← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الثالثة: أن تنشأ من الفعل المأمور به من حيث هو مأمورٌ به لما فيه من الطاعة والانقياد والعبادة لله، حتى لو فعل بدون الأمر كان عبثًا. ومن ذلك أكثر أفعال الحج، والتيمم، وترك الشرب من النهر، ونحو ذلك. وهذا الذي يُسمَّى تعبدًا في الغالب. [ق ٥٧] ثم اعلم أن أكثر الأفعال تجتمع فيها الجهات الثلاث ، كالصلاة والصوم وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وصِدْق الحديث وأداء الأمانة والكفّ عن الفواحش والسيئات، فإن الله لمّا أمر بالزكاة والصوم فسمعَ ذلك المؤمنون فآمنوا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، واعتقدوا وجوبَ ذلك= حصلَتْ لهم مصلحةٌ عظيمةٌ من الخضوع لله، ثم في ضمن الزكاة والصوم من الفوائد والمصالح ما لا يكاد يُحصيه إلّا الله، حتى لو صام وتصدَّق رجلٌ لم يُؤمَر بذلك حصلَ له بعضُ تلك الفوائد. فإن قيل: كيف يجوز تعليلُ أحكام الله بالمصالح ؟ والله سبحانه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ، لأن الأغراض عليه محالٌ، لتعاليه عن لُحوقِ المنافع والمضارّ، ولأن من فعل لغرضٍ كان ناقصًا قبلَ وجودِه مستكملًا بوجودِه. ثم المصالح التي في الأفعال حادثةٌ وحكمُ الله قديم، والعلّة يجب أن تتقدَّم المعلول. قيل: ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك، لكن نقول: هو سبحانَه يعلم ما في الفعل من المصلحة، فيحكم بوجوبه لعلمه بذلك، فعلمُه بصفة الفعل هو الموجب لذلك الحكم، لأنه عليم حكيم. فالعلة والحكم بهذا التفسير قديمان، وكذلك إرادتُه ومشيئتُه قديمةٌ، فهو يَعلم ما في المصنوعات من الحكمة فيريد ما علمه، وليس هذا الاقتضاء والإيجاب من جنس إيجاب

стр. 177

العلل الحادثة معلولًا بها، وإنما هو كما يقال: الذاتُ مقتضيةٌ للصفات من العلم والقدرة، والصفات مقتضيةٌ للأحكام أو الأحوال من كونه عالمًا وقادرًا، أو العلم والقدرة مشروطة بالحياة، والشرط قبل المشروط، فإن ذلك كلَّه على نحو آخر يتعالى (١) على عقول البشر، والله أكبر كبيرًا. لكن لا بدَّ من تقريبٍ إلى العقول يحتاج إلى التوسع في التعبير، لإزاحةِ ما يُتَوهَّم من الشبهات. والتحقيق على هذا أن يقال: حرَّم الخمر لعلمه بأنها مُسكِرة، وأمرَ بالمعروف لأنه مصلحة. فإن قيل: حرّم الخمر لأنها مسكرة فذاك لأنه قد عُلِمَ أن الله عليمٌ بكل شيء، وقد عُلِمَ إذا قيل: فلانٌ أمرَ بكذا لأنه مصلحة له أو للناس، أنَّما (٢) فعلَه لعلمه بصلاحه، وإلّا فلو لم يشعر بصلاحه امتنع أن يأمر به كذلك. وسبب ذلك أن العلم في الحقيقة تابعٌ للمعلوم، لا يُكسِبُه صفةً ولا يكتسب عنه صفة، وإنما نشأت الحكمة من نفس المعلوم، فلما كان كونُه مصلحةً والعلمُ بأنه مصلحةٌ أمرانِ متلازمان مطلوبيَّةُ أحدهما باعتبار الآخر= لم يقدح إضافته إلى الآخر. وإذا قيل: حُرِّمت الخمر لأنها مسكرة فهذا تعليلٌ للحكم الحادث، وهو الحرمة القائمة بها بالصفة الحادثة، [ق ٥٨] وهي الشدّة المُطرِبة. و معنى قولنا: «إنه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا لباعثٍ» أنه لا يَبعثُه على الفعل (٣) باعثٌ من خارجٍ، كما هو صفة المخلوق، فإن كمال المخلوق عن

стр. 178

أفعالِه، وبأفعالِه كَمُل، والله سبحانه فِعلُه عن كمالِه، وأفعالُه صدرت عن كمالِه، ولسنا نعني به أن أفعاله لا تتضمنُ مصلحةً للخلق ورحمةً وحكمةً، فإن هذا ــ مع أنه خلاف الكتاب والسنة والإجماع ــ خلافُ الواقع. ثم هو سبحانَه لا تعود المنفعةُ إليه، وإنما تعود إلى خلقِه، فإنه غني حميد. وإضافةُ الفعلِ إلى مشيئته وإضافةُ مشيئته إلى علمهِ كإضافة حكمِ الفعل إلى أمرِه، وأمرِه إلى علمه. وهنا نكتةٌ لا بدَّ من معرفتها، فإن الفعل أو الحكم إذا كانت فيه مصلحة فتلك المصلحة إنما تُوجد بعد وجود ذلك الفعل والحكم، وهي المقصودة بذلك الفعل والحكم، فهي متقدمةٌ في العلم والإرادة، متأخرةٌ في (١) الحصول والوجود. كما يقال: أولُ الفكرِ آخر العمل، وأولُ البغية آخر الدرك، والفعل علةٌ فاعلةٌ لتلك المصلحة، وتلك المصلحة علةٌ غائيَّة لذلك الفعل. وفي الحقيقة فالعلةُ العلمُ بتلك المصلحة والإرادةُ لها أو الطالب كما تقدم، إذ العلةُ لا تتأخر عن المعلول. إذا عُلِم هذا فمعنى المناسبة كونُ الحكم الشرعي بينه وبين السبب الذي رتّب عليه نسبٌ، حتى صار ذلك السبب مقتضيًا لذلك الحكم وموجبًا له، مثل الوالد، كما يُولِد الوالد ولده فيصير بينهما مناسبة. ولا بدّ لكل مناسبة من حكمةٍ تَحصُل من الحُكْم باعتبارها تُصيِّرُ الحكمَ ثابتًا، كالتقوى التي هي حكمة الصوم، وسَدِّ الفاقات التي هي من حكمة الزكاة، وحَقْن الدماء التي هي من حكمة القصاص، وحفظ الأنساب والعقول والأديان والأموال والأعراض التي هي حكمة الحدود. فيسمُّون المصلحة الحاصلة

стр. 179

بالحُكْمِ أو بالفعل الذي هو محلّ الحكم: حكمةً، ويُسمَّى نفس ذلك الفعل حكمةً، كما يقال: الصَّمتُ حكمٌ وقليلٌ فاعلُه (١)، ويقال: إيجاب القصاص حكمةٌ عظيمة. ويُسمَّى العلمُ بما في ذلك الفعل أو الحُكْمِ من المصلحة والتكلمُ بذلك حكمة، كما قال النبي ﷺ : «إن من الشعر لحِكمةً» (٢)، وقال: «الحكمةُ ضالةُ المؤمن» (٣). فالحكيم هو الذي يعلم الصواب ويتبعه، فإن عَلِمَه ولم يتبعه أو عَلِمَه ولم يعلم حقيقته فقد أُوتِيَ شَطْرَ الحكمة. وقد غَلَب في اصطلاح أهل الجدل من الفقهاء إطلاقُ الحكمة في الأحكام الشرعية على المعنى الأول [ق ٥٩] من المعاني الثلاثة، وهو ما في الفعل أو الحكم من تحصيل مصلحةٍ ودفعِ مفسدةٍ. والمصالح والمفاسد بعد البحث التام تعود إلى ما ينفع (٤) الناسَ في الدنيا والآخرة وما يَضرُّهم، والمنفعة تؤولُ إلى اللذة التامة التي لا ألمَ فيها في ذاتِ الحيوان، مع أن أنواع تلك اللذات ومقاديرها مما لم يَخْطُر على قلب بشر، لكن كلَّما كان أقربَ إلى حصول ذلك المطلوب كان أبلغ. وباعتبار انقسام المنافع والمضارّ إلى دنيوية وأخروية انقسم الحكماءُ إلى حكماءِ دنيا وحكماءِ آخرة، والأحكام الشرعية مشتملة على زيادة

стр. 180

الحكمة وتفاوتها، ولهذا قال العلماء: الحكمة هي علم الشريعة والفقه فيها والعمل بذلك، كما نطق به قولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. وإذا كانت المناسبة لا تتمّ إلا بالحكمة الحاصلة من الفعل أو الحكم، فأنواع الحِكَم ومقاديرها مما لا يحيط به علمًا إلا الله تعالى. وما زال الناس يبحثون عن أسرار الشريعة، ويطلعون في كل وقتٍ على أنواع من الحِكَم. وكم من شيء يعتقد كثيرٌ من الناس أنه حكمةٌ ومصلحةٌ يجب تحصيلها، أو أنه سَفَهٌ ومفسدةٌ يجب دفعُها، وليس كذلك في نظر الشارع، لأن حقائقَ ما يَنفع الناسَ وما يَضُرُّهم في أمر المعاد بل في أمر الدنيا أيضًا لا تُعلَم إلا بالوحي المنزل من عند الله، فلهذا كان إثبات علِّية الوصفِ بالمناسبة خطرًا، وقد يَغلَط فيه كثيرٌ من الناس أو أكثرهم. ثم اعلم أن كثيرًا من الأحكام أو أكثرها أو كلّها لا بدَّ لها من أسبابٍ تناسبُ الحكم، ومعنى السبب هنا هو ما يَنشأُ منه كون الفعل أو حُكْمِهِ محصِّلًا للمصلحة والحكمة، ولولا ذلك السبب لم يكن ذلك الفعل أو الحكم موجبًا لتلك (١) الحكمة. وإن شئتَ قلتَ: هو الوصف الذي لأجله صارت تلك المصلحة مطلوبةً من الحُكْم، مثل الزنا، فإنه إذا وُجِد أوجبَ كونَ الرجم أو وجوبَ الرجم محصّلًا لمصلحة الانزجار عن الزنا، والانزِجارُ مصلحة وحكمةٌ تحفظُ المياهَ والأنساب، وتلك حكمةٌ تتقي بها الأمة على الوجه المضبوط. وكذلك القتل العمد العدوان (٢) بشروطه سببٌ

стр. 181

يُوجب كونَ القَوَد (١) أو إيجاب القَوَدِ محصّلًا لحكمة حَقْنِ الدماء. وكذلك الزنا والسَّرقة وشرب الخمر، وكذلك أسباب الكفارات والعبادات، فإن مِلْكَ النِّصاب سببٌ أوجبَ كون إيتاء الزكاة أو وجوب إيتاء الزكاة محصِّلًا لمصلحةِ سَدِّ الفاقات وشُكرِ النعمة وسخاء النفس وإزالةِ الشُّحّ. إذا [ق ٦٠] عرفتَ هذا فاعلم أن تعليق الأحكام بالأسباب المقتضيةِ حصولَ المصالح من الأحكام أمرٌ مضبوطٌ، فأما الحِكَمُ والمصالح فإن تعليق الأحكام بها عسيرٌ، لكونها قد تكون خفية، وقد تكون غير مضبوطة. ثم اعلم أن النظر في المصالح (٢) أولًا، ثم تُطلَب حكمتُه وما فيه من المصلحة. الثاني: أن يعتقد أن للشيء الفلانيّ مصلحةً وحكمةً، ثم يُنظَر هل شُرِعَ حُكمٌ يحصِّل تلك المصلحة والحكمة. فإن وجدنا حُكمًا يشهد لتلك المصلحة بالاعتبار سميناه مصلحة معتبرة في نظر الشرع، كمصلحة حفظ الأصول الستة. وإن وجدنا حكمًا يشهد لذلك الأمر الذي اعتقدناه مصلحةً بالإلغاء والإهدار سمَّيناه مصلحةً مُهْدَرةً، وفي حقيقة الأمر لا تكون مصلحةً، بل إما أن تكون مَفسدةً خالصةً أو مفسدةً راجحةً على مصلحةٍ، إذ لو كانت مصلحةً خالصةً أو راجحةً لاعتبرها الشارع، فإنه حكيمٌ لا يُهمِل المصالح، لكن الناظر لقصور نظرِه وإدراكِه يَعتقد أنها مصلحةٌ. وهذا مثل السياسات الجَوْرِية التي أحدَثها الملوك، وحسبوا أنها تحصِّل مصلحة انتظام الأمور.

стр. 182

[و] مثل الأعمال المبتدعة التي استحدثَها بعض المتعبدين، وحسبوا أنها مصلحة لرضوانِ الله وقُربهِ وثوابه. ومثل العقائد والكلمات المبتدعة التي أحدثَها بعضُ المتكلمين، وحسبوا أنها مصلحةٌ لتحقيق الأمور وإدراك الحقائق، أو أنها هي الحقُّ في نفس الأمر. وإن لم نَجِدْ شيئًا يَشهد لتلك المصلحة سمينَاها مصلحةً مرسلةً ومناسبةً مطلقةً، إن شَهِدَ لها أصلٌ كلّي من أصولِ الشرع، ولم يُغيِّر شيئًا من التفاصيل المشروعة، بَنَينا الأحكام عليها، وإلّا (١) توقفنا عن الحكم. واعلم أن المناسبة لها ثلاثة أركان: أحدها: اقتران الحكم بالوصف المناسب، وشهادة الشرع له بالاعتبار، حتى لا يكون مناسبةً مرسلةً. والثاني: أن يُعلَم أن الشيء حكمةٌ ومصلحةٌ (٢) في نفس الأمر وفي نظر الشرع، لأن اعتقاد كون الشيء حكمةً ومصلحة بمنزلة اعتقاد كون الفعل حلالًا وحرامًا وواجبًا، إذ لا فرقَ بين [قولنا:] هذا الفعل حرامٌ، إذا فعله الفاعل تعرَّض للعقاب، وحَسَنٌ إذا فعلَه حصَل له ثواب؛ وبين قولنا: هذا الأمر مصلحة ومنفعة للخلق في دنياهم وآخرتهم، أو هذا الأمر مفسدةٌ ومضرةٌ على الخلق في دنياهم وآخرتهم، وإلّا فكم من يعتقد المصالح مفاسدَ والمضارَّ منافع، ويسمون هذا المعنى التأثير، فيقولون: هذا المعنى ... (٣) فيه الوصف الذي

стр. 183

أوجب اشتمالَ الحكم على تلك المصلحة، وهذا أمرٌ مهمٌّ لابدّ من الاعتناء به، بل الاعتناء به أوكد من الأول، فإن الشيء إذا عُلِم أن جنسَه مصلحة بالشرع فلا تضرُّ [ق ٦١] شهادةُ أصل معين له بالاعتبار، أما حكمٌ جاءَ به الشرعُ فقلنا: إنه إنما حكم به لكَيْتَ وكيتَ، لاعتقادنا أن ذلك الأمر مصلحة، وأنه لا مصلحةَ فيه إلّا ذلك، فهذا خطرٌ عظيم، وهو الصَّفا الزلَّال (١). ومن جرأةِ كثير من الجدليين أنهم يقولون: هذا حكمة ومصلحة في نظر العقلاء أو في عُرف الناس، ويكتفون بذلك في تقرير مناسبة الوصف، وهم يعلمون أن أكثر الأحكام الشرعية مما تقصر العقولُ الكاملة عن درك حِكَمِها ومصالحِها، وأن أكثر الناس أو كلّ الناس لا يعلمون ما هو الحكمة والمصلحة والمنفعة لهم في أمر الدنيا والآخرة، فكيف يُستشهد على حكم أحكم الحاكمين لمجرد قول بعض الناس؟ وهذا لعمري تشبيهٌ في الأحكام قريبٌ من تشبيه القدرية في الأفعال. الثالث: أن يُعلم أن ذلك الحكم إنما شُرِع لأجل تلك الحكمة، وإلا فقد تكون هناك حكمة غيرها (٢) يُشرَعُ الحكم لأجلها. فإذا تبيّنَ هذه الأركان فالمناسبةُ باعتبار ذلك أقسامٌ: أقواها (٣): أن يثبت الحكم محصِّلًا لأمرٍ قد دلَّ الشرع على أنه حكمة ومصلحة، وأن تلك الحكمة مطلوبةٌ من ذلك الحكم، كشَرْع العقوبات

стр. 184

محصِّلةً للزجر عن الفواحش والقبائح، وهذا يوجب المناسبة (١)، وهذا لا يختلف فيه أحدٌ من أهل العلم، ويسمونه «التأثير». ثم ينقسم إلى ما يُؤثِّر عينُه في عين الحكم، كتأثير الشدِّة المُطربة في التحريم تحصيلًا لمصلحة حفظ العقل، التي تحصُلُ به المحافظةُ على ذكر الله وعلى الصلاة، والانكفاف عن العداوة والبغضاء. وكتأثير نقص العقل بالصِّغَر أو الجنون أو السَّفَه في ثبوت الولاية، تحصيلًا لمصلحة حفظ أموالهم. وكتأثير القتل العمد في إيجاب القصاص تحصيلًا لمصلحة الحَقْن. والأول دلّ عليه قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، فعُلِم أن هذه مفسدةٌ أبطلها الشرعُ بتحريم الخمر، ومنشأ هذه المفسدة هو الشدَّة المطربة. والثاني دلّ عليه قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، دلّ على أن تسليم المال مع عدم الرشد مفسدةٌ أبطلها الشرعُ بالمنع من التسليم قبل إيناس الرشد. والثالث دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، دلَّ على أن الحياة مصلحة، إنما جعلها الشرع لنا بإيجاب القصاص، بأن يُسلَّم القاتل، فلا يتعدَّى القتل إلى غيره من الأقارب والجيران، كما كان أهل الجاهلية يفعلون، مما أشعَرَ به لفظ القصاص، وبأن يَعلمَ مَن يُريد القتلَ أنه لا يُقَاد لأولياء المقتول ويُمكَّنون منه، فزجره ذلك عن فعل ما يَهُمُّ به، وربَّما صارَ وازعًا لهم أيضًا.

стр. 185

وإلى (١) ما يُؤثِّر عينُه في نوعِ الحكم، كتأثير بعض الفعل في جنس [ق ٦٢] الولاية، أعني ولاية المال والنكاح والبدن. وكترجيح قرابة الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الميراث عينًا وفي الحقوق نوعًا، حتى يلحق به الغسل والدفن والصلاة. الثاني (٢): أن يثبت الحكم محصّلًا لحكمةٍ ومصلحةٍ في نظر الشرع، ولا يدلّ النصُّ ولا الإجماعُ على أنه شُرِع ذلك الحكم لتلك المصلحة. فهذا أقوى المناسبات التي تثبت بالاستنباط، لأن مناسبة الحكم لتلك الحكمة في الأولى ثبتتْ بنصّ أو إجماع. وينقسم هذا إلى مؤثّرٍ وملائمٍ. الثالث: أن يشرع الحكم محصِّلًا لأمرٍ هو (٣) حكمة أو مصلحة في نظر الناس، ولم يُعلَم أنه مطلوب في نظر الشرع. ويسمى المناسب الغريب، ويلزم من ذلك أن لا يكون الشرع قد دلَّ على أنه شرع الحكم لأجله، وما دلَّ الشرع على إضافة الحكم إليه ولم يُعلم أن فيه مصلحةً لا يُعدُّ مناسبًا، مثل أن يقال: القاتل إنما حُرِمَ الإرثَ معاقبةً له بنقيضِ قصدٍ، لأنه استعجلَ ما أحلَّه الله، فمعاقبتُه بالحرمان إذا قَتَل قد يراها الناسُ مصلحةً وحكمةً. وهذا دونَ الذي قبله، لأنه يحتاج إلى شيئين: إلى بيانِ أن هذا الأمر حكمةٌ، وبيانِ أن الشرع إنما حَكَم لأجله. وكلاهما إنما علمه بالاستنباط والنظر. الرابع: أن يعلم بالشرع أن الأمر حكمة ومصلحة، ولا يشهد الشرع لاعتباره في ذلك السبب المعيَّن. وهي المصلحة المرسلة التي شَهِدَ لها

стр. 186

أصلٌ كلّي بالاعتبار. وهذا كان السلف يعتبرونه كثيرًا، وهو كثير في كلام الفقهاء أهلِ الفتوى، وأما أهل الأصول فقد اختلفوا فيه. الخامس: أن يعتقدوا أن الأمر حكمةٌ ومصلحة، ولم يشهد الشرعُ بأنه كذلك، ولا اعتبرَه في سبب من الأسباب، كعقوبات الناس بالمصادرات أو بأنواع من العذاب. فهذا لا يكاد يلتفت إليه إلّا شذوذٌ من الناس. السادس: أن يُعتقَد أن الأمر حكمة، وقد أهدره (١) الشارع وحكم بخلافه. فهذا باطلٌ باتفاق الناس، وهو كاعتقادِ إبليسَ أنّ المخلوقَ من نارٍ لا يَسجُد للمخلوق من طينٍ، لأن سجوده له خضوعُ الأعلى للأدنى في نظر إبليس، والحكمة ترفع الأعلى على الأدنى. وكاعتقاد الكفار أن الربا لا مفسدةَ فيه، بل هو كالبيع الذي يُبتغَى به الربح، ففيه مصلحة وحكمة. وكاعتقاد بعض الكفار أن شرب قليل الخمر فيه حكمة ومصلحة من غير مضرة، لأنها تُصلِح المزاجَ ولا تُفسِد العقلَ. وكأنواع هذه العقائد التي فيها مُشَاقَّةُ الرسولِ واتباعُ غير سبيل المؤمنين. وفي مثل هذه الأشياء قيل: أولُ من قاسَ إبليس، وإنما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس (٢). ولا [ق ٦٣] خلافَ بين المسلمين أن ما عارضَ النصوصَ من القياس لم يُلتفَتْ إليه، لكن قد يقع التعارضُ بين بعض دلالات النصوص وبين القياس، فيَقوى ظنُّ بعضِ الناس بصحة القياس، فيعتقد أن الشارع لم يُهدِر تلك المصلحة، ويَقوَى ظنُّ آخرَ بدلالة لفظ الشارع، فيُقدِّمه على ظنِّه

стр. 187

ويُحكِّمه على عقله. وهذا مقامٌ فيه للرجال مجالٌ رحب. إذا تقرَّر هذا فاعلم أن كلامَ أكثر الجدليين إنما يَقعُ في القسم الثاني والثالث، لأن الوصف الذي قد عُلِم إضافةُ الحكم إليه أو الحكمة التي قد عُلِمَ أن الحكم شُرِعَ لأجلها بالنص والإجماع لا يحتاج إلى مناسبته باستنباط المناسبة، والمناسبة التي لم يشهد لها أصل معيَّن فلا يكادون يُدخِلونها في كلامهم، إمّا لاعتقادهم عَدَمَ الاستدلال بها، أو لانتشار الأمر فيها على القياسيين، فإنّ النظر فيها أسهل من المناظرة فيها. أما القسم الأول فهو أقربُ إلى الصحة، وقد اشتهر الكلام فيه، وأكثر الأصوليين يقولون به في الجملة. ويُعبِّر عنه الخراسانيون أن مباشرة الحكم طريقَ (١) الفعل الصالح لحصولِ المطلوب تُوجِب إضافةَ تلك المباشرة إلى ذلك المطلوب. مثل مَن علمنا أن جائعٌ أو عارٍ (٢)، ورأيناه يَسعَى في تحصيل ما يأكل ويلبس، فإنا نقول: إنما أخذَ هذا الطعامَ ليأكلَه، وهذا الثوبَ ليلبسَه، وإن جاز أن يكون أخذه ليُؤثِرَ غيرَه. وكذلك من رأيناه أعطَى فقيرًا أو أكرمَ عالمًا أو زارَ قريبًا نقول: إنه إنما فعلَ ذلك لأجل الفقر والعلم والقرابة. وكذلك من رأيناه يؤدِّي الفرائضَ ويَجتنبُ المحارمَ نقول: إنه إنما فعل ذلك لطلب الثواب والنجاةِ من العقاب. ومثاله في الأحكام الشرعية أنَّ إعطاءَ المحاويج وسدَّ المَفَاقِر لما كان أمرًا مطلوبًا في نظر الشرع، وهو حكمةٌ ومصلحةٌ، قد علمنا ذلك بنصوصٍ كثيرة، وكذلك البراءة من حبِّ المال وشكرُ اللهِ عليه، ثم رأيناه قد أوجبَ الزكاةَ المفضي من وجوهٍ إلى إعطاءِ المحاويج والبراءةِ من الشُّحِّ

стр. 188

وشُكرِ النعمة= نقول: فرض الزكاة لذلك. وحِفظُ العقلِ لما كان حكمةً في نظر الشرع، حتى حرَّم المسكرات، فإذا أَمَر بالحدِّ لذلك نقول: إنما أمر بالعقوبة على ذلك ليَحفظَ العقول. وأمثلة ذلك كثيرة. والدليل على ذلك وجوه: أحدها: أن هذا الحكم لا بدَّ له من حكمةٍ ومصلحةٍ، لأن الحكم العاري عن المصلحة عَبَثٌ. والحكمة إمّا هذا الأمر أو غيره، لكن غيره معدوم بالنافي المستمر، فيتعيَّن هذا الأمر. ولهذا نقول: إذا رأينا [ق ٦٤] أمرًا حادثًا يفتقر إلى سببٍ، ورأينا هناك سببًا صالحًا، أضفناه إليه، كما نضيف الزُّهوق إلى الجرحِ المتقدم، فنوجب جزاءَ الصيد بذلك على المُحرِم، ونوجب القصاص على الفعل، ونُبيح الصَّيدَ للرامي. الثاني: أنّا إذا تأملنا أكثر الصُّورَ وجدنا الحكم فيها مضافًا إلى تلك الحكمة المعلومة الظاهرة، فيُلحَق الفردُ بالأعم الأغلب. كما إذا علمنا أن الغالب على أهل بلدةٍ صفة، ثم رأينا واحدًا منهم، سَحَبْنَا عليه ذلك الغالب، ولذلك جاز قتلُ مَن في دار الحرب ومَن في صفِّ الكفّار، مع تجويز أن يكون مسلمًا. ولولا أن دِيْلَ الغالبُ على الأفراد، وإلّا لقيلَ (١) بالأصل المحرّم لقتل المعصوم. الثالث: أنّا نجد الناس إذا رأوا فعلًا، ورأوا له سببًا مناسبًا، أضافوه إليه، كما لو رأوا الأمير قد قتل جاسوسًا أو مرتدًّا أو قاطعَ طريقٍ قالوا: قتله لذلك الوصف المناسب، مع تجويز أن يكون هناك سببٌ آخر. ولولا أن علمهم

стр. 189

بأن مباشرة الفعل الصالح لحصول المطلوب تَقتضي إضافة ذلك الفعل إلى ذلك المطلوب لما استجازوا تلك الإضافة. وإذا كان هذا من عُرفِ الناس يَرونَه حسنًا وَجَبَ اتباعُهم لقوله تعالى (١). الرابع: أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا في مثل هذه الأشياء وجدنا ظنًّا غالبًا على قلوبنا بإضافة الحكم إلى ذلك السبب، كما نجد العلومَ الضرورية عند وجود أسبابها، والعمل بالظنّ الغالب ــ إذا لم يعارضه ما هو مثلُه أو أقوى منه ــ واجبٌ، لأنّا إن اتبعنا الراجح والمرجوح كان جمعًا بين الضدّين، وإن تركناهما جميعًا خَلَتِ الحادثةُ عن حكمٍ، وفي ذلك ضررٌ في الدين والدنيا، وإن عَمِلْنا (٢) بالمرجوح لم يَجُز بالضرورة، فتعيَّن اتباعُ الراجح، وليس بعده إلا التوقُّف. ولهذا قال الإمام أحمد (٣): ليس القياس على كلّ أحدٍ، وإنما هو على الأمير والحاكم، يَنزِل به الأمرُ، فيجمعُ له الناسَ ويقيس ويشبّه. كما كتب عمر إلى شريح (٤): «اعْرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسِ الأمورَ برأيِك»، فخيَّر من لا يجب عليه الحكم بين القياس لوجود الرجحان وبين التوقف، لجواز

стр. 190

أن لا يكون حقًّا، بخلاف من يجب عليه الحكم، فإن عليه إنفاذ الحكم، ولا يمكنه إلا بما ذكرناه. الخامس: أن نقول: قد دار إضافة الفعل الصالح لحصول المطلوب على حصول المطلوب مع الفعل الصالح في صور كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، بحيث تُوجَد هذه الإضافة إذا وُجِد الفعل الصالح، وتُعدَم إذا عدم، وذلك يوجب كون المدار علةً للدائر، فعُلِم أن علة الإضافة إلى المطلوب وجود الفعل الصالح لحصول المطلوب، والفعل الصالح حاصلٌ في هذه الصورة، فتوجد الإضافة، وهو المقصود. والاحتجاج [ق ٦٥] بالدوران على صحة المناسبة هكذا أجود، لما سنذكره إن شاء الله. وإن شئتَ أن تقول: كون السبب المناسب علةً للحكم قد دار مع المناسبة وجودًا وعدمًا في مواضعَ تفوقُ العدَّ والإحصاء، والدوران يُوجب كونَ المدار علةً للدائر، فثبت أن المناسبة توجب كونَ المناسب علةً للحكم. وأما كلام المصنف فقوله: «الوجوب ثابتٌ في المضروب بالإجماع (١)، فكذا في صورة النزاع بالقياس عليه، لأن الوجوب في المضروب إنما كان تحصيلًا للمصالح المتعلقة بالوجوب، كتطهير المزكي وغيره بشهادة المناسبة». واعلم أن هذا المثال لا يَحسُن أن يمانع في كون الوجوب إنما كان تحصيلًا للمصالح المتعلقة بالوجوب، من تطهير المزكي من الذنوب والأدناس وتزكية نفسه وعمله، كما أشار إليه قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً

стр. 191

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨ - ١٨]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقوله ﷺ : «الصدقةُ تُطفِئ الخطيئة كما تُطفِئ الماءُ النار» (١). وما فيها من دفع البلايا أشار إليه قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «مثلُ البخيلِ والمتصدّق مثل رجلين عليهما جُبّتان أو جُنَّتانِ من لَدُنْ ثُدِيِّهما إلى تَراقِيهما، فأما المنفِق فلا يُنفِق إلّا سَبَغَت أو وَفَرتْ على جلده، حتى تُخْفِيَ بَنَانَه وتَعفُو أثرَه، وأما البخيل فكلما أراد أن يتصدق فلَصِقَتْ وأخذتْ كلُّ حَلْقةٍ مكانَها، فهو يُوسّعها فلا تَتسع» أخرجاه (٢). وقوله ﷺ : «الصدقة ... » (٣) وفيها من شكر النعمة ومواساة المحاويج، وغير ذلك من المصالح المطلوبة. لكن يقال: سلَّمنا أنها وجبت في المضروب لمصالح متعلقة بالوجوب، أو لهذه المصالح المعينة، لكن لِمَ قلتَ: إن هذه المصالح موجودة في الفرع؟ أو لِمَ قلتَ: إن في إيجابها في الحُلِيِّ مصالح فضلًا عن هذه المصالح؟ أو لِمَ قلت: إيجاب الزكاة في المضروب يُضاف إلى القدر المشترك وأن المصالح متعلقةٌ بها؟ وهلّا جاز أن يُضافَ إلى المختص

стр. 192

بالأصل، أو الوجوب مضافٌ إلى مطلق المصلحة: إلى نوعٍ منها أو إلى قدرٍ منها أو إلى نوعٍ وقدرٍ منها، الأوّل ممنوع، والبواقي وإن سلِّمتْ فلم قلتَ: إن صورة النزاع تشارك الأصل في نوع المصلحة أو قدرها؟ وتوجيه المنع من وجوه: أحدها: أن المصالح المتعلقة [ق ٦٦] بالوجوب في المضروب إنما تكون ثابتة في الحُليّ إذا ثبت أن الحُليَّ مثل المضروب في تلك المصالح، وهذا لم يدلّ عليه. الثاني: أن المصالح إنما تكون مصالح إذا تجردت عن المفاسد أو ترجحتْ عليها ، وإيجابُها في الحليّ ليس كذلك، لأن إيجابها في الحليّ يُفضِي إلى كسرِه وتنقيصِ الحليّ ومنع المتحلِّية من التحلِّي بحلي مباح، وما أفضى إلى منع المباح يكون مفسدةً، فلا تكون مصلحةُ إيجابِه في الحلي خاليةً عن مفسدةٍ، وإيجابُه في المضروب خالٍ عن المفسدة، لأن المضروب إنما اتُّخِذ للإنفاق، وليس في إخراج الزكاة منه منعٌ من شيء مباح. أو نقول: إن كان فيه مفسدة فهي مرجوحة بدليل إيجاب الزكاة فيه، والمفسدة التي في الحلي لم يثبت أنها مرجوحة، إذ لو ثبت ذلك بإيجاب الزكاة فيه كان دوران ثبت بغيره، فهو دليلٌ مستقل يغني عن المناسبة. الثالث: أن يقال: إن المصالح المتعلقة بالوجوب لفظٌ مبهم، يحتمل مصالح متعلقة بوجوب الزكاة في كلّ مال، فإن ذلك فيه تَطْهيرٌ وتثميرٌ وتكفيرٌ، ويحتمل تعلُّقها بوجوب الزكاة في الأموال الزكوية في كلّ مقدار، ويحتمل تعلُّقها بالوجوب في الأموال الزكوية في قدر مخصوص، ويحتمل تعلُّق

стр. 193

المصالح بالوجوب في الأموال الزكوية إذا بلغت مقدارًا مخصوصًا وكانت على صفةٍ مخصوصةٍ. فإن ادَّعى القسم (١) الأول لَزِمَه أحدُ أمرين: إمّا أن يتخلف المعلولُ عن علّته، أو مخالفة الإجماع، وكلاهما محذورٌ. وإن ادَّعى الثاني فعليه أن يُبيِّن أن المصوغ على صفةٍ تجب فيه الزكاة، ولا يكفي في ذلك ما ادعاه من المناسبة، إذ لا دلالةَ فيها على قدرٍ أو نوعٍ أو صفةٍ. الرابع: هَبْ أن ما ادعاه من المصالح المتعلقة بالوجوب مقتضٍ لوجوب الزكاةِ، فهو مقتضٍ على كل تقديرٍ وجودَ سائرِ الشروط، وهي الحول والنصاب والنوع وأن يكون المال ناميًا أو مما يُعدُّ للنَّماءِ. فإن ادَّعى الأول فهو باطلٌ بالإجماع، وإن قال: التخلُّف لمانعٍ، لَزِمَه تركُ الدليل المقتضي، وهو خلاف الأصل. وإن ادَّعى الثاني فعليه بيانُ حصولِه في الفرع، وحينئذٍ يحتاج إلى فقه المسألة، فلا تنفعه الصناعة الجدلية. وإن قال: أحد الأمرين لازم، وهو: إما بطلانُ ما ذكرته من المقتضي أو تركُ العمل به في صورة النقض لمانعٍ من خارجٍ، لكن بطلان ما ذكرنا يلزمُ منه تركُ العمل به فيما عدا صور النقض [ق ٦٧] لمانع (٢). وإذا دارَ الأمرُ بين تركِ العمل بالدليل لغير مانعٍ من خارج وبين تركِ العمل به لمانعٍ [من] خارج، كان تركُ العمل به لمانعٍ من خارج أولى، لأن هذا ليس إبطالًا له بالكلية، بخلاف ترك العمل به لا لمانع، ولأنه بتقدير المانع لا يكون [ترك] الدليل موقعًا في الجهل والضلال، كما إذا كان متروكًا لا لمعارض (٣).

стр. 194

قلنا: لا نُسلِّم أن ما ذكرته يدلُّ على صحة ما ادعيتَه من المناسبة على الإطلاق، حتى يكون تركُه في بعض الصور تركًا للدليل، وهذا لأنك إنما رأيتَ الحكيم قد أوجبَ الزكاة في بعض الصور في بعض الأموال، وفي بعض الأنواع على بعض الوجوه، للمصالح المتعلقة بالوجوب. فينبغي لك أن تعتقد المناسبةَ للأمور التي لها تأثير في الإيجاب، وما جاز أن يكون مقتضيًا للوجوب وجاز أن لا يكون مقتضيًا لا يثبته إلا بدليل. وهذا كرجلٍ غنيّ كثيرِ المال سألَه فقير قريب عالمٌ فأعطاه مئةَ درهم، فقد دلَّت المناسبة على أنه إنما أعطاه لما في الإعطاء على هذا الوجه من المصالح، فلو سأله رجلٌ آخر ليس بفقير أو ليس بقريب، وقد قلَّ مالُ الرجل، وصارَ له عيالٌ ولم يَتركوا له عفوًا، وقد سأله ألف درهم، فإنا لا نعلم أنه يُعطيه لما في الإعطاء من المصلحة، وذلك لأن المصلحة في الإعطاء الأول كان تحصيلُها متيسِّرًا، فجاز أن يكون تيسُّرها أحد الأسباب المقتضية لحصولها، فإنه وصفٌ له تأثيرٌ في الحكم، بخلاف الإعطاء في المرة الثانية، فإذا وجبت الزكاة في مالٍ على وجهٍ فيه تيسيرٌ فلماذا يلزم أن يجبَ على وجهٍ فيه تعسيرٌ؟ وإن ادعى أن لا تعسير فيه خاض في فقه المسألة. والغرض أن نبين فساد الطريقة الجدلية، وأنه لا بدَّ عند التحقيق من الرجوع إلى المعاني الفقهية والتأثيرات الحكمية، وإذا لم يتبين أن المناسبة المذكورة مقتضيةٌ الزكاةَ على الإطلاق ولا في كل مال لم يكن عدمُ إيجابها في بعض الصور تركًا لدليلٍ أصلًا، بل تكون دعوى ما يوجب تركَ العمل بالدليل من غير دليلٍ على الموجبة (١)، وهذا لا يجوز.

стр. 195

الخامس: أن يقال: قد ترك العمل بما ذكرته من الدليل في بعض المواضع، وهو ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة وإبل الكراء، فتُخصّ منه صورة النزاع بالقياس على تلك الصور، بجامع ما يشتركانِ فيه من الحاجة إلى عين المال، والإخلال ببعض المصالح المباحة [ق ٦٨] بإيجاب الزكاة فيه، ويعود الكلام إلى فقه المسألة. وقياس التخصيص من أقوى الأقيسة عند أصحاب هذا الجدل. السادس: أن ما ذكرتَه من المناسبة المقتضية للوجوب المطلق يُعارَض بالمناسبة النافية للوجوب، وذلك أن الوجوب منتفٍ عن ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة مع قيام المقتضي، وهو ما ذكرته من المناسبة، وما ذاك إلا لمانعٍ فيها، وهو الاحتياج إليها في المنفعة المباحة بشهادة المناسبة والدوران، فإن المانع لو كان للضرورة أو الحاجة الأصلية لوجبتْ فيما زاد على الحاجة من العبيد والثياب والدوابّ. وهذا المانع يتحقق في صورة النزاع، لأنّ إيجاب الزكاة يَمنع الانتفاعَ المباح، فيتحقق المنع، لأن ما ذكرته من المانع قد ثبتَ مقتضاه عند معارضته ما ذكرته من المقتضي، وثبوتُ دليلِ مدلول أحد الدليلين عند التعارض يُوجب رجحانَه. ولأن ما ذكرتُه من المانع معتضدٌ بالأصل الثاني للوجوب، والدليلانِ أقوى من دليل. ولأن ما ذكرتُه من المانع لم يتخلَّف عنه مقتضاه، وما ذكرتَه من المقتضي قد تخلَّف عنه مقتضاه لمانعٍ، والدليل الذي لم يُترَك العمل به راجحٌ على ما تُرِك العمل به.

стр. 196

ولأن ما ذكرتَه من المناسبة يثبت فيها استواؤهما في المصلحة المقتضية للوجوب، لأن الجامع في الأصل والفرع هو المقتضي للحكم، فإذا تميَّزَ قدرًا أو نوعًا كان القائسُ به محيطًا بمأخذ الحكم، بخلاف الجامع المبهم الذي لم يتميَّز عن غيره، فإنّ صاحبه لم يُحِط علمًا بمأخذ الحكم ومناطِه. ولأنك جمعتَ بالمعنى الأعم، وإنما جمعتُ بالمعنى الأخصَّ. وإذا كانت إحدى (١) العلّتين أشدَّ تقريبًا بين الأصل والفرع كانت أولى من التي لا يَشتدُّ تقريبُها، ولا شكَّ أن المعنى الأخصّ يُقرِّب الفرعَ من الأصل أكثر. وإذا كان مدار القياس على التشبيه والتمثيل، فحيثُ ما كان القدرُ المشترك أخصَّ كانت المشابهة والمماثلةُ أتمَّ، فتكون حقيقةُ القياس أقوى، فتكون أولى. ولأنّ ما ذكرتَه يَقتضي مصلحةً في الوجوب، وما ذكرتُه يَقتضي مفسدة، واحترازُ الحكيم عن المفسدة أشدُّ من طلبِهِ المصلحةَ. ولهذا قال ابن عباس: لا أَعدِلُ بالسلامة شيئًا (٢). فإن النجاة رأس المال. وذلك أنه إذا لم يحصل الإيجاب بقي الأمرُ كما كان، أمّا إيجابٌ يتضمن مفسدةً ففيه تغييرٌ للأمر بالإفساد، والاحتراز عنه متعينٌ بما أمكن. واعلم أن هذه المناسبات المطلقة من غير بحثٍ عن خصوص [ق ٦٩] فقه المسائل لا تُحِقُّ حقًّا ولا تُبطِلُ باطلًا، بل يمكن ردُّها كلها بما ذكرناه وبغيره من الطرق، وهي من جنس إثبات التلازمات العامَّة والدورانات العامة، فإن الجمع بين الأصل والفرع بالقدر المشترك بينهما كائنًا ما كان من

стр. 197

غيرِ دلالةٍ على صحة الإضافة إلى خصوصه ــ كإثبات اللازم على تقدير وجود الملزوم بما يدلُّ على وجودِه مطلقًا من غير اختصاصٍ بذلك التقدير؛ وكتعيين بعض الصفات مدارًا من غير مختصٍّ يُرجِّحه على سائر الصفات المدارية ــ هذا كلُّه مبنيٌّ على محض التحكُّم والترجيح بلا مرجّح، وعليه مبنى عامة كلام الجدليين المموِّهين. وأما بقية كلامه في قوله: «ونَعنِي بالمناسبة مباشرةَ الفعل الصالح لحصول المطلوب» إلى آخره، فكلامٌ قريبٌ، وهو قولُ من يأخذ بالمناسبات المستنبطة، وهم أكثر الأصوليين (١). ولهذه المناسبة ثلاثة أركان: أن يُباشرَ فعلًا صالحًا لحصولِ مطلوب. ونَعنِي بصلاحية الفعل أن يكون موجبًا له أو مغلِّبًا له، بحيث يكون وجودُه معه أكثر، أو أن يكونَ مدارًا له، بحيث يُوجَد بوجودِه ويُعدَم بعدمه (٢). وقولهم: «مباشرة الحُكم (٣) أو مباشرة الفعل» جيّد في حقّ العباد، وأما في حقّ الله فلا يَصحُّ هذا اللفظ، لأنه لا يوصف بمباشرة (٤) الحكم، وليست الأحكامُ إلا كلامَه أو مُوجَب كلامه، وتلك لا يُباشِر [ها]. وأيضًا فإن الأحكام ليست فعلًا بل قولًا من الله. وعليه سؤالٌ آخر، وهو أن المباشرة ليست هي المناسبة، بل المباشرة المذكورة دليل على أنها إنما وقعت لأجل تحصيل المطلوب، فهي دليلٌ

стр. 198

على أنها علةٌ فاعلةٌ للمطلوب، وأنّ المطلوب علةٌ غائيَّةٌ لها. والاستدلال بالفعل على بعض صفاته أمرٌ واقعٌ كثيرًا. يُبيِّنُ ذلك أن المناسبة مصدرُ ناسبَ الشيءُ الشيءَ (١) يُناسِبُه: إذا وافقَه ولاءَمَه، أو كان بينه وبينه ما يُوجِب نسبةَ أحدِهما إلى الآخر، كنسبة الولد إلى والدِه والحكمِ إلى الوصف. وهذه الخاصَّةُ التي تُوجِبُ انتسابَ أحدهما إلى الآخر لا بدَّ أن تكون ثابتةً لهما بأنفسهما، أو بما يجري مجرى أنفسهما، بحيث يَحسُن في العقلِ إذا أدرك الأمرين أن يقول: هذا منسوب إلى هذا ومضافٌ إليه. ومصدرُ المفاعَلة ليس قائمًا بأحد المتفاعلين دون الآخر، فإذَنْ المناسبةُ صفة إضافية بين الوصف والحكم، وبينه وبين الفعل، وبين الحكم والحكمة، وبين الفعل والحكمة. والمباشرة المذكورة هي الوصف المناسب أو محلُّ الوصف المناسب، فكيف يكون هو المناسبة؟ وهذا [ق ٧٠] كرجلٍ رأيناه يُعطِي فقيرًا، فإن مباشرة الإعطاء الصالح لحصول المطلوب من إغناءِ الفقير يَدُلُّ على أنّ مباشرة الإعطاء إنما كان للفقر، فالإعطاء يناسبُ الفقر، وليس هو مناسبة الفقر. وتصحيح كلامهم أن يكونوا عَنَوا بالمناسبة نفسَ الشيء المناسب، تسميةَ الفاعلِ بالمصدر، كالعدل والصوم، وعُذْرهم عن إطلاق المباشرة والفعل أنهم أرادوا المخلوق. ثم إذا ثبتَ الحكم فيه فهم المعنى. ومنهم من قال: يُعنَى بالمباشرة إرادة الفعل وإثباته مطلقًا. قوله: «والوجوب طريق صالح لحصول ذلك المطلوب» كلام صحيح.

стр. 199

قوله: «لو وُجِد يُوجَدُ ذلك المطلوب، ولولاه لا يوجد» مع ما فيه من رِكَّةِ التركيب ليس بجيّد، لأنه لا يلزم من وجود الوجوب وجودُ المصلحةِ المتعلقة من تطهُّرِ المزكِّي إلا إذا فعلَ المكلَّفُ الواجبَ، والمكلَّفُ قد يعصي ويترك الواجب كثيرًا، فكيف يكون مجرَّدُ الإيجاب موجبًا لحصولِ المطلوب؟ فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب من تطهير المزكِّي وتمييز المال وتكفير السيئات ومواساة المحتاج وشكر النعمة وغير ذلك من الأمور يَحصُل كثيرًا بدون الوجوب، إمّا بفعلِ الناس على وجه الندب أو بأسبابٍ أُخَر، أو بفِعلِ الله. وإنما الصواب أن يقال: لأن الوجوبَ مُغلِّبٌ لوجودِ تلك المصالح، وعدمُ الوجوب مُقلِّلٌ لها، لأنه إذا وجبَ انبعثَ الداعي إلى الفعل خوفَ العقاب على الترك، فيكثُر الوجود، وإذا لم يجب فَترتِ الهِممُ عن العمل، إلّا نفوسًا تطلبُ الفضائل، وهي قليلةٌ، فيكون حصولُ المطلوب بتقدير الوجوب أكثر، وذلك يوجِبُ اعتقادَ المناسبة. فإن الحكيم كما يسلك طريقًا لا يحصل مطلوبه إلا بها، فيسلك الطريق التي هي أقرب إلى حصولِ مطلوبه. هذا على ما قرَّره، وإلّا فيمكن تقرير المناسبة على وجه الإيجاب بأن يقال: الوجوبُ محصِّلٌ لهذه المصالح، وعدم الوجوب تَحصُل معه مفاسد، وهو ضررُ المحاويج والحرصُ على حبّ المال وغير ذلك، ولا تندفع هذه المفاسد إلّا بالوجوب، فيكون في الوجوب تحصيلُ المصالح ودَرْءُ المفاسد. ويمكن تقريرُه على وجهٍ آخر، وهو أن المصالح الحاصلة بالوجوب لا يجوز حصولُها بدونه، إذ لو (١) جاز ذلك لكان فيه تعريضُ العباد للعقوبة من غير مصلحةٍ وحكمةٍ، والله أرحمُ بعبادِه من الوالدة بولدها. ولأن مصلحة

стр. 200

الوجوب لو سَاوَتْ مصلحة عدم الوجوب لكان الوجوبُ زيادةً عبثًا من غير فائدة، وحكمُ الله لا يجوز خُلوُّه عن فائدة. قال في تقرير [ق ٧١] موجبية المناسبة: «لأن الظنّ بالإضافة دار مع المناسبة» إلى آخره، وقد تقدم. هذا كلامٌ مستدركٌ من وجوهٍ: أحدها: أن ظنّ الإضافة إلى المطلوب إذا حَصَلَ في صور وجود المباشرة كان ذلك وحدَه دليلًا على صحة إثبات العلة بالمناسبة، وإذا لم يحصل فقد انتقض ركنُ الدوران. فإن قلتَ: نحن ندَّعي دورانَ كلِّ ظنٍّ مع المناسبة المعتبرة، لدوران الظنّ معها في صورٍ كثيرةٍ وجودًا وعدمًا. قلتُ: فالظنّ الحاصل في تلك الصور لا بدَّ أن يكون حصولُه ضروريًّا، وإلّا فلو منعَ الخصمُ حصولَ الظنِّ لم يُدفَع إلا بأنه مكابرٌ للحقائق. وإذا كان لا بدَّ من دعوى حصول الظن في بعض صور المناسبات ضرورةً أو في جميعها فإن ... (١) وحصول ظن الإضافة إلى الوصف المناسب عند حصول المناسبة المعتبرة أمر ضروري، لا يُمكن العاقلَ أن يدفعه عن نفسه، وذلك أتمُّ من الدوران. الثاني: أن عدم الدائر مع عدم المدار هنا غير بَيِّن، وذلك لأن الدائر هو ظنُّ إضافة الفعل إلى الأمر المطلوب، والمدار هو مباشرة الفعل المذكور، فإذا عُدِم مباشرة الفعل الصالح فقد عُدِم محلُّ الدائر، لأن ظنّ إضافة الفعل

стр. 201

لا يكون إلّا بعد وجود فعل الدوران المعروف أن يبقى محلَّ الدائر حتى يكون انتفاء الدائر عنه تبعًا للمدار دليلًا (١) على أن المدار علة، كما إذا قيل: شرب الدواءَ فأطلَقَه، ثم تَركَه فاحتبَسَ، فإذا عُدِمَ الدواء [عُدِم] الإطلاقُ، والبطنُ موجود. الثالث: أن المناسبة تارةً تفيد اليقين، وتارةً تُفيد الظنَّ كالدوران، فإنا إذا رأينا رجلًا قد أضجعَ رجلًا وبيده مُدْيَةٌ حادَّةٌ، فقطعَ بها رقبتَه، نعلم قطعًا أن مباشرتَه للفعل الصالح للزُّهوقِ كان دليلًا على أنه قَصَدَ الزُّهوق، يعني نحكم (٢) بأن ذلك [كان] عمدًا، والعمديَّةُ من صفات القلب، ونقتله بذلك. وأمثلتُه كثيرةٌ، فكان ينبغي أن يذكر القدر المشترك بين العلم والظن، وهو الاعتقاد. الرابع: أن الذي توجبه المناسبةُ قطعًا أو ظاهرًا أو تَستلزِمُه: عِلِّيّةُ الأمر المناسب وإضافة الفعل إليه، بمعنى أن الفاعل قصده. وهذه العليَّة والإضافة أمرٌ ثابت في نفسه، سواء كان هناك من يظنُّ أو لم يكن من يظنُّ. كما أنّ الأكل في نفسِه يستلزم قصد الآكلِ الشبعَ أو التلذذ (٣) ونحو ذلك. وكذلك سائر الأمور الدالة هي في أنفسها على صفاتٍ تُوجِب مدلولاتها قطعًا أو ظاهرًا. وإنما ظنُّ الإنسان تابعٌ للدليل عليه في نفسه. هذا مذهب المحققين، بخلاف من اعتقدَ أن [ق ٧٢] الظنون أمورٌ اتفاقية لا مُوجِب لها، ولا تقديم فيها ولا تأخير، وبنَى على ذلك أن لا حُكمَ للهِ في الظنيات إلّا ما

стр. 202

أوجبته هذه الظنون. فإنا نعلم بالاضطرار أن إخبار العدلِ على صفةٍ توجب لمن كان خاليًا عن العقائد اعتقادَ رجحانِ صدقه على كذبه وهو ظانٌّ لذلك. فإن العلم بأن الشيء راجحٌ في نفسه شيءٌ، واعتقاد مُوجَب هذا الرجحان ومقتضاه شيء آخر. وإذا كان كذلك فالواجب أن يُجعل المدار علةً للأثر القريب، وهو العلّية والإضافة، ثم يجعل ذلك موجبًا للظن. الخامس: أنه إنما أثبت بذلك أن المناسبة تُفيد ظنَّ الإضافة، وهذا الظنُّ حاصلٌ بنفس معرفة المناسبة، قبلَ العلم بدوران الظنّ مع المناسبة، فيكون ذكر الدوران ضائعًا، بل ليس الظن الحاصل بهذا الدوران أقوى من المناسبة، وقد يكون بالعكس. والذي دلَّ عليه أكثر الناس أنّ إثباتَ العلّة بالمناسبة أقوى من إثباتها بالدوران ، حتى إذا تعارضت علتانِ من هذين النوعين رجحت المناسبة على الدورانية. فإذا كانت المناسبة أقوى كان إثباتها بالدوران يوجب نقصها عن الدوران موجبه في الجملة، وعلى صحة دورانها من غير معارض (١)، وجَعْلُها بحيث تضعفُ عن الدوران غير جائز. قال المصنف الجدلي (٢): (ولئن قال: الحكم في الأصل لا يُضاف إلى المشترك، فإن الأصل راجح على الفرع، وإلّا لما ثبت الحكم فيه بالنافي أو بالقياس على النقض السالم عن معارضة كونه راجحًا، والحكم ثابت فيه فتحقق (٣) الرجحان، والرجحانُ مانعٌ من (٤) الإضافة أو ملزوم لعدم الإضافة،

стр. 203

وإلّا لكان الحكم في الأصل مضافًا إلى المشترك بينه وبين النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الرجحان مانعًا أو ملزومًا، ولا يضاف بالاتفاق). هذا اعتراض مجمل من جنس تقرير مناسبة الوصف، لكنه اعتراضٌ جيّد يَقدح في المناسبات العامة. وحاصله أن السائل يقول: الموجِب للحكم في الأصل ــ وهو المضروب مثلًا ــ إما أن يكون هو المشترك بينه وبين الفرع الذي هو المصوغ، وهو ما يشتركان فيه من حصولِ المصلحة بالوجوب؛ وإما أن يكون حق الموجب أو شرط الموجب ما يختص بالأصل. فإن كان ما يختص به الأصل داخلًا في الموجب ــ بأن يكون في الأصل من أسباب الوجوب المقتضية له ما ليس في الفرع ــ امتنع إلحاق الفرع فيه، لعدم تلك الخصيصة فيه، وإن ادَّعى أن الموجب [ق ٧٣] هو القدر المشترك فهذا باطلٌ، لأن موجبية القدر المشترك يُعارضُه ما ينفي الوجوب، وتخلُّفُ الحكم عنه في صورة النقض، وهي ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة مثلًا، فإن المشترك موجود فيه مع تخلف الحكم، ولا يلزم ثبوت الحكم في الأصل، لأن ما اختصّ به من الرجحان جاز أن يكون مانعًا عن العمل بالنافي أو بالمعارض في صورة النقض، وذلك المرجح ليس هو موجودًا (١) في الفرع، والتزامه مخالفة الأصل لدليل قويّ لا يلزم منها مخالفته لما هو أضعف منه، فيرجع حاصلُه إلى المعارضة بأن النافي أو المعارض للوجوب في الأصل والفرع قائمٌ، فيجب أن ينفي الوجوب مطلقًا بِتَرك العمل به في (٢) الأصل، فيجب أن يكون لمعنًى يختصّ الأصل، فلا يجوز ترك العمل به في الفرع.

стр. 204

وإنما قلنا: إنه لمعنى يختصّ الأصل، لأن ترك العمل به على مخالفة الأصل، وما ثبت على خلاف الأصل فكثرته أيضًا على خلاف الأصل، فلا يلزم من التزام مخالفة الأصل في موضعٍ التزام مخالفته في بقية المواضع، لما فيه من تكثير المحذورات. وهذا معنى قوله: «لا يضاف الحكم إلى المشترك، لأن الأصل راجح على الفرع»، إذ لولا رجحانه عليه لما ثبت الحكم فيه قياسًا له على صورة النقض، وهو عبيد الخدمة مثلًا، وهو قياسٌ سالمٌ عن معارضة الرجحان الثابت فيه، وعملًا بالنافي المانع من الوجوب، وهو استصحاب براءة الذمّة، والنافي للضرر الناشئ من الوجوب بتقدير الفعل أو الترك. وهذا النافي والقياس مانعان من ثبوت الحكم بكل حال، فلو لم يكن الرجحان معارضًا لهما لزمَ العملُ بالنافي السالم عن معارض، وطَرْدُه عند السائل الفرع، فإنه لما لم يكن هذا الرجحانُ ثابتًا فيه عَمِلَ النافي للوجوب عملَه. فالسائل يقول: القياس على صورة النقض واستصحاب براءة الذمة والنافي للضرر يمنع الوجوب مطلقًا، لكن إنما ترك العمل به عند معارضة ما في الأصل من المعنى الراجح، وذلك المعنى مفقود في الفرع. قال: ولولا الرجحان لزم العمل بهذه الأدلة، فيمتنع الوجوب، والوجوب ثابت، فعُلِمَ وجودُ الرجحان. وإذا كان الرجحان ثابتًا في الأصل امتنعت الإضافة إلى القدر المشترك بين الأصل والفرع، فيكون الرجحان مانعًا من الإضافة أو مستلزمًا لعدم الإضافة، إذ لو لم يكن مانعًا لوجب إضافة الحكم إلى القدر المشترك بين الأصل وبين صورة النقض، لاشتراكهما في المناسبة النافية للوجوب [ق ٧٤] على هذا التقدير، إذ ليس في الأصل رجحانٌ يقتضي

стр. 205

الوجوب على تقدير عدم الرجحان، فلو جازت الإضافة إلى المشترك بين الأصل وبين صورة النقض لزم انتفاءُ الحكم عن الأصل، وهو باطلٌ بالاتفاق. وتقرير السائل لمناسبة المشترك بين الأصل وصورة النقض على وجهٍ جملي كتقرير المستدلِّ للمشترك (١) بين الأصل وبين الفرع على وجهٍ جمليّ. فقد عارض السائل القياس المقتضي للوجوب بقياسٍ يقتضي المنع وبالنافي للوجوب، وبنى الكلام على مقدمتين: إحداهما أن الأصل راجح على الفرع، والثانية أنه إذا كان راجحًا على [الغير فرعًا] (٢) ونقضًا، فإن ذلك يمنع الإضافة إلى المشترك، إذ لولا ذلك لأضيف إلى المشترك بينه وبين صورة النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الأصل راجحًا أو ملزومًا، والإجماع بخلافه، فإنهم أجمعوا على افتراقهما في الحكم والإضافة بلزومه لعدم افتراقه. فإن قال المستدل: لا أسلّم أن الإضافة إلى المشترك مستلزمة لعدم الافتراق، فإنه إنما يضاف إلى المشترك (٣) بين الأصل والفرع، أو يجوز أن تكون صورة النقض اختصَّت بمانعٍ.

стр. 206

قيل له: هذا السؤال يَقدح في استدلالك، فإنك إنما أثبتَّ الإضافة إلى المشترك بين الأصل والفرع بمثل ما أثبتَّ به الإضافة إلى الأصل وصورة النقض، وجواز اختصاص صورة النقض بمانعٍ كجواز اختصاص الفرع بمانع. قال الجدلي (١): (فنقول: لا نسلِّم بأن الأصل إذا لم يكن راجحًا لما ثبتَ الحكم فيه، بل يثبت بالمقتضى أو بالقياس على الوجوب في أحدهما، أعني الأصل والفرع) (٢). هذا معارضة لما ينفي الوجوب على تقدير عدم الرجحان بما يثبت الوجوب، فتندفع معارضة السائل بهذه المعارضة، ويبقى الدليل الأول سالمًا عن المعارضة. وحاصله أن هذا المستدل مع المقدمة الأولى ــ وهي قوله: إن الأصل راجحٌ على الفرع ــ يقول: لا نُسلِّم عدمَ ثبوت الحكم في الأصل على تقدير عدم الرجحان، بل يثبت الحكم فيه بالمقتضي للحكم، وهو قوله سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإن منع دلالة النصّ على هذا الحكم لم يقبلوا ذلك منه. وبالقياس على الوجوب في أحدهما، أعني الأصل والفرع، أي يقيس على أحدهما بغير عينه، لأن الحكمَ ثابتٌ في أحدهما ضرورة، أما عنده فلأنه ثابت في كليهما، وأما عند المعترض [ق ٧٥] فلأنه ثابتٌ في أحدهما. وهذا من أفسد القياس، لأنه (٣) يريد إثبات الحكم في الأصل على تقدير عدم رجحان الأصل، فقد قاس الشيء على نفسه، فإن قاسَه عليه على تقدير وجود الرجحان فقد قاسه مع تصريحه بالفارق. وأما قياسُه على الفرع

стр. 207

فأبعد وأبعد، فإن الحكم في الفرع ليس بمنصوصٍ ولا مجمع عليه ولا مدلول عليه، لأنه إلى الساعة لم يتم الدلالة عليه، ولأنه إنما يتكلم في إثبات حكم الفرع، فكيف يجعلُ حُكْمه مقدمةً في إثبات نفسه؟ هذه مصادرة على المطلوب. وليس له أن يقول: قد ثبت الحكم في الفرع بما ذكرناه من القياس، لأن ذلك القياس إنما يجب تسليمُ مدلولِه بعدَ الجواب عن المعارضة، وإنما يحصل الجوابُ عن المعارضة بثبوت الحكم في الفرع. وإن قال: أقيس على أحدهما غير معين. قيل له: لا يصحُّ القياس على واحدٍ منهما لا بعينه ولا [بغير] (١) عينه لما بيَّناه، لأنه إذا بطل القياس على كل واحدٍ واحدٍ فبطلانُه على أحدهما منهما أظهر. وأيضًا فإن السائل منع الحكم على التقدير كما سيأتي. قال المصنّف (٢): (ولئن منع الحكم في أحدهما على التقدير (٣) فنقول: الحكم متحققٌ في أحدهما، إمّا في الواقع أو على ذلك التقدير، فيتحقق في الأصل على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما). هذا الكلام حاصله أن السائل قد منعَ الحكم في أحدهما على تقدير

стр. 208

عدم الرجحان، أما في الفرع فظاهر، وأما في الأصل فلأنه يعتقد أنه إنما ثبت فيه رجحانه على الفرع، فإذا (١) انتفى انتفى الحكم. وهذا منعٌ متوجه. فأجابه المستدل بأن الحكم في أحدهما ثابتٌ إمّا في الواقع أو على تقدير عدم الرجحان، للإجماع على حصول أحدهما. فأنا أقيس الحكم في الأصل على ذلك التقدير على الحكم الثابت في أحد الواقعين من الوجوب في إحدى الصور في إحدى (٢) الصورتين، قياسًا سالمًا عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما جميعًا، يعني في الواقع وعلى التقدير. واعلم أنَّ هذا القياس فيه نظر، وليس بجيّد، ولو (٣) كان القياس على حكم يُسلَّم في الجملة، لأن المعترض إذا منع الحكم في المقيس عليه على تقدير عدم رجحان الأصل على الفرع، فإذا قال له المجيب: هو ثابت في الواقع، فيتحقق في الأصل على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، قال له السائل: لا يكفي سلامة [ق ٧٦] القياس عن المعارض القطعي، بل لا بدَّ أن يسلم عن المعارض القطعي والظني المساوي أو الراجح، لأنه متى عارضَه ما هو راجح منه بطَلَ، وإن عارضَه ما يساويه وقف. وهذا القياس كذلك، لأن ثبوته على ذلك التقدير يعارضه ما تقدم من النافي له على ذلك التقدير. فإن قال: إنما ذكرت المعارض القطعي لأنه إذا (٤) ثبت أنه واقع في

стр. 209

الواقع ثبت جوازُه على كل تقدير ممكنٍ جائزٍ، فإذا عارضَه قطعي ثبت أن ذلك التقدير غير جائز، لأن (١) معارض القطعي باطل، أما إذا عارضه غير قطعي فيجوز رجحانُه عليه، فيكون رجحانُه عليه من التقديرات الجائزة الممكنة، فإذا كان واقعًا في الواقع قِستُ عليه ثبوتَه على ذلك التقدير السالم عن معارضة القطعي. قيل: هذا أكثر ما يفيدك جواز وقوعه، أما ثبوت الوقوع فلا يكون حتى يثبت أن ذلك التقدير واقع في الواقع، أما مجرد جوازه فلا. إلّا أن المستدلّ يقول: إنما قصدتُ معارضةَ ذلك النافي ليسلم أصل الدليل، وقد حصل بنفي أن يقال: ثبوته في الواقع ثبوته مع جملة الأمور الواقعة في الواقع، ومن جملة الأمور الواقعة في الواقع عدمُ ذلك التقدير، وهو رجحان الأصل على الفرع على ما ادَّعاه المستدلّ، وإذا كان ثبوته في الواقع ينفي ثبوته على ذلك التقدير لم يصحّ أن يحكم بثبوتِه في حال الحكم بعدم ثبوته. إلا أن المستدل يقول: هذا هو التقدير الذي لا يضرّ منعه، كما تقدم في التلازم، لأنه إن كان هذا التقدير منتفيًا في نفس الأمر فقد صحَّ القياس وبطلت المعارضة، لأن ذلك التقدير هو تقدير رجحان الأصل على الفرع، فإذا لم يكن ثابتًا فقد استويا، وإن كان هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر فهو من جملة الأمور الواقعة، فثبت الحكم على ذلك التقدير، فيتم ما ذكرناه بنفي أن يقال: هَبْ أن المعارضة تبطل على هذا التقدير لكن يبطل معها الدليل الأول، وهو مُبطل للاستدلال. فيقول المستدل: هذا التقدير يلزم المعترضَ، لأن أحد الأمرين لازم،

стр. 210

وهو صحة دليلي أو بطلان معارضته وبطلان دليلي، وإذا كان أحد الأمرين لازمًا (١) لم يتعيّن أحدهما. والتحقيق أن هذا إفحامٌ للمعترض وإلزامٌ له، وليس بتصحيح للدليل فينفع في المناظرة، ولا ينفع المناظر، لأنه إذنْ ثبتَ أحد الأمرين: إما صحة دليله أو بطلان معارضته، لكن هذا في هذا الموضع لا ينفع المستدل، فإن قول المستدل: «فيتحقق في الأصل [ق ٧٧] على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما» يرجع حاصلُه إلى أنه قاس الحكم على ذلك التقدير على الحكم في الواقع، فإنه لا يُسلَّم له إلّا الحكم في الأصل في الواقع، وما سوى ذلك فهو غير مسلّم [و] لا مدلول عليه، فيكون أثبت الحكم على ذلك التقدير لثبوته في نفس الأمر. ويَرِدُ عليه من الأسولة الصحيحة ما تقدم في التلازم، وهو أن ذلك التقدير عند المعترض تقدير غير واقع، لأنه تقدير عدم الرجحان، وقد بيَّن أن الرجحان واقع، فلا يكون تقدير عدمه واقعًا، فلا يصحُّ قياسُ الحكم على تقدير غير واقعٍ على الحكم على تقدير واقع. وإن قال المستدل: بل هو تقدير واقع. قيل له: إنما يتبيّن أنه واقع إذا تمّ دليلك، [و] إنما يتم إذا أجيب عن معارضته، وإنما يتمّ الجواب عن المعارضة بمقدمةٍ من مقدمات دليلك الأول كنت قد عارضت دليل المستدل ... (٢) الأول، ولكن ليس لك بهذا

стр. 211

انفصالٌ عن معارضته، بل يُوجب انقطاعك. نعم، لو كانت هذه المعارضة من السائل كَفَتْ، لأن غرض السائلِ وقف الدلالة، وذلك يحصل بمجرد المعارضة. ثم إنه إذا قاس على الواقع فالواقع إمّا الرجحان أو عدمُه، فإن كان الأول فقد قاس مع وجود الفارق المانع، وإن كان الثاني فقد قاس الشيء على نفسه. والقياس كلُّه يدور على هذه النكتة، وإن كان في ظاهر الأمر إنما يريد به أن الحكم في أحدهما هو ثابت إمّا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيسُ الحكمَ في الأصل إذا لم يكن راجحًا على الحكم في أحدهما، سواء كان ثابتًا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير. وهذا القياس سالم عن معارضة القطعي، وهو عدم الحكم فيهما، لأن عدم الحكم عن الفرع عليه وعن الأصل في الواقع، وعلى ذلك التقدير ليس قطعيًّا. فهذا أيضًا ليس بجيد، لأنه إذا ثبت الحكم إما في نفس الأمر أو على ذلك التقدير وقاس عليه، فإما أن يقيس على أحدهما مبهمًا أو على كلٍّ منهما بعينه أو عليهما مجتمعين: فإن قاس على كلٍّ منهما بعينه عادت الحال الأولى جذعةً، لأن المعترض يمنع الحكم على التقدير، فلا يكون القياس على كل منهما، بل على أحدهما، وهو القياس على الحكم المتحقق في الواقع. وذلك لا ينفعه كما تقدم، لأن المعترض يقول: هو واقع في الواقع، وليس واقعًا على تقدير عدمِ الرجحان.

стр. 212

وإن قاس عليهما مجتمعَين فهو أبعدُ عن الصحة كذلك. وإن قاس [ق ٧٨] على أحدهما لا بعينه، وهو مقصوده، فإن قال (١): الحكم ثابت في نفس الأمر أو ثابتٌ على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيس عليه. قيل له: إنما ينفعك القياسُ على أيهما كان إذا كان القياس يفيدك على كل واحدٍ من التقديرين، أعني تحققَ الحكم في نفس الأمر وتحقُّقه على ذلك التقدير، لأنه لو كان متحققًا على ذلك التقدير ولم يكن متحققًا في نفس الأمر، أو كان متحققًا في نفس الأمر ولم يكن متحققًا على التقدير= لم ينفعْك القياس على أحدهما غير معيَّن، لأنه حينئذٍ يجوز أن يكون الحكم متحققًا، ويجوز أن يكونَ غير متحقق، والقياسُ على حكم متردّدٍ بين التحقق وعدمِه غيرُ جائز، لأن العلم بثبوت حكم الأصل المقيس عليه أول شروط صحة القياس، وإذا اشترط في القياس على أحدهما تحققُه للحكم على التقديرين، فالخصم المعترض قد منعه الحكم على التقدير، وإن كان مسلِّمًا له الحكم في نفس الأمر لم يدلّ على ثبوته على ذلك التقدير إلّا بالدليل الأول الذي قد عارضه المعترض وأخذ هو يعارض المعترض بما لا يتم إلّا بالدليل الأول، وذلك غير جائز، كما تقدم مثلُ ذلك. وهذا اعتراض قادح ليس عنه جواب محقَّقٌ، لأن غاية ما يقول: الحكم ثابت في نفس الأمر أو على التقدير، فأقيسُ حكم الأصل عليه. فيقال له: لا نسلِّم أنه ثابت على التقدير، وثبوته في نفس الأمر لا ينفعك

стр. 213

إذا منعتُك ثبوتَه على التقدير الذي قِسْتَ عليه، وأنا قد بينتُ أنه تقدير غير واقع، فتكون قد قستَ على تقدير غير واقع، فلا يكون الحكم ثابتًا على تقدير غير واقع، فلا ينفعك ثبوته في نفس الأمر حينئذٍ. فتبيَّن بهذا أن أصل التقدير وإن كان غيرَ واقعٍ مقبولٌ على ما بيَّناه، لكن إذا قُبِل فالسؤال الوارد عليه من جنسه جيّد، والتفصِّي عنه غير مستقيم، بل السؤال يَقدح في ذلك التقدير. قال المصنف (١): (على أن الأصل لا يكون راجحًا، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحان مختصًّا بالأصل، على معنى أنه يكون راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا، بخلافِ كلّ واحدٍ منهما، ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل، لأن الغير راجح أو هو غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا) (٢). هذا جوابٌ ثانٍ من المستدل للمعترض عما قرَّره من أن الحكم في الأصل لا يُضاف [ق ٧٩] إلى المشترك، لما فيه من الرجحان على الفرع، ومعناه أنه لو كان الأصل راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، بمعنى أنه راجحٌ على صورة الفرع وراجحٌ على صورة النقض، وهو الحُلِيُّ وثياب البِذْلة مثلًا. أما رجحانُه على صورة النقض فبالاتفاق، وأما رجحانه على الفرع فلأن التقدير ذلك هو تقدير رجحانِه على الفرع، فعُلِمَ أنه لو كان راجحًا على الغير الذي هو الفرع والذي هو صورة النقض بخلاف كلّ واحدٍ منهما فإنه

стр. 214

غير راجح، فإن الفرع على هذا التقدير لا يكون راجحًا على الأصل ولا على صورة النقض، لمساواة صورة النقض في العدم، وكذلك موضع النقض لا يكون راجحًا على الأصل بالضرورة، ولا على الفرع لاستوائهما في عدم الحكم، فثبتَ أنه هو الراجح دون كلّ منهما، ولا معنى للاختصاص إلّا الانفراد بالشيء وانقطاع الشركة. وقول المصنف «فرعًا ونقضًا» ليس بجيّد في العربية، لأن النقض ليس هو الحكم ولا محل الحكم، وإنما هو التخلف، وذلك معنى لا يترجح عليه، بخلاف الفرع. وإنما حقه أن يقول: راجح على الغير فرعًا وصورةَ نقضٍ، على أن النصب في «فرع ونقض» ليس في فصيح الكلام، وإنما يثبت بنوع تكلف، [و] لو كان المصنف ممن يجري في كلامه على سنن العربية لتكلَّفنا له وجهًا، وإنما ألحقناه بنظائره. ثم قال: واللازم منتفٍ فإن الرجحان ليس بمختصّ بالأصل، لأن الغير راجح، والأصل غير راجح، وإذا كان الغير راجحًا والأصل غير راجح على الأصل لم يكن الرجحان مختصًّا به. وإنما قلت: الغير راجح والأصل غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا. واعلم أن المستدلّ متى أقام دليلًا صحيحًا على رجحان الغير الذي هو الفرع أو الذي هو أحد الأمرين ــ إما الفرع أو صورة النقض ــ أو على رجحان صورة النقض على الأصل بتقدير رجحان الأصل على الفرع أو على عدم رجحان الأصل= فقد أقام دليلًا على المساواة بينه وبين الفرع أو برجحان الفرع عليه، وذلك يُبطِل ما ادعاه المعترض من إضافة الحكم إلى المختص، ويُحقق ما ادعاه المستدلّ من إضافة الحكم إلى المشترك،

стр. 215

وذلك دخول في فقه المسألة، ولم يذكره المصنّف، لأنه يحتاج إلى بحث عن مادة المسألة ومأخذها، بأن يقول المستدلّ: ليس المضروب راجحًا على الحُليِّ، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، وليس مختصًّا به، لأن الغير الذي هو الفرع راجح بأن الحليّ فضل هو [ق ٨٠] مستغنًى عنه، إذ ليس هو من الحاجات الأصلية، بخلاف المضروب، فإنه قد يكون معدًّا للنفقة مظنّة الحاجة إليها. أو يقول: ليس المضروب راجحًا، لأن الزكاة إنما وجبت باعتبار حقيقة النقدين، لا باعتبار صيغهما وصورهما، فيجب في جميع أنواعهما، كالربا الواجب فيهما، فإنه لا يختلف باختلاف صورهما. وإذا كان الموجب للزكاة هو الحقيقة الذهبية أو الفضية، وتلك لا تختلف ولا تتفاضل، فلا رجحان للمضروب على التِّبر. أو يقول: المناسبة دلَّت على المساواة بين الأصل والفرع، وما دلَّ على المساواة دلَّ على عدم الرجحان. ونحو ذلك من الكلام الذي هو بحث عن المآخذ الحكمية والمدارك العلمية من المناسبات والتأثيرات ودلالات النصوص. واعلم أن قوله: «لا يكون راجحًا إذ لو كان (١) راجحًا لكان راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا»، ثم قال: «ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل» يدلُّ ظاهره على أنه لا يختصّ بالرجحان عن الفرع وصورة النقض. أما كونه لا يختص عن الفرع فهذا نفس موجب الدليل، فلا كلام فيه. وأما كونه لا
следующие страницы →