← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (١٢) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) تحقيق علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس

стр. 2

مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقبل نحو عشر سنوات خلت نشرنا عِلْقًا نفيسًا وأثرًا عزيزًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كان يعدُّ ضمن ما فُقد من مؤلفاته، وهو كتاب «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل». ولم يكن يُعرَف من خبر هذا الكتاب إلا تلك المقدمة الطويلة التي حفظها لنا تلميذه ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١). ولم يكن اكتشاف هذا الأثر بالأمر السهل، ولم يكن الحصول على نسخته الخطية بأقل مشقة من اكتشافه (٢)، ولم يكن أيضًا العمل على تحقيقه إلا نموذجًا لما يلاقيه المحققون من جهدٍ وتعبٍ شديد، لا يشعر به من أمسك الكتاب يأخذ منه أو يدَع وهو متّكئ على أريكته! وها نحن الآن نقدمه للطبعة الثانية، وهي تمتاز عن سابقتها بأمور: الأول: تصحيحات كثيرة في نصوص الكتاب وحواشيه، كثير منها من إفادة الأخ الشيخ رابح مختاري الجزائري، إذ قرأ الكتاب قراءة متأنية دقيقة، وبعث لنا برسالة خاصة تتضمن تصحيحات وقراءات مفيدة، فجزاه الله خيرًا. الثاني: كتابة مبحث خاص متعلق بتثبيت نسبة الكتاب إلى مؤلفه. ذكرنا فيه قرائن كثيرة على تصحيح نسبة الكتاب إلى ابن تيمية، وأجبنا عن _________ (١) (ص ٤٥ - ٥١ من طبعتنا). (٢) كما شرحنا ذلك في مقدمة الطبعة الأولى.

стр. 3

تشكيكات المعترضين. الثالث: إخراجه في حلة قشيبة، وحجم مناسب في مجلد واحد، بعد أن كان في مجلدين في طبعته الأولى. نسأل الله أن ينفع بهذه الطبعة كما نفع بسابقتها، وأن تحوز رضى أهل العلم ومحبي المعرفة. المحققان ١٩ رمضان ١٤٣٤ هـ

стр. 4

فصل في إثبات نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية كنا قد ذكرنا في مقدمة الطبعة الأولى للكتاب بعضَ القرائن التي أفادتنا ظنًّا راجحًا يُعتمد عليه ويُطمأنّ إليه في تثبيت نسبةِ الكتاب إلى مؤلفه (١)، وظننّا وقتئذٍ كفايتَها للمتأمّل، لكن كتب الأستاذ دغش العجمي مقالًا في مجلة «عالم الكتب» (عام ١٤٢٧) ذكر فيه أمورًا يراها تشكّك في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، ثم كتب بعده بمدة الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في مجلة «الأصول والنوازل» (عام ١٤٣٢) مؤيدًا له وزاد تشكيكًا آخر لم يذكره الباحث الأول. وكنا قد كتبنا مقالًا ذكرنا فيه مزيدًا من الأدلة والقرائن على ثبوت نسبة الكتاب، وأجبنا عن تلك التشكيكات، ونشرناه على الشبكة العالمية عام ١٤٢٧، فاطمأنّ الباحثون عن العلم بَعده على الوثوق بتثبيت هذه النسبة وطرح ما أثير من تشكيكات. ثم رأينا في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب أن نبسط القول في تلك القرائن عددًا وبيانًا وتوضيحًا، بعد ما استجدت قرائن أخرى لم نكن قد ذكرناها من قبل؛ لتكون كافيةً ــ إن شاء الله ــ لكل من يطلع عليها إن هو سلك سبيل الإنصاف، فتزول تلك التشكيكات، ويُرْكن إلى مهيع العلم لا إلى مجرّد _________ (١) وهذا غاية المطلوب في إثبات الكتاب لمؤلفه (قرائن راجحة يطمئن إليها الباحث العارف). انظر «تحقيق النصوص» (ص ٤٤) لعبد السلام هارون. وانظر نص شيخ الإسلام الذي ختمنا به هذا الفصل.

стр. 5

الاحتمالات، فنقول تمهيدًا: الكتاب الذي نتكلم عليه «تنبيه الرجل العاقل» عثرنا منه على نسخة وحيدة، وهذه النسخة سقطت منها ورقة العنوان، وعدة صفحات نحو العشر (كما حققناه في مقدمة الطبعة الأولى ص ٦٧) وهذا الخرم ذهبَ بعنوان الكتاب واسم مؤلفه ومقدمة المؤلف وأوائل الكتاب. ولمعرفة من هو مؤلف الكتاب توجّهنا للنظر في مادته لنستخرج القرائن الدالة على من ألَّفه، فوجدنا الكتاب في موضوع الجدل، ووجدنا مؤلفه ينقل نصوصَ كتابٍ في الجدل، ويردّ عليها ويناقشها، وبمطابقة هذه النصوص التي ينقلها وجدنا أنها من كتاب «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي الحنفي (ت ٦٨٧). وهو متن مختصر في (١٠ ورقات) في صناعة الجدل على طريقة المتأخرين المُحْدَثين. وقد استوفاه المؤلف بالشرح والنقض والرد. ووجدنا أن تاريخ كتابة المخطوط في سنة ٧٥٩، وتاريخ وفاة النسفي (المردود عليه) سنة ٦٨٧ فلا بد أن يكون المؤلف قد عاش في هذه الفترة بين التاريخين. وقد تلمسنا القرائن التي تهدينا إلى مؤلفه، فاهتدينا بحمد الله وفضله إلى كتاب جليل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان في عداد المفقود. فإلى القرائن والأدلة الهادية: القرينة الأولى: ناسخ المخطوط لم يذكر اسمه في آخره، ولكن ذكر تاريخ النسخ وهو سنة ٧٥٩، أي بعد وفاة المؤلف بواحد وثلاثين عامًا. لكنا عرفنا ناسخ الكتاب أخيرًا والحمد لله، فهو: محمود بن أحمد بن حسن الشافعي وهو من تلاميذ شيخ الإسلام.

стр. 6

عرفنا ذلك مصادفة أثناء تصفح مقدمة كتاب «الرد على المنطقيين» ونماذج النسخة الخطية المعتمدة، فحين رأينا خط النسخة انقدح في الذهن أن هذا الخط قد تعاملنا معه من قبل وألِفْنا قاعدته .. لكن أين؟ ثم اكتشفنا أننا أمام كتاب بخط ناسخ كتابنا «تنبيه الرجل العاقل» فسارعنا للمقارنة بين الخطين فإذا هما ينحدران من يدٍ واحدة لا يختلفان في شيء أبدًا. وسنضع بين يديك نموذجًا منهما يتبين به الأمر. وننبه هنا إلى أمر مهم ــ وهو وإن كان من عيوب النسختين إلا أنه يثبت أنهما بخط ناسخ واحد ــ وهو أن الناسخ على الرغم من جمال خطه وحسن كتابته إلا أنه كثير التصحيف والتحريف، وقد اتضح لنا ذلك من خلال العمل في نسخة كتابنا «تنبيه الرجل العاقل» واتضح جليًّا في نسخة كتاب «الرد على المنطقيين» كما نبّه عليه محققُه، ويتضح من إصلاحات شيخ الإسلام بقلمه على تلك النسخة. فاستفدنا من هذا الاكتشاف أمورًا غايةً في الأهمية والإفادة، وهي: أن ناسخ كتاب «الردّ على المنطقيين» قد عُرف باسمه، وتاريخ كتابته ومقابلته، وأنه من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ قرأ أوائل هذه النسخة على مصنفها شيخ الإسلام، وعلق عليها الشيخ وزاد فيها بخطه الشريف في مواضع متعددة (١). فخلصنا إلى نتيجة مهمة هي: أن ناسخ ذاك الكتاب هو ناسخ نسختنا، فهو من تلاميذ شيخ الإسلام، وقد عرفتَ مِن أمره ما عرفتَ. _________ (١) انظر مقدمة «الرد على المنطقيين» (ص ٢٥ - ٢٨).

стр. 7

القرينة الثانية: أن المؤلف لابدّ أن يكون عاش في الفترة مابين سنة ٦٨٧ (تاريخ وفاة النسفي) و ٧٥٩ (تاريخ نسخ المخطوط). وشيخ الإسلام قد عاش في بعض هذه الفترة. القرينة الثالثة: أن موضوع المخطوط الذي وجدناه الرد على الجدليين ونقض مذهبهم، فبحثنا عمن ألَّف في هذه الفترة ردًّا على أهل الجدل المحدَث ــ الذي عُرف بـ «الجُست» كما شرحناه في مقدمة الطبعة الأولى (ص ٤٠ - ٤١) وناقشهم فيه وبيَّن بطلان طريقتهم وزَيْف قواعدهم، فلم نجد بعد طول بحث وتقَصٍّ أحدًا من العلماء ردّ على هؤلاء الجدليين غير شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المسمَّى «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل بالباطل» وقد علمنا أن هذا الكتاب رد على الجدليين المحدثين من عنوانه الواضح، ومن قوله في مقدمة الكتاب التي حفظها تلميذه ابن عبد الهادي في ترجمة شيخه: (ص ٤٩) قال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولعين بنوعٍ من جدل المموهين استحدثه طائفة من المشرقيين وألحقوه بأصول الفقه في الدين .. ». وهذا النوع من الجدل المحدَث هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام بقوله: «وفي ذلك الوقت ــ أي سنة ٦١٥ ــ ظهرت بدع في العلماء والعُبَّاد؛ كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوف ابن العربي ... » (١). وزاد الأمر وضوحًا ما قاله شيخ الإسلام قال: «ومثل هذه الأغلوطات من المسائل يسلكها أهل اللدد في الجدل في أمر الدنيا والدين في الأصول والفروع، من جنس الأغلوطات الذي ابتدعه العميدي السمرقندي في مثل _________ (١) «جامع المسائل ــ الأموال السلطانية»: (٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧).

стр. 8

نكته التي يسميها البرهان ويدعي أنها قطعية وغير ذلك من فرض أمور ممتنعة ويستنتج نتائجها على ذلك التقدير الذي يمتنع وجوده» (١). وقد أفاد ابن القيم تلميذ ابن تيمية: أن شيخه رد على هذا الجدل المحدث ــ الجست ــ فقال: «ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله: جست العميدي وحقائق ابن عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق ... فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى ... » (٢). وهذا العميدي هو الذي أشار إليه المصنف في كتابنا (التنبيه ص ٥٩٨) (٣) بقوله: «ذكر المُبَرِّز في جملة الأدلة التي يستدل بها دليلًا سماه البرهان». وهذا النقل موجود في كتاب العميدي (مخطوط). فإذا علمنا ذلك كله فإن برهان الدين النسفي (ت ٦٨٧) صاحب «الفصول» من أصحاب هذا الجدل المحدث الذين سلكوا مسلك العميديّ كما نص عليه ابن خلدون في «المقدمة» (ص ٥٠٧). وكتابنا هذا رد عليه. ولننظر الآن إلى هذه النصوص في أثناء الكتاب: _________ (١) «جواب الاعتراضات المصرية»: (ص ١٢١ - ١٢٢). (٢) «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٨ - ١٠٧٩). (٣) كنا علقنا في الطبعة الأولى: أنا لم نعرف هذا المبرز، وقد عرفناه الآن بإفادة الدكتور عبد الرحمن الأمير سلمه الله.

стр. 9

ص ٢٤٨: «وإنما حاققنا فيها .. الجدليين أصحاب الجدل المحدث». ص ٣١٣: «كما يفعله هؤلاء أرباب الجدل المحدث». ص ٣١٥: «أصحاب هذا الجدل». ص ٣٨١: «أهل الجدل المحدث». فبات واضحًا الآن أن كتابنا هذا ردٌّ على أصحاب الجدل المحدَث (الجُست ــ طريقة العميدي) متمثّلًا في كتاب النسفي «الفصول». ولنذكر أيضًا بعض المواضع التي تبرهن على أن غرض كتابنا نقض هذه الطريقة في الجدل المحدَث المموَّه وتزييفها، لا أنه شرح كسائر الشروح كما ظن بعض المتوهِّمين: قال شيخ الإسلام (ص ٢٥): «واعلم أني إنما نبهتُ على فساد هذه النكت لأنها مما اعتمد عليه بعض هؤلاء المموهين المغالطين من الجدليين». وقال (ص ٣٢): «متى عرفت هذا تبين لك فساد جميع هذا الباب، وأمكنك إبطال نكت هؤلاء الملبسين بأدنى شيء، وعلمت أن العاقل لا يرضاها البتة ولا يستحسن الكلام بمثلها». وقال (ص ٩٥): «وهذا أيضًا من قواعدهم الفاسدة التي يبنون عليها كثيرًا من كلامهم، فيرجحون أحد الخصمين بكثرة دعاويه، كما يرجحونه بإبهام دعواه، ولا يخفى على عاقل أنه باطل». وقال (ص ١٢٧): «والغرض أن نبين فساد الطريقة الجدلية ... ».

стр. 10

وقال (ص ١٣٠): «هذا كله مبني على محض التحكم بلا مرجح، وعليه مبنى عامة كلام الجدليين المموهين». وقال (ص ٣٤٢): «وهو مسلك رديء جدًّا ... وإنما يسلكه من لا خَلاق له من المغالطين». وقال (ص ٣٦٩): «فاحذره فإنه باب عظيم من باب أغاليط هؤلاء المغالطين». ومثل هذا في عشرات المواضع من الكتاب، وهذه إشارة إلى بعضها: (ص ١٨، ٢٩، ٣٧، ٤٠، ٤٣، ٦٢، ٦٣، ٨٧، ٨٩، ١٦٦، ١٧١، ١٨٢ - ١٨٣، ١٩١، ١٩٦ - ١٩٧، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٤٨، ٢٨٧، ٢٩٦، ٢٩٩، ٣٤٤، ٣٦١، ٤٢١). فتبين لذي عينين أن كتابنا ليس شرحًا كسائر الشروح أو حاشية لكتاب «الفصول» كما زعم ذلك من زعَمه، بل هو نقدٌ للكتاب ونقض له، وإبطال لطريقة الجدل المحدَث التي انتهجها العميدي (ت ٦٠٦ هـ) وتبعه عليها النسفي (ت ٦٨٧ هـ) المردود عليه. وهذا لا يعني أن لا يقع في كلام النسفي وغيره ممن ألف في هذه الطريقة شيءٌ من الحق، بل قد يقع منهم ذلك، بل نص على ذلك شيخ الإسلام في مقدمة الكتاب التي حفظها لنا ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤) في «العقود الدرية» (ص ٥٠ - ٥١). قال: «ومع ذلك فلا بد أن يدخل في كلامهم قواعد صحيحة ونكت من أصول الفقه مليحة، لكنهم إنما أخذوا ألفاظها ومبانيها دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدرهم الزائف من العين، ولولا ذلك لما نفق على من له عين. فلذلك آخذ في تمييز حقه من

стр. 11

باطله وحاليه من عاطله ... ». وهو ما نص عليه أيضًا في أثناء الكتاب (ص ٤٢١) كما سيأتي نقله. القرينة الرابعة: إذا تبين هذا فلننظر إلى مقدمة الكتاب التي حفظها لنا ابن عبد الهادي، ومدى تطابقها مع موضوع المخطوط الذي عثرنا عليه. إذ سرد شيخ الإسلام في تلك المقدمة تاريخ علم الجدل والمراحل التي مر بها، فذكر المرحلة الأولى والثانية ثم ذكر الثالثة المحدثة فقال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولعين بنوعٍ من جدل المموهين، استحدثه طائفة من المشرقيين وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنهم وضعوها في غير مواضعها المستحقة لها، وألفوا الأدلة تأليفًا غير مستقيم وعدلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم ... ». قارن هذا النصَّ الأخير الذي سقناه من مقدمة «التنبيه» التي حفظها لنا ابن عبد الهادي بقول المؤلف في الكتاب (ص ٤٢١): «واعلم أن نكت هؤلاء المموهين إذا صح بعضها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لا بد من حشوٍ وإطالة وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح». ستجد أنهما قد خرجا من مشكاة واحدة. ثم إذا نظرنا ثانيةً في مقدمة الكتاب التي ساقها ابن عبد الهادي نجد أن سبب تأليف الكتاب كان طلبًا من بعض الطلاب قال: «فلما استبان لبعضهم

стр. 12

أنه كلام ليس له حاصل، ولا يقوم بإحقاق حق ولا إبطال باطل= أخذ يطلب كشف مشكله وفتح مقفله، ثم إبانة علله وإيضاح زلله، وتحقيق خطئه وخطله، حتى يتبين أن سالكه يسلك في الجدل مسلك اللدَد، وينأى عن مسلك الهدى والرشَد، ويتعلق من الأصول بأذيال لا توصل إلى حقيقة ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطريقة». ونجد المؤلف في الكتاب (ص ٢٠٢) يقول إشارةً إلى هؤلاء الطلاب: «وإنما ذكرتُ هذا لأنَّ بعض الطلبة قال: أُحِبُّ أن تذكر لي في آخر كلامك مَن فَلَجَ بالحجة من المستدل والمعترض، فذكرت ذلك». ونقول أيضًا في تطابق المقدمة مع الكتاب: إنَّ كل من يقرأ مقدمة الكتاب التي اقتبسها ابن عبد الهادي يعرف أن المقصود الأصلي من الكتاب هو نقد جدل «المموّهين» وبيان «تمويهاتهم». ثم إذا تصفَّح الكتاب متصفِّحٌ وجد ذِكر «تمويه الجدليين» و «الجدل المموّه» وأصحاب «الجدل المموهين» ومشتقاته بكثرة، وهذه بعض المواضع: ص ٢٤: «وعلى هذه الأغلوطة بنى المموه كلامه». ص ٢٥: «اعتمد عليه بعض هؤلاء المموهين المغالطين من الجدليين». وأيضًا فيها: «ولولا أنه ليس هذا موضع الاستقصاء في إفساد خصائص النكت المموهة، وإنما الكلام في عموم هذه الصناعة التمويهية». ص ٣١: «قد استدل عليه بالجدل المموَّه». ص ٦٢: «وكثيرًا ما يسلك هؤلاء المموهون هذا المسلك».

стр. 13

وقال (ص ٤٤٨) تعليقًا على قول صاحب الفصول «يقال في الخلافيات»: «يعني به خلافيات أهل الجدل المموَّه، وإلا فالخلافيات المشهورة عند كل الطوائف لا يلتفتون فيها إلى هذا الكلام». ومواضع أخرى: (ص ٦٣، ١٣٠، ١٨٢، ١٨٣، ٢٨٣، ٤٠٢، ٤٠٦، ٤٢١، ٤٤٢، ٥٩٧)، ولا نُطيل على القراء بنقل النصوص الموجودة فيها. فهذا التطابقُ ــ لمن يتدبر ويفهم ــ لا يعني إلا شيئًا واحدًا: أن تلك المقدمة المحفوظة في كتاب ابن عبد الهادي هي لهذا الكتاب الذي نحن بصدده. القرينة الخامسة: أن عنوان الكتاب «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل»، فما مدى تطابق العنوان مع المضمون؟ انظر معنا إلى عبارات المؤلف في الكتاب، حيث يقول في وصف النسفي صاحب الكتاب المردود عليه، ووصف أصحاب هذه الطريقة: قال (ص ١٨٠): «قال صاحب الجدل الباطل» ويقتبس من كلامه. ويقول (ص ٤٠): «هو من أفسد أنواع الشغب والجدل الباطل». ويقول (ص ٢٠٢): «الجدل الباطل لا يفلح فيه من سلكه استدلالًا وسؤالًا وانفصالًا، فإن من استدل بالباطل فهو مبطل، ومن ردَّ الباطل بالباطل .... فهو مبطل ... ». وفي (ص ٨١): «وهذا كلام أصحاب هذا النوع من الجدل ... ». ويقول في (ص ٢٤٨): «إنما حاققنا فيها من عدَّها قاعدةً من نظرائه الجدليين أصحاب الجدل المحدث ... ».

стр. 14

وأشار إلى المراوغة ــ التي سبق في المقدمة أن وصفها بـ «مراوغة الثعالب» ــ بقوله (ص ٢٩): «وانقطع باب المراوغة الذي فتحوه».وبقوله (ص ٢٩٥): «فكيف تروغ من هذه المعارضة مراوغة الثعلب الأملس». واقرأ أيضًا في الكتاب (ص ١٨): «هذا الكلام على تعقيده وقبح التعبير به ــ لما فيه من الألفاظ المشتركة الخالية عن قرينة التمييز، ولما فيه من حشو كلماتٍ لا حاجة إليها ــ فهو مع خلوِّه عما يحتاج إليه في البيان، واشتماله على ما لا يحتاج إليه خالٍ عن الفائدة». وفي (ص ٣٧): «وأمثلة هذا الكلام المزيف الذي لا يقوله عاقل كثيرة، حتى يتمكن مِن تقوُّلِه مَن استباح القضايا المتناقضة من التراكيب الفاسدة». وفي (ص ٢٨٧): «وكثيرًا ما يستعملها هذا الجدليُّ في أغاليطه، بل كثير من الأغاليط إنما تروج بها، فإنه يغيّر العبارة ويكثّر الأقسام، ويُطيل المقدمات، ويجعل الشيء مقدمةً في إثبات نفسه من حيث لا يَشعُر الغبي». واستهزأ شيخ الإسلام فيه (ص ١٩٦ - ١٩٧) بهذا الجدل الباطل وأصحابه فقال: «واعلم أن هذا الكلام دعوى عارية ليس فيها زيادة على الدعاوي الماضية سوى تغيير العبارة وتطويلها بغير فائدة، وسلوك الطريق المعوجّة المنكوسة، وما مثل هذا إلاّ مثل من قيل له: أين أُذُنك اليسرى؟ فوضع يده اليمنى فوق رأسه، ثم نزل بها إلى أذنه، وترك أن يوصل إليها من تحت ذقنه ... ». إلى آخر ما في الكتاب في هذا الموضع. وقد سبق أن ذكرنا التمويه ومشتّقاته فيما مضى، فإذا قرأنا هذه العبارات في أثناء الكتاب= عَلِمْنا أن عنوان الكتاب «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» مطابق تمامًا لمضمون الكتاب الذي بين أيدينا، وأن المؤلف

стр. 15

قصد فيه الرد على الجدل الباطل وأصحابه المموّهين، وأن هذا الجدل محدث، وأن أصحابه راغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب. وبعد هذا البيان الواضح هل سيبقى من يتوهّم أن كتابنا مجرّد شرح لكتاب النسفي؟! وهل سيبقى لهذا الوهم أيّ اعتبار في ميزان النقد العلمي؟ كلا!! القرينة السادسة: أن المؤلف نقل في مواضع كثيرة عن الإمام أحمد أكثر من أي إمام آخر (انظر فهرس الأعلام ص ٦٤٨)، وكان مهتمًا بنقل رواياته على طريقة شيخ الإسلام المعروفة، ولنذكر نماذج: ص ١٠: «فعن أحمد فيها روايتان إحداهما .. وهي المنصورة عند أصحابه». ص ٢٠٣: «وهو قول المالكية أو أكثرهم وأكثر الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وقول كثير من أصحابه». ص ٢٣٤: «ولم يجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه». ص ٣٠٨: «وهو أشهر الروايتين عن أحمد». وهكذا في بقية المواضع (ص ٣٣١، ٣٣٧، ٣٧٠، ٤٣٣، ٤٣٦، ٥١٦، ٥٣٠، ٥٣١، ٥٧٢، ٥٧٣). وهذه هي طريقة ابن تيمية التي لا تخفى على من قرأ شيئًا من كتبه. القرينة السابعة: أن في الكتاب استعمال عبارات اشتهر شيخ الإسلام بالإكثار منها، كقوله على سبيل المثال:

стр. 16

ص ٢٠٨: «ليس هذا موضع استقصاء الكلام في ذلك». ص ٢٠٨: «تفصيل ليس هذا موضعه». ص ٢٠٩: «ليس هذا موضعها». ص ٢٧٥: «ليس هذا موضع استقصائه». ص ٤٨٤: «فيه بحوث دقيقة ليس هذا موضعها». ص ٥٥٥: «تحتمل بسطا عظيما ليس هذا موضعه». القرينة الثامنة: كلامه في الكتاب على الأحاديث رواية ودراية هي عينها طريقة ابن تيمية، ودونك هذه الأمثلة: قوله (ص ١١): «هذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له، ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث والفقه المعتبرة». وقوله (ص ٢٠٨): «وهذا اللفظ ليس هو مشهورًا في كتب الحديث، وأظنه قد روي من حديث أُبي بن كعب». قلت: وحديث أبيّ أخرجه أبو نعيم في «مسند أبي يحيى فراس» (ق ٩١ أ) والديلمي في الفردوس: (٢/ ٧٠). وقوله (ص ٤٦٦): «اعلم بأن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف في كتاب معتمد من كتب الحديث». وقوله (ص ٥٥٨ - ٥٥٩): «وهذا الحديث الذي ذكره لا أصل له، ولا يعرف في شيء من دواوين الحديث». وقال بعد ذلك: «وهذا الحديث ليس معزوًّا عزوًا يصح التمسك به، وأهل الحديث لا يعرفون له أصلًا، فلا يقبل».

стр. 17

وكلامه (ص ٥٠٣ - ٥٢٨) على حديث «لا ضرر ولا ضرار» رواية ودراية بما لا يوجد في مكان آخر. وكلامه (ص ٥٦٣ - ٥٦٧) على حديث «أصحابي كالنجوم ... » رواية ودراية. وقوله (ص ٥٠٤ - ٥٠٥): «وهؤلاء المتأخرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقهة أقل الناس علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته ... ». وقوله (ص ٥٠٥ - ٥٠٦) عن صاحب الفصول وما يورده من أحاديث: «هذا المصنف ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث عامتها ليست محفوظة عن رسول الله ﷺ ، مع أنَّ في الباب الذي يذكره عدة أحاديث صحاح مشهورة». وكلامه (ص ٥٥٢ - ٥٥٣) على رواية الصحابة للحديث وتحرّزهم فيها .. فهذا أسلوبٌ معروفٌ لشيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على الأحاديث لمن قرأ في كتبه وخبرها، وانظر على سبيل المثال: «الفتاوى»: (١٨/ ١٢٣، ٣٨٣، ٢٥/ ١٨٠) و «المنهاج»: (٤/ ٤٥، ٢٣٦، ٢٧٤، ٣١٦، ٤٨٣، ٥٦١). فهل يدّعي مدّع أن هذه العبارات في نقد الأحاديث ونقد الفقهاء وضعف معرفتهم بالحديث يقولها فقيه أو أصولي أو جدليّ؟ وهل يجمع بين هذه الفنون إلا رجل مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؟! القرينة التاسعة: في كتابنا (ص ٣٤٢) عزا شيخ الإسلام إلى «مسروق» قولًا في مسألة أصولية، ووجدناه معزوًّا إليه أيضًا في «المسودة» (ص ٣٢٧) لآل تيمية. ولم نجد عزو هذا القول إلى مسروق إلا في هذين الكتابين، وهذا

стр. 18

مخالف لبقية المصادر فإنهم قد عزوه لابن سيرين، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»: (٦/ ٢٤١)، «وقواطع الأدلة»: (٣/ ٢٦٥)، و «الواضح»: (٥/ ١٦٥)، و «المغني»: (٩/ ٢٣). فهذا دليل على أن مصنف الكتابين واحد. القرينة العاشرة: أن القول المعروف عند الشافعية أن قول الصحابي ليس بحجة في مذهب الشافعي الجديد، لكن شيخ الإسلام خالف ذلك وقال: إنه حجة حتى في الجديد أيضًا (الفتاوى ٢٠/ ١٤)، وانتصر له تلميذه ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (٥/ ٥٥٠ - ٥٥٥)، وهذا القول موجود أيضًا في كتابنا (ص ٥٣٠). وقد ألَّف أبو سعيد العلائي كتاب «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» في الانتصار لهذا القول. القرينة الحادية عشرة: توافق الكثير من مباحث الكتاب مع ما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولنذكر بعضها: - كلامه في التقليد وأنواعه (التنبيه: ٥٥٧. الفتاوى: ٢٠/ ١٥، ١٧). - مسألة تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس (التنبيه: ٢٠٣. المسودة: ١٠٧). - نقله لقول أحمد: «ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين» وقوله: «أكثر ما غلط الناس من جهة التأويل والقياس» وبيان معناه (التنبيه: ٢٠٥. قاعدة في الاستحسان: ٧٤، الفتاوى: ٧/ ٣٩١ - ٣٩٢). - الكلام على اللغة العربية وتعلمها والاهتمام بها والكلام على التشبه بالأعاجم (التنبيه: ٢٥٢ - ٢٥٩. اقتضاء الصراط المستقيم: ١/ ٥١٨ - ٥٢٨).

стр. 19

- كلامه في تفسير قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] (التنبيه: ٥٦١. الفتاوى: ٢٠/ ٤٥ - ٤٦). - نقله كلام الشافعي: «المحدثات ضربان .. » (التنبيه: ٥٣٠. المسودة: ٣٣٧ ولم ينقله أحد من الأصوليين غير الشيخ، ونَقْل الزركشي له في «المنثور» ليس على شرطنا لأنه توفي سنة ٧٩٥). - الآثار السلفية الكثيرة التي ساقها المصنف في الحث على اتباع السلف وتَرْك الابتداع هي التي يُكثر شيخ الإسلام من إيرادها في عموم كتبه (التنبيه: ٥٤٦ - ٥٥١. الفتاوى: ٣/ ١٢٦ - ١٢٧ وغيرها). - مَن نظر في «فصل في الأثر» من كتابنا (التنبيه: ٥٢٩ - ٥٦٧) وما فيه من التحقيق والتحرير والانتصار لحُجّية قول الصحابة والرد على من خالف ذلك، ثم نَقْل ابن القيم لأغلب هذا البحث حذو القذّة بالقذّة مع بعض الإضافات في كتابه «إعلام الموقعين»: (٥/ ٥٤٦ - ٥٨١، ٦/ ٥ - ٤٠) = علم أنه لشيخ الإسلام ابن تيمية لا لغيره. - قوله أن عمر ﵁ مع كونه المُحَدَّث الملهم إلا أنه لم يكن يأخذ بظن نفسه حتى يتأمل دلالات الكتاب والسنة (التنبيه: ٥٦١. الصفدية: ١/ ٢٥٣، بغية المرتاد: ٣٨٨، الفتاوى: ٢/ ٢٢٦، ١١/ ٢٠٥ - ٢٠٨). - قوله: إن تسمية العام والمطلق مجملًا عُرْفٌ معروف في لسان الأئمة. (التنبيه: ٢٠٥. الفتاوى: ٧/ ٣٩١ - ٣٩٢). - قوله: إن العام لا يخصص حتى ينصب دليلًا على عدم إرادة الصورة المخصوصة (التنبيه: ٢١١. بيان الدليل: ٣٨٦).

стр. 20

القرينة الثانية عشرة: نقول العلماء منه وهي كالتالي: - تلميذه ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) نقل خطبة الكتاب كاملة في «العقود الدرية» (ص ٤٥ - ٥١)، ولأن الأوراق الأولى من المخطوط قد فقدت؛ لم توجد هذه المقدمة ولا أوائل الردّ على كتاب النسفي. وقد دللّنا في أوائل هذا المقال أن هذه المقدمة التي حفظها لنا ابن عبد الهادي هي لنفس المخطوط الذي نشرناه وهو «التنبيه» بدلائل كالشمس وضوحًا، ومن تعاشى عن الشمس «ففي التعاشي الداءُ»!! - تلميذه ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١) نقل من كتابنا هذا «التنبيه» (ص ٥٢٩ - ٥٦٧) بحثَ الاحتجاج بقول الصحابة، نقله حذو القذّة بالقذّة مع بعض الإضافات في كتابه «إعلام الموقعين»: (٥/ ٥٤٦ - ٥٨١، ٦/ ٥ - ٤٠) دون إشارة إلى شيخه. وهذه طريقة معروفة لابن القيم في النقل من كتب شيخه، ففي كتاب «إعلام الموقعين»: (١/ ٣٥٠ - ٣٨٣) أيضًا نقل رسالة «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» وهي لشيخه (انظرها ضمن «جامع المسائل»: ٢/ ٢٥٣ - ٣٥١) دون أيّ إشارة إليه. ونقل فيه أيضًا (٢/ ١٣٥ - ١٤٦) من «فصل في آيات الربا» لشيخه، ولم يشر إليه ولو مرةً واحدةً. وينقل عنه أحيانًا أخرى ويسميه، وقد يسمي كتابه، وهذا أمرٌ يعرفه الممارسون لكتب الشيخين. - علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥) نقل منه في كتابه «التحبير في شرح التحرير: ١/ ٢١٢ - ٢١٣» نصًّا في نحو صفحة كاملة في معاني النظر، وسمى الكتاب «الرد على الجست» (تصحفت في المطبوع: الجشت). وقد سبق لنا في أول المقال التدليل على أن كتابنا هذا «التنبيه» هو نفسه الرد على

стр. 21

الجست. لكن هذا النقل ليس في مخطوطتنا بسبب الخرم المشار إليه، ونحن نرجح أن الشيخ ذكر معاني النظر التي نقلها المرداوي عند شرحه قول صاحب الفصول في أوائله: «المعنيّ من الدليل ما لو جرد النظر إليه ... ». القرينة الثالثة عشرة: هي ما كتبه المشكّكون السالف ذِكرهم في صدر المقالة في نسبة الكتاب، فإن قيل: يا لله العجب، كيف يكون تشكيكهم دليلا على ثبوت الكتاب؟! فنقول: لقد جهِد الناقدون ليجدوا دليلا على نفي صحة الكتاب من داخل الكتاب أو خارجه، فلم يعثروا بعد هذا الجهد إلا على جملة تشكيكات لا أثر فيها للدليل أو الحجة. وأفضل ما يمكن أن يُنظر فيه في محاولة التشكيك هو ما ذكره د. عبد العزيز العبد اللطيف فقد ذكر سبعة أمثلة على مخالفة ما في الكتاب لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه المعروفة، وأن هذه المخالفة دليل على عدم الثبوت. فيجاب عن ذلك بجوابين مجمل ومفصل: أما المجمل فهو أنه لا مانع أن يكون شيخ الإسلام قد تغير اجتهاده في بعض المسائل الفقهية أو الفروع العقدية، وهذا واقع في مجموع الفتاوى نفسها وفي غيرها من كتبه كما صرّح هو بذلك في مواضع عديدة، وهو أكثر ظهورًا في «شرح العمدة» وهو من أوائل مؤلفاته، ويفسح المجال لهذا الاحتمال أن هذا الكتاب من أوائل مؤلفاته، فقد كتبه وهو في أوائل العشرينات من عمره، فلا غرابة أن يتغيّر اجتهاده! وقد ذكرنا نحن في هوامش الكتاب بعض آرائه واجتهاداته التي خالفها في كتبه الأخرى المتأخرة. أما الجواب المفصّل، فقد رجعنا إلى تلك الأمثلة المذكورة فلم نجد

стр. 22

واحدًا منها يصلح مثالًا على تلك المخالفة المزعومة، فبعضها ينص شيخ الإسلام على خلافها في صفحة سابقة أو لاحقة، وبعضها سيق مساق الاعتراض والمناظرة، أو ساقه على لسان الخصم ثم نقضه. ولنذكر مثالًا واحدًا يكشف ما ذكرنا: ذكر الباحث أن المؤلف ساق في كتاب «التنبيه»: (٢/ ٥٩٦ و ٦٦٦ من الطبعة الأولى) [ص ٥٦٣ و ٦٢٨ من هذه الطبعة] حديثَ «أصحابي كالنجوم .. » مساق الاحتجاج، بينما ضعفه شيخ الإسلام في «الفتاوى». وحينما رجعنا للموضعين وجدنا الواقع غير ما ذكرَه، ففي الموضع الأول استدل النسفي صاحب كتاب «الجدل» المردود عليه بالحديث، ثم ذكر شيخ الإسلام في تلك الصفحة أن الحديث مشهور في أصول الفقه، ثم بعده بصفحتين (ص ٥٩٨) [ص ٥٦٥] ذكر أنه يُعترض على النسفي باستدلاله بالحديث من وجوه أولها: الطعن في إسناده. ثم ذكر وجوهًا أخر. هذا بالنسبة للموضع الأول، فأين الاحتجاج المزعوم؟! أما الموضع الثاني فالإحالة خطأ محض؛ لأنها إحالة على كتاب النسفي «فصول في الجدل» حيث ألحقناه في آخر كتاب «التنبيه» من (ص ٦٤١ - ٦٦٨) [ص ٦٠٣ - ٦٢٩]. فليس هذا الموضع من كلام شيخ الإسلام أصلًا. وسنكتفي هنا بذكر هذا المثال الذي يكشف ما وراءه من أمثلة، وندعُ استكمال نقد بقية الأمثلة إلى مقال سينشر في مجلة «الأصول والنوازل» إن شاء الله تعالى.

стр. 23

فبان بهذه القرائن مجتمعة ثبوتُ نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهبت تشكيكات من شكك أدراج الرياح، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ونختم أخيرًا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بما يناسب ما نحن فيه، إذ هذه الأدلة والقرائن التي سقناها «تفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب. وهذا فيه إنصاف وعدل، وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي يظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة!! ومن قال: لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض، قيل له: أولًا أنت أول من خالف هذا، فأنت دائمًا تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلًا عن اليقين. وقيل له ثانيًا: لا نسلّم، بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق، فإن كان عنده علمٌ قاطع قال به، وإن كان عنده ظنٌّ غالب قال به، والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظنٌّ غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة، أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيرًا» (١) اهـ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد و آله وصحبه أجمعين. * * * _________ (١) «بيان تلبيس الجهمية»: (٢/ ٣٧١).

стр. 24

مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين. وبعد؛ فهذا أثَر جديد من آثار شيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية النُّميري الحرَّاني ــ رحمه الله تعالى ــ يظهر لأول مرة، بعد أن ظل دهرًا طويلًا طيّ الجهالة والنسيان، لم يُعْرَف له أَثَر، ولم يُسمع له بوجود في خزائن الخافقين، إلى أن يسَّر الله العثورَ عليه في زُوَيَّة من زوايا إحدى الخزائن الهنديَّة متجلببًا غير جلبابه، فالحمد لله على ما وفَّق ويسَّر. ونرى في حفظ الله لهذا الكتاب وغيره من كتب الشيخ تصديقًا لما قاله تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤): «ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنَّ وأنْعَم، وخَرَق العادة في حِفظ أعيان كتبه وتصانيفه= لما أمكن أحدًا أن يجمعها. ولقد رأيتُ مِن خَرْق العادة في حِفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، وردِّ ما ذهب منها ما لو ذكرته لكان عجبًا، يعلمُ به كل منصفٍ أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيِّه ﷺ تحريف الغالِين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١). وكان من العناية الإلهية أن حَفِظَ لنا خُطبة هذا الكتاب ــ وهي عدة صفحات ــ في كتاب ابن عبد الهادي (العقود) كاملة؛ إذ سقطت من نسخة الكتاب الوحيدة، فبقيت لنا لِنُلحقها بمكانها. وكتابنا هذا ردُّ كتاب معاصره برهان الدين النسفي الحنفي (ت ٦٨٧) _________ (١) «العقود الدرية» (ص ١٠٩ - ١١٠).

стр. 25

في الجدل، ويعرف بـ «فصول في الجدل»، أو «مقدمة في الجدل» أو «المقدمة البرهانية». وهذا الكتاب يمثِّل مرحلة متأخرة من مراحل التأليف في (علم الجدل)، إذ مُزِج علم الجدل بكثير من مصطلحات ومباحث المنطق والفلسفة، وعُرف هذا المنهج بتطويل العبارة وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازية في المقدمات، ووضع الظنيات موضع القطعيات، إلى غير ذلك من التمويهات. وقد لقيت هذه الطريقة رواجًا عند بعض الفقهاء والمشتغلين بالطلب في القرن السابع وما بعده بقليل. والذي غرَّهم بهذه الطريقة، ودَفَعهم إلى الاشتغال بها: ظنُّهم أنها تضبط لهم قواعد الاستدلال، وتُدرِّبهم على إيراد الشبه والاعتراضات والرد عليها ... حتى وصل الحال بكثير منهم أن اعتبروا هذا الجدل المُمَوَّه من أعلى درجات العلم الشرعي، وظنوا أنه يُمَكّنهم من تحرير المسائل أبلغ تحرير! والواقع أنهم خالفوا بذلك منهج السلف في الجدل الصحيح والمناظرة المثمرة، فاستحسنوا ما ذمَّه السلف، وجعلوا الأصول والقواعد الصحيحة عُرضة للتشكيك، وأعطوا الطلاب سهامًا يُفَوّقونها إلى تلك المسلمات والقواعد. فكان من الواجب على مَن وهَبه الله علمًا وفقهًا أن يتصدى لهذا الانحراف بنقض هذه الطريقة وبيان فسادها. فأتى الشيخُ على هذه «المقدمة» من أولها إلى آخرها شرحًا ونقضًا، إذ يشرحها على طريقة أصحابها ــ المتكلمين ــ ثم ينقض عليهم بطريقتهم وطريقةِ أهل الجدل المحققين، فأظهر براعة عجيبة، وسعة معرفة بطرائق الجدليين بأنواعهم: المتقدمين والمتأخرين، والمتكلمين الممَوِّهين، والأصوليين المحققين

стр. 26

والفقهاء. وهذا الأثر الجديد يكشف لنا وجهًا من تفنُّن شيخ الإسلام في العلوم وإحاطته العجيبة بها، وبراعته النادرة فيها، وهذا الفن الذي كتب فيه الشيخ وهو «الجدل على طريقة المتكلمين» فنٌّ نادر، لم يتعرَّض أحد لنقده وشرحه قبل الشيخ ــ فيما نعلم ــ. حقًّا إن الناظر لأول وهلة ليظن أن هذا الفن هو فن الشيخ الذي برز فيه واعتنى به وانقطع له. لكنَّ هذا الظن سرعان ما يزول إذا علم الناظر مقدارَ توسُّعه في الفنون الأخرى، وأنه بغير هذا الفن أشهر، وكتبه في غيره أكثر وأكبر، واسمع الآن لما يقوله خَصم الشيخ وقرينه كمالُ الدين ابن الزملكاني: «كان إذا سُئل عن فن من العلم ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك» (١). فما هي إذًا إلا مِنَحٌ وفضائل يمنحها الله تعالى مَن يشاء مِن عباده، والله ذو الفضل العظيم. وقد قدمنا بين يدي تحقيقه مباحث (٢): أولًا: تمهيد في الجدل، ومناهج التأليف فيه، وأهم كتبه. _________ (١) «العقود» (ص ١٣). (٢) المبحث الثاني (التعريف بكتاب «التنبيه») كَتَبه محمد عزير شمس، وبقية المباحث كتبها عليُّ بن محمد العمران.

стр. 27

ثانيًا: التعريف بكتاب «تنبيه الرجل العاقل ... » وفيه: - قصة العثور على الكتاب. - اسم الكتاب. - تاريخ تأليفه. - إثبات نسبته إلى المؤلف. - منهج المؤلف فيه. - إفادة العلماء منه. ثالثًا: ترجمة برهان الدين النسفي صاحب «الفصول». رابعًا: التعريف بالكتاب المردود عليه «فصول في الجدل» وفيه: - اسمه. - إثبات نسبته لمؤلفه. - شروح الكتاب. - نُسَخه الخطية. خامسًا: وصف النسخة الخطية لكتاب «تنبيه الرجل .... ». سادسًا: منهج التحقيق. سابعًا: نماذج من المخطوطات. وكان العمل في تحقيق الكتاب مناصفة، فمن أول الكتاب إلى (ص ٢٩٤) (١) من عمل محمد عزير شمس، ومن (ص ٢٩٥) إلى آخره إضافة إلى الفهارس العلمية واللفظية من عمل علي بن محمد العمران. ولا _________ (١) من الطبعة الأولى، و (ص ٢٨١) من الطبعة الثانية.

стр. 28

يفوتنا أن نسجّل جميل شكرنا للشيخ محمد أجمل الإصلاحي على ملاحظاته القيّمة وقراءاته الموفّقة. فها هو هذا الكتاب اليوم بين يدي كل باحث عن العلم والتحقيق، موطَّأةً أكنافُه، ميسَّرة سُبُلُ الإفادة منه. فأين العقول الظَّمآى إلى العلم، والأذهان المتعطشة للتحقيق لتنهل وترتوي؟! والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. كتبه علي بن محمد العمران و محمد عزير شمس ٢٨ ربيع الآخر ١٤٢٥ هـ

стр. 29

أولًا: تمهيد عن الجدل، ومناهج التأليف فيه، وأهم كتبه * تعريف الجدل: ١ - لغة: قال ابن فارس: «الجيم والدال واللام أصلٌ واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه» (١). هذا من حيث أصل الكلمة، أما معنى الجدل في اللغة؛ فقد جاء في «اللسان» (٢): «الجَدَل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وقد جَادله مُجادلة وجِدالًا. وجادله أي: خاصمه، والاسم: الجدل، وهو شدة الخصومة ... ». وقد اختُلِف في اشتقاق «الجَدَل»؛ هل هو من «الجَدْل» أو «الجَدَالة» وهي الأرض، أو «الجَدال» أو «المجدل» أو «الجدول». وقد توسَّط الكوفي في هذا فقال: «وكأنَّ مادة (جَ، دَ، لَ) ترجع في جميع تصاريفها إلى معنى القوة والامتناع والشِّدة والإحكام، فيكون مشتقًّا من هذا المعنى الجامع الكلِّي، ومن كل واحدٍ من جزئياته باعتبار ما يشتركان فيه من ذلك المعنى» (٣). ٢ - اصطلاحًا: تعددت تعريفات العلماء من جهة الاصطلاح، ونحن هنا نذكر أقرب _________ (١) «مقاييس اللغة»: (١/ ٣٤٤). (٢) (١١/ ١٠٥). (٣) «عَلَم الجَذل في عِلم الجَدَل» (ص ١٣).

стр. 30

التعاريف وفاءً وشمولًا للمعنى الاصطلاحي. عرَّفه القاضي أبو يعلى الفرَّاء (ت ٤٥٨) فقال: «هو تردد الكلام بين اثنين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه» (١). وبنحو عبارته عرَّفه أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤) في «المنهاج» (٢). وعرَّفه إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨) ــ بعد أن ساق له جملة تعاريف لم يرضها ــ فقال: «إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة» (٣). أما نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦) فيقول في أحد تعاريفه: «إنه قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب، على وجهٍ يدفع عن نفس الناظر والمناظر الشك والارتياب» (٤). ويعرفه ابن خلدون في «المقدمة» (٥) بأنه: «معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصَّل بها إلى حِفظ رأي وهَدمه، سواء كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره». وقد كان لكثير ممن بحثَ في هذه القضية بعضُ المؤاخذات على هذه التعاريف؛ إذ رأوا أنها غير جامعة أو غير مانعة، إذ المقصود هنا تعريف _________ (١) «العدة»: (١/ ١٨٤). (٢) «المنهاج في ترتيب الحِجاج» (ص ١١). (٣) «الكافية في الجدل» (ص ٢١). (٤) «عَلَم الجذل» (ص ٣ - ٤). (٥) (ص ٥٠٦).

стр. 31

«الجدل الأصولي» فلابد من إضافة ضابط «الأصول»، وكذلك لابد من التفريق بين كلٍّ من الجدل والمناظرة وعلم الخلاف، إذ الجدل أخص منهما (١). * طرائق الجدل، ومناهج التأليف فيه: لما كان التنوع والاختلاف حقيقة إنسانية طبيعية، وكان من ثمار هذا التنوّع الاختلافُ والتباينُ فيما يصلُ إليه الإنسان بتأمله وتفكيره، وإلى جانب هذا التنوع فإن الإنسان مفطور كذلك على التفاعل والتقاء الأفكار، والإفصاح عنها، وعرضها للحوار والجدل= نشأ عن ذلك: الحِجاج والنقاش وتبادل الأفكار واحتكاك بعضها ببعض (٢). ولما كان مِن وَصْف القرآن أنه فرقان يفرِّق بين الحق والباطل، فلا بُدَّ أن يكون قد اشتمل على تقرير الحق وإبطال الباطل بطرقٍ شتَّى: بالمحاورة والمناظرة والمجادلة، بذكر الشبه ونقضها، والدعوة إلى مجادلة أهل الكتاب، وضرب الأمثال وحكاية المناظرات التي وقعت للسابقين، وقد أرسى في أثناء ذلك الدلائلَ الواضحة البيِّنة لأصول علم الجدل والمناظرة. وهكذا السنة النبوية جاءت بتقرير ذلك وشرحه، وسار الأمر على مثل ذلك في عصر الصحابة ﵃ والسلف، متبصرين بمنهج الوحيين الشريفين. _________ (١) انظر: «الكافية» (ص ٢٠ - ٢١)، ومقدمة العميريني لكتاب «الجدل» لابن عقيل (ص ٣٢ - ٤٤، ٩٣ - ١٠٠)، و «الجدل عند الأصوليين» (ص ١٤٣ - ١٥٢) لمسعود فلوسي. (٢) انظر: «تاريخ الجدل» (ص ٧) لمحمد أبو زهرة، و «مناهج الجدل في القرآن» (ص ٢٧) للألمعي.

стр. 32

والجدل بمعناه الاصطلاحي لم يكن فنًّا متميزًا عن غيره بقواعد وضوابط تجمعها كتب خاصة، بل كان فنًّا يستعمله العلماءُ ويَدْرُونَه، كما يعرفون بعض العلوم الأخرى كالأصول واللغة. ومع مرور الزمن وتناقص المعرفة، وضعف المَلَكة، واتساع رقعة المملكة الإسلامية، وإقبال الناس على الدين وتعلمه والتفقه فيه= دُوّنت كثير من العلوم الآلية والمقاصدية، وتطورت حركة التأليف في فنون العلم، حتى إن الفن الواحد قسم إلى فنون، مثل فن الجدل كان داخلًا في فن الخلاف إلا أنه بعد حين صار علمًا مستقلًا، صُنفت فيه الكتب والرسائل، واختلفت فيه المناهج والطرائق، ثم طرأ عليه ما طرأ على أكثر الفنون من قوة وضعف، بل وانحراف في مناهجه وقضاياه، خاصة تلك التي تأثرت بالعلوم العقلية والرسوم المنطقية التي ذهبت بفائدة الفن الحقيقية، وهي: تحرير الاستدلال الصحيح القائم على أساس الحجة القوية، والاستدلال المعتبر، والنظر الصحيح. بل أصبحت حقيقته مجرد شبهةٍ غامضة، وأساسٍ واه، وشَغَبٍ زائف. ويمكننا أن نقول: إن المراحل التي مر بها علم الجدل ثلاث: المرحلة الأولى: وهي طريقة السلف من الصحابة والتابعين ومَن سار على طريقتهم، طريقة القرآن والسنة، وتمتاز هذه الطريقة بما عبّر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «وكانوا ــ أي السلف من الصحابة فمَن بعدهم ــ يتناظرون في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام بالأدلة المرضيَّة والحجج القويَّة، حتى كان قلَّ مجلس يجتمعون عليه إلا ظهر الصواب، ورجع راجعون إليه؛ لاستدلالِ المستدل بالصحيح من الدلائل، وعِلم المنازع أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. كمجادلة الصدِّيق لمَن نازعه

стр. 33

في قتال مانعي الزكاة، حتى رجعوا إليه، ومناظرتهم في جمع المصحف حتى اجتمعوا عليه، ومناظرتهم في حدّ الشارب، وجاحد التحريم، حتى هُدوا إلى الصراط المستقيم ... » (١). وهذا هو الجدل المحمود والمناظرة المرضيَّة، التي تُحِق الحق وتكشف الباطل، وتهدف إلى الرُّشد، مع ما يرجى من رجوع المناظر عن الباطل إلى الحق (٢). هذه الطريقة كانت هي المعروفة المشهورة قبل أن يُفرد هذا العلم بمؤلفات مستقلة، وتدخله الداخلة من جهات عديدة، ستأتي الإشارة إليها. وإذا جاز لنا أن نمثّل لهذه المرحلة، فيمكننا القول: إن الكتب الخلافية المتقدمة أصدق مثال عملي لعلم الجدل، يمكن للمتأمل فيها أن يستخلص كثيرًا من قواعد الفن وضوابطه الصحيحة، من مثل كتاب «الأم» للشافعي، خاصة مناظراته مع محمد بن الحسن وغيره من فقهاء العراق. وكتب ابن جرير الفقهيَّة «اختلاف العلماء» و «تهذيب الآثار». وكتب ابن المنذر «الأوسط» و «الإشراف» وغيرها. المرحلة الثانية: وهذه المرحلة جاءت بعد تدوين أكثر العلوم في مصنفات خاصة، وتميُّز العلوم عن بعضها، وجاءت بعد استقرار المذاهب الفقهية، وتدوين المدونات الخاصة بكل مذهب، وجري العلماء والمتناظرين على انتصار كلٍّ لمذهبه وإضعاف مذهب المخالف بأيِّ طريق. وقد تزامن ذلك مع تأثر كثير من العلوم بالعقليَّات والمباحث المنطقية. _________ (١) «العقود الدرية» (ص ٤٧ - ٤٨)، و «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥). (٢) انظر: «الكافية في الجدل» (ص ٢٣).

стр. 34

من أجل ذلك كان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول لطاهر العبَّاداني: لا تعلِّق كثيرًا مما تسمع مني في مجالس الجدل، فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته، ودفعه ومغالبته (١). وكان الداعي إلى إفراد «علم الجدل» بالتصنيف مع أنه فرع من فروع علم النظر والخلاف= أنه «لما كان بابُ المناظرة في الرد والقبول مُتَّسِعًا، وكل واحدٍ من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عِنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأً، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وكيف يكون حال المستدل والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلًّا، وكيف يكون مخصومًا (٢) منقطعًا، ومحل اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال» قاله ابن خلدون (٣). وقد وصف لنا شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المرحلة وصفًا يكشف لنا حقيقتها وخصائصها وميزاتها وما لها وما عليها، فقال: «ثم صار المتأخرون بعد ذلك قد يتناظرون في أنواع التأويل والقياس بما يؤثر في ظن بعض الناس، وإن كان عند التحقيق يؤول إلى الإفلاس، لكنهم لم يكونوا يقبلون من المناظرة إلا ما يفيد ولو ظنًّا ضعيفًا للناظر. _________ (١) انظر «طبقات الشافعية الكبرى»: (٤/ ٦٢). وانظر ما علقه تاج الدين السبكي على هذا النص. (٢) في المطبوعة: «مخصوصًا»، وما أثبته من نسخة أخرى، وهو أصح. (٣) «المقدمة» (ص ٥٠٦).

стр. 35

واصطلحوا على شريعةٍ من الجدل، للتعاون على إظهار صواب القول والعمل، ضبطوا بها قوانين الاستدلال، لتسلم عن الانتشار والانحلال. فطرائقهم وإن كانت بالنسبة إلى طرائق الأولين غير وافية بمقصود الدين، لكنها غير خارجةٍ عنها بالكلية، ولا مشتملةٍ على ما لا يؤثر في القضية. وربما كسوها من جودة العبادة، وتقريب الإشارة، وحسن الصياغة، وصنوف البلاغة ما يُحلِّيها عند الناظرين، ويُنَفّقها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلة السمعية والمعاني الشرعية، والتحاكم فيها إلى حاكم الشرع الذي لا يُعزَل، وشاهد العقل المزكَّى المعدَّل. وبالجملة؛ لا تكاد تشتمل على باطل محض ونُكْرٍ صرف، بل لابدَّ فيها من مخيل للحق، ومشتمل على عرف» (١). وهذه المرحلة أو الطريقة نَسَبها ابنُ خلدون (ت ٨٠٨) إلى البزدوي (٢)، قال: «وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال» (٣). ولعل هذه النسبة تعود إلى أنه أول من ألَّف فيها، أو أول من اشتهر بها، لكنَّا نجد علماء آخرين يخالفون هذا الرأي؛ فيذكر النووي (ت ٦٧٦) في «تهذيب الأسماء واللغات» (٤) أن أول من ألَّف فيها أبو علي الطبري _________ (١) «العقود» (ص ٤٨ - ٤٩)، و «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥ - ٦). (٢) هو: علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، فخر الإسلام أبو الحسن الفقيه الحنفي، صاحب المختصر المشهور في الأصول (ت ٤٨٢)، ترجمته في «تاج التراجم» (ص ٢٠٥)، و «الفوائد البهية» (ص ١٢٤ - ١٢٥). (٣) «المقدمة» (ص ٥٠٦). (٤) (٣/ ٤٨).

стр. 36

(ت ٣٠٥)، بينما ذكر طاش كبري زاده أن أول من ألَّف فيه هو ابن القفَّال الشاشي (ت ٥٠٧)، وسمّى غيرُهم غيرَ أولئك. ولعلّ هذا الاختلاف عائد إلى شمول علم الجدل لأكثر من فنٍّ جميعُها تُصنَّف تحت «علم الجدل» وهي: الخلافيَّات، وعلم المناظرة (آداب البحث)، وعلم الجدل (١). وهنا نذكر الكتب المطبوعة في علم الجدل التي أُلِّفت على هذه الطريقة: ١ - «التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية» لأبي محمد بن حزم الظاهري (ت ٤٥٦)، وهو مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن حزم في المجلد الرابع منه سنة ١٤٠٣. ٢ - «المنهاج في ترتيب الحِجَاج» لأبي الوليد الباجي المالكي (ت ٤٧٤)، وهو مطبوع بتحقيق عبد المجيد تركي سنة ١٤٠٧ طبعة ثانية. ٣ - «المعونة في الجدل» (٢) لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي (ت ٤٧٦)، وهو مطبوع بتحقيق علي العميريني، ثم طبعه عبد المجيد تركي. ٤ - «المنتخل في الجدل» لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥)، وقد طبع أخيرًا بتحقيق الأستاذ علي العميريني. ٥ - «الجدل على طريقة الفقهاء» لأبي الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣)، وقد نشره محققًّا علي العميريني سنة ١٤١٨. _________ (١) انظر في فروع علم الجدل: مقدمة العميريني لكتاب ابن عقيل (ص ٤٧ - ٦٢)، ومقدمة عبد المجيد تركي لـ «المنهاج» (ص ٦ - ١٠). (٢) وهو مختصر من كتابه الآخر «الملخص» وقد حُقق في جامعة أم القرى، ولم يُطبع.

стр. 37

٦ - «المقترح في المصطلح في الجدل» لأبي منصور محمد بن محمد البَرْوي (ت ٥٦٧). وقد طبع أخيرًا بتحقيق شريفة المويلحي. ٧ - «الإيضاح لقوانين الاصطلاح» ليوسف ابن الجوزي (ت ٦٥٦)، مطبوع بتحقيق الأستاذ فهد السدحان سنة ١٤١٣. ٨ - «عَلَمُ الجَذَل في عِلْمِ الجَدَل» لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت ٧١٦)، مطبوع بتحقيق المستشرق فولفهارت هاينرشس، ألمانيا سنة ١٤٠٨. ويمكننا أن نُدْرج في هذه المرحلة اتجاهًا آخر في التأليف، له ارتباط أوثق بعلوم المنطق والمباحث العقلية، وصناعة الحدود، مثل كتاب «الكافية في الجدل» لإمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨)، وهو مطبوع بتحقيق فوقيّة حسين محمد عام ١٣٩٩. وعلى هذه الطريقة تندرج المقدمة الجدلية التي صَدَّر بها أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣) كتابه الأصولي «الواضح» (١)، وطريقته فيه مخالفة في منهجها وأسلوبها ومباحثها كتابه الآنف الذكر. ومثلهما ما تضمنه كتابا الرازي (ت ٦٠٦)، والآمدي (ت ٦٣٠) من مباحث في علم الجدل. المرحلة الثالثة: وهذه المرحلة بدأت واشتهرت على رأس القرن السادس على يد العَمِيدي (٢)، وصارت تُعرف بالطريقة العميدية، ولا خلاف _________ (١) (١/ ٢٩٦ - ٥٣٠). (٢) وهو: أبو حامد محمد بن محمد السمرقندي، ركن الدين العميدي، الفقيه الحنفي، كان مبرزًا في علم الخلاف، وله عدة تصانيف فيه، كمختصره الأصولي، و «الإرشاد» و «النفائس» وغيرها، توفي سنة (٦١٥) ببخارى. انظر «وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٥٧)، و «الجواهر المضية»: (٣/ ٣٥٥)، و «تاج التراجم» (ص ٢٤٨)، و «السير»: (٢٢/ ٧٦)، و «تاريخ الإسلام» (وفيات ٦١٥) (ص ٢٦٣)، و «الأعلام»: (٧/ ٢٧).

стр. 38

بين العلماء أنه أول مَن اخترع هذه الطريقة وصنف فيها، قال ابن خلكان: «كان إمامًا في فن الخلاف، خصوصًا الجُسْت (١)، وهو أول مَن أفرده بالتصنيف، ومَن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين ... » (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي ذلك الوقت ــ أي سنة ٦١٥ ــ ظهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق ... وظهرت بدعٌ في العلماء والعُبَّاد، كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوُّف ابن العربي ... » (٣). وهي مرحلة جديدة الوجه واليد واللسان، وصفها ابن خلدون بقوله: «وهي عامة في كل دليل يُستدل به من أيِّ علمٍ كان، وأكثره استدلال، وهو من المناحي الحسنة، والمغالطات فيه في نفس الأمر كثيرة، وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي» (٤). _________ (١) الجُسْت: كلمة فارسية معناها البحث والفحص والتقصِّي، ثم أصبحت عَلَمًا على فنٍّ من فنون علم الخلاف والجدل، وهو المبني على طريقة الفلاسفة والمتكلمين. انظر: «المعجم الفارسي ــ فرهنك فرزان» (ص ٣٠١) للدكتور طبيبيان، و «تكملة المعاجم العربية»: (٢/ ٢١١) لدوزي. (٢) «وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٥٧). وانظر «مقدمة ابن خلدون» (ص ٥٠٦ - ٥٠٧). (٣) «جامع المسائل ــ الأموال السلطانية»: (٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، ونحوه في «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٨) لابن القيم، و «مختصره»: (٢/ ٤٣٥ ــ أضواء السلف) للموصلي. (٤) «المقدمة» (ص ٥٠٦ - ٥٠٧).

стр. 39

ووصفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وصفًا بليغًا دقيقًا فقال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم، صاروا مولَعِين بنوع من جدل المموِّهين، استحدثه طائفة من المشرقيين، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم. غير أنهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازية في المقدمات، ووضع الظنيات موضع القطعيات، والاستدلال بالأدلة العامة ــ حيث لها دلالة ــ على وجهٍ يستلزم الجمعَ بين النقيضين، مع الإحالة والإطالة، وذلك من فِعْل غالط أو مغالط للمجادلة، وقد نهى النبي ﷺ عن أغلوطات المسائل= نَفَق ذلك على الأغتام الطَّماطم، وراج رواج البَهْرَج على الغِرِّ العادم، واغترَّ به بعض الأغمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب متعاندان متنافيان (١)، كما أنه والجهل المركب متصاحبان متآخيان ... » (٢). وقد نقل الحاج خليفة في «كشف الظنون» (٣) عن بعض العلماء قوله: _________ (١) وقد قال الذهبي في ترجمة العميدي المتقدم ذكره: «وليس علمه مما يُرشد إلى الله والدار الآخرة، ولا هو من عُدة القبر، فالله المستعان». «تاريخ الإسلام»، وبنحوه في «السير». (٢) «العقود الدرية» (ص ٤٩ - ٥٠)، و «تنبيه الرجل» (ص ٦ - ٧). (٣) (١/ ٥٨٠).

стр. 40

«إياك أن تشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء (يشير إلى جدل العميدي) فإنه يبعد عن الفقه، ويضيع العمر، ويورث الوحشة والعداوة، وهو من أشراط الساعة، كذا ورد في الحديث، ولله دَرُّ القائل: أرى فقهاء هذا العصر طُرًّا ... أضاعوا العلم واشتغلوا بلِمْ لِمْ إذا ناظرتَهم لم تَلْق منهم ... سوى حَرْفَيْنِ لِمْ لِمْ لا نُسَلِّمْ» وهذا هو الجدل المذموم الذي منه ما يكون محرمًا، قال إمام الحرمين الجويني: «فالمذموم منه ما يكون لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليُلْبَس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرُّفٌ ولا تقرُّبٌ ... إلى غير ذلك من الوجوه المنهيِّ عنها» (١). وهذه الطريقة المخترعة يبدو أنها لقيت رواجًا في القرن السابع في أوساط الطلبة والمتفقهة، تدل على ذلك عبارةُ ابن خلكان ــ لما ذكر طريقة العميدي ــ «وهي مشهورة بأيدي الفقهاء» (٢)، وكذلك كَثُرت في هذه الطريقة الشروح والتآليف (٣)، وتدل عليه عبارة شيخ الإسلام المذكورة آنفًا. من أجل ذلك رأى شيخ الإسلام أنه يجب التصدِّي لهذه الطريقة وتفنيد ما فيها من الخطأ والباطل (٤)، وذلك بنقض كتاب يُمَثِّل هذه الطريقة، وهو «فصول في الجدل» لبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي المتوفى _________ (١) «الكافية في الجدل» (ص ٢٢). (٢) «الوفيات»: (١/ ٢٥٧). (٣) انظر ما سيأتي في المقدمة، و «مقدمة ابن خلدون» (ص ٥٠٧). (٤) انظر «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠).
следующие страницы →