بن علي، وأبو رجاء، والحسن، وحَفْص بن حُميد، ومحمد بن علي، على خلافٍ عن بعض هؤلاء، ذكر ذلك أبو الفتح بن جني (٢)، ثم وَجّهها بأن يكون ﴿مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، ودخلت (مِنْ) زائدةً لمكان النفي، كقولك: اتخذت زيدًا وكيلًا، فإذا نَفَيْتَ قلت: ما اتخذتُ زيدًا من وكيل، وكذلك أعطيته درهمًا، وما أعطيته من درهم، وهكذا في المفعول فيه.
قلت: يعني أن زيادتها مع الحال كزيادتها مع المفعول.
стр. 1042
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلًا، فإذا أكّدت قلت: من مُتثاقل.
فإن قيل: فقد صَحّت القراءتان لفظًا ومعنًى، فأيّهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى والمقصود، والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم يكونون قد نفوا حُسْنَ اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليقُ بهم، ولا يحسُن منهم أن يتخذوا أولياء من دونه، بل أنت وحدك [١٤٧ ب] وليَّنا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نُشرك بك شيئًا فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟
وهذا المعنى أجلّ من الأول وأكبرُ، فتأمَّلْه.
والمقصود أنه على القراءتين، فهذا الجواب من الملائكة ومَنْ عبد من دون الله من أوليائه. وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم، وبراءةً منهم، كقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى بقولهم: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
قال ابن عباس (١): أطلتَ لهم العمر، وأفضلت عليهم، ووسَّعت لهم في الرزق.
стр. 1043
وقال الفراء (١): ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسُوا ذكرك.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، أي: هَلْكَى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان، والبَوارُ: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة: إذا كسدَتْ، ولم يحصل لها مَنْ يتزوجها.
قال قتادة (٢): والله ما نسي قومٌ ذكر الله إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلُّوا.
قال الله سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩]، أي: كذَّبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون: إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كَذّبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد ﷺ عن الله من التوحيد والإيمان.
والأول أظهرُ، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها بالياء آخر الحروف فالمعنى: فقد كذَّبوكم بقولهم.
ثم قال: ﴿فَمَا يَسْتطِيعون صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ (٣): إخبارًا عن حالهم يومئذٍ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
стр. 1044
قال ابن زيد (١): ينادي منادٍ يوم القيامة، حين يجتمع الخلائق: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]، قال: مَن عبد من دون الله لا ينصرُ اليوم مَنْ عبده، والعابد لا ينصرُ إلهه، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦].
فهذا حال عُبَّاد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سُوءَ حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين! إذا سمعوا النداء: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩ ـ ٦٢].
فصل
ومن تلاعبه وكيده: تلاعُبه بالثّنَويّة.
وهم طائفة قالوا: الصانع اثنان، ففاعل الخير نورٌ، وفاعل الشر ظُلْمَةٌ، وهما قديمان، لم يزالا، ولن يزالا قويَّين حاسَّين، مدركينِ، سميعينِ، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادّان في الفعل والتدبير.
فالنور: فاضل، حسن، نقيٌّ، طيِّب الريح، حسن المنظر، ونفسه خيّرة، كريمة، حكيمة، نفّاعة، منها الخيراتُ، والمسرَّاتُ، والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر، ولا من الشر.
والظلمة على ضد ذلك: من الكَدَرِ، والنقص، ونَتْنِ الرّيح، وقُبْحِ المنظر، ونفسها نفسٌ شريرة، بخيلة، سفيهة، منتنة، مُضِرَّة، منها الشر والفساد.
стр. 1045
ثم اختلفوا:
فقالت فِرْقة منهم: إن النور لم يزَلْ فوق الظلمة.
وقالت فرقة: بل كلّ واحد منهما إلى جانب الآخر.
وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة [١٤٨ أ] في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.
وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان، وخامس: هو الروح.
فأبدان النور الأربعة: النار، والنور، والريح، والماء، وروحه: السبح، ولم يزل يتحرك في هذه الأبدان.
وأبدان الظلمة الأربعة: الحريق، والظلمة، والسَّمُوم، والضباب، وروحها: الدخان.
وسمَّوا أبدان النور ملائكة، وسمَّوا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت.
وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولدُ ملائكة، والنور لا يقدر على الشرّ، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير، ولا يجيء منها.
ولهم مذاهب سخيفة جدًّا.
وفرض عليهم صوم سُبع العمر، وأن لا يؤذي أحدهم ذا روح البتة.
ومن شريعتهم: أن لا يدّخروا إلا قوت يومٍ، وتجنّب الكذب، والبُخل، والسّحر، وعبادة الأوثان، والزنى، والسرقة.
واختلفوا: هل الظُلمة قديمة أو حادثةٌ؟
فقالت فرقةٌ منهم: هي قديمةٌ، لم تزَلْ مع النور.
стр. 1046
وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فَكّرَ فكرةً رديئةً حدثت منها الظُّلمة.
فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل:
أحدهما: أن شر الموجودات، وأخبثها، وأردأها: كُفْؤٌ لخير الموجودات، وضدٌّ له ومُناوئٌ له، يُعارضه، ويُضادّه، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيعُ دفعه.
وهذا أعظم من شرك عُبّاد الأصنام، الذين عبدوها لتُقَرّبهم إلى الله تعالى، فإنهم جعلوها مملوكةً له، مربوبةً مخلوقة، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبّيكَ اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكٌ هو لَكَ، تَمْلكهُ وما ملَكَ (١).
والأصل الثاني: أنهم نزّهوا النور أن يَصْدُرَ منه شرٌّ، ثم جعلوه مَنْبَعَ الشرّ كله، وأصلَه ومُوَلِّدَهُ، وأثبتوا إلهين، ورَبّينِ، وخالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، ورسله، وأنبيائه، وملائكته، وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك.
وحكى أربابُ المقالات عنهم: أن قومًا منهم يقال لهم: الدِّيصَانِيّةُ زعموا أن طينةَ العالم كانت طينةً خَشِنَةً، وكانت تُحاكي جسم النور الذي هو الباري عندهم زمانًا، فتأذّى بها، فلما طال ذلك عليه قصد تنحيتها عنه، فتوحّل فيها، واختلط بها، فتركّب من بينهما هذا العالم المشتملُ على النور والظلمة، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة.
стр. 1047
قال: وهؤلاء يَغتالون الناس، ويخنقونهم، ويزعمون أنهم يُحْسنون إليهم بذلك، وأنهم يُخَلّصون الروح النورانيّة من الجسد المظلم.
وقال بعضهم: إن الباري سبحانه لما طالَتْ وَحْدَتُه استوحش، ففكر فِكْرة سوءٍ، فتجسّمت فكرته، فاستحالت ظُلْمَةً، فحدث منها إبليسُ، فرام الباري إبعاده عن نفسه، فلم يستطع، فتحرّز منه بخلق الجنود والخيرات، فشرع إبليس في خلق الشر.
وأصل عقد مذهبهم الذي عليه خواصّهم: إثبات القدماء الخمسة: الباري، والزمان، والخلاء، والهيُولَى، وإبليس. فالباري خالق الخيرات، وإبليس خالق الشرور.
وكان محمد بن زكريا الرازي على هذا المذهب، لكنه لم يُثبت إبليس، فجعل مكانه النفس، وقال بقِدم الخمسة، مع ما رسَّخه به من مذاهب الصابئة، والدّهرية، والفلاسفة، والبراهمة، فكان قد أخذ من كل دين شرّ ما فيه، وصنَّف كتابًا في إبطال [١٤٨ ب] النبوَّات، ورسالة في إبطال المعاد، فركّب مذهبًا مجموعًا من زنادقة العالم.
وقال: أنا أقول: إن الباري، والنفس، والهيولَى، والمكان، والزمان: قدماء، وأن العالم محدث.
فقيل له: فما العلة في إحداثه؟
فقال: إن النفس أشبهتْ أن تَحْبَلَ في هذا العالم، وحَرّكتها الشهوة لذلك، ولم تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه، فاضطربت، وحرّكت الهيولَى حركاتٍ مشوشة مضطربة على غير نظام، وعجزت عما أرادت، فأعانها الباري على إحداث هذا العالم، وحملها على النظام والاعتدال،
стр. 1048
وعلم أنها إذا ذاقتْ وَبالَ ما اكتسبته عادت إلى عالمها، وسكن اضطرابها، وزالت شهوتها، واستراحت، فأحدثت هذا العالم بمعاونة الباري لها.
قال: ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم، ولولا هذه العلة لما حدث هذا العالم.
ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالًا أسخف من هذا وأبطل لاستحيا العاقلُ من حكاية مثل هذا، ولكن الله سبحانه سَنّ لنا حكاية أقوال أعدائه.
وفي ذلك من قُوّة الإيمان، وظُهور جلالته، ومعرفة قَدْرِه، وتمام نعمة الله تعالى على أهله به، ومعرفة قَدْر خِذلانه للعبد، وإلى أيّ شيء يُصَيّره الخِذلانُ، حتى يصير ضُحْكَةً لكل عاقل، فأيّ ضلالٍ وأي خِذلانٍ أعجبُ ممن يفني عُمُره في النظر والبحث، وهذا غايةُ علمه بالله وبالمبدأ والمعاد؟
فصل
والمجوس تُعَظّم الأنوار، والنيران، والماء، والأرض، ويُقِرّون بنبوة (زرادَشْت)، ولهم شرائع يصيرون إليها، وهم فِرَقٌ شَتّى.
منهم: المَزْدَكِيَّة، أصحاب مَزْدَك الموبَذ، والموبذ عندهم: العالِمُ القدوة، وهؤلاء يَرَوْن الاشتراك في النساء والمكاسب كما يُشْتركُ في الهواء والطرق وغيرها.
ومنهم: الخُرّمِيّة أصحاب بابك الخُرّمِيّ، وهم شرّ طوائفهم، لا يُقِرّون بصانع، ولا مَعادٍ، ولا نُبوةٍ، ولا حلالٍ، ولا حرام.
стр. 1049
وعلى مذهبهم: طوائف القرامِطَة، والإسماعيلية، والنُّصَيرية، والبَشْكية، والدُّرْزية، والحاكمية، وسائر العُبَيدية، الذين يسمُّون أنفسهم الفاطمية، وهم من أكفر الكفار، كما ستأتي ترجمتهم.
فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب، ويتفاوتون في التفصيل، فالمجوس شيوخ هؤلاء كلّهم، وأئمتهم، وقُدوتهم، وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة من الشرائع.
* * * *
стр. 1050
ذكر تلاعبه بالصابئة
وهذه أُمّةٌ كبيرة من الأمم الكبار، وقد اختلف الناسُ فيهم اختلافًا كثيرًا، بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم.
وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
فذكرهم في الأمم الأربعة الذين تنقسمُ كل أمةٍ منهم إلى ناجٍ وهالك.
وذكرهم أيضًا في الأمم الستة، التي انقسمت جملتهم إلى ناجٍ وهالك، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧].
فذكر الأمّتين اللّتين لا كتاب [١٤٩ أ] لهم، ولا ينقسمون إلى شقيٍّ وسعيد، وهما: المجوس والمشركون، في آية المَفْصِلِ، ولم يذكرهما في آية المَوْعِدِ بالجنة، وذكر الصابئين فيهما، فَعُلِمَ أن فيهم الشقيّ والسعيد.
وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل، وهم أهلُ دعوته، وكانوا بحَرَّانَ، فهي دار الصابئة.
وكانوا قسمين: صابئةً حُنفاء، وصابئةً مشركين، والمشركون منهم يُعَظِّمُون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشر، ويصوّرونها في هياكلهم.
ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبّدَات الكبار، كالكنائس للنصارى، والبِيَعِ لليهود.
стр. 1051
فلهم هيكلٌ كبير للشمس، وهيكلٌ للقمر، وهيكلٌ للزُّهَرَة، وهيكلٌ للمُشْتري، وهيكل للمرّيخ، وهيكلٌ لعُطادر، وهيكلٌ لزُحَل وهيكلٌ للعلة الأولى.
ولهذه الكواكب عندهم عباداتٌ ودعواتٌ مخصوصة، ويصوِّرونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصّها، ويقرّبون لها القرابين، ولها صلواتٌ خمسٌ في اليوم والليلة، نحو صلوات المسلمين.
وطوائفُ منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون في صلواتهم الكعبة، ويعظّمون مكة، ويرون الحجّ إليها، ويُحرّمون الميتة والدم ولحم الخِنزير، ويحرِّمون من القَرابات في النكاح ما يُحَرّمه المسلمون.
وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلالُ بن المحسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي، وصاحب الرسائل المشهورة، وكان يصوم مع المسلمين، ويُعيِّدُ معهم، ويزَكِّي، ويُحرّم المحرمات، وكان الناس يتعجبون من موافقته للمسلمين، وليس على دينهم.
وأصل دين هؤلاء فيما زعموا: أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هُمْ عليه قولًا وعملًا، ولهذا سُمُّوا صابئة أي: خارجين، فقد خرجوا عن تقيُّدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق.
وكانت كفَّار قريش تُسمّي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابَه الصُّبَاةَ.
يقال: صبأ الرجل بالهمز: إذا خرج من شيء إلى شيء، وصبا يصبو: إذا مال، ومنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي:
стр. 1052
أمِلْ، والمهموز والمعتل يشتركان، فالمهموز: ميل عن الشيء، والمعتل: ميلٌ إليه، واسم الفاعل من المهموز: صابئ بوزن قارئ، ومن المعتل: صابٍ بوزن قاضٍ، وجمع الأول: صابئون كقارئون، والثاني: صابُون كقاضُون، وقد قرئ بهما.
والمقصود أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاءُ منهم: شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون: شاركوا عُبَّاد الأصنام، ورأوا أنهم على صواب.
وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون بزعمهم محاسنَ ما دلَّت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرِّمه، وسفهاؤهم وسِفْلتهم يمنعون ذلك، كما سيأتي ذكرُ تلاعب الشيطان بهم بعد هذا.
ولهذا لم يكن هؤلاء ولا الصابئة من الأمم المستقلّة التي لها كتاب ونبيٌّ، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل.
فما مِن أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجَّته، وقطع عنها حجّتها: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وتكون حجته عليهم.
والمقصود أن الصابئة فِرَقٌ: فصابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنِّحَلِ من غير تقيد بملَّة ولا نِحْلَة.
ثم منهم من يُقِرّ بالنبوَّات جملةً ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقرّ بها جملة وتفصيلًا، ومنهم من ينكرها [١٤٩ ب] جملة وتفصيلًا.
стр. 1053
وهم يقرّون أن للعالم صانعًا، فاطرًا، حكيمًا، مقدَّسًا عن العيوب والنقائص.
ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسُّطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيُّون المقرَّبون المقدَّسون عن المواد الجِسْمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جُبلوا على الطهارة، فنحن نتقرّب إليهم، ونتقرّب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زُلْفَى، فالواجب علينا أن نُطَهّر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذِّب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذٍ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونَصْبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرُّع والابتهال بالدعوات، من الصلوات، والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات، والعزائم، فحينئذٍ يحصل لنفوسنا استعدادٌ واستمدادٌ من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المَعْدِن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة.
قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا، يريدون أن يتفضلوا علينا.
وزادت الاتحادية أتباع ابن عربي، وابن سِبعين، والعفيف التِّلمساني،
стр. 1054
وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربي: أن الولي أعلى درجة من الرسول، لأنه يأخذ من المَعْدِنِ الذي يأخذ منه المَلَكُ الذي يوحي إلى الرسول، فهو أعلى منه بدرجتين.
فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى في التلقِّي من الرسل بدرجتين، وإخوانُهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقِّي بمنزلة الأنبياء، ولم يدّعوا أنهم فوقهم.
والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم.
أحدهما: عبادةُ الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعبدُ من دونه من إله.
والثاني: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله تصديقًا وإقراراً، وانقيادًا وامتثالًا.
وليس هذا مختصًّا بمشركي الصابئة، كما غلط فيه كثيرٌ من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب العُلْوِيّات، ولذلك ناظرَهُمْ إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه في بُطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرةٍ وأبْيَنَهَا، ظهرت فيها حُجّته، ودَحضَت حجتهم، فقال بعد أن بَيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفُولها، وأن الإله لا يليقُ به أن يغيب ويأفُل، بل لا يكونُ إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضّرّ والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويَهْدِيه، ويُرْشِدُهُ، ويدفع عنه كل ما يضُرّه ويؤذيه، وذلك ليس إلا الله وحده، فكل معبودٍ سواه باطلٌ.
стр. 1055
فلما رأى إمامُ الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة، صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩].
وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومَحالِّها، التي هي [١٥٠ أ] مفتقرة إليها، ولا قِوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبِّرها ويَرُبُّها، والمحتاج المخلوق المربوب المدبَّر لا يكون إلهًا، فحاجّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجَّته داحضة، فقال إبراهيم ﵇: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾؟ وهذا من أحسن الكلام، أي: أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتُشكّكوني فيه، وقد أرشدني وبيّن لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبيّن لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة. فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به، وقد هداني إلى الحق وسبيل الرشاد؟
فالمحاجَّة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إيّاي في الإله الحق الذي كلّ معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك!
فخَوَّفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوِّفُ المشركُ الموحدَ بإلهه الذي يَأْلَهُهُ مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾، فإن آلهتكم أقلّ وأحقر من أن تَضُرَّ مَنْ كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد