هو مطلق عام، وحينئذٍ فلا يخلو إمّا أن يكون دالًّا أو غيرَ دالٍّ، فإن كان غيرَ دالٍّ بَطلتِ الملازمة، وإن كان دالًّا لزِمَ الوجوبُ على الفقير والمدين جميعًا، وهو خلافُ الإجماع وخلافُ المدَّعَى، لأن المدَّعَى نفي الوجوب عليهما جميعًا، وقد مرَّ التنبيهُ على هذا.
فإن قال: هو دالٌّ على ذلك التقدير، وليس بِدَالٍّ على عدمِه.
قيل له: إما أن يكون هذا التفصيل معلومًا من هذا التفصيل أو من غيرِه، ولا يجوز أن يكون معلومًا من غيرِه، فذاك دليل يدلُّ بخصوصِه على الملازمة، وهذا إذا صح فلا شك في ثبوت كلام المستدل، فأختم به كلامه.
فإن قيل: فَمَن الذي صحَّ كلامه؟ المستدلّ أو المعترض؟
قلنا: إن كان المستدلُّ أثبتَ الملازمةَ بدليلٍ يَدُلُّ على خصوصِ التلازم، بأن أثبتَ أنه بتقدير الوجوب على المدين يزول المانع عن الوجوب على الفقير، ولم يَعترض عليه السائلُ إلّا بما يمنع الوجوب على الفقير في نفس الأمر= كلام المستدلِّ صحيح وكلامُ المعترض باطلٌ.
وإن كان المعترضُ قَدَحَ فيما يدَّعيه المستدلُّ من قيامِ مقتضٍ أو وجودِ معارضٍ بما يوجب قيامَ النافي على ذلك التقدير= فحينئذٍ يتعارضُ كلامهما، ويَبقى الرجحان لمن قَوِيَ دليلُه بحسب موادِّ المسائل والأدلة الدالة على صحةِ التلازم وفسادِه، ولكل مسألةٍ نظرٌ خاص، فمحالٌ أن يُحكم في جميع المسائل برجحان أحد الطرفين للمحتج بالملازمة أو للمانع منها.
وإن كان المستدلُّ إنما أثبت الملازمة بما يدلُّ على ثبوت اللازم في الجملة من الأدلة العامة التي لا يختصُّ ثبوتُه على تقدم ثبوت الملزوم=
стр. 142
فكلامُه باطلٌ، وكلامُ المعترض هو الحق، لأنه احتجَّ بالباطل واستدلّ بدليلٍ علم أنه باطل، وخصَّه [و] ليس في تلك الأدلة ما يخصُّ ذلك التقدير، ولا في ثبوت ذلك التقدير ما يقتضي ثبوتَ مدلولِ تلك الأدلة. وهو نظير قول مَن يقول: لو وجبت على الغني لوجبتْ على الفقير بالأدلة الموجبة، أو يقول: لو وجبت الصلاة لوجبت الزكاة على الفقير بالأدلة الموجبة، أو: لو كانت السماء موجودةً والشمسُ طالعةً والماءُ مائعًا والترابُ حارًّا وجبت الزكاة على الفقير بالأدلة الوجبة، ويذكر من [ق ٣٩] الأدلة ما يقتضي الوجوب، من غير تعرضٍ لذلك التقدير، ثم يدَّعي أن اللازم منتفٍ، فينتفي الملزوم، ولقد صدقَ في قوله: إن اللازم منتفٍ، لكن لم ينتف (١) بما ينفي ذلك التقديرَ، بل انتفى بما يُوجِب انتفاءَه، سواءٌ فُرِضَ وجودُ ذلك التقدير أو عدمُه، فلا يلزم من انتفائه انتفاءُ ما ليس وجودُه متعلقًا بوجودِه، ولا عدمُه متعلقًا بعدمِه.
وسلوكُ مثل هذه الملازمة فاسدٌ في الأصل من وجهين:
أحدهما: أنه ادّعَى الملازمةَ ولم يُقِم عليه دليلًا.
الثاني: أنه ذكر أن الدليل يدلُّ على ثبوت اللازم على ذلك التقدير، واللازم في هذه الملازمات مثل المثال المذكور لا بدَّ أن يكون منتفيًا في نفس الأمر، كالوجوب على الفقير، وحينئذٍ فلا يكون عليه دليلٌ يدلُّ على الوجوب وعلى ثبوت اللازم، وإذا ذكر عمومًا أو قياسًا مطلقًا أو غير ذلك من الأدلة، فقد عُلِمَ قطعًا أنه غيرُ دالٍّ على ثبوت اللازم، وأنه متروكٌ في تلك الصورة، أو هو غير دليل.
стр. 143
وهذا الوجه الثاني يفارقُه فيه من أمكنَه إثباتُ اللازم، بأن يكون ثابتًا في نفس الأمر لكن ليس في ثبوته ما يدلُّ على التلازم، وقد يكون منتفيًا على تقدير محال فرض ذلك التقدير، ليستدلّ على عدمِه بعدمِ اللازم، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ونحو ذلك من التلازم الصحيح، فلو كان يبطل "لو كان فيهما آلهة إلا الله لصلحتا" بالمقتضي لصلاحَيْهما، فإنهما صالحتان، لعلم أن هذا الكلام باطلٌ، لأن المقتضي لصلاحَيْهما يفوت عند فرض آلهةٍ أخرى، أو يوجد هناك ما يمنع الصلاح.
وهذا نظير قول مَن يحتج على وجود لازمٍ على تقدير يدَّعيه بشيء يذكره، وقد عُلِمَ أن ذلك اللازم منتفٍ، وإنما يذكره لاختصاصٍ له بذلك التقدير، فإن هذا اللازم قد عُلِمَ بطلانُه، فكيف يجوز أن يقوم دليلٌ عامٌّ على صحته واللازمُ في الأصل فائتٌ، وعليه دليل يُبطِلُ دلالتَه عند ذلك التلازم؟ فقد اشتركا في أن كلًّا منهما احتجَّ على ثبوت التلازم بدليلٍ عام لا يَدُلُّ على التلازم، والله سبحانه أعلم.
стр. 144
(فصل في الدوران) (١)
اعلم أن الدورانَ في الأصل مصدرُ دارَ الشيءُ يدورُ دَورًا وَدَوَرَانًا، لكن فَعَلَان في المصادر يُؤذِنُ بقوة الفعلِ وشدة الحركة، مثل الغَلَيان والنَّزَوان والشَّنَآن، فإذا دارَ الحكمُ مع الوصف وجودًا وعدمًا فهل يدلُّ ذلك على كونه عِلَّةً في الجملة؟ فالذي عليه أكثر فقهاء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأكثر أهل الأصول والجدل أنه يفيد عِلَّيةَ الوصف. وذهب طوائف [ق ٤٠] من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا دلالة له على ذلك، وزعموا أن المواضع التي استفيدت منها العِلِّيّة إنما كان للمناسبة أو للسَّبْر والتقسيم أو نحو ذلك.
قالوا: لأن الطَّردَ المحضَ لا يُفيدُ العلية، و (٢) العكس ليس بشرطٍ في العلل الشرعية، فانضمامُ ما لا يُفيد إلى ما لا يُفيد لا يُفيد، بخلاف انضمام المخبر الواحد إلى المخبر، فإن خبر كلِّ واحدٍ من المخبرين يُفيد قدرًا من الظنّ، فإذا اجتمعت الظنونُ جاز أن يَبلُغَ العلم. أما الطرد المحض فلا أثرَ له، وكذلك العكس.
قالوا: ولأنا قد وجدنا كثيرًا من الدوران لا يُفيد العلّية، فإن الحكم يدور مع أجزاء العلة وأوصافها، وأحد المعلولين مع الآخر، وكلّ واحدٍ من المتضايفَينِ مع الآخر، ودوران الحدّ مع المحدود والاسم مع المسمَّى، وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك.
стр. 145
لكن الذي عليه أكثر الناس أن الدورانَ في الجملة يُفيد العليّةَ، ويُسمِّيه الفقهاء العراقيون: الطرد والعكس، ويُسمّيه بعضهم: السلب والوجود، ثم منهم من قال: يُفيد العلةَ قطعًا، ومنهم مَن قال: يُفيدها ظنًّا.
وأما تفسيرُه فهو وجودُ الحكم عند وجودِ وصفٍ وعدمُه عند عدمِه، أو وجودُ أمرٍ عند أمرٍ يمكن أن يكون علةً له وعدمُه عند عدمِه، فهو مركّبٌ من الوجود والعدم، وهو يُفيد علّيّةَ الوصف للحكم ما لم يزاحِمه مدارٌ آخر. ومنهم من قال: يفيد علّيةَ الوصف ما لم يُعلَم خلافُ ذلك، فالدائر هو الحكم، والمدارُ هو الوصف، سُمِّي مدارًا لأن المدارَ في الأصل موضع الدوران، والحكم قائم بمحلّ الوصف، فكأنه قائمٌ بالوصف تقديرًا. فإن العصير إذا اشتدَّ حصلَ فيه التحريمُ، فكانَ الشدَّةُ محلًّا للتحريم، فإذا صارت خَلًّا زالتِ الشدَّةُ فزالَ التحريمُ.
ثم وجودُ الوصف وعدمُه تارةً يكون في محلٍّ واحد، كوجود الشدَّة في الشراب وزوالِها منه، وتارةً في محلَّين، كوجود النصاب الزكَويّ مقترنًا بالزكاة في محلٍّ وعدمِه في محلٍّ آخر. والأول أقوى من الثاني.
قال صاحب الجدل (١): (هو ترتُّب الأثر على الشيء الذي له صلاح (٢) العِلِّيّة مرةً بعد أخرى).
وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن قوله: «ترتُّب الأثر على الشيء» معناه وقوع الأثر عن الشيء
стр. 146
وصدورُه عنه، ونحن لو علمنا أنه مرتب عليه علمنا علّيتَه قبل الدوران.
الثاني: أن قوله: «له صلاح العلّية» يعني أن يكون المدار مناسبًا للأثر، أو يعني به أن لا يُعلَم بطلانُ إضافة ذلك الأثر إلى ذلك الشيء، أو يعني به شيئًا ثالثًا، فإن عَنَى به الأول فالمناسبة وحدها لا تصلح في الدلالة على العلّية، فكيف بمن يجعل الدوران قسمًا آخر. وإن عَنَى به الإمكان والجواز [ق ٤١] لجاز لأصحاب الأقيسة الطردية المحضة أن يدَّعوا فيها الدوران، لاسيما في التعبديات، فإن الأوصاف التي يجعلونها عللًا يمكن إضافة الحكم إليها في الجملة، فإن الشرع لو وردَ بذلك لم يكن محالًا، لاسيما عند مَن يجعل العللَ علاماتٍ ودلالاتٍ لا يشترط فيها الاقتضاء والتأثير.
الثالث: أن ترتُّبَه عليه مرةً بعد أخرى معناه اقترانُه به مرةً بعد مَرَّةٍ، وذلك عبارة عن وجود الأثر مع وجود الشيء، وهذا أحد وصفَي الدوران، والوصف الآخر عدمُه عند عدم ذلك الشيء، ولم يذكر ذلك. وقد ذكر في أثناء كلامه أنه لا يُشترط في الدوران المقارنةُ في الوجود والعدم، وهذا خلاف ما عليه أكثر أهل الأصول والجدل. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وربما كان قال بعضهم: هو ترتب الأثر على الشيء في الوجود مرةً بعد أخرى.
قوله (١): (واعلم أن الدوران غير الدائر والمدار، ولا يتوقف وجوده عليهما) كلام ظاهر، فإن الدائر هو الحكم والأثر مثلًا، والمدار الوصف، والدوران اقتران أحدهما بالآخر بحيث يوجد بوجوده ويُعدَم بعدمه. ووجود
стр. 147
الدوران لا يتوقف على وجود المدار ولا على وجود الدائر، لجواز كونهما عدميَّين، كما تقدم مثل ذلك في التلازم، وإن كان الكلام هناك أظهر، فإن الدوران فيه علة ومعلول، وهذا لا يكون الماهيات المحضة، وإنما يفعل غالبًا في الموجودات أو الإعدامات ونحو ذلك. وعلى ذلك فإنه ينقسم أربعة أقسام، لأنهما إما أن يكونا وجوديَّين، كالسُّكر والتحريم، وطلوع الشمس والنهار؛ أو عدميَّين، كعدم هذين مع عدم علتهما؛ أو المدار وجوديًّا والدائر عدميًّا، كالأحكام المعلَّلة بوجود المانع؛ أو بالعكس، وفيه خلافٌ مبنيٌّ على جواز تعليل الأحكام بالأمور العدمية، والصحيح جوازُه في الجملة إذا كان العدم مستلزمًا لأمرٍ وجوديّ ونحو ذلك.
قال المصنف (١): (ثم المدار قد يكون مدارًا وجودًا وعدمًا، كالزنا الصادر من المحصن لوجوب الرجم عليه، فإنه لو وُجِد يجب الرجم، ولولاه لا يجب. وقد يكون وجودًا لا عدمًا، كالهبة لثبوت الملك، فإن الملك يثبت عند وجود الهبة، ولا ينعدم (٢) عند عدمِها قطعًا، لاحتمال أن يكون ثابتًا بالإرث أو بغيره. وقد يكون عدمًا لا وجودًا، كالطهارة [لجواز الصلاة، فإن الجواز يُعدَم عند عدم الطهارة] (٣)، ولا يوجد عند وجودها، لجواز أن لا يتحقق شرطٌ من الشرائط، كاستقبال القبلة وغيره).
واعلم أن معنى هذا الكلام ظاهر، وإن كان في بعض تركيبه خروجٌ عن لسان العرب [ق ٤٢] واللحنُ بما يُشوِّهُ وجهَ المعاني، إذ الألفاظ قوالبُ قلوبها
стр. 148
الأجساد أرواحها (١)، وهي مغايرها (٢) ومظاهرها وكسوتها، فإن لم يستقم حدّ الاستقامة فلا بدَّ أن يتضعضع المعنى.
وحاصلُه أن الشيء قد يكون مدارًا لغيره وجودًا وعدمًا، وهو اللازم المساوي، كوجوب العبادات والحدود مع شروطها المعتبرة، وحصول التحريم في العصير عند الشدّة، وحصول حِلّ الوطءِ مع مِلك النكاح أو اليمين. وقد يكون مدارًا له عند وجودِه فقط، حيث يوجد الحكم إذا وُجِد الوصف، [و] لا يجب أن يُعدَم بعدمه، كالأسباب الموجبة للملك من البيع والهبة والوصية والإرث والاغتنام والاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، والأسباب المبيحة للدم من الردّة والقتل العمد المعتبر والقتل في المحاربة، والأسباب الناقضة للوضوء من التغوّط والبول واللَّمْسين والنوم ونحو ذلك. وقد يكون مدارًا له عند عدمٍ، بحيث يُعدَم الحكم عند عدم الوصف، ولا يجب أن يوجد بوجوده، كدوران عدم الأحكام عند عدم شروطها، فإنه إذا عُدِم شيءٌ من شروط صحة الصلاة أو الحج أو الصوم عُدِمت صحةُ العبادة، ولا توجد بوجود ذلك الشرط وحده، وكذلك الإحصان في وجوب [حد] الزنا، والحول في وجوب الزكاة.
وهذا كلام أصحاب هذا النوع من الجدل، وهو طريقة أصحاب الطرد الذين يجعلون مجرَّد اقتران الحكم بالوصف وسلامته عن النقض دليلًا
стр. 149
على (١) العلية، وهو قول جماعة من الشافعية والحنفية والحنبلية، لكن لابدّ أن ينضم إليه صلاح الوصف للتعليل في الجملة، لاسيما إذا تكرر الحكم معه، احترازًا عن الطرد الركيك، كقولهم: «طويل مشقوق، فلا ينتقض الوضوء بمسّه كالبُوق»، وقولهم: «مائع لا تبنى القناطر [فوقها، فلا] (٢) تحصل [الطهارة به]».
والعجب أن أكثر قدماء الخراسانيين خصوصًا أهل ما وراءَ النهر كانوا لا يَرضون بالطرد والعكس دليلًا على العلة، وعابوا من يسلك ذلك، مثل أبي زيد الدَّبُوسي ودونه، فأصبحوا يكتفون بمجرّد الطرد.
وحجة هؤلاء أنا قد رأينا الاقتران على الوجه الذي ذكرناه يُفيد ظنّ العلّية، والظن الراجح إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه يجب اتباعُه احترازًا من اتباعِ المرجوح أو الجمع بين الضدَّين أو تعطيلِ الحادثة عن الحكم.
والذي عليه عامة الفقهاء وأهل الأصول والجدل أن الدوران هو القسم الأول فقط، وهو دوران الحكم مع الوصف وجودًا وعدمًا، وما لم يكن كذلك لا يسمونه دورانًا، وما في الفَعَلَان من المبالغة يُساعِدهم على ذلك. وأما اقترانه وجودًا فقط أو عدمًا فقط فلا يَدُلُّ بمجرَّده على العلّية إلّا بدليل [ق ٤٣] منفصل، وهؤلاء لا يكتفون بمجرد الاطراد دليلًا على العلية حتى يكون معه دليلٌ على ذلك من مناسبةٍ أو انعكاسٍ يُقوِّي الطردَ أو تأثيرٍ أو شهادةِ الأصول أو غير
стр. 150
ذلك (١) من الطرق التي يُعلم [بها] كونُ الوصفِ مناطًا للحكم.
وأكثر من رأيناه يَستدلُّ بالطرد المحض لا يُسمّيه دورانًا، وإنما جعلَه من قسم الدوران طائفة من المتأخرين، والأمر في (٢) ذلك يؤول إلى الاصطلاح. فأما كونه دليلًا على كون الوصف علةً فهو أمر علميٌّ، وما لم يُشَمَّ منه رائحةُ الاقتضاء والتأثير ففي تعليق الحكم الشرعي به ورَبْطِه به نظرٌ. والذي عليه جماهير المحققين إنكارُ ذلك، ثم مع ذلك فاستعمال الفقهاء المتأخرين في مصنفاتهم له أكثر من أن تُحصَى، وتحقيق القول فيه يحتاج إلى تأصيل وتفصيل ليس هذا موضعه.
وأجمع المعتبرون على أن ما عُلِم استقلالُ غيرِه بالحكم لم يُلتفت إليه، وإنما التردد عند انحسام مسالك أقيسة المعاني، فقد يكون الطرد هنا متوجهًا، لاسيما عند من يقرِّ به من الشبه، والغالب عليه أنه لا حاصل فيه. وما كان مدارًا وجودًا وعدمًا فإنه لا يتعدد، أما ما كان مدارًا وجودًا فقط أو عدمًا فقط فإنه يجوز تعدُّده.
قال المصنّف (٣): (وقد يقال بأن المدار إذا لم يكن معينًا لا يتم، [كما إذا قال في مسألة الأكل والشرب: شيء هو متحقق هنا مُوجِبٌ لوجوب الكفارة، فإن الوجوب دار معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي فصل الوقاع أول مرة، وأما عدمًا ففي الإفطار بالحصاة والنواة وغيرهما، لأن الخصم يقول: شيء هو متحقق هنا موجب للعدم، فإن العدم دار معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي
стр. 151
فصل الأكل والشرب مرةً ثانية، وأما عدمًا ففي فصل الوقاع أول مرة] (١)).
هذا كلام قريب، فإنَّ من ادعى إضافة الحكم إلى وصف مبهم وادَّعى دورانَ الحكم معه وجودًا وعدمًا لم يُسلَّم له ذلك أولًا، بل يمكن أن يقال: لا يُسَلَّم أنه دائرٌ معه وجودًا وعدمًا، لأن دورانه معه وجودًا أن يكون ذلك الوصف بحيث يوجد الحكم عند وجوده، ودورانه معه عدمًا أن يكون بحيث يُعدَم الحكم عند عدمِه، ولا يكفي وجودُه معه في صورةٍ دون أخرى، ولا عدمُه في صورةٍ دونَ أخرى، فما لم يتعيَّن ذلك الشيء لم يُسَلَّم له ثبوتُه في جميع صور الوجود وانتفاؤُه في جميع صور العدم، إذ الحكم على الشيء فرعُ تصوُّرِه.
وأيضًا فإنه يمكن معارضتُه بمثله كما ذكر، فإنه قال في مسألة وجوب الكفارة بالأكل والشرب: «شيء هو متحقق هنا موجب لوجوب الكفارة»، ويعني به شيئًا من الأشياء الموجودة هنا وفي صورة الوقاع، كإفساد الصوم بأحد الأفعال الثلاثة أو بمتبوع جنسه أو تعمد الإفساد بما يشتهي ونحو ذلك، فإن وجوب [ق ٤٤] الكفارة دار معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي صورة الوقاع، وأما عدمًا ففي صورة الحصاة والنواة والأكل ثاني مرة عند من يُسَلِّم ذلك، أو في كلّ صورة عدم الفطر بالكلية، ويعني به عدم ما هو منتفٍ في الصورتين. فإن الخصم يُمكِنه أن يُعارضَ هذا الكلام بمثله، فيقول: شيء هو متحقق هنا موجب لعدم وجوب الكفارة، فإن العدم دار معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي الصور التي لا تجب فيها الكفارة، وأما عدمًا ففي صورة الوقاع. وإن منع وجود الموجب هنا قال: أعني به ما هو موجود
стр. 152
فيها، وإن منع عدمه قال مثل ذلك. وإذا أمكن المعترضَ مثلُ ذلك لم يتم استدلال المستدل بجعل المدار شيئًا منكَّرًا، فإن كان المدار منكَّرًا مخصوصًا ــ وهو المبهم ــ مثل أن يدّعي مداريَّةَ أحدِ شيئين أو أشياءَ فإن هذا قد يتم إذا لم يُمكِن المعترضَ أن يعارضَه بمثله، وذلك بأن يكون الحكم متخلفًا عما يقال في مقابلته، فلا يتم قول المعترض.
قال المصنف (١): (أما إذا كان المدارُ معينًا فإنه يتم، كما إذا قال في هذه المسألة بأن الهتْكَ ــ وهو إفساد صوم رمضان بأحد الأفعال الثلاثة عن تعمُّد أول مرة ــ موجبٌ لوجوب الكفارة، فإن (٢) الوجوب دارَ معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي فصل الوقاع أول مرة، وأما عدمًا فظاهر، ودورانُ الأثر مع الشيء وجودًا وعدمًا آيةُ كونِ المدارِ علةً (٣) للدائر، كما في النظائر).
أما المدار المعيّن المعلوم فالاستدلال به جائز في الجملة، وهذا المثال الذي ذكره قد تعيَّن مدارُه وإن تنوَّع الإفساد، لأن القدر المشترك بين الجميع ــ وهو الإفساد بواحدٍ منها ــ متعين، وهذا بخلاف المدار المبهم أو المنكّر، فإنه غير متعين.
واعلم أنّا نرتضي أن الدوران يفيد كونَ المدار علةً للدائر، بشرطِ أن لا يُزاحمه مدارٌ آخر ، فإن دارَ مع أشياء لم يجز الحكم بجعل أحد تلك المدارات علةً دون الآخر، ولا بأن يُجعل الأعمّ هو العلة دون الأخصّ إلا بدليل مفصّل، إذ الحكم قد يقترنُ به صفات كثيرة، لا تتميز العلة عن غيرِها
стр. 153
إلا بدليل، فلو جاز أن يقتطع الإنسان ما شاء من تلك الصفات ويجعلها علةً ومدارًا لم يَعجِزْ عن ذلك أحدٌ، وذلك يوجب وَضْعَ الشرع بالرأي من غير دليل.
وأيضًا فإنّا نعلم اضطرارًا إذا كان هناك أمورٌ قد دارَ الحكم معها وهي صالحة لإضافته إليها، فإنه ليس دعوى أن المدار هذا بأولى من دعوى أن المدار هو الآخر، وإذا ادَّعَى مُدَّعٍ (١) أن بعضها صالح للتعليل وبعضها غير صالح فلا بدّ من التأثير لما يدَّعي صلاحه، حتى يفصل الحاكم [ق ٤٥] بين الخصمين.
وإذا تبيَّن هذا فهذا المثال الذي ذكره صاحبُ الجدل غيرُ مستقيم أن يحتج فيه بالدوران ، وذلك أن العلماء اتفقوا على أن الجماع الذي أفسد به صوم رمضان متعمدًا (٢) أول مرة يُوجب الكفارة العظمى، مستندين في هذا الإجماع إلى حديث الأعرابي المشهور (٣). ثم اختلفوا في ضابط ما يوجب الكفارة:
فقال مالك: مُطْلَقُ الإفطار عمدًا مُوجبٌ، حتى بالحصاة والنَّواة، وسواء كان وردَ على صوم أو منعَ انعقادَ الصوم.
وقال أبو حنيفة: الموجب هو الإفطارُ عمدًا بمتبوع (٤) جنسه أو بأحد الثلاث كما ذكره المصنف.
стр. 154
وقال الشافعي: الموجب هو الوقاع المانع من الصوم الواجب في نهار رمضان عمدًا.
وقال أحمد: هو الوقاع في نهار رمضان ممن وجبَ عليه الإمساك، وربما قال: هو المباشرة الموجبة للغسل. وأوجبَه على من طلعَ عليه الفجرُ ولم يَنْزِع. وأوجبه على من أكلَ أو شربَ أو لم يَنوِ أو جامعَ ثم كفَّر، [ثم جامع] (١).
وتفصيل مآخذهم له موضع آخر.
وإذا قال المستدل: المدار هو هَتْكُ صوم رمضان بالأفعال الثلاثة ... إلى آخره.
قيل له وجوه:
أحدها: لا نسلِّم أن الحكم دارَ مع هذا الوصف وجودًا، لأن دورانَه معَه وجودُه في جميع مواضع وجودِه، أو وجوده في صورٍ كثيرة من صور وجودِه فلا يُغنيك بيانُ وجودِه في صورة واحدة من صور وجود المدار. فإن ادعيتَ في إثباتِ نفسِه فذلك (٢) غير جائز، وإن أثبتَّ بالدليل وجودَه في جميع صور المدار المدَّعَى كان ذلك مُغنِيًا لك عن دعوى أن هذا الدوران علةٌ للدائر، فإن مقصودك بإثبات هذا الدوران إثباتُ الحكم في صورةِ النزاع، فإذا لم يمكن بيان الدوران إلّا ببيان ثبوت الحكم في جميع صور النزاع كان ثبوت كلٍّ منهما متوقفًا على ثبوت الآخر، وذلك دَورٌ باطل.
وهذا قَدْحٌ بيِّنٌ، فينبغي أن يتفطَّن له، فإن هؤلاء المغالطين بالدورانات الفاسدة يُثبِتون دورانَ الحكم مع الوصف وجودًا بثبوتِه في صورةٍ من صور
стр. 155
وجودِه دون سائرِ صور وجودِه، وليس هذا معنى الدوران.
الثاني: لا نُسلِّم أنه دار معه عدمًا، وقوله «فظاهر» ليس بظاهر، لأن انتفاء الكفارة (١) فيما عدا هذه الصور إمّا أن ثبتَ بنصٍّ أو إجماع أو قياس، وليس في المسألة نصٌّ ولا إجماع (٢)، فإن مالكًا يوجبها في كل إفطارٍ، والإفطار بغير الثلاث من جملة صور العدم. وأحمد يوجبها بالوقاع المحرَّم [ق ٤٦] في نهار رمضان وإن لم يكن إفسادًا، فيوجبها بكلّ هَتْكٍ لحرمة الزمان الذي وجب صومه عليه، سواءٌ صامَه أو لم يَصُمه. والثلاثة يوجبونها على مَن جامعَ قبل طلوع الفجر واستدامَ بعد طلوعِه، وليس هناك إفساد صوم. فكيف يصح مع هذا الخلاف أن يقال: عدم الكفارة عند عدمِ [هذه الصور] ظاهر؟ ولم يذكر على ذلك دليلًا [ولا] قياسًا.
الثالث: أن يقال: كما دار مع ما ذكرتَ من الضابط فقد دار مع الوقاع الهاتكِ حرمةَ رمضانَ، وقد دارَ مع الإفطار الهاتك، وقد دارَ مع الوِقاع الهاتك لحرمة الصيام، فَلِمَ عَيَّنْتَ إحدى المداراتِ بالعِلِّية دون الأُخر؟
الرابع: قوله: «دوران الأثر مع الشيء آية كون المدار علةً للدائر».
قلنا: لا نُسلِّم ذلك في شيء [من] المواضع، ولم يذكر على ذلك دليلًا. والنظائر التي أحالَ عليها لم يُثبتها، وكلُّ موضع يُثبت إضافة الحكم إلى وصفٍ لم يُسَلَّم أن ذلك يُعرَف بالدوران، فإن لم يَقُم الدليل على أن ذلك عُرِفَ بالدوران، وإلّا لم يتم. وهذا سؤالُ مَن يقول: إن الدوران لا يفيد
стр. 156
العِلَّيّة، وهو مذهب مشهور.
الخامس: سلَّمنا أن الدوران يُفيد العِلّيّة، لكن إذا (١) لم يُزاحِم المدَّعى مدارٌ آخر، وعلى الإطلاق فلا بدّ من دليل يدل عليه، وإن ادّعاه إلا عند المزاحمة فالتزاحم هنا لموجود (٢).
وإن قال: الشرط كون المدار صالحًا للعِلَّيّة.
قلنا: هذه المدارات كلُّها صالحة للعلّية، فلِمَ عينتَ أحدَها دونَ الأُخر؟
وهذه أسوِلةٌ صحيحةٌ ليس عنها جواب سديدٌ، وهي تَهْتِكُ سِرَّ هذه التلبيسات.
فإن قيل: أما السؤال الأول والثاني فبناؤهما على أن الدوران لا بدّ فيه من وجودِ الدائر في كل صورة من صور وجود المدار، وانتفائِه في كل صورة من صور انتفائه، وهذا لا يصحّ، لأن مقصودَ الدوران الاستدلال على علة الحكم في المحل المعلوم لتعلُّقِه بها في محلٍّ آخر، فإن كان العلم بالعلّية موقوفًا على العلم بجميع صور وجود العلة وعدمها مع العلم بوجود الحكم وانتفائه لكُنّا قد علمنا جميع موارد الحكم وجودًا وعدمًا، وذلك يُغنِينا عن إثبات الحكم بالعلة المعلولة بالدوران.
قلنا أولًا: قد تكون فائدة الدوران إضافة الحكم إلى المشترك في صور الوجود، لا أصل ثبوت الحكم.
وثانيًا: أنه قد يقال: لا بدَّ من الدوران في جميع الصور التي وُجِدت
стр. 157
ليُستَدلَّ [به] على الحكم في الصور التي لم توجَد بعدُ. أو يقال: لا بدّ [ق ٤٧] من الدوران في جميع الصور الثابتِ حكمُها بالنصّ أو الإجماع، ليُستدَلَّ به على مواضع السكوت أو النزاع.
وثالثًا: لا بدَّ إذا قلنا: «دارَ الحكمُ معه وجودًا» أن يثبت بالدليل أنه وجد معه في الصور التي علمنا وجودَه، وانتفَى معه في الصور التي علمنا انتفاءَه، فأما إذا وُجِد معه في صورة واختُلِف (١) في انتفائِه معه في صورة أخرى، فما لم يقم الدليل على الوجود والعدم لم يثبت الدوران.
وأما السؤال الرابع فجوابه من وجوه:
أحدها: الدورانُ يُغلِّب على الظنّ عِلَّيةَ المدار، كما يشهد به العُرْف (٢)، فإن الناسَ إذا رأوا أنواعَ الأدوية دارتْ معها أنواعُ الأشفية، غَلَبَ على ظنِّهم أن ذلك الدواء سببٌ لذلك الشفاء، وإن كان جاز أن يكون أصلُ ذلك عُلِمَ بوحي. وكذلك من رأوه يغضب أو يفرح أو تتغيَّر (٣) أحواله النفسانية وأعراضه الجسمانية عند سبب، ويزول ذلك الأثر عند زوالِه قَضَوا بإضافة ذلك الحكم إلى السبب. وإذا كان يُفيد غلبةَ (٤) الظنّ عند تجريد النظر إليه وجبَ اتباعُه ما لم يُعارِضْه مثلُه أو أقوى منه، لأن هذا مقتضى جميع الأدلة.
الثاني: أن ذلك الحكم لا بدَّ له من سبب، والأصل عدمُ ما سِوَى المدار، فتعيَّنَ المدار.
стр. 158
الثالث: أن دورانه معه ليس اتفاقيًّا، لأن الاتفاقي لا يكثُر ولا يدوم، فلا بدّ أن يكن لزوميًّا، والشيء لا يلازمُ الشيءَ إلّا أن يكون علةً أو معلولَ علةٍ واحدةٍ، وإلّا فلو فُرِض عدمُ الاقتضاء بينهما كان اتفاقيًّا. فدروان أحدهما مع الآخر يقتضي أن يكون المدارُ شيئًا يستلزم المدار عليه للآخر، وذلك يفيد في الجملة أن المدار وما هو ملازمٌ له هو العلة، ثم التمييز بينهما يكون بصلاح أحدهما للعلة دون الثاني.
قال الجدلي (١): (ولئن قال: وجوب الكفارة كما دارَ وجودًا وعدمًا (٢) مع الهتك، فكذلك دارَ مع الوِقاع وجودًا وعدمًا، ومتى كان الوقاع مدارًا لا يمكن أن يكون الهتكُ مدارًا وجودًا وعدمًا، وإلّا (٣) يلزم اجتماع النقيضين، وهو الوجوب مع العدم فيما ذكرتم من الصورة).
اعلم أن هذا سؤالٌ صحيح (٤)، فإن الجماع إن كان هو المدار لزم عدمُ الكفارة عند عدم الجماع، وإن كان المدار إفساد الصوم على الوجه المذكور لزم إثبات الكفارة مع عدم الوقاع، وذلك جمعٌ بين النقيضين. ولم يُجَبْ عنه جوابٌ صحيح.
قال (٥): [ق ٤٨] (فنقول: نحن لا ندّعي المداريَّة (٦) وجودًا في فصل
стр. 159
الوقاع على التعيين، بل ندّعي في كلّ صورةٍ من صور الوجوب أولًا. والدورانُ على هذا التفسير لا يدلُّ إلّا على مداريَّةِ (١) الهتك وجودًا وعدمًا).
اعلم أن المستدلّ إنما أجابَ بهذا لأنه إذا ادَّعَى مداريَّة الإفساد في كل صورة من صور وجوب الكفارة من غير تعيين فصل الوقاع، فإن الهتك موجود فيها كلها، والوجوب معه، لأن تلك الصور إما صور الوقاع أولًا أو الأكل، والهتكُ متحقق فيها. والمعترض لا يمكنه أن يدّعي مداريَّةَ الوقاع في كل صورةٍ من صور الوجوب، لأنه يحتاج أن يقول: تلك الصور هي صور الوقاع، وهذا دعوى، لأن المستدلّ يقول: لا أسلِّم الخطأ والوجوب في صور الوقاع، بخلاف المستدل فإنه لم يدَّعِ أن صور الأكل من صور الوجوب، وإنما قال: لا يخلو إما أن يكون أو لا يكون، وبكلّ حالٍ فالهتكُ والإفساد موجودٌ فيها، ولهذا أمكنَ المستدلَّ دعوى مداريَّة وصفِه في صور الوجوب، ولم يُمكنِ المعترضَ ذلك.
هذا تقرير (٢) كلامِهم، وهو باطلٌ من وجوهٍ:
أحدها: لا نُسلِّم تحقُّقَ مدارِه في صور الوجوب. وقوله: «تلك الصور إما صور الوقاع والأكل والشرب» غير مسلَّم، فإن مطلق الإفطار من صور الوجوب عند مالك، والجماع المانع من صور الوجوب عند أكثرهم، والجماع الثاني وجماع الناسي من صور الوجوب عند أحمد. فدعوى الخصم غير مقبول، كما لم يقبله من المعترض لما ادَّعاه في صور الوقاع.
стр. 160
الثاني: أن يقال: هَبْ أنك ادعيتَ المداريَّةَ في جميع صور الوجوب، لا في صورة الوقاع على التعيين، لكن لم تأتِ على هذه الدعوى ببينة، فلا تكون مقبولةً. بل هذه الدعوى هي حكاية المذهب، ونَقْل المذهب لا يكون حجةً على صحته. فأنتَ بين أمرين:
إمّا أن تدَّعي المداريَّة في الوقاع بعينه، فيُعارَض بمدارية الوقاع المفطر، وبمدارية الوقاع الهاتك، وبمدارية الإفطار المطلق.
وإما أن تدَّعي المدار في جميع الصور التي تدَّعي الوجوب فيها، فيُطَالب بالدليل على صحة الدوران، وهو وجود الوجوب مع المدار وعدمه مع عدمه، ولا يقدر على ذلك إلّا بإقامة الدليل على صحة الدعوى، وذلك مصادرةٌ على المطلوب وتطويلٌ للكلام، واستدلالٌ [ق ٤٩] بكل واحدٍ من الأمرين على الآخر.
الثالث: أنه إن عَنَى بصور الوجوب ما يثبت الوجوب فيها بنصّ أو إجماعٍ فليس إلا صور الوقاع، وإن عَنَى به ما يدّعي أنه من صور الوجوب فالدوران فيها موقوف على ثبوت الوجوب، فلو أثبت الوجوب فيها بالدوران لزمَ الدَّور.
الرابع: أن المعترض يمكنه دعوى مداره في صور الوجوب، أي الصور التي ثبت فيها الوجوب، وأما ما يدَّعي الخصم أنه من صور الوجوب فلا يجب على المستدلّ بيانُ تحقُّق الدوران فيه بالإجماع، لأن الدوران فيها مجرَّد مذهب الخصم، فلا يكون حجةً له ولا حجةً على غيره، ولو صحَّ ما أمكنَ أحدًا أن يثبت المدار في صورٍ حتى يُسلِّم لخصمه ما يدَّعيه من صور الوجوب، أو يكون دعواه أوسع من دعوى خصمه. ومعلومٌ أن هذا فاسدٌ بالضرورة، لأنه
стр. 161
يعود إلى إثباتِ المذهب بالمذهب، أو إلزام الخصم نفسَ المذهب.
الخامس: أنه قد يمكن الخصمَ دعوى مدار في صور الوجوب إذا أثبت الوجوب في صورةٍ لم يثبتها المستدلُّ، كما في هذا الموضع، وحينئذٍ ينقطع المستدلّ، فافطَنْ له.
قال الجدلي (١): (ولئن قال: دارَ معَ ما يكون مختصًّا (٢) بتلك الصورة، فنقول: دارَ مع ما يكون مشتركًا بينها وبين صورة النزاع).
يعني أنه قد دارَ مع ما يختصّ بصورة الوقاع، وهو مدارٌ آخر، وإذا كان المختصُّ مدارًا لم يجب في صورة النزاع، أو أنه وإن دار في كل صورةٍ من صور الوجوب فيجوز أن يكون المدار في كلّ صورةٍ خصوص تلك الصورة، فلا يكون المدار المدَّعَى مدارًا (٣).
وأجاب بأنه دارَ مع القدر المشترك بين صورة النزاع وتلك الصورة، وبينها وبين سائر الصور، وإضافةُ الحكم إلى ما يشمل الصورَ أولَى من إضافته (٤) إلى ما يختصُّ بكل صورةٍ صورةٍ على انفرادها، لأن الأصل اتحادُ العلة لا تعدُّدُها (٥)، ولأن خصوص كلِّ صورة لم ينتفِ الحكمُ مع عدمها إلا عنها، والمشترك قد انتفى الحكم مع عدمِه عن جميع المواضع، فتكون المداريّة به أولى.
стр. 162
وهذا جيد (١) لو كان السائل قصدَ المدارية مع خصوص كلّ صورة، وأما إذا قصدَ المدارية مع ما يختصُّ بصور الوجوب الذي يثبت بالنص أو بالإجماع فإنه سؤالٌ جيد.
وحاصلُه أن المستدلّ كلّما ادّعى مدارًا يثبت به الحكم في صورة النزاع عارضَه السائل بمدارٍ ينتفي به الحكم في صورة النزاع، فأيُّهما كان عددُ مَداراتِه أكثر قَضَوا له بالفَلْج (٢)، لأن تلك [ق ٥٠] المدارات من الجانبين اجتمعت في الأصل، فجاز أن يكون كلٌّ منهما هو المدار المعتبر، فإذا ترجح أحد الجانبين بزيادة مدارٍ سلم له عن المعارضة، وجاز أن يكون هذا المدار من غير معارض، فوجب تعليقُ الحكم به.
وهذا أيضًا من قواعدهم الفاسدة التي يبنون عليها كثيرًا من كلامهم، فيُرجّحون أحدَ الخصمين بكثرة دعاويه، كما يرجحونه بإبهام دعواه. ولا يخفى على عاقلٍ أنّ هذا باطل، فإن نفس تلك الأمور التي هي مداراتٌ ليست أدلةً بانفرادها حتى يترجَّح أحد الجانبين بكثرة العدد، وإنما الدليل دورانُ الحكم معه وجودًا وعدمًا كما تقدم، فإذا دار معه أكثر من واحدٍ لم يكن اعتقادُ أن العلة أحدهما أولى من العكس. وإذا كان في الأصل عدة صفات يثبت الحكم في الفرع بتقدير علّية أكثرها، ولا يثبت علّيته بتقدير علِّية بعضها، وليس مع البعض الأكثر ما يقتضي أنه هو العلة= لم يجز اعتقاد أنه علة بمجرد ذلك، لجواز أن يكون العلة هو ذلك الواحد، لاسيما إن لم يكن المدار إلّا واحدًا.
стр. 163
وحاصلُه أن المدار لا يثبت أنه علة إلا بشرط انتفاء المزاحم وواحد من ألف مزاحم (١). وأيضًا فإنه إذا اجتمع في الأصل عدة صفاتٍ كلٌّ منها صالحٌ للتعليل، فإضافة الحكم إلى جميعها أولى من إضافته إلى البعض، وحينئذٍ يترجَّح كلامُ السائل في هذه المسألة. ولعلَّنا نعود إلى الكلام في هذا الأصل إن شاء الله.
ولما كان هذا أصلهم فلا بدّ أن يكون المدار الثاني خيرًا من الأول، وكان قد ادَّعَى أولًا أنّ الهتكَ مدارٌ، ثم ادَّعَى ثانيًا أن المشترك مدارٌ. فنقول: المشترك يجوز أن يكون الهَتْك، ويجوز أن يكون غيره، وإن كان الهتك مشتركًا، وهذا ضعيف، فإن دعوى المغايرة غير تجويز المغايرة. ثم إن المشترك مستلزمٌ للهتك، لكن هذا الجواب من جنس السؤال.
قال الجدلي (٢): (ولئن قال: دارَ مع المختصّ، وإلا لما ثبت (٣)، فنقول: دارَ مع المشترك، وإلّا لا يجب ثمة).
هذا سؤالٌ [من] نمط الذي قبله، يقول: دار مع المختص تلك الصورة، إذ لو لم يَدُرْ معه لما ثبتَ وجوبُ الكفارة للأصل الباقي للوجوب السالم عن المعارض (٤) القطعي، وهو مداريَّةُ المختصّ.
وجوابه أنه قد دار مع المشترك، إذ لو [لم] يَدُرْ معه لما وجبت الكفارة (٥) للباقي السالم عن معارضة القطعي، وهو مدارية المشترك بين
стр. 164
تلك الصورة وصورة النزاع. ولم يعارض السائل بما يدلّ على مداريَّة المشترك إلّا ذكر المشترك من جنسه [ق ٥١] بما يدلُّ عليه المشترك، وسلَّم له ما ادَّعاه أولًا، وهو علّية المدار في صورة الوجوب. وقد تقدم الكلام على ذلك، وبيَّنّا أنه لا يمكنه تحقيقُ الدوران على الوجه الذي ذكره.
قال الجدلي (١): (ولئن قال: سلَّمنا أنّ (٢) الدوران متحقق، ولكن لِمَ قلتم بأنه يفيد علِّيةَ المدار؟ بل لا يفيد، وإلّا لكان مفيدًا (٣) في الأمور الاتفاقية، فإن الآثار حادثة في الأمكنة والأزمنة، فلا يكون (٤) المدار علةً للدائر. فنقول: الكلام فيما إذا كان المدار صالحًا للعلِّية، فلو كان المدارُ فيما ذكرتم صالحًا فلا نسلِّم بأنه لا يكون علّة (٥)، وإن لم يكن (٦) فلا يتّجه نقضًا).
هذا الكلام مع ما فيه من العجمة، وهو جواب «لو» بـ «لا» والفاء، مما قد تكرَّر ذلك منه، فإنّ حقَّه أن يقول: «لَم نُسلِّم» إلى آخره. وقد ادَّعى الجدلي أن كل موضع يدور الأثر مع ما يصلح للعلِّية فلا بدّ أن يكون المدار علّة (٧) للدائر، وإن كان لا ينتقض. وجعل ذلك جوابًا عن النقض بتخلُّفِ علّية المدار عن بعض الدائرات.
стр. 165
وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: ما تَعنِيْ بصلاحيته للعلِّية؟ أتَعِني به أن يكون مناسبًا للحكم؟ أو تَعنِي إمكانَ ترتُّبِ الحكم عليه؟ وهو أن يكون بحالٍ لا يُعلَم أنه ليس بعلةٍ، أو تَعنِي به شيئًا آخر؟ كما تقدم تقريره.
فإن عنيتَ به المناسبة فليست شرطًا في المدارات، بل هي طريق آخر. ثم إذا لم يمكن تقريرُ علِّيّةِ المدار إلّا بعد إثبات المناسبة، فلا حاجةَ إلى الدوران، لأنّ المناسبة إذا تمَّت كَفَتْ.
وإن عنيتَ مطلق الإمكان فهذا موجودٌ في صورٍ لا تُحصَى، مع أن علّيّة المدارِ غيرُ حاصلةٍ، لاسيما على تفسيره الدوران واكتفائِه بالدوران وجودًا أو عدمًا.
وإن عَنَى به شيئًا ثالثًا فلا بدَّ من بيانِه.
الثاني: أن نقول: من رأيناه أعطى إنسانًا عالمًا فقيرًا قريبًا منه مرةً بعد مرة، فقد دار الإعطاء مع هذه المدارات الصالحة للعلّية، فإن أضفتَ الإعطاء إلى المجموع أو إلى أحدٍ بعينه قبل الدليل كنتَ مخطئًا، لأنك قد تسألُ الرجلَ المعطيَ، فيقول: إنما أعطيتُه لقرابتِه مني أو لفقرِه أو لعلمِه، ولم ألتفت إلى الوصف الآخر ولم أشعُرْ به.
وكذلك من تجسَّسَ أو سَبَّ السلطانَ وانتهكَ حُرمتَه مراتٍ متعددةً، وهو يُعاقِبُه، قد يجوز أن يقول: إنما عاقبتُه لكذا دونَ كذا، وهو كثير.
فقوله: «لو كان المدار فيما ذكرتم صالحًا لم نُسلِّم أنه لا يكون علةً» منعٌ للواقع المعلوم بالضرورِة.
стр. 166
[ق ٥٢] الثالث: أن تخلُّف العلّيةِ مع وجود الدوران كثيرٌ لا يُحصَى ، لاسيما عند من يكتفي بالدوران وجودًا أو عدمًا في صورةٍ بعد صورة، فإن العلم الضروري حاصلٌ بأن ما تتخلَّف عنه العلّيةُ من هذا الجنس أكثر مما تقترن به. وقد ذكر المصنّف ما يقترن بالآثار الحادثة في الأمكنة والأزمنة من الحركات الاختيارية والطبيعية والقَسْرِيّة، مع أن شيئًا منها لا يفيد العلّية، وكذلك دوران العلة مع المعلول، والمتضايفان كلٌّ منهما مع الآخر. وحينئذٍ فإما أن يقول: الدوران يُفيد العلّية، لكن تَخلَّفَ في الصور الكثيرة لمانعٍ. أو يقول: لا يفيد، وإنما حصلَ العلمُ بالعلّية في بعض الصور لأمرٍ آخر غيرِ الدوران، لكن الثاني أولى (١)، لأن الأول أعظم منافاةً للأصل، فيكون مرجوحًا.
واعلم [أنّ] للناس عن هذه المواضع عدة أجوبة:
أحدها: أن الدوران يفيد العلّية ما لم يُزاحِمه مدارٌ آخر. وهذا الجواب مطّردٌ، وهو لا ينقض القاعدة، لأنه إذا تزاحمَ مدارانِ لم يمكن ترجيح أحدهما إلّا بأمرٍ خارجٍ عن الدوران.
والثاني: أن يقال: الدوران يفيد العلّية إلّا أن يَدُلَّ دليلٌ على عدمِ علّيته، فمجموعُ الأمرين ــ الدوران وعدم العلم بالمانع ــ يفيد العلّية.
الثالث: أن يُقال: الدوران يُفيد علّية المدار حيث لا يتعين للعلّية [أمرٌ آخر] (٢)، وهذا من نمط الذي قبله.
стр. 167
الرابع: أن يقال: الدوران يدلُّ على علّية المدار ويفيد ذلك، وهذا مطّردٌ، لكن تخلُّفُ مدلولِ الدليل عنه مقرونًا بمانعٍ لا يُبطِل دلالتَه، وعدمُ العلّية لا ينافي كونَه مفيدًا للعلّية، فإن الشيء قد يكون مفيدًا ولا تظهر إفادتُه لوجود المانع الراجح.
الخامس: أن يقال: الدوران يفيد علّية المدار إذا كان صالحًا للتعليل، فإن كان المدار صالحًا لم يُسلَّم انتقاضُه، وإن انتقضَ لم يُسلَّم صلاحُه للعلة. وهذا جواب المصنف، لكن هذا جوابٌ غيرُ مفسَّرٍ كما تقدم. فيقال: معنى الصلاحية صحةُ التعليل به وإمكانه، ومعلومٌ بالاضطرار تخلُّف العلّية عن مداراتٍ صالحة، كما تقدم.
стр. 168
[فصل في القياس] (١)
اعلم أن القياس هو جماع الأدلة النظرية، وهو ينبوعُ الاستنباط في [ق ٥٣] الأحكام الشرعية. وعامةُ ما ذكره من الأدلة ــ من التلازم والتنافي والدوران ــ يُحتاج فيه غالبًا إلى القياس، والدوران قياسٌ محضٌ، لأنه يُثبِت الحكمَ في صورة النزاع للقدر المشترك بينها وبين مواقع الإجماع، مدَّعيًا أن القدر المشترك هو العلة، وأنه عُلِمَ ذلك بالدوران.
نعم، لما امتنع فقهاء العراق ــ أعني أهلَ الرأي ــ من إجراء القياس في الحدود، استعملوا ضربًا آخر سمَّوه «الاستدلال»، وعَنَوا [به] تجريدَ مناطِ الحكم وتنقيحَه عما اقترنَ به، وهو الذي تكلم عليه صاحبُ هذا الجدل في «الدوران» جَرْيًا على أسلوب أشياخه، وتكلَّم في القياس على نوعٍ واحدٍ منه، وهو ما يثبتُ علّيتُه بالمناسبة.
ومعناه في اللغة: تقدير الشيء بالشيء واعتبارُه به. يُقال: قِسْتُ الجُرْحَ بالمِيل، وقِستُ الأرض والثوب بالذراع، كما قيل (٢):
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ ... إذا مَا هُوَ مَاشَاهُ
وقال الشاعر (٣):
стр. 169
إذا قَاسَها الآسِيْ النِّطَاسِيُّ أَدْبَرتْ
يعني: إذا قاسَ الطبيبُ غَوْرَ الجراحةِ بالميل.
فالأصل بمنزلة المقياس (١) الذي يُعتَبرُ به حكمُ الفروع، وهكذا شأنُ جميع المقاييس، فإنك تعتبر ما لا يُعلَم وصفُه بما قد عُلِمَ وصفُه، كاعتبار المكيل بالمكيال (٢)، والموزونات بالصنجة والميزان، والممسوحات بالذراع، واعتبار أوزانِ الشعر بعَروضه، واعتبار عربية الكلام بالنحو. وجماعُ ذلك كلّه التسويةُ والتعديلُ وإعطاءُ الشيء حكمَ مثلِه، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وهو اسمٌ جامعٌ لكلّ دليل عقلي، فإن العقلَ من شأنِه أن يعتبر الأشياءَ بأمثالِها وأضدادِها وخلافاتِها.
وقد زعمَ بعضُ أهل النظر أن تسمية التداخل والتلازم والتقابل: قياسًا [لا] يجوز، إذ القياس يعتمد التشبيه والتمثيل، ولا تشبيهَ ولا تمثيل في ذلك. وليس كما قال، لأن تسمية هذه الأدلة العقلية قياسًا لأنك تقدر العلوم بها وتعتبرها بها وتَزِنُها بها، والقياس تقدير الشيء بالشيء، وهذا محض التمثيل والتشبيه لها باعتبار قدرٍ مشتركٍ بينها، وليس القياس إلا ذلك، فعُلِم أن فيها قياسَ تمثيل وقياس تعليل، والكلام في ذلك واسع.
стр. 170
والذي يليق بهذا الموضع هو القياس الفرعي، وللناس في تعريفه عباراتٌ كثيرة ليس [هذا] موضع ذكرها، أشهرها عند الجدليين: ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ بعلةٍ جامعةٍ بينهما، أو إثبات حكم شيء لشيء آخر لاشتراكهما في علة الإثبات، أو اعتبار الشيء بغيره في إثباتِ حكمه فيه أو نفيه عنه، ليعمّ قياس الطرد والعكس.
قال المصنف (١): (القياس تعدية الحكم المتحد [ق ٥٤] من الأصل إلى الفرع بعلةٍ متحدة فيهما).
قوله: «الحكم المتحد» أراد به أن يكون حكم الفرع والأصل واحدًا (٢)، لأنه لو كان حكم الأصلِ تحليلًا والفرعِ إيجابًا لم يصحّ القياس. وكذلك العلة لابدّ أن تكون واحدةً في الأصل والفرع، إذ لو ثبت الحكم في الأصل بعلةٍ وفي الفرعِ بعلةٍ أخرى لم يصحّ القياس أيضًا، وذلك لأن القياس إثباتُ مثلِ حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم، فلو لم يتحد الحكم والجامع لم يتحقق هذا الحدّ. وهذا ظاهر في الجملة، ويخرج قياس العكس عن أن يكون قياسًا. وفيه بحوثٌ دقيقة ليس هذا موضعها.
قال المصنف (٣): (وسبيلُه أن يقال: الوجوب ثابتٌ في المضروب بالإجماع، فكذا في صورة النزاع بالقياس عليه، لأن الوجوب في المضروب إنما كان تحصيلًا للمصالح المتعلقة بالوجوب، كتطهير المزكي وغيره بشهادة المناسبة، ونعني بالمناسبة مباشرة الفعل الصالح لحصول
стр. 171
المطلوب. والمناسبة على هذا التفسير ثابتةٌ في تلك الصورة، فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب أمرٌ مطلوب، والوجوب طريق صالح لحصول ذلك المطلوب، لأنه لو وُجِد يوجد ذلك المطلوب، ولولاه لا يوجد. ولا نَعني بكونه طريقًا صالحًا سوى هذا. والشرع قد حكم بالوجوب في تلك الصورة، فتوجد المناسبة فيها، والمناسبة تُوجِب إضافةَ الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى ذلك (١) المطلوب، لأن الظنّ بالإضافة [دَار] (٢) مع المناسبة على ما ذكرنا من التفسير وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي أداء الفرائض مثلًا، فإن تغليبَ الوصول إلى المَثُوبات (٣) وتخليص النفس عن العقوبات لمَّا كان مطلوبًا، وأداءُ الفرائض والواجبات (٤) طريقٌ صالح لحصول ذلك المطلوب، فلو شاهدنا الإقامة من العاقل يغلب على الظن أنه إنما اشتغل بأداء الفرائض والواجبات لحصولِ ذلك المطلوب. وأمّا عدمًا ففي فصل الترك والاشتغال بالمعاصي، والدوران يدلُّ على كونِ المدارِ علةً للدائر).
قلت: اعلم أن المناسبة في الجملة معتبرة في الأحكام الشرعية، [و] مَن تأمَّلَ العباداتِ وما فيها من محاسن الأقوال والأفعال الموجبة للتقرب إلى ذي الجلال، وتخفيفها عند الأشغال، وتحصيلها للمصالح الجلية في الدنيا والآخرة، وما في المعاملات من القوانين المضبوطة المانعة من
стр. 172
الوقوع في الشرور والآفات، وكذلك ما في المناكح من حفظِ المياه والأنساب، والجمع بين الرجال والنساء لاستيفاء النوع على أكمل حال، ثم ما في العقوبات من المصالح العاصمة للدماء في أُهُبِها، وإقرار الرؤوس على كواهلها، وحفظ الأموال [ق ٥٥] عن السُّرَّاق والقُطَّاع، وحفظ الأديان والعقول عن الانحلال والاختلال، وما في الكفّارات من جَبْرِ النقائص ومَحْو السيئات، إلى غير ذلك من المحاسن والمصالح التي تفوق العدد وتخاف (١) الإحصاء= عَلِمَ (٢) بالاضطرارِ أن ذلك تنزيلٌ من حكيم حميد، متلقًّى من لَدُنْ حكيم خبير، وأن الذي أحاط بكل شيء علمًا ووسعَ كلَّ شيء رحمةً وحلمًا أنزلَ الأحكام متضمنةً لمصالح العباد في الدنيا والآخرة. ولهذا يأمر الله في القرآن دائمًا بالصلاح، ويُثِني على (٣) الذين يعملون الصالحات، وينهى عن الفساد ويذمُّ المفسدين.
ولا خلافَ بين الفقهاء من الأولين والآخرين في اشتمال الشريعة على مصالح المكلفين، نعم زاغَ أهلُ الأهواء من القدرية حيثُ اعتقدوا وجوبَ رعاية الصلاح أو الأصلح على الله وجوبًا عقليًّا يَلزمُ بتركِه ذمٌّ، وحيث اعتقدوا أن لا معنى للأحكام إلّا صفات للأفعال، تارةً تُدرَك بنور العقلِ، وتارةً تُدرَك ببيان الشرع، وحيث جعلوا الأفعال ــ أفعال الخالق والمخلوق ــ نوعًا واحدًا، سَوَّوْا بينها في التحسين والتقبيح حتى صاروا مشبِّهة الأفعال، وحيث اعتقدوا أن المصلحةَ ما أَبدَوْه من أمورٍ لا تثبتُ على محكِّ السَّبْر،
стр. 173
إلى أشياءَ خرجوا بها عن الحقّ.
وغَلا في مخالفتهم كثيرٌ من متكلّمي أهل الإثبات، حتى جوَّزوا أن لا تكون في الأحكام الشرعية الواقعة مصلحةٌ للمكلَّفين (١) البتَّةَ، وأن لا معنى للحكم إلّا مجردُ القول، وأنّ الفعل لم يكتسب بالحكم إلّا صفةً إضافية، وأن شيئًا من الأفعال ليس على صفةٍ تقتضي الحكم، وأن العلل الشرعية ليست إلّا محضَ علاماتٍ، وحتى أحالَ بعضُهم التعليلَ بالمصالح والمفاسد.
واقتصدَ الفقهاءُ والحكماءُ من أهل البصر بالأصول والفتوى والحديث، فعَلِموا أن الله لا يَجب عليه شيءٌ كما يجب على خلقِه، بل هو سبحانه كتبَ على نفسه الرحمة، وحرَّم على نفسِه الظلمَ، فهو أرحمُ بخلقِه من الوالدة بولدها. فأمرَ العبادَ بما أمرَهم لا لحاجته، بل لما فيه من صلاحهم، ونهاهم عما نهاهم لا بُخلًا به، بل لما فيه من مفاسدهم، تفضلًا منه وإحسانًا، وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
والحكم اسمٌ يُقالَ على خطابِ الله وكلامِه المنزّل، وهو الإيجاب كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أو التحريم كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ويُقال على الوجوب والحرمة القائمين بالأفعال، ويُقال على التعليق الذي بين الخطاب وبين الأفعال، فإذا عُنِي به الإيجابُ أو التعليقُ كان صفةً إضافيةً للفعل، وإن عُنِي به الوجوبُ
стр. 174
كان صفةً ثبوتية للفعل.
والفعل الذي [هو] محلّ الحكم ومتعلَّقه قد يكون على صفةٍ قبل (١) نزول الشرع تقتضي ذلك الحكم، فشَرعَ الشارعُ الحكمَ باعتبار تلك الصفة، كالسُّكْر في الخمر.
وقد يكون حدثَتْ له صفةٌ بعد الشرع [ق ٥٦] اقتضَت ذلك الحكم، كجهاد الكفّار، وبعضهم قال: موجبه التكذيب، وهو متجدد بعد الشرع.
وقد يكون الفعل في نفسِه ليس على صفةٍ، لكن الله لمّا حكمَ فيه بما حَكَم جَعَلَ له صفةً تقتضي الحكم، كتخصيص بعض الأمكنة أو الأزمنة أو الأشخاص أو الهيئات.
وقد يكون الفعل عاريًا عن جميع الصفات المقتضية للحكم، وإنما الحكمة ناشئة من نفس الحكم كما سنذكره، كذبح إبراهيمَ ولدَه، وامتناع قوم طالوتَ من شُرب الماء.
وبيان ذلك أن العبد إذا أُمِر بشيء فلا بدَّ أن يكون له في امتثالِ هذا الأمر مصلحةٌ وفائدةٌ، وأهلُ السنة إن قالوا: يجوز أن يأمر الله المكلف بما لا مصلحةَ له فيه، كما أمرَ إبليسَ بالسجود لآدم، وأمرَ أبا جهلٍ وفرعونَ بالإيمان، فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعلم أن العبد يَعصِي بترك الامتثال، ويأمره ولا يُوفِّقه للطاعة ولا يخلقها له، فتكون المفسدة (٢) في المعصية لا في نفس الفعل المأمور به. والذي أردناه أولًا أنه لا بدَّ أن يكون في الأمر
стр. 175
مصلحةٌ بتقدير الامتثال. وبين حكم الأمر بتقدير الامتثال وحكمِه بتقدير المخالفةِ فرقٌ بيِّنٌ.
ثم إن المصلحة التي في موافقة الأمر لها ثلاث جهات:
إحداها (١): أن تنشأ من الأمر فقط، فتكون المصلحة اعتقاد الوجوب والعزم على سبيل الامتثال وما يترتب على ذلك فقط، وإن لم يُوجَد الفعل المأمور به، كأمرِ إبراهيم بذبح ابنه، وكأمر من علم أنه يموت قبل وقت الأمر أو يحال بينه وبينه. وأحالت القدريةُ هذا الوجه، وينبني على ذلك نسخُ (٢) حكم الفعل قبل التمكن ومسائلُ كثيرة.
الثانية: أن تنشأ من ذاتِ الفعل المأمور به من حيث هو هو، حتى لو حصل بدون الأمر لكانت تلك المصلحة حاصلةً، ككتاب الدَّين والإشهاد عليه، والاحتراز من العدوّ، وأكل ما يقيم الصلب، ولباس ما يَقي الحرَّ والبأسَ، والاستعفاف بالنكاح، وصلات ذات البين، ونحو ذلك من الأمور التي فيها مصالح ظاهرة في الدنيا، إذا فُعِلتْ حصلت تلك المصالح. وكذلك في المنهيات، مثل النهي عن أكلِ السُّموم وقتل النفس ونحو ذلك. وكثيرٌ من الأفعال المأمور بها أو أكثرُها كذلك، لكن مصالحها غير معلومةٍ لأكثر الناس بل ولا لجميعهم، وربما علموا بعضَ مصالحها دون بعض. وفي هذا القسم يتسع مجال المناسبة. وقد أنكرَ هذا القسم من أَبَى التعليلَ من غُلاةِ المجبِّرة.
стр. 176
الثالثة: أن تنشأ من الفعل المأمور به من حيث هو مأمورٌ به لما فيه من الطاعة والانقياد والعبادة لله، حتى لو فعل بدون الأمر كان عبثًا. ومن ذلك أكثر أفعال الحج، والتيمم، وترك الشرب من النهر، ونحو ذلك. وهذا الذي يُسمَّى تعبدًا في الغالب.
[ق ٥٧] ثم اعلم أن أكثر الأفعال تجتمع فيها الجهات الثلاث ، كالصلاة والصوم وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وصِدْق الحديث وأداء الأمانة والكفّ عن الفواحش والسيئات، فإن الله لمّا أمر بالزكاة والصوم فسمعَ ذلك المؤمنون فآمنوا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، واعتقدوا وجوبَ ذلك= حصلَتْ لهم مصلحةٌ عظيمةٌ من الخضوع لله، ثم في ضمن الزكاة والصوم من الفوائد والمصالح ما لا يكاد يُحصيه إلّا الله، حتى لو صام وتصدَّق رجلٌ لم يُؤمَر بذلك حصلَ له بعضُ تلك الفوائد.
فإن قيل: كيف يجوز تعليلُ أحكام الله بالمصالح ؟ والله سبحانه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ، لأن الأغراض عليه محالٌ، لتعاليه عن لُحوقِ المنافع والمضارّ، ولأن من فعل لغرضٍ كان ناقصًا قبلَ وجودِه مستكملًا بوجودِه. ثم المصالح التي في الأفعال حادثةٌ وحكمُ الله قديم، والعلّة يجب أن تتقدَّم المعلول.
قيل: ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك، لكن نقول: هو سبحانَه يعلم ما في الفعل من المصلحة، فيحكم بوجوبه لعلمه بذلك، فعلمُه بصفة الفعل هو الموجب لذلك الحكم، لأنه عليم حكيم. فالعلة والحكم بهذا التفسير قديمان، وكذلك إرادتُه ومشيئتُه قديمةٌ، فهو يَعلم ما في المصنوعات من الحكمة فيريد ما علمه، وليس هذا الاقتضاء والإيجاب من جنس إيجاب
стр. 177
العلل الحادثة معلولًا بها، وإنما هو كما يقال: الذاتُ مقتضيةٌ للصفات من العلم والقدرة، والصفات مقتضيةٌ للأحكام أو الأحوال من كونه عالمًا وقادرًا، أو العلم والقدرة مشروطة بالحياة، والشرط قبل المشروط، فإن ذلك كلَّه على نحو آخر يتعالى (١) على عقول البشر، والله أكبر كبيرًا. لكن لا بدَّ من تقريبٍ إلى العقول يحتاج إلى التوسع في التعبير، لإزاحةِ ما يُتَوهَّم من الشبهات.
والتحقيق على هذا أن يقال: حرَّم الخمر لعلمه بأنها مُسكِرة، وأمرَ بالمعروف لأنه مصلحة. فإن قيل: حرّم الخمر لأنها مسكرة فذاك لأنه قد عُلِمَ أن الله عليمٌ بكل شيء، وقد عُلِمَ إذا قيل: فلانٌ أمرَ بكذا لأنه مصلحة له أو للناس، أنَّما (٢) فعلَه لعلمه بصلاحه، وإلّا فلو لم يشعر بصلاحه امتنع أن يأمر به كذلك.
وسبب ذلك أن العلم في الحقيقة تابعٌ للمعلوم، لا يُكسِبُه صفةً ولا يكتسب عنه صفة، وإنما نشأت الحكمة من نفس المعلوم، فلما كان كونُه مصلحةً والعلمُ بأنه مصلحةٌ أمرانِ متلازمان مطلوبيَّةُ أحدهما باعتبار الآخر= لم يقدح إضافته إلى الآخر. وإذا قيل: حُرِّمت الخمر لأنها مسكرة فهذا تعليلٌ للحكم الحادث، وهو الحرمة القائمة بها بالصفة الحادثة، [ق ٥٨] وهي الشدّة المُطرِبة.
و معنى قولنا: «إنه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا لباعثٍ» أنه لا يَبعثُه على الفعل (٣) باعثٌ من خارجٍ، كما هو صفة المخلوق، فإن كمال المخلوق عن
стр. 178
أفعالِه، وبأفعالِه كَمُل، والله سبحانه فِعلُه عن كمالِه، وأفعالُه صدرت عن كمالِه، ولسنا نعني به أن أفعاله لا تتضمنُ مصلحةً للخلق ورحمةً وحكمةً، فإن هذا ــ مع أنه خلاف الكتاب والسنة والإجماع ــ خلافُ الواقع. ثم هو سبحانَه لا تعود المنفعةُ إليه، وإنما تعود إلى خلقِه، فإنه غني حميد. وإضافةُ الفعلِ إلى مشيئته وإضافةُ مشيئته إلى علمهِ كإضافة حكمِ الفعل إلى أمرِه، وأمرِه إلى علمه.
وهنا نكتةٌ لا بدَّ من معرفتها، فإن الفعل أو الحكم إذا كانت فيه مصلحة فتلك المصلحة إنما تُوجد بعد وجود ذلك الفعل والحكم، وهي المقصودة بذلك الفعل والحكم، فهي متقدمةٌ في العلم والإرادة، متأخرةٌ في (١) الحصول والوجود. كما يقال: أولُ الفكرِ آخر العمل، وأولُ البغية آخر الدرك، والفعل علةٌ فاعلةٌ لتلك المصلحة، وتلك المصلحة علةٌ غائيَّة لذلك الفعل. وفي الحقيقة فالعلةُ العلمُ بتلك المصلحة والإرادةُ لها أو الطالب كما تقدم، إذ العلةُ لا تتأخر عن المعلول.
إذا عُلِم هذا فمعنى المناسبة كونُ الحكم الشرعي بينه وبين السبب الذي رتّب عليه نسبٌ، حتى صار ذلك السبب مقتضيًا لذلك الحكم وموجبًا له، مثل الوالد، كما يُولِد الوالد ولده فيصير بينهما مناسبة. ولا بدّ لكل مناسبة من حكمةٍ تَحصُل من الحُكْم باعتبارها تُصيِّرُ الحكمَ ثابتًا، كالتقوى التي هي حكمة الصوم، وسَدِّ الفاقات التي هي من حكمة الزكاة، وحَقْن الدماء التي هي من حكمة القصاص، وحفظ الأنساب والعقول والأديان والأموال والأعراض التي هي حكمة الحدود. فيسمُّون المصلحة الحاصلة
стр. 179
بالحُكْمِ أو بالفعل الذي هو محلّ الحكم: حكمةً، ويُسمَّى نفس ذلك الفعل حكمةً، كما يقال: الصَّمتُ حكمٌ وقليلٌ فاعلُه (١)، ويقال: إيجاب القصاص حكمةٌ عظيمة. ويُسمَّى العلمُ بما في ذلك الفعل أو الحُكْمِ من المصلحة والتكلمُ بذلك حكمة، كما قال النبي ﷺ : «إن من الشعر لحِكمةً» (٢)، وقال: «الحكمةُ ضالةُ المؤمن» (٣). فالحكيم هو الذي يعلم الصواب ويتبعه، فإن عَلِمَه ولم يتبعه أو عَلِمَه ولم يعلم حقيقته فقد أُوتِيَ شَطْرَ الحكمة.
وقد غَلَب في اصطلاح أهل الجدل من الفقهاء إطلاقُ الحكمة في الأحكام الشرعية على المعنى الأول [ق ٥٩] من المعاني الثلاثة، وهو ما في الفعل أو الحكم من تحصيل مصلحةٍ ودفعِ مفسدةٍ. والمصالح والمفاسد بعد البحث التام تعود إلى ما ينفع (٤) الناسَ في الدنيا والآخرة وما يَضرُّهم، والمنفعة تؤولُ إلى اللذة التامة التي لا ألمَ فيها في ذاتِ الحيوان، مع أن أنواع تلك اللذات ومقاديرها مما لم يَخْطُر على قلب بشر، لكن كلَّما كان أقربَ إلى حصول ذلك المطلوب كان أبلغ.
وباعتبار انقسام المنافع والمضارّ إلى دنيوية وأخروية انقسم الحكماءُ إلى حكماءِ دنيا وحكماءِ آخرة، والأحكام الشرعية مشتملة على زيادة
стр. 180
الحكمة وتفاوتها، ولهذا قال العلماء: الحكمة هي علم الشريعة والفقه فيها والعمل بذلك، كما نطق به قولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. وإذا كانت المناسبة لا تتمّ إلا بالحكمة الحاصلة من الفعل أو الحكم، فأنواع الحِكَم ومقاديرها مما لا يحيط به علمًا إلا الله تعالى. وما زال الناس يبحثون عن أسرار الشريعة، ويطلعون في كل وقتٍ على أنواع من الحِكَم. وكم من شيء يعتقد كثيرٌ من الناس أنه حكمةٌ ومصلحةٌ يجب تحصيلها، أو أنه سَفَهٌ ومفسدةٌ يجب دفعُها، وليس كذلك في نظر الشارع، لأن حقائقَ ما يَنفع الناسَ وما يَضُرُّهم في أمر المعاد بل في أمر الدنيا أيضًا لا تُعلَم إلا بالوحي المنزل من عند الله، فلهذا كان إثبات علِّية الوصفِ بالمناسبة خطرًا، وقد يَغلَط فيه كثيرٌ من الناس أو أكثرهم.
ثم اعلم أن كثيرًا من الأحكام أو أكثرها أو كلّها لا بدَّ لها من أسبابٍ تناسبُ الحكم، ومعنى السبب هنا هو ما يَنشأُ منه كون الفعل أو حُكْمِهِ محصِّلًا للمصلحة والحكمة، ولولا ذلك السبب لم يكن ذلك الفعل أو الحكم موجبًا لتلك (١) الحكمة. وإن شئتَ قلتَ: هو الوصف الذي لأجله صارت تلك المصلحة مطلوبةً من الحُكْم، مثل الزنا، فإنه إذا وُجِد أوجبَ كونَ الرجم أو وجوبَ الرجم محصّلًا لمصلحة الانزجار عن الزنا، والانزِجارُ مصلحة وحكمةٌ تحفظُ المياهَ والأنساب، وتلك حكمةٌ تتقي بها الأمة على الوجه المضبوط. وكذلك القتل العمد العدوان (٢) بشروطه سببٌ