أعني من عدم عِلِّيَّة (١) المشترك، ووجود مانعيَّة المشترك، فقد خلا الأصل والفرعُ من تحقُّق عدم عِلِّيَّة المشترك للوجوب، ومنع المشترك للوجوب، فتجبُ الزكاةُ في الحِلْية الجوهرية بالمقتضي لوجوبها من النصِّ والقياس ونحوهما، السالم عن المعارِضَيْن القطعيَّيْن؛ وهو معارضةُ تحقُّق عدم كون المشترك علة، وتحققُ كون المشترك مانعًا، بالتفسير الذي ذكرناه، ومضمون العدم هو معارِضٌ قطعيٌّ للعلة الموجبة وللحكم= لعَارَضَ ذلك بما يوجب الزكاة.
هذا تفسيرُ كلامه، وسيتضح في حَلِّه بيانُ فسادِه والاعتراضِ عليه، وذلك من وجوه:
أحدها: قوله: «العدم في اللآلئ والجواهر يدل على أن المشترك بين الوجوبَيْن ليس بعلة، أو أن المشترك بين العدَمَيْن مانع».
قلنا: لا نُسَلِّمِ، ولم يذكر على ذلك دليلًا سوى قوله: «بالمقتضي السالم عن المعارضَيْن».
قلنا: لا نُسَلِّم وجودَ المقتضي على هذا التقدير، ولم يذكر [ق ١٦١] على وجوده دليلًا فنتكلَّم عليه، ولا يحتاج أن يمنع الوجوب كما منع السائل بالمانع، بل يمنع الوجوبَ، ويمنع وجودَ مُقْتضيه حتى يثبتَه.
وإن قال: المقتضي واقع في الواقع، فيجب أن يكون واقعًا على هذا التقدير بـ?ستصحاب الواقع.
يقال له: واقع على كلِّ تقدير، أو على تقدير واقع؟ فإن ادَّعى الأول؛
стр. 352
فهو باطل بالضرورة والإجماع، وإن ادعى الثاني؛ قيل: لا نُسَلِّم أن التقديرَ الذي ذكرتَه واقعٌ (١)، لأنه تقدير أن ليس له علة لعدم الحكم، أو أنه مانع من ثبوت الحكم، وتقديرُ عدم عِلِّيَّته أو مانعيَّته لا نُسَلِّم أنه واقع؛ لأن المشترك عندنا لا تأثير له وجودًا ولا عدمًا، ولا يمكنُه بيانُ كونِ التقدير واقعًا إلا ببيان تأثير المشترك، وحينئذٍ يكون ذلك دليلًا مستقِلًّا، فيُسْتَغْنَى به عن هذا الكلام.
هذا هو المنعُ المحقَّق، وإن شئتَ قلت: لا نُسَلِّم أن المقتضي واقع في الواقع، ولا دليل له على ذلك، بل الدليلُ على عدمه، وذلك لأن المراد به ما يقتضي وجوبَ الزكاة في اللآلئ والجواهر؛ لأنه إن عَنَى بالمقتضي: النصوصَ العامةَ، فقد علم عدم إرادة اللآلئ والجواهر منها، فلا تكون مُقْتَضية، وإن عَنَى به نوعَ قياسٍ فيه مناسبة أو نحو ذلك إبطال (٢) ذلك بطريقه، فإنَّه من المحال أن يقومَ دليلٌ شرعيٌّ على وجوب الزكاة في اللآلئ والجواهر في الواقع.
وإن قال: إنما هو مقتضٍ على هذا التقدير، وهو تقدير كون المشترك لا يدلُّ على منع الزكاة.
قال له المعترِضُ: ولا أُسَلِّم أن شيئًا من الأدلة مقتضٍ على هذا التقدير؛ لأن هذا التقدير واقع عندي، فإن المشترك لا أثر له في مَنْع الزكاة، وإنما امتنعت الزكاةُ في الحلية من الجواهر لمعنًى اختصَّ بها. وإذا كان هذا التقديرُ واقعًا امتنع أن يقوم المقتضي للوجوب على تقدير عدم اختصاص الحِلْية بما يمنع الوجوب، بل الواقعُ أحدُ الشيئين؛ إما عدم المقتضي
стр. 353
للوجوب في الحلية، أو اختصاصها بالمانع، فيمكن أن ينازع في هذا المقام في عدم المقتضي. أو يقال: أحد الأمرين واقع: عدم المقتضي للوجوب في الحلية الجوهرية، أو مانع مختصٌّ بها، فإن كان الواقع عدم المقتضي بطل قولُه بتحقُّق الوجوب فيهما بالمقتضي، وإن كان الواقع مانعًا مختصًّا بها بطل قوله: «العدمُ في اللآلئ يدلُّ على أن المشترك ليس بعلة (١) [ق ١٦٢] الوجوب، أو هو مانع من الوجوب»؛ لأن المانع إذا اختصَّ بالحلية الجوهرية، لم يكن للمشترك بانفراده أثر في عدم الاقتضاء، أو اقتضاء العدم، بل يكون الحكم مضافًا إلى المختص.
فإذا قال المعترِض: لا أُسَلَّم أن المقتضي واقع في الواقع؛ لأن الواقع في الواقع واقع؛ مِن جملةِ الأمور التي هي واقعة حتى يجب العمل به على تقدير نفي تأثير المشترك.
الوجه الثاني: لا نُسَلِّم قيامَ المقتضي في الحِلْية؛ لأنه لو كان قائمًا لزم التعارضُ بينَه وبين المانع منها، بل لزم ترك العمل به؛ للإجماع على عدم الوجوب فيها. على عدم المقتضي لم يلزم التعارض المذكور، فيكون أولى، وطرده الحُلي لمَّا قام المقتضي للوجوب فيه ثبتَ الوجوب؛ لئلا يلزم ترك العمل بالدليل.
وهذا الكلام في غايةِ الحُسْن من جانب المعترض، وهو يقطع دابر المستدلِّ؛ لأن المعترض يقول: أنا عملتُ بالمقتضي في الحُليِّ (٢) من غير معارضةٍ بمانع، وقد عملتُ بعدم المقتضي في الحِلْية من غير إثباتٍ لمقتضٍ
стр. 354
مستلزمٍ تركَ العمل به لمانع، فقد احتَرزْتُ عن محذورَيْن كلاهما خلاف الأصل، وأنت التزمتَ مخالفةَ الأصل؛ لأنك ادَّعيتَ أن المشترك مؤثِّر في عدم الوجوب، وقد ادَّعيتَ قيامَ المقتضي للوجوب، فقد تعارض في دليلكَ ما يقتضي الوجوب وما ينفيه، والتعارضُ على خلاف الأصل.
أو يقول: لا يخلو إما أن يكون المقتضي للوجوب فيهما قائمًا (١)، أو غير قائم، فإن لم يكن قائمًا بطل دليلُكَ وقولُكَ بتحقُّقِ الوجوب فيهما بالمقتضي، وإن كان قائمًا قال: فإما أن تعمل به وهو خلاف الإجماع في الأصل، وخلاف قولك في الفرع، وعلى التقديرَيْن بطل مذهبُك.
وإما أن لا تعمل به، فقد التزمتَ تَرْك المقتضي، وتركُ الأدلَّةِ على خلافِ الأصل، وليس في التعارض محذورٌ (٢) أشدّ من الترك.
فلئن قال: هذا التعارض موجود في الأصل، فكذلك في الفرع.
قيل: لا نُسَلِّم وجودَ المقتضي في الأصل كما ذكرناه، وعلى تقدير التسليم فلا يلزم من ترك العمل بالدليل في موضعٍ تَرْكُ العمل به في موضع آخر، إلا أن تُبَيِّن أنه مثله، وأنتَ لم تُبَيِّن أنه مثله بهذا الدليل. وهذا الدليل إنما يتمُّ إذا ثبت أنه مثله، فصرتَ محتجًّا على الشيء بما لا يتمُّ إلا ببيان الشيء، وهذه مصادرةٌ على المطلوب، وكثيرًا ما يَسْتَعْمِلها هذا الجدليُّ في أغالِيْطِه، بل كثيرٌ من الأغاليط إنما ترْوْجُ بها، فإنه يُغَيِّر العبارة، ويُكَثِّر الأقسام، ويُطِيْل المقدِّمات، ويجعلُ الشيءَ مقدمةً في إثبات [ق ١٦٣] نفسه
стр. 355
من حيث لا يشعر الغبيّ، فافطن (١) لهذا المعنى.
الثالث: أن يقال: المقتضي للوجوب في الأصل؛ إما أن يكون ثابتًا، فهو مدفوعٌ بالمانع بالإجماع، وذلك المانع إما المشترك أو غيره، فلِمَ قلتَ: إنه المشترك دون غيره؟ فإنَّ عدمَ الحكم في الأصل يدلُّ على عدم موجِبه، أو وجود مانعه، فإنه إذا لم يتحقق أحدُهما، تحقَّقَ الموجبُ السالمُ عن المعارِض فيعملُ عملَه. هذا هو الذي يدلُّ عليه عدمُ الحكم، فلِمَ تحكَّمْتَ بتعيين كون ذلك المؤثِّر في عدم الحكم هو المشترك، دون غيرِه من غيرِ دليل؟
وهذا كمن قال: زيدٌ جائعٌ، فإن لم يأكل هذا الرغيفَ يموت؛ لوجود الجوع المقتضي.
فيقال له: الجوعُ يندفع بما يسدُّ الرَّمَقَ من هذا الرغيف أو غيره. فَلِمَ خصَّصْتَ الحكمَ مع أن المقتضي لا اختصاص له؟ ونحو ذلك من كلِّ أمرٍ يدلُّ على موجَب مُجْمَل.
ولو ادَّعى مدَّع (٢) أنَّ المؤثِّر في عدم الحكم هو ما يختص بالأصل، أو مشترك (٣) آخر بينَه وبينَ فرع آخر= لم يكن بينك وبينه فرقٌ إلّا التحكُّم. وذلك: أنَّ كلَّ تقدير ينشأ منه ثبوتُ مقتضٍ أو عدمُه، أو انتفاءُ مانعٍ، فلا يُقْبل من أحدٍ تعيين المقتضي أو المانع إلّا بدليل. وتقديرُ عدم الوجوب في
стр. 356
الأصل ينشأ منه ذلك.
وقد عيَّنت المشتركَ عدمَ مقتض أو وجودَ مانع بغير دليل، فلا يُقْبل منك ذلك. أن (١) يقال: الوجوب في كذا يقتضي الوجوب في كذا؛ لأنه يقتضي كون المشترك علة، إذ لو لم يكن علة للزم انتفاء الحكم عن الأصل؛ لقيام النافي السالم عن معارضة عِلِّيَّته وتثبيت (٢) موجبيَّتِه، ومعلوم أن هذا فاسد بالبديهة.
الرابع: أن هذا الكلام معارَضٌ بمثله، وهو أن يُقال: العدم في الحلية الجوهرية يدلُّ على أن ما اختصَّت به الحلية لا يكون عِلَّة لوجوب الزكاة، أو هو مانع من وجوب الزكاة، فإنه إذا لم يتحقَّق أحدهما ــ وهو كون المختص ليس بعلة للوجوب، أو هو مانع للوجوب ــ تحقَّقَ الوجوبُ بالمقتضي (٣) له السالم عن المعارضتين، فتقف الدلالة.
وهذا التعارض إنما نشأ لأنَّ عدمَ الوجوب في الأصل لا يدلُّ على شيءٍ بعينه، لا على مشترك، ولا على مختصٍّ، فالاستدلال (٤) به على أحدهما كالاستدلال به على الآخر، وقد يُعارض بأشياءَ كثيرةٍ، مثل أن يُقال: عدمُ الوجوب يدلُّ على أن كونَه جوهرًا يؤثِّر في عدم الوجوب، أو يدل على أن المشترك بينها وبين البقر العوامل مؤثِّر في عدم الوجوب، أو تذكُرُ أيَّ شيءٍ (٥)
стр. 357
[ق ١٦٤] مِن كلِّ ما يؤثِّر في عدم الوجوب في موضع من المواضع إذا كان موجودًا فيها، وإذا عُلِم أن هذا القياس تَنْقاس به أمورٌ باطلة عُلِمَ أنه باطل.
الخامس: أن يقال: المقتضي يكفي سلامتُه عن هاتين المعارضتين، أم لا بد من سلامته عن جميع المعارضات؟ فإذا ادَّعيتَ الأول؛ فهو محالٌ، وإن ادَّعيت الثاني؛ فهو معارَض بما ينفي الحكم في الأصل على تقدير عدم تأثير المشترك، وهذا هو الجواب الذي حكاه عن المعترض، وأجاب عنه بأن هذا يلزم منه تعارض الأدلة. وجواب هذا الجواب أن يقال: التعارضُ هنا ثابتٌ بالإجماع كما مضى، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
السادس: قوله: «العدمُ في اللآلئ والجواهر يدلُّ على أن المشترك بين الوجوبَيْن لا يكون علة أصلًا، أو على أنَّ المشترك بين العدمين مانعٌ من الوجوب قطعًا».
قلنا: هب أنَّا سلَّمنا أنَّ عدم الوجوب في الدليل يدلُّ على أن المشترك بين الوجوبين لا يكون علة أصلًا، بل نحن نُسَلِّم ذلك، فأيُّ فائدةٍ في ذلك؟ وذلك أنَّ المشترك بين الوجوب في حكم (١) الحُلِيّ والحلية لا حقيقة له، إذ لا وجوب في الحلية حتى يكون بينه وبين وجوبٍ آخرَ مشترك. ولو سُلِّم أن فيها وجوبًا (٢) وقيل: المشترك بين الوجوبَيْن ــ أو قيل: المشترك بين الوجوبين المقدَّرين، أو اللذَين أحدهما محقق والآخر مقدَّر ــ ليس بعلة أصلًا.
стр. 358
قلنا: لا يلزم من عدم كونِ المشترك بين الوجوبَيْن علة (١)، عدمُ كون المشترك بين الصورتين علة؛ لأن الوجوبَيْن عند المدَّعي لا حقيقة لهما، فالمشترك بينهما أمرٌ عَدَميّ، فلا يلزمُ من عدمِ إيجابِ عدمِ الوجوبَيْن، عدمُ إيجابِ الحُكْمَين العَدَمِيَّيْنِ لأمرٍ وجوديّ، [أو] عدمُ إيجابِ الصُّورتين الوجوديَّتَين لأمرٍ وجوديّ.
أو يُقال: عدمُ الوجوب في الجوهر مستَنِدٌ إلى عدم علَّةِ الوجوب، أو علة عدم الوجوب، وهو دليل على هذا المستند دلالةَ المعلولِ على علته، والمشتركُ بين الوجوبَيْن جزءٌ من الوجوبَين، وذلك يمنع أن يكون علة للوجوب لذاته، فإنَّ جزءَ الشيءِ لا يكون علةً لوجوده، وإذا كان هذا ممتنعًا في نفسه لم يكن امتناعُه مدلولًا عليه بعدمِ الوجوب؛ لأن الدليل أن يفيدَ العلمُ به العلمَ بالمدلولِ، وهنا عدمُ كونِ المشترك بين الوجوبَين علةً أمرٌ ثابتٌ، لا يستفاد من عدم الوجوب.
وهذه مناقشةٌ لفظيَّةٌ؛ إذ كان حقُّه أن يقول: المشترك بين الصورتين [ق ١٦٥]، ومثل هذا يَرِدُ عليه في قوله: المشترك بين المقدِّمتَين، فإن العلة اقتضاءً ومنعًا لا تكون من نفس الوجوب وعدم الوجوب، وإنما تكونُ من نفسِ الصورتين وجودًا وعدمًا، وهذا ظاهر.
الوجه السابع: سَلَّمنا أن المشترك بين الوجوبَين (٢) لا يكون علةً، ولا يلزم من نفي عِلَّيَّة المشترك نفي عِلِّيَّة المختصّ بالأصل، والعلةُ عندنا هي المختصُّ بالأصل، وليس في نفي كون المشترك بين الوجوبَين علةً للوجوب
стр. 359
أو بين الصورتين فائدة أصلًا، فضمها إلى كون المشترك مانعًا كلام ضائع، فإنَّ الترديدَ إنما يكونُ إذا كان الحكمُ ثابتًا على التقديرين.
يوضِّح هذا: أن قولَه «بالمقتضي السالم عن المعارضتين» كلامٌ باطل، فإن المعارضة بِعَدم عِلِّيِّة المشترك لا تتأتَّى؛ لأن المقتضي إن كان قياسًا فلا بدَّ أن يكون المشترك عِلّة، فكيف يُعارِضُ الشيءُ نفسَه؟! وإن لم يكن قياسًا، كان عدمُ علِّيَّة المشترك نفيًا محضًا، والنفيُ المَحضُ ليس بدليلٍ يُعارضُ الأدلة القائمة.
قوله (١): (ولئن منعَ الوجوبَ بالمانع فنقول: المانعُ غير مُتحقِّق على ذلك التقدير، وإلا لوقعَ التعارضُ بين المقتضي والمانع إلى آخر ما مرَّ (٢) في التلازمُ (٣)».
معنى هذا: أنَّ المعترض إن قال: الوجوب على تقدير عدم تأثير المشترك منتفٍ بالمانع، قيل له: لا يكون المانعُ متحقِّقًا على ذلك التقدير، لئلا يلزم التعارض. وهذا المنع صحيحٌ من جهةِ المعترض، وليس الجوابُ عنه بسديد. وذلك: أن المعترِض يقول: لا أُسَلِّم الوجوبَ على تقدير تأثير المشترك، أعني: على تقدير أن لا يكون علة للوجوب فيهما، أو يكون مانعًا للوجوب بالمانع للوجوب، ولا يلزم من ذلك تعارض الأدلة؛ وذلك لأن التقدير غير واقع عندي، والأدلة لا تتعارض على تقدير غير واقع، ولا
стр. 360
لتعارُض (١) أدلة فسادِ العالم وأدلة صحته على تقدير الأدلة.
أو يقول: كون المانع إذا وقع تحقَّق (٢) [التعارض]، فيقع التعارض بين الأدلة على كلِّ تقدير، أو على كلِّ تقديرٍ واقع.
أما الأوَّل؛ فباطل بالضرورة.
وأما الثاني؛ فلا نسلِّمُ أنَّ المانع إذا [وقع] تحقَّق التعارضُ، إلا إذا سَلَّمنا وقوعَهما جميعًا، ونحن لا نسلِّم وقوعَ أحدهما، وهو قيام المقتضي مع تأثير المشترك؛ لأن تأثير المشترك غير واقع، أو لا نسلِّم أنه واقع، فلا يمكنه إثبات التعارض حتى (٣) يثبت وقوع ما ادَّعاه من الدليل، ولا يمكن وقوعه إلا بوقوع ما ذكره من تأثير المشترك، ولو أثبتَ ذلك استغنى عن هذا كلِّه.
ثم إنه إنما أثبتَ تأثيرَ [ق ١٦٦] المشترك بهذا الدليل، فإذا لم يَثْبُت إلا بعد تأثير المشترك كان مصادرةً على المدَّعَى.
جوابٌ ثانٍ: التعارضُ بين المانع والمقتضي هنا ثابت بالإجماع؛ لأن المانع واقع في الواقع لِمَا ذكرتُه، والمقتضي واقع في الواقع لِمَا ذكرتَه؛ لأن ذلك (٤) دليلك يتضمَّن ذكرَ كونه مقتضيًا على بعض التقادير، ولا يحتاج إلى السلامة عن المعارضة إلا المقتضي الواقع.
وإذا عرفت بقيام المقتضي على تقدير تأثير المشترك، وهذا التقدير واقعٌ
стр. 361
عندك، والمانع الذي ذكرتُه واقع في الواقع، فيجبُ أن يكون واقعًا على هذا التقدير الواقع عندك.
وأيضًا: فإن التعارضَ بينهما ثابتٌ في نفس الأمر بالإجماع، ولو لم يكونا واقِعَيْن على هذا التقدير لكان هذا التقدير باطلًا؛ لأنه يرفع الأمورَ الواقعة، وهذا هو التقدير الذي لا يضرُّ منعُه.
ومعناه أن تقول: إن ثبتَ تعارُضُهما على هذا التقدير، فهو أحد الأمرين المطلوبَيْن، وإن لم يثبت فإنَّ تعارضهما ثابتٌ في نفس الأمر، فيكونُ هذا التقديرُ واقعًا للأمور الواقعة، فيكونُ باطلًا، وإذا بطلَ بطلَ الدليلُ، وهو المطلوب.
جوابٌ ثالثٌ: وهو معارضتُه بمثِله، أن تقول: المانعُ للوجوب في الأصل قائم، فالمقتضي إما أن يكون موجودًا على هذا التقدير، أو غير (١) موجود، فإن لم يكن موجودًا اندفع الدليلُ، وإن قُدِّر وجودُه لزم تعارضُ الأدلةِ، وهو على خلاف الأصل.
جوابٌ رابعٌ: أن المانعَ قائم، فلا يجوز أن يكون المقتضي قائمًا على هذا التقدير، فإنه إذا دار الأمرُ بين كون المانع مانعًا على هذا التقدير، وبين كون المقتضي مقتضيًا= كان رعايةُ المانع أولى؛ لأن المانِعُ مانعٌ في نفس الأمر في الأصل بالإجماع، ولا في الفرع عندك، وثبوتُ مدلولِ أحدِ الدليلين عند التعارض يدلُّ على رجحانه، فعُلِمَ أن المانِعَ أقوى، فإذا اضطررنا ــ على هذا التقدير ــ إلى ثبوت أحدهما كان إثبات المانع أولى.
стр. 362
وهذه المعارضة من أحسنِ المعارضات ــ أيضًا ــ وأقطعها لدابر المبطل، فإن التقدير الذي فرضَه ــ وهو عدم تأثير المشترك في منع الزكاة ــ هو تقدير عدم مسألة النزاع بعينها، ثم ادَّعى قيامَ الموجب للزكاة في الحلية إن لم ينفها عن الحلي، فقابله الآخرُ بدعوى قيام النافي للزكاة في الحلية وإن لم ينفها عن الحلي، وهذه مقابلةُ دعوى بدعوى، فكيف تروغ من هذه المعارضة مراوغة الثعلب الأملس؟!
جوابٌ خامسٌ: أن يُقال [ق ١٦٧]: أنا وإن التزمت المعارضة بينَ المانع والمقتضي على ذلك التقدير، فأنتَ قد التزمتَ المعارضةَ بين تأثير المشترك النافي للزكاة، والمقتضي لوجوب الزكاة، فليس قبول إحدى المعارَضَتَين بأولى من قبول الأخرى، فإن رَدَدْناهما معًا بطل استدلالُك، وإن قبلناهما معًا بطل استدلالُك، وأما قبول إحداهما دون الأُخرى فتحكُّم!
قال المصنف (١): (أو نقول: العدم في اللآلئ والجواهر (٢) يدلُّ على أنَّ العدمَ متحقِّق فيهما، أو لا يكون المشترك بينهما علة للوجوب أصلًا، وإلا لوجبت ثَمَّة ولم (٣) تجب فيلزم أحدهما، ويلزم من لزوم أيهما كان عدم الوجوب هنا، أما إذا لزم الأول فظاهر، وأما إذا لزم الثاني فكذلك؛ لأنه لو وجب هنا لكان المشترك علة إما بالمناسبة أو بالدوران، فإن الوجوب حينئذٍ دار مع المشترك وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي هذه الصورة، وأما عدمًا ففي
стр. 363
صورة عدم المشترك).
قلتُ: حاصلُ هذا أنه يقول: عدم الحكم في الأصل يدلُّ على أحد أمرين، أو هو مستلزم لأحد أمرين؛ إما عدم الحكم في الأصل والفرع، وإما عدم كون المشترك بينهما علةً للوجوب أصلًا؛ لأنه لو لم يلزم العدم فيهما، أو عدم عِلِّية المشترك، لكان الحاصل إما وجود الحكم فيهما، أو وجود عِليَّة المشترك، وعلى التقديرَين يلزم الوجوب في الأصل، واللازم منتفٍ، فينتفي الملزوم، وهو وجود أحد الأمرين، فثبتَ عدمُ أحد الأمرين، وأيهما ثبت لزم الحكم؛ لأنه إن ثبت عدم الحكم فيهما فظاهر، وإن ثبتَ عدمُ عِلِّية المشترك لزم انتفاء الوجوب؛ لأن الوجوب لو حصل لأضيف إلى المشترك؛ لأن المشترك مناسب للوجوب؛ لما فيه من تحصيل مصلحة الإيجاب، أو بالدوران، وهو دوران الوجوب مع المشترك وجودًا في صورة وجود المشترك، وهي هذه الصورة، صورة الأصل، وعدمًا في صورة عدم المشترك، والدورانُ يدلُّ على أن المدارَ عِلَّةٌ للدائر.
هذا تقريرُ كلامِه ، وهو من أفسد الكلام؛ وطريقُ إظهار فسادِه بمَنْع كلِّ واحدةٍ من المقدِّمتين، فإن فسادها عند تحليلها ظاهر، وذلك من وجوه:
أحدها: لا نُسلِّم أنه لو لم يتحقَّق العدم فيهما، أو لم يكن المشترك علةً للوجوب لوجبت الزكاة في الأصل، وذلك لأن انتفاء تحقُّق العدم فيهما يكون تارةً بوجود الحُكم فيهما، وتارة بوجود الحكم في الأصل، وتارة بوجوده في الفرع؛ فإنه على كلِّ واحدٍ من [ق ١٦٨] هذه التقديرات لا يتحقَّقُ العدمُ فيهما لوجود الحكم في الأصل، فلا يلزم من انتفاء تحقق العدم فيهما الوجوب ثَمَّ، بل ينتفي تحقق العدم فيهما، ويحصل الوجوبُ في الأصل. فقد منعت المقدمة الأولى، وتبيَّن بطلان الدليل عليها.
стр. 364
الثاني: أن يقال: لا نسلِّم لو لزمَ عدمُ كون المشترك علَّة لزم عدم الحكم فيهما؛ لأن عدمَ عِلِّيَّة المشترك عدمُ عِلَّةِ وصفٍ مخصوصٍ، أو عدمُ علَّةٍ مخصوصةٍ؛ فإن المناسبة أو الدوران إنما يدل على أن المشتركَ علةٌ للوجوب بتقدير الوجوب، وذلك لا يمنع من ثبوتِ علةٍ أخرى في الفرع، فيكون من عدم المشترك عدم الإضافة إليه، ويلزمُ من عدمِ الإضافة إليه عدمُ الحكم في الفرع، أما عدم الحُكم في الأصل فلا يلزم.
أو يقول: لا يلزمُ من عدم المشترك عدم الحكم لا في الأصل، ولا في الفرع، وذلك أن العكسَ في العلل الشرعية غير واجب، فلا يلزم من عدم العلة المعيَّنَة عدم المعلول.
فإن قال: لأنَّ الأصل عدم علة الوجوب في الأصل، فإذا انتفى كون المشترك علة، فالأصل ينفي عدم الوجوب، وينفي عدم علَّةٍ أخرى لعدم الوجوب، وينفي علَّةً أخرى لعدم الوجوب، فليس دعوى وجود الحكم حينئذٍ لانتفاء علةٍ معيَّنَةٍ توجبُ العدم، بناءً على أنَّ الأصل عدم غيرها= بأولى من دعوى العدم بمقتضى الأصل، أو من دعوى كون الأصل عدمَ كونِ عدمِ المشترك علةَ عدمِ الوجوب، بل هذا أولى؛ لأن الأصل النافي ينفي الحكم بنفسه، وعدم المشترك إنما ينفيه بواسطة الأصل النافي، وإذا كان أحدُ الدليلَين متوقِّفًا على الآخر، والآخر ليس بمتوقف عليه= كان الغنيُّ عن غيره أولى؛ لأنَّ كلَّ ضعفٍ في الغنيّ موجود في المحتاج من غير عكس.
الثالث: أن يقال: لا نُسَلِّم أن المناسبة أو الدوران يدل على عِلِّية المشترك بتقدير الوجوب في الأصل، وذلك لأن هذا تقدير ممتنع، فجاز أن يلزمه حكم ممتنع كما في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:
стр. 365
٢٢] وليس عدمُ كون المناسبة والدوران عِلَّة بأكثر من الأمور الممتنعة، فلا يضر تحقُّقُ هذا العدم على تقديرٍ ممتنعٍ.
الرابع: أن يقال: لو سلَّمنا ثبوتَ الوجوب في الأصل لم يلزم كون المشترك عِلَّة؛ لأن الأحكامَ المتماثلة يجوز أن تُعَلَّل بعللٍ مختلفة، كالملك فإنه نوع يثبت بعللٍ من البيع والهبة والإرث، فيجوز أن يثبت الوجوب في الأصل بعلةٍ، وفي الفرع بأخرى، فلا يكون المشترك علة.
الخامس: [ق ١٦٩] المناسبةُ والدورانُ قد دلَّا على عدم عِلَّيَّةِ المشترك في الأصل مع النص والإجماع، فإنه لو كان علةً لثبتَ الوجوبُ في الأصل والفرع، وهذا خلاف الإجماع، فلا يجوز أن يدلَّا على كون المشترك علةً بتقدير الوجوب في الفرع؛ لأن الوجوبَ في الفرع إن كان واقعًا، لزم دلالة الدليل الواحد على النقيضين، وهو محال، وإن لم يكن واقعًا، فتقدير ما ليس بواقع لا يوجبُ تغييرَ الأدلة الشرعية عن موجباتها ومقتضياتها؛ لأن التقديرات الممتنعة، أو التقديرات التي لا حقيقة لها لو أوجبَت تغيير دلالة الأدلة، وانعكاس موجبها= لكانت الأمور العدمية، أو الأمور الممتنعة مغيِّرةً للأمور الوجودية، ومزيلةً لها عن صفاتها. فعُلِمَ أنَّ المناسبةَ والدوران اسم جنس، والدالُّ منه على عدم عِلِّية المشترك فردٌ من أفراده، والدالُّ منه على عِلِّية المشترك بتقدير الوجوب في الفرع فردٌ آخر، فلا يلزم أن يكون الدالُّ على النفي هو الدال على الإثبات على ذلك التقدير، ولا تغيير الأدلة.
فيقال: هذان الفردان إما أن يكونا (١) دليلين باعتبار ما بينهما من القدر المشترك، وهو كونهما مناسبة أو دورانًا، أو باعتبار ما اختصَّ به كلٌّ منهما.
стр. 366
فإن كان الأول؛ فقد لزمَ إبطالُ دلالةِ المناسبة والدوران بالتقديرات الممتنعة، وإن كان الثاني؛ فالدليل إذًا مركَّب من مسمَّى المناسبة والدوران ومن خَصِيْصة أخرى، وهو خلاف ما ذكره المستدلُّ.
قوله (١): (أو نقول: لو وَجَبت لكانت العلةُ محقَّقة (٢) لا محالة، وغير المشترك ليس بعلَّة؛ لأنه غير ثابت، أو غير علة بالأصل).
هذا الكلامُ أقرب مما تقدَّم. ومعناه أنه يقول: لو وَجَبت الزكاةُ في الحلي لكان للوجوب علة، فإما أن تكون العلة ما بَيْنَه وبين الحلية الجوهرية من المشترك، أو غير ذلك، والثاني معدوم بالأصل النافي لوجوده أوَّلًا، وبالأصل النافي لعِلِّيَّتِهِ ثانيًا (٣)، فإن الأصلَ عدمُ ثبوته، والأصل بعد ثبوته عدم كونه علة، وإذا دلَّ الأصلُ على عدم ما سوى المشترك تعيَّن كونُ المشترك علة، ولو كان المشترك علةً للزم الوجوب في الصورتَين، والثاني باطل فالمقدم (٤) مثله.
وهو كلام فاسدٌ أيضًا من وجوه:
أحدهما: لا نسلِّم أنه لو وَجَبت لكانت العلة محققة؛ لأن الأحكام منقسمة إلى ما يُعَلَّل وما لا يُعَلّل، والمُعَلَّل في نفس الأمر منقسم إلى ما تعقل عِلّته، وإلى ما لا تعقل عِلّته، فلِمَ قلتَ: إنَّ هذا من الأحكام المعلَّلة المعقولة علَّتُها؟
стр. 367
ولكن جواب هذا أن يقال: الأصل في الأحكام [ق ١٧٠] أنها معللة، والأصل فيها كون عِلَلِها معقولة، ولولا تسليم هذين الأصلين لم يصح ادَّعاء علة مستنبطةٍ بمناسبةٍ ولا دوران.
الثاني: أن يقال: قولك: «غيرُ المشترك ليس بعلة؛ لأنه غير ثابت»، ليس بصحيح، فإنَّا نعلم بالاضطرار [أن] هناك صفات موجودة في الحُلي غير المشترك بينه وبين الحِلْية، مِن كونه ذهبًا أو فضة، [و] من كونه من جنس النقدين، ومن كونه في الأصل مُعَدًّا للثَّمنيَّة. والأصلُ النافي إنِّما نحتجُّ به فيما لم يُعْلَم وجوده، أما ما عُلِم وجودُه بالضرورة فلا يجوز نفيُه بالأصل النافي.
فيقال: الأصلُ النافي ينفي كون المشترك علة، كما ينفي كون غير المشترك علة؛ إذ لا فرق في اقتضائه النفي بين المشترك والمميز، فإما أن يَعْمل به فيهما، أو يتركه فيهما، أما استعمالُه في أحدهما دون الآخر فيحتاج إلى مفرق بين الموضعين، وحينئذٍ يحتاج إلى البحث الفقهي عن الجوامع والفوارق بين الحُلي والحِلْية، أو يقال: من رأس (١) الأصل النافي؛ إذ لا فرق بين الموضِعَين.
الوجه الثالث: أن يقال: لا نُسَلِّم أن الأصل عدم كون غير المشترك علة لذلك؛ لأن العلة في الحقيقة هي علم الله سبحانه بما اشتمل عليه الحكم من المصالح، فيجوز أن يكون الله سبحانه قد علم أن المشترك هو المشتمل على تمام المصلحة، ويجوز أن يكون قد علم أن المشترك والمميز تمام المصلحة.
стр. 368
ولا يقال: الأصلُ عدم هذا العلم؛ لأن القديم لا يجوز نفيه، وإنما يجوز نفي ما عُلِم أنه ليس بقديم؛ لأنه كان في الأزل معدومًا، والأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان.
فأما القديم فلم يكن معدومًا قطُّ حتى يُسْتصحبَ عدمه، إلا أن يقال: الأصلُ عدمُ علمنا بكونه عِلة، ونحن مُتَعَبَّدون بما علمنا دون ما لم نعلمه، وتجويز أن يكون في نفس الأمر علةً لم نعلمها، لا (١) يَمْنَعُنا أن نضيف الحكم إلى ما ظهر لنا، لكن يَمْنَعُنا من القطع واليقين، ونحن إنَّما ندَّعي الظنَّ، وهو حاصل، فهذا قد يتسمَّى.
الوجه الرابع: الوجوب في الحُلِيّ إما أن يكون واقعًا أو غير واقع، فإن كان واقعًا بطل استدلال المستدلِّ؛ لأنه يستدلُّ على عدم وقوعه، والاستدلالُ على عدم وقوع الواقع باطل، وإن لم يكن واقعًا فالأصل النافي يقتضي عدم وقوعه، ويلزم من ذلك عدم علةٍ للوقوع سواء فرضت القدرَ المشترك، أو القدر المختص، إذ لو كانت للوقوع علة للزم الوقوع، والتقديرُ خلافُه، وحينئذٍ فلا يصح الاستدلال بالأصل [ق ١٧١] النافي على عدم عِلِّيَّة بعض الأمور الموجودة في الأصل، وهي المشتركة دون المختصَّة؛ لأن ذلك مستلزم لِعِلِّيِّة البعض دون البعض، وهو خلاف موجِب الدليل، بل وهو خلاف الواقع، فعُلِم أن الاستدلالَ على عِلَّية المشترك دون المختصّ بالأصل بالنافي لا يصح على التقديرين.
الخامس: أن الوجوبَ في الحُلِيّ إن كان واقعًا فلا يصح الدلالة على
стр. 369
عدمه، وإن لم يكن واقعًا امتنع أن يكون هناك ما يدلُّ على عِلِّيةِ (١) المشترك؛ لأنه يلزم من عِلِّية المشترك ثبوت الحكم في الأصل والفرع، وهو خلاف الواقع فيهما (٢)؛ لأنَّا نتكلَّم على ذلك التقدير، وهو خلاف الإجماع في الأصل، وإذا لم يكن المشترك عِلَّة فالاستدلال بالأصل النافي إن لم يُفِد (٣) عِلَّيةَ المشترك فلا منفعة فيه، وإن أفادها فهو باطل لما ذكرناه.
السادس: ــ وفيه كشفُ سِرِّ هذا التغليط ــ أن يُقال: لا نُسلِّم أن غير المشترك ليس بعلَّةٍ بالأصل، وذلك لأنَّا نتكلَّم على تقدير وجوب الزكاة في الحلي؛ لأنك قلتَ: لو وَجَبت الزكاةُ فيه لكانت العِلَّة محققة لا محالة، وإذا كُنَّا نتكَلَّم على هذا التقدير فالأصل النافي المنتفي، إما هو منتفٍ في نفس الأمر، والمنتفي في نفس الأمر منتفٍ على كلِّ تقدير واقع؛ إذ الانتفاءُ الواقع لا يرفع الأمورَ الواقعة، ولا يلزم أن يكون منتفيًا على كلِّ تقدير، سواء كان واقعًا أو غير واقع؛ لأن من التقديرات تقديرات وجوده أو (٤) أسباب وجوده لا يجوز أن يكون منتفيًا على هذا التقدير. وحينئذٍ فالوجوب في الحلي إن كان واقعًا بطل الاستدلال من أصله، وإن لم يكن واقعًا كان الاستدلالُ على انتفاءِ شيء على تقدير غير واقع، والأصل النافي لا يدل على انتفاء الأشياء على التقديرات غير الواقعة، ولا يدل على انتفاء الأشياء على كل تقديرٍ غير واقع، لجواز أن يكون ذلك التقدير موجبًا لوجود المنتفي بالأصل، فلا يصحّ
стр. 370
نفيه بالأصل حينئذٍ؛ لتردد الأصل بين أن يكون دليلًا أو لا يكون، حتى يتبيَّن أنَّ ذلك التقدير ليس بموجب لثبوت ما دلَّ الأصل على عدمه، ولا يمكن ذلك هنا؛ لأن ذلك التقدير يوجب ثبوتَ علَّةٍ يجوز أن تكون هي المشترك، ويجوز أن تكون هي المشترك والمختصّ، ويجوز أن تكون هي المختصّ (١)، ويجوز أن تكون مركَّبة من المشترك والمختص، ويجوز أن تكون بعض المشترك، ويجوز أن [ق ١٧٢] تكون بعض المختص.
فإذا كان التقديرُ يوجبُ بعضَ هذه الأمور لم يَجُز تعيينُ واحدٍ منها بالنفي بالأصل، دون الآخر؛ لأن ذلك تحكُّمٌ يقابَلُ بمثِله، وترجيحٌ من غير مرجِّح، وهو غير جائز.
السابع: أن يُعارض فيقال: لو وجبت الزكاةُ لكانت العلة محقَّقَة، ولكانت هي المختصّ بالحليِّ من كونه مالًا ناميًا، أو من جنسِ النقدين؛ لأن هذه علَّةٌ منصوصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وبقوله ﷺ : «ما مِن صاحِب ذهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤدِّي زَكَاتَها ... » (٢) الحديث.
أو يقال: لا يجوز أن يكون المشترك علَّةً؛ لأن المشترك كونُه متحلٍّى به، وهذا المعنى لا يصلح أن يضافَ إليه الوجوب، بل إضافة الوجوب إليه تعليق على العلة ضدَّ مقتضاها؛ لأن التحلِّي به هو استعمال له في أمرٍ مباح، وذلك بكونه مانعًا من الوجوب أشبه منه بكونه مقتضيًا.
стр. 371
أو يقال: لو وَجَبت الزكاةُ لكان المختصّ علةً للوجوب؛ لأن العلةَ محقَّقَة، وغير المختصِّ ليس بثابت، أو ليس بعلة بالأصل، وهذه معارَضَات يبطل بأحدِها كلامُ المستدل.
ثم تقريرها أظهر من تقرير كلام المستدل، فإن إيماءَ النص والمناسبة والدوران يدل على عِلِّية المختص على هذا التقدير، وما ذكره في تقرير عِلِّية المشترك على تقدير الوجوب، فإنه يعارَض بما يدلُّ على عِلِّية (١) المختص بمثل كلامه، والنوعُ الواحدُ من الأدلة إذا استلزم النقيضين عُلِمَ أنه باطل.
قال (٢): (أو يقال (٣): إباحةُ التَّرْك متحقِّقة في تلك الصورة، فكذا في المتنازع فيه، كما في القياس الوجوديِّ، ويلزمُ منه العدمُ هنا).
يقول: إباحةُ تَرْك أداء الزكاة متحقِّقَة في الحلية الجوهرية، فكذا في الحِلية الثمنيَّة، كما في القياس الوجودي، وهو: القياسُ بجامعٍ ما يشتركان فيه (٤)، وبيان عِلِّية المشترك بالمناسبة، وهو أن كونه متحلًّى به أو مستحلًّا لاستعمال مباح مناسبٌ (٥) لإباحة ترك زكاته؛ لكون الزكاة فيه تخلُّ بهذا الأمر المباح، وقد شهد لهذا المناسب بالاعتبار الأصلُ المذكورُ، وهو الحلية الجوهرية، وعُدِما في المضروب، فيكون المدار عِلَّة للدائر، وإذا ثبتَ إباحةُ ترك أداءِ الزكاة لزمَ منه عدم الوجوب في الحليّ، وهو المُدَّعَى.
стр. 372
واعلم أنَّ هذا الكلام أجودُ مما قبله؛ لكن لا يتمُّ إلا بذكرِ فقهِ المسألةِ، وبيانِ الجوامع والفوارق، وما اعتبره الشرع بإيماءِ [ق ١٧٣] النصوص، أو بشهادة الأصول مما ألغاه، وحينئذٍ تكونُ مناظرة فقهيَّة، ومجادلة علمية، فيختلف بحسب الموادِّ التي لكلِّ مسألة مسألةٍ على انفرادها.
وإذا ابْتُدِيَت (١) المآخِذُ العلميَّةُ أمكن المستدلَّ أن يقرِّرَها بصورٍ شتَّى، مثل أن يقول: عدمُ الزكاةِ في الحِلْية الجوهرية إنما كان لكونها مالًا معدولًا به عن جهة الاستنماء، أو مالًا مُعدًّا لاستعمالٍ مباح، بشهادة المناسبة والدوران، وهذا الوصف مشترك بينها وبين الحلية النقدية، فيلزم انتفاء الوجوب فيها.
أمَّا دعوى كون عدم الوجوب في الأصل يدلُّ على عدم عِلِّيَّة المشترك، أو على عدم الوجوب في الفرع بالأدلة العامة التي ادّعاها الجدليُّ= فكلام باطل كما تقدم.
واعلم أنه إن أُثْبتت عِلِّية المشترك بين الإباحتين بالأدلة العامة التي تنفي الزكاة، وهي كونها خَرزًا ونحو ذلك، وبكونه سالمًا عن معارضة الوجوب في الأصل= فهي من جنس الكلام الأول، والاعتراضُ على هذا النظم الخاص أن يُعترض على القياس الوجودي الذي يذكره هنا بمثل ما اعترض به على القياس الوجودي الذي تقدَّم في إيجاب الزكاة في الحلي، سواءٌ كان الاستدلال على عِلِّية المشترك عامًّا أو خاصًّا كما تقدم.
* * * *
стр. 373
(فصلٌ في تَوْجِيْه النُّقُوض) (١)
اعلم أن النقض في باب القياس هو: وجود الوصف المدَّعَى علةً بدون الحكم، فيقال (٢): قد انتقضت العلةُ، وهو خلاف انبرامها وانتظامها واطرادها؛ لأن اطرادها جريانها في معلولاتها بحيث تكون [إذا] وُجِدت وُجِد الحكم، كما يقال: البيعُ الصحيحُ موجِبٌ لانتقال الملك إلى المشتري، والقتلُ العَمْدُ العدوان المحض للمكافئ موجبٌ لثبوت القَوَد، فإذا تخلَّف الحكمُ عن وصفٍ فقد انتقض، كما ينتقض السلك بذهاب بعض حبَّاته، وكما ينتقض البناء بذهابِ بعضِ أركانه، وكما تنتقض الدُّوَل بذهاب بعض أركانها.
فالنقضُ ضدُّ الإبرام، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، وقوله [ق ١٧٤]:
стр. 374
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (١) [الرعد: ٢٠].
ومثله النَّكْث؛ لأن العهود والعقود إنما تتم بإبرامها والوفاء بها، فإذا قُسِّمت فقد انتقضت وانتكثت.
والنقضُ يَردُ على الحدود، وعلى الأدلة، وعلى الشروط، وعلى العلل، وعلى كلِّ قضيّة كلية.
وقد اختلفَ الناسُ قديمًا وحديثًا في العلة إذا انتقضت، هل يكون ذلك دليلًا على فسادها (٢)؟ مثل أن يقال: القتل العمد موجِبٌ للقَوَد، فيُقال: ينتقض بقتل غير المكافئ.
أو يقال: مِلْك النصاب النامي موجبٌ لوجوب الزكاة، فيقال: ينتقض بملك المدين، أو ملك الحلي، أو ملك الصبي والمجنون، ونحو ذلك مما يُسَلِّمه (٣).
أو يقال: الموتُ علة لنجاسة الميت، فيقال: ينتقض بما لا نفسَ له سائلة، وبموت الآدمي ــ إن سَلَّم ذلك ـ.
أو يقال: سفح الدماء موجب لطهارةِ (٤) الجلد، فيقال: ينتقِضُ بذبح
стр. 375
المجوسيِّ والمرتدِّ والمُحْرِم الصيدَ، وبالذكاة في غير المحلِّ المشروع.
وتسمَّى هذه المسألة: مسألة تخصيص العلة. فأطلقَ أكثرُ المالكية والشافعية والحنبلية وبعضُ الحنفية القولَ بأن العلة لا يجوز تخصيصُها، وأنَّ تخصيصَها ونقضَها دليلٌ على أنها ليست بعلَّةٍ تامَّة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد (١).
ثم اختلفَ هؤلاء في العلة المنصوصة على وجهين:
أحدهما: أنه يجوز تخصيصُها، فلا يكون انتقاضها دليلًا على فسادها، كتخصيص الصِّيَغ العامة.
والثاني: أنه لا يجوز تخصيصُها، وهي [إن] تخصَّصت عُلِم أن المذكور في لفظ الشارع إنما هو بعضُ العلة، وتمامها وصفٌ يُخْرج صورةَ النقض، وهذا قولُ محقِّقِيهم.
وأطلقَ أكثرُ الحنفية وبعضُ الطوائف الثلاث: أنه يجوز تخصيصُها وأنَّ انتقاضها لا يُفْسِدُها، إذا (٢) قام الدليل على صحتها، وذكروه رواية عن أحمد.
ثم من هؤلاء من يقول: والنقضُ لا يفسدها أصلًا، ومنهم من يقول: إنما لا يفسدها إذا دلَّ دليلٌ على صحتها، أما إذا ادَّعى أنها علةً بمجرَّد المقارنة فإن الانتقاض يُفْسِدها، وهذا قول المعتبرين منهم، والأولُ لا يقوله لبيبٌ.
стр. 376
وفي المسألة أقول ثلاثة أُخَر، منهم من يجعلها تفسيرًا لكلامِ الأُوَل، ومنهم من يجعلها تفسيرًا لكلام الآخرين، ويحملون إطلاقاتهم عليها، ومنهم من يجعلها أقوالًا أُخر:
أحدها: أن التخصيص لا يجوز إلا لفوات شرط، أو وجود مانع، فإذا انتقضت العلةُ فعلى المستدلَّ أن يُبَيِّن أنَّ صورةَ النقض اختصت بفوات شرط أو وجود [ق ١٧٥] مانع من ثبوت الحكم فيها، بخلاف الفرع، فإنه ليس فيه المانع الموجود.
ومن الجدليين من لا يُلزم المستدل بأن يعكس علة صورة النقض في الفرع، ولا يكلِّفه بيان عدم المانع في الفرع، لكن يكلِّف المعترضَ بيانَ وجود المانع فيه حسب وجوده في صورةِ النقض.
والأمرُ في ذلك قريب، والأول أقربُ إلى الإنصاف، وقلةِ الأسولة والأجوبة، وانضباط الكلام، وهذا القولُ ــ في الجملة ــ قولُ طوائف من الناس، حتى إن من الناس من يقول: هو قول الأئمة الأربعة، وهو قول عامَّة الجدليين المتأخرين العراقيين والخراسانيين؛ حنفيهم وشافعيهم وحنبليهم، وهو أصوب الأقوال، وعليه يُحمل ما اختلف من كلام الأئمة.
الثاني: أنه إن انعطف من صورة النقض على الوصف المشترك قَيْد لا يمنع القياس لم تفسد العلة وإلا فسدت، وهذا القول قريبٌ من الذي قبله، بل هو هو عند التحقيق.
الثالث: إن كان التخصيص لازمًا على كل قول، كاستثناء (١) العقل من
стр. 377
وجوب الجناية على الجاني، واستثناء العرايا من بيع الربويّ خرصًا وبيع الرطب باليابس= لم تفسُد العلة، وإلا أفسدها، وهذا ــ كما تقدَّم ــ من الناس من يجعله متفقًا عليه (١)، ومنهم من صَوَّر الخلاف، وهو التحقيق.
والكلامُ في ذلك طويلٌ معروف في مظانِّه، لكن نحن نذكر أصلَيْن تَقِفُ اللبيبَ على الحق.
أحدهما: أنَّ العلة إذا انتقضت في صورة ليس بينها وبين الفرع فرقٌ، أو ليس بينها وبين بقية (٢) الصور فرق= فلا يشك لبيبٌ أنها ليست بعلَّة حتى لو كانت منصوصةً، للعلم أن (٣) النصَّ إنَّما بَيَّن بعضَ أوصافِ العلةِ التي يُحتاج إلى بيانها وتَرَك ذكر الباقي لظهوره والعلم به، فإنَّ كونَها عِلة أنها موجِبةٌ للحكم ومقتضيةٌ له، فإذا رأيتها قد وُجِدَت مقارِنةً للحكم تارة، ووجدناها قد وُجِدت مفارِقةً للحكم في مثل ما قارَنَتْه= عُلِمَ قطعًا أنها ليست موجِبةً للحكم ولا مقتضيةً له؛ إذ الإيجاب والاقتضاء حقيقة واحدة ومعنًى واحد لا يقبل التجزُّؤ والانقسام.
الثاني: إذا تخلَّف الحكمُ عنها في صورة من الصور، لاختصاص تلك الصورة بما ينفي الحكمَ، فإنَّ ذلك لا يمنع من اقتضائها للحُكم في صورةٍ ليس فيها ما ينافي الحكم، فإنَّ مَن قال: أكرمتُ زيدًا لِعِلْمه، أو فقرِهِ، أو رَحِمِه، ثم إنه لم يُكْرِم (٤) مَن ساواه في العلم أو الفقر أو الرَّحِم، لفسقِه،
стр. 378
أو لعداوته، أو لكفره، لم يمنع تخلُّفُ الإكرامِ في هذه الصورة أن يوجَدَ في محلٍّ وُجِد فيه العلم، أو الفقر، أو الرحم [ق ١٧٦] منفكًّا عن هذه الموانع والصوارف.
والعلمُ بذلك ضروري، لكن يبقى أن يُقال: فهل العِلَّةُ في الحقيقة مجموعُ وجودِ الصفات الباعثَة، وعدمِ الصفاتِ المانعة؟ أو العلةُ ما ينشأ منه الباعث، مع قَطْع النظر عن غيره؟
هذا محلُّ الاختلاف بين مَن يُجَوِّز تخصيصَ العلة، والأمر في ذلك قريبٌ يرجعُ إلى اختلافٍ في عبارةٍ واختلافٍ في اصطلاحٍ، لا يرجعُ إلى اختلافٍ في استدلالٍ ولا حكم (١).
فمن الناس من يقول: العلةُ هي مجموع الأمور التي إذا تحقَّقَت تحقَّقَ الحكمُ، ومنهم من يقول: العلةُ هي الأمر الذي يكون وجوده مقتضيًا للحكم، بحيث يُعْقَل أن يقال: وُجِدَ هذا فوُجِدَ هذا، ولا شكَّ أن الأول يسمَّى علة، والثاني يُسَمَّى علة، والأولُ أخصُّ من الثاني، فلذلك (٢) قيل: هو اختلافٌ في التَّعْبير.
وأمَّا الاصطلاح؛ فمن قال بالأول كلَّفَ المستدلَّ أن يحترِزَ في كلامه عن جميع الصورِ التي يتخلَّف الحكمُ فيها، بحيث لو أورَد صورةً واحدةً قد تخلَّفَ الحكمُ فيها لوجودِ مانع ونحوه عُدَّ منقطعًا. وهؤلاء لا يقبلون
стр. 379
الجواب عن النقض بالفرق، ولا شكَّ أن هذا وإن كان يضمُّ الكلامَ، لكن فيه تطويل عظيم في العبارة، وتضييع لمطلع النظر الذي هو مأخَذ المسألة، وتفريق للذِّهن بالاحتراز عن أمورٍ ليس تحتها فقه، وكثير من [أهل] هذه الطريقة من يقنع من المستدلّ بوصفٍ مطَّرِدٍ لا يَرِدُ عليه نقضٌ وإن لم يُقِم دليلًا على صحته. ولا شكَّ أن من قَنِع بالطَّرْد المحض فإنه لا بد أن يمَكِّن المعترض من الاعتراض بالنقض، ولا بدَّ أن يجعل النقض دليلًا على البطلان، وإلا لوضع (١) كلُّ أحدٍ له مذهبًا من غير دليل. وهذه الطريقة كانت هي الغالب على العراقيين وكثير من الخراسانيين في حدود المائة الرابعة وقبلها وبعدها.
ومن قال بالثاني لم يكلِّف المستدلَّ الاحتراز عن صورة النقض، لكن يكَلِّفه بيان الفرق بين (٢) صورة النقض وبين الفرع وغيره من صور وجود الحكم، ومتى لم يُفَرِّق انقطع، وهؤلاء لا يطالبون المستدلَّ بالطَّرْد، لكن يطالبونه بما يدل على تأثير العِلَّة وصحتها، ويبقى النظرُ في الجوامع والفوارق، وأنها أحقّ بالاعتبار.
وهذه الطريقة التي اصطلح عليها عامَّةُ المتأخرين من الجدليين في عامة الأمصار، ولا شكَّ أنها أقرب إلى طريقة الأوَّلين من السلف، فإنهم لم يكونوا يُحَرِّرُون العبارات الطويلة الجامعة بين الأصل والفرع، وإنما يذكرون الجوامع والفوارق مُنَبِّهين على مآخِذ الأحكام ومشيرين إلى مدارك الشريعة.
стр. 380
وهي ــ أيضًا ــ أقربُ إلى طريق النظر والاجتهاد [ق ١٧٧] فإن المستدلَّ بينَه وبين نفسِه لا يحتاج إلى النظر في الأشياء الخارجة عن المقصودِ الخاصِّ بتلك المسألة، لكن آفةُ هذه الطريقة الاستدلالُ على عِلِّية المشترك بمجرَّد ما يدَّعِيه من المناسبة العامة والدوران العام، كما يفعلُه هؤلاءِ أربابُ الجدلِ المُحدَث، وأن هذا لا يُقبَل حتى يُبَيِّن أن الشارع يعتبر مثل ذلك المناسب بِعَينه في غير الأصل المقيس عليه، فإن أقرَّ أنَّ الحُكْمَ به في الأصل يعارضه تخلُّفُ الحكم عنه في صورةِ النَّقْض، فليس أن يكون علة للمقارنة في صورةٍ بأولى من أن لا يكون علة للمفارَقة في صورة أخرى، فإنَّ عدم الاقتران يدلُّ على عدم التأثير أبلغ من دلالة الاقتران على التأثير، فلا بُدَّ حينئذٍ من تحقيق المناسب، ولا يُكْتَفَى ممن يدَّعي المناسبةَ مجرَّدُ ذِكر صفة عامة تختلف (١) الحكم لمراتٍ متعددة.
وأما الدوران فأبعد وأبعد، فإنَّ الحكم لم يَدُر مع الوصف في جميع الصور غير صورة النزاع، ليستدل بكونه مَدَارًا في تلك المواضع على العِلِّية، فإذا رأينا الوصفَ موجودًا ولا حكم ثمَّةَ (٢) لم يكن مدارًا.
قال الجدليُّ (٣): (ثم النقض قد يكون معيَّنًا مفردًا كان أو مركبًا، وقد لا يكون كذلك (٤)).
واعلم أنَّ المعترض إذا ذكر أن الحكم متخلِّف عن الوصف المدَّعَى
стр. 381
علةً، فإمَّا أن يعيِّن الصورة التي تخلَّف فيها، وإما أن يبهمها (١). والثاني هو النقض المجهول ــ كما سيأتي (٢) ــ، والأول على قسمين؛ لأنه إما أن يُنقضَ بصورةٍ يختلف الحكم فيها (٣) والمأخَذُ واحد عند الاثنين، وإما أن ينقضَ بصورةٍ اتفقَ الحكمُ فيها مع الاختلاف في المأخذ، كحُلِيِّ الصَّبِيَّة، فإنَّ عدمَ الوجوبِ فيه عند أهل العراق لكونه مالَ غيرِ مكلَّفٍ، وعند كثير من أهل الحجاز لكونه حُلِيًّا.
وكذلك بنت خمس عشرة إذا كانت بكرًا، فإنَّ العراقيَّ يُجْبرها (٤)؛ لاعتقاده أنها لم تبلغ، والحجازيُّ يُجبرها؛ لاعتقاده أنها بكر (٥).
ثم قد يكون الاتفاق في الحكم ثابتًا بنفسه مع قطع النظر عن المأخذ، وذلك بكون الحكم منصوصًا عليه، أو مجمعًا على عين تلك الصورة إجماعًا متلَقًّى عن السَّلَفِ الذين لم يُفصِحوا بالمأخَذِ، كالإجماع على أنَّ المُعْتَقة (٦) تحتَ عبد لها الخيار، مع الاختلافِ في المأخَذِ، هل هو لكونها ملكتْ نفسَها، أو لكون الكفاءة قد سُلِبت (٧)، وقد يكون الاتفاق في الحكم تابعًا للمأخَذ، وإنما وقع الاتفاقُ بحكم الاتفاق، وهذا هو التركيبُ الحقيقيُّ
стр. 382
كالصورة الممثَّل بها، وأما الأول [ق ١٧٨] فليس في الحقيقة بتركيبٍ.
ومن المركبات ما هو أشنع من هذا، وهو أن يجمع بين صورتين، مثل أن يقول: مسَّ ذكرَه، أو أكَلَ لحمَ الإبل فانتقضَ وضوؤه، كما لو مسَّ وقَهْقَه، أو أكَلَ لحمَ الإبل، ومسَّ النساءَ لغير شهوة.
والتركيبُ على قسمين: تركيب في الأصل ــ كما ذكرناه ــ، وتركيبٌ في الوصف.
والقياسُ المركَّب قد اختُلِف في جواز استعماله في الجدل، والمحقِّقُون لا يرضونه، وأما بناءُ الأحكام عليه فتوى وحكمًا للناظر المجتهد، فقد حكوا الاتفاقَ على المنع من ذلك.
وأما أصحاب هذا الجدل فإنهم يعنون بالنقض المفرد ما كان على أحد المذهبين، وبالنقض المركب ما كان على المذهبين جميعًا.
قال المصنف (١): (أما المعيَّن؛ فمثاله (٢) أن يقال: لا يضاف الحكمُ إلى المشترك فيما إذا قاس الحُلِيّ على المضروب بدليل التخلُّفِ في فصل اللآلئ والجواهر (٣)؛ إذ المشترك متحقِّق، ولا حكمَ فيه).
اعلم أن النقض المعروف عند أهل الفقه والأصول والجدل إنما يكون على الوصف الذي ادعاه المستدلُّ جامعًا، وذلك إنما يكون غالبًا بعد تصريحه بالجامع، فأما إن وُجِد معنى الوصف المذكور ولم يوجد لفظُه
стр. 383
فإنهم يسمونه كسرًا، ومبناه: على أن يحذف المعترضُ لفظًا من الجامع ببيان عدم تأثيره، ثم يبين انتقاض العِلَّة بدونه.
مثال ذلك: إذا قال: مالٌ من جنس الأثمان بلغ نصابًا فوجبت الزكاة فيه كالمضروب، فهذا لا ينتقض بالحلية الجوهرية؛ لأنها ليست من جنس الأثمان، ولم يتخلَّف الحكمُ عند المستدلِّ في صورة من الصور، فإن أراد إيراد الكسر على وقوع تعسف قال: قولك: «من جنس الأثمان» لا أثرَ له لوجوب الزكاة في الماشية (١)، يبقى قولك: «مال بلغ نصابًا»، وهذا منتقضٌ بالحِلْية الجوهرية. أو يقول ابتداء: هذا ينكسر باللآلئ والجواهر، على أنه لا فرق بين كسره بالحلية الجوهرية وبسائر الأموال غير الزكوية، فلا وجه لتخصيصه باللآلئ والجواهر.
على أن جوابَ هذا أن يقال: ما ذكرتَه من العلة فقد دلَّ عليها إيماءُ الشارع، بل نصُّه، ودلت عليها المناسبة. وثبوت الحكم بدونها لعلةٍ أخرى، وهو أنَّ كلَّ من ملك النصاب من جنس الأثمان ومن الماشية ومن عروض التجارة موجبٌ للزكاة، فتكون العلةُ غيرَ منعكسة، والعكسُ غيرُ واجب لجواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعللٍ متعددة.
إذا علمتَ هذا تبيَّن لك أن النقض في هذا المثال [ق ١٧٩] المذكور لا يَرِدُ على قياس صحيح، وإنَّما صورةُ ورود النقضِ أن يقيس القائس بجامع جُملي (٢)، كما تقدَّم ذِكْر المصنف له في فصل القياس (٣) بأن يقول:
стр. 384
الوجوبُ ثابت في المضروب فكذا في الحُلِي بالقياس عليه، بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة (١) من الإيجاب؛ من تطهير المزكِّي، وتحصين المال، وشُكْر النِّعمة، وإغناء المحاويج، ونحو ذلك من الجوامع التي لا تختصُّ بمالٍ دون مال، ولا بحالٍ دون حال.
وقد عرفت فيما تقدم أن هذا قياسٌ فاسد، والنقضُ الذي ذكره المصنف يَرِدُ على هذا الضرب من القياس بأن يقال: لا يضاف الحكمُ إلى المشترك ــ وهو تحصيل المصالح المذكورة ــ بدليل تخلُّف الحكم عن تحصيل هذه (٢) المصالح في فصل اللآلئ والجواهر؛ إذ المشترك وهو تحصيل المصالح بتقدير الوجوب، أو كونه سببًا لحصول المصالح بتقدير الإيجاب متحقِّق في الجوهر، والوجوبُ منتفٍ. وهذا نقضٌ صحيحٌ لمثل ذلك القياس، فإنَّ الأمرَ الجامع الذي به جَمَع المقابلة بين الأصل والفرع موجودٌ في عدة مواضع قد اقترنَ الحكمُ به في بعضها، وتخلَّف عنه في بعضها، فلو كان علة لما تخلَّف الحكم عنه؛ لأن معنى العلة هو الأمر الذي يكون موجِبًا للحُكم؛ ولأنه ليس الاستدلال على اعتبار الشرع المشترك العام لاقتران الحكم بِه في صورة، بأولى من الاستدلال على إهداره وإلغائه لانفصال الحكم عنه في صورة أخرى، بل دلالة التخلُّف على عدم كونه علةً أولى من دلالة الاقتران على كونه علة؛ لأن علة الحكم قد تقترن بها صفات كثيرة، إما أعمّ منها، أو أخص منها، أو مساوية لها غير مؤثرة في الحكم، أمَّا أنَّ الموجِب المقتضي للحكم
стр. 385
يتخلَّف الحكم عنه لا (١) لمانع فهذا لا يكون أبدًا.
قوله (٢): (ولئن قال: لا نسلِّم بأنَّ التخلُّف مما يُخْرِج المعنى من العِلِّية، بل التخلف لا لمانع مختص؛ إذ التخلُّف لمانع مختص يصادف مطلق التخلُّف، والمانعُ المختصُّ متحقِّق في فصل اللآلئ والجواهر (٣)، وإلا لثبتَ الحكمُ فيه.
فنقول: لا يتحقَّق، وإلا لوقع التعارض بين المقتضي والمانع حنيئذٍ، على ما عُرِف في التلازم سؤالًا وجوابًا).
اعلم أن كلامَ هؤلاء مبنيٌّ على أن تخصيصَ العلةِ لمانعٍ مختصٍّ بصورة التخصيص جائزٌ، وهذا مذهب حَسَن، فقال السائل: لا نسلِّم أن مطلق التخلُّف يخرج المعنى من العِلِّية، بل إنما يخرجه التخلفُ لا لمانع مختصٍّ بصورةِ النقض؛ [ق ١٨٠] لأنه إذا كان التخلُّف لمانعٍ مختصٍّ بصورةِ التخلف أُحِيْل التخلُّفُ حينئذٍ على وجودِ ذلك المانع، وكان في ذلك جَمْع بين الدليل المقتضي لصحةِ العِلَّة، والدليل المقتضي لعدم الحكم في صورة النقض، بخلافِ ما إذا أبطلنا العلة بالكلية، فإنَّه يكون إبطالًا لدليلِ صحة العلة، ولأن الأدلة جميعها من الأصل الموجب للحقيقة، والنافي للاشتراك والتخصيص والتقييد (٤) والإضمار والتقديم والتأخير، والموجب لحَمْل الأمر على الإيجاب والإجزاء، وحَمْل النهي على التحريم والفساد؛ كلُّها قد
стр. 386
تتخلَّف عنها مدلولاتُها لمانع ومعارضٍ= فكذلك العلة؛ لأنها دليل من أدلة الشرع، وبين العلة والدليل فرق، لكن ليس هذا موضعَ إشباعِ الكلام في ذلك.
وقوله: «إذ التخلُّفُ لمانعٍ مختصٍّ يصادف مطلق التخلف».
كأنه ردٌّ لقوله: «التخلُّف يمنع الإضافة إلى المشترك».
يقول: التخلُّف لا (١) لمانعٍ مختصٍّ يصادفُ مطلقَ التخلُّف؛ لأن وجودَ المعيَّن مستلزم لوجود المطلق، ومع هذا لا يكون مانعًا، فلا يكون مطلق التخلُّف مانعًا. هذا كلامٌ جيد.
ثم قال: «والمانع المختصُّ متحقق في فصل الجوهر».
لأنه لو لم يكن متحقِّقًا لوجبت الزكاة فيه، عملًا بالمقتضي لوجوبها التي تقدمت الدلالة عليه.
وهذا الكلام يتوجَّه في موضع ثبتت [فيه] المناسبةُ بتأثير الوصف المناسب وحدَه في موضع آخر، أما في مثل هذه المناسبات التي توجد في صُوَرِ وجودِ الحكم وصُوَر عدمه فلا يصح؛ لوجوه:
أحدها: ما ذكرَه المصنِّف، وهو أن يقال: لو تحقق المانع في صورة التخلُّف مع قيام المقتضي فيها، لوقعَ التعارض بينهما، وتعارضُ الأدلة على خلاف الأصل، وهذا الكلام هنا جيد، بخلاف ما تقدم في التلازم، فإنَّا قد بيَّنَّا هناك أنه يلزم المستدل مثل ما يلزم المعترض، وهنا لا يلزم موجِّه النقض مثل هذا الكلام؛ لأنه يقول: عدم الوجوب في صورة التخلُّف إما أن يكون
стр. 387
لعدم المقتضي، أو لوجود المانع، فإن كان لوجود المانع لزم محذور الترك، وإن كان لعدم المقتضي لم يلزم المحذور، فيكون أولى.
الثاني: أن يقال: المناسبة التي ادَّعيتها مقتضية للوجوب، وهي موجودة في الأصل وفي صورة التخلف، ومعلومٌ قطعًا أنَّ مثل هذا لا يفيدُ ظنَّ كون ذلك المناسب هو العلة [ق ١٨١] فإن مَنْ دَخل عليه رجلان عالمان أو فقيران، فأعطى (١) أحدَهما ولم يعطِ الآخر، لا يمكن بمجرَّد ذلك أن يقال: إنما أَعطى هذا لكونه عالمًا أو فقيرًا، وحَرَم الآخر لمانع فيه من فِسْق أو عداوة، بل ذلك معارضٌ بأن يقال: يجوز أن يكون أعطى المُعْطَى لقرابته أو صداقته أو إحسانه إليه، لاسيما إذا عَلِم وجود هذه الأسباب المناسبة. وفي هذا الموضع، كما أن عمومَ تحصيل المصلحة مناسب، فتحصيل المصلحة من المال النامي مناسبٌ أيضًا، والحكم مقارن لخصوص هذا الوصف دون عموم الآخر.
الثالث: أن يقال: الأصل ينفي وجود المقتضي، ووجود المانع، وأنت تدَّعي ثبوتَهما جميعًا، فيكون قولُكَ مدفوعًا بالأصل النافي.
الرابع: قولُك: لو لم يكن المانعُ موجودًا لثبتَ الحكمُ في البعض، إنما يصحّ إذا ثبتَ أن المشترك العامَّ علة، وإنما يتم كونه علة (٢) إذا علم أن التخلُّف إنما هو لمانع، فلو استدللنا على كون التخلف لمانع بكون المشترك علةً لزم الدور؛ لأنَّا لا نعلم العلة.
стр. 388
فلئن قال: المناسبةُ دليلُ العلة.
قلنا: إنما تكون المناسبة دليلًا مع الاقتران، وإنما يتم الاقتران إذا لم يتخلَّف الحكم إلا لمانع، فعاد الدورُ جَذَعًا (١).
الخامس: أن يقال: المناسبة والتخلُّف دليلان على عدم العِلِّية؛ لأن الإيجاب ضرر، والمناسبة مع الاقتران دليل واحد على الإيجاب، والعمل بدليلين أولى من العمل بدليل واحد.
فإن قال: لا أُسَلِّم ثبوتَ المناسب لعدم الوجوب، لئلا يلزم التعارض.
قيل: المعارض (٢) لازم على ما ادَّعيتَه وعلى ما ادعيناه، ونفي رجحان الدليلين من جهتنا.
قوله (٣): (وكذلك إذا ادَّعى الحُكم في النقض على تقدير الإضافة، والخصمُ يمنعه).
معناه: أن المستدلَّ يدَّعي الحُكم في صورة النقض بتقدير إضافة الحكم إلى المشترك بين الصُّوَر ــ أعني: الأصل والفرعَ وصورة النقض ــ والحكم يمنعه الخصمُ (٤) مطلقًا بأن يقول: الحكم في صورة النقض إما أن يكون مضافًا إلى المشترك أو لا يكون مضافًا، فإن لم يكن مضافًا إليه لم يلزم النقض، وإن كان مضافًا امتنع الحكم على هذا التقدير، ولا يلزمني
стр. 389
المنع في نفس الأمر؛ لأن هذا التقدير غير واقع عندي؛ لأن الحكمَ في صورة النقض غير مضاف إلى المشترك لوجود ما يمنع إضافته إليه، فإن الإضافة إلى المشترك مشروطة بعدم المانع. ولا شك أن هذه الدعوى تُرَدّ بعين ما رُدَّ به الكلام الأول، مع ضعف الأول.
[ق ١٨٢] قوله (١): (أو يقال: لا يُضاف إلى المشترك؛ إذ لو أُضيف لكان المشترك علة، ولو تحقَّق أحدُهما ــ وهو إما الإضافة أو العلية (٢) ــ لثبتَ الحكمُ ثمةَ عملًا بالعلة، ولم يثبت فلا يضاف).
هذا توجيهٌ ثانٍ للنقض ، وهو أن يقول: لا يضاف الحكمُ إلى المشترك بين الصور؛ لأنه لو أُضيف لكان المشترك علة؛ لأن الحكمَ إنما يضاف إلى علَّته، ولو تحقَّقَت إضافتُه إلى المشترك، أو كون المشترك علة= لثبتَ الحكمُ في صورة النقض عملًا بالعلة، ولم يثبت الحكمُ في صورة النقض، فلا يضاف إلى المشترك. يعني أنَّ كلَّ واحد من هذين وجبَ (٣) الحكمُ في صورةِ النقض.
قوله (٤): (أو يقول (٥): لو أُضيف لكان الحكم ثابتًا هنا، ولو ثبت أحدُهما ــ وهو إما اللازم أو الملزوم ــ لثبت ثَمَّة).
هذا توجيهٌ ثالثٌ، يقول: لو أُضيفَ إلى المشترك لكان الحكم ثابتًا هنا ــ
стр. 390
يعني صورة النزاع ــ ولو ثبتَ اللازم وهو صورة النزاع، أو الملزوم وهو الإضافة إلى المشترك ــ فظاهر. وأما على تقدير ثبوت الحكم هنا فلأنَّ ثبوتَه هنا مستلزم لِعلِّية المشترك، إذ لو فُرِضَ عدمُ ذلك لَعُدِم الحكم هنا، وعلِّية المشترك مستلزمة للحكم في صورة النقض، ولازم اللازم لازم.
هذا الذي يُفهم من هذا الكلام، وفيه تطويل لا حاجة إليه كما ترى، وإن كان عَنَى بقوله: «لكان الحكم ثابتًا هنا» صورةَ النقض، فهو أيضًا تطويل بارد، ويكون اللازم في المقدمة الثانية هو الملزوم على أحد التقديرين؛ لأن معنى الكلام حينئذٍ: لو أُضيفَ لكان الحكم ثابتًا في صورة النقض، ولو ثبت أحدُهما إما الإضافة أو الحكم في صورة النقض، لثبت في صورة النقض.
قوله (١): (هذا إذا تمسَّك بدليلٍ خاصٍّ، أما إذا تمسَّك بالدليل العام، فذاك معارَضٌ بمثله، فلا تفاوتَ في التوجيه بين ما ذكرناه).
اعلم أنَّ الكلام الذي ذكره هذا الجدليُّ لا فرق فيه بين التمسُّك على علَّة الأصل بدليل عامٍّ أو خاص، والخاصُّ ما يدلُّ بخصوصه على أن المشترك بين الأصل والفرع علة، والعام هي المناسبات العامة ونحو ذلك، كما ذكره المصنف في فصل القياس (٢)، لكن الدليل العام (٣) يُعَارَض بمثله، بأن يقال: لا تجب الزكاة في الحلي بالقياس على الحلية؛ بجامع ما يشتركان فيه من دفع المفسدة الناشئة من الإيجاب، وهو الضرر الحاصلُ منه للمكلَّف، وهو تنقيصُ ماله وتعريضه [ق ١٨٣] للعقاب بتقدير الترك،