يختصّه فقوله: «وعمومه موارد استعمال اسم التخصيص في الشرع»، وذلك أن الألفاظ الشرعية هي ما كانت موجودةً في القرآن أو في كلام رسول الله ﷺ ، ولفظة (١) «التخصيص» بهذا المعنى ليست موجودة في الكتاب والسنة، لأنها من باب الألفاظ الاصطلاحية في أصول الفقه، كالحقيقة والمجاز، والاشتراك والتواطؤ (٢)، والمنطوق والمفهوم، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، والنقض والقلب والكَسْر، وفساد الوضع وفساد الاعتبار، والمناسبة والدوران والتلازم، وغير ذلك. وهذه الألفاظ مستعملةٌ في كلام العلماء، فَيُوجَد عمومُ ما يدّعي أنه معناها وخصوصه في (٣) كلامهم.
فإن قال: هو موجودٌ بهذا المعنى في ألفاظ العلماء، وهم أهل الإجماع، وقولهم دليلٌ من أدلة الشرع.
قلنا: وليس هو موجودًا (٤) في كلام أهل الإجماع على وجهٍ ارتبطَ به حكمٌ شرعي، حتى يُستدلَّ بتفسيره على مقصودهم.
قال المصنَّف (٥): (ولئن مَنَع العموميَّة، فنقول: إنه ثابت في صورة التخصيص، إذ التخصيص [غير] (٦) ثابت بدونه بالنافي للتخصيص، أو
стр. 317
لأن أحد الأمرين لازم، وهو إما عدمُ النصِّ العام أو تحقُّق موجبِه [ق ١٤١] إما بالضرورة أو بالنصّ، فإن الحال لا يخلو عن وجود النصّ أو عدمِه، وإذا (١) كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقةً له، وإلّا (٢) يلزم الاشتراك أو المجاز).
اعلم أولًا أنَّ لغةَ العرب المُورَثة (٣) عنها المتداولة في كلامِها، وكلام الفصحاء الذي ينحو نحوها، وهي لغة القرآن والسنة وسلف الأمة، أن الكلمة إذا لم يكن لها فعلٌ وأرادوا أن يَنطِقوا لها بمصدرٍ يَدلُّ على ما يدلُّ عليه مصادرُ الأفعال، صاغوا منها لفظًا على مثال الفُعُولة أو الفعوليّة، أو نَسَبُوا الاسم منها وأَنَّثُوه، فيقولون: العبودة والعبودية، والذكورة والأنوثة والذكورية والأنوثية، والمروءة والإنسانية، تارةً يقتصرون على تأنيث اللفظ المشتق منها، وتارة ينسبونه مع التأنيث، وكأنّهم ــ والله أعلم ــ إذا صاغوه على مثال الفُعولة، فلأنّ هذه البنية مثالٌ [من] أمثلة مصادر الأفعال الثلاث اللازمة، فزادوا الهاء إشعارًا بالفرق بين مصدر الأفعال والمصدر المأخوذ من الأسماء، لأنه فرعٌ على الأول وتَبَعٌ له، بمنزلة المؤنث من المذكر، وإذا زادوا فيه ياء النسب قصدوا به أنه منسوبٌ ومضافٌ إلى الاسم، كأنه قيل: الحال العبودية والحال الذكورية، أي الحال المنسوبة إلى ذلك المعنى، وإنما يُنسَب الشيء إلى الشيء للزومِه إياه واختصاصه به. وهذه المصادر تدلُّ على حالٍ ثابتة لازمة، بخلاف مصادر الأفعال.
стр. 318
قال (١): إن كلّ فعلٍ له مصدرٌ فلا يكاد يُسَمع في الكلام العربي أنه صِيْغَ له مصدرٌ من هذا الجنس [منسوب] إلى اسم مزيد فيه هاء التأنيث، استغناءً بالمصدر عنه، فإن هذا زيادةٌ وعَجرفةٌ إلّا فيما شذَّ، مثل قولهم: الخُصوص والخُصوصية والخَصوصية بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح. وقد كَثُر استعمال هذا الضرب في لسان المنتسبين إلى العلم من متأخري الأعاجم، يقولون: العالمية والقادرية والمعلومية والمقدورية والعمومية والخصوصيّة وأشباه هذا، تارةً يَضيفون اسم الفاعل وتارةً اسم المفعول وتارةً المصدر. كما استعمل المصنّف لفظ «العمومية» بقوله: «ولئن مَنَع العموميَّة». وهذا استعمالٌ خارج عن النحو العربي، وزيادةٌ في اللفظ وتكلُّفٌ من غير فائدةٍ، لأنه لو قال: «ولو منع العموم» كان المعنى تامًّا حاصلًا بدون هذه النسبة والتأنيث، فإن العموم مصدر عَمَّ الشيءُ غيرَه يَعُمُّه عمومًا، فإذا منع أنَّ اللفظ قد عمّ فهو المطلوب.
فإن قيل: بل فيه فائدة غامضة، فإنّ بين المصدر وبين هذه الأسماء المنسوبة المؤنثة فرقًا دقيقًا (٢)، وذلك أنك إذا قلت: العلم والقدرة، [ق ١٤٢] فإنك تَعني به المعنى القائم بالذات المدلول عليه بلفظ «علم» ولفظ «قدرة»، وكذلك إذا قلت: العموم أو الإحسان، فإنما تعني الحدث أو المعنى القائم بالفاعل الذي نسبتَ إليه العموم أو الإحسان. فإذا قلتَ: العالمية والقادرية، فإنما تعني الحال الثابتة للذات التي اقتضاها العلم
стр. 319
والقدرة، وهي المعبَّر عنها بكون الذات عالمةً وقادرةً، وفرقٌ بين العلم والقدرة وبين كونِ الذات عالمةً وقادرة، لأن كونها عالمةً قادرةً حكمٌ ومعلولٌ وحالٌ اقتضاها العلم والقدرة، ولفظ المصدر إنما دلَّ على نفس الصفة لا على هذه الحال. ألا ترى أنَّا ندلُّ عليها باسم منسوب كأنه صفة لموصوف محذوف، تقديرهُ: الحال العالمية أو النسبة العالمية أو الإضافة العالمية. وفيها فائدة أخرى، وهو أن العلم والقدرة إنما يدل على الصفة والحدث من حيث هو هو لا إشعارَ له بالعلم المعلوم (١)، فإذا قيل: «العالمية» و «المعلومية» كان تقديرها (٢): الحال الحاصلة لذاتٍ عالمةٍ أو الحال الحاصلة لذاتٍ معلومةٍ، وكان فيها دلالةٌ على ما يُنسَب إليه الصفةُ والحدثُ هل هو الفاعل أو المفعول؟ ومجرَّد المصدر لا يَدُلُّ على ذلك.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: لو كان فيه فائدةٌ لم يجز أن تخلو اللغة عن لفظٍ يدلُّ عليه، لأنّ المعنى الذي يكثر دورانُه في القلوب يُحتاج إلى التعبير عنه، فيجب أن تكون له عبارةٌ تدلُّ عليه. ولمّا لم يكن هذا الاستعمال موجودًا في اللغة الحكيمة (٣) عُلِمَ أنّ هذا اللفظ كانَ حقُّه أن يُلحَق بالمهملات، لاسيّما وكلام الله وكلام رسولِه وكلام الأئمة من سلف الأمة لا يجوز أن يَعْرَى عن بيان هذه المعاني. فلو لم يكن بيانُها إلّا بهذه الألفاظ ــ أو لو كان بيانُها بهذه الألفاظ أجودَ ــ لوجبَ أن يكون ذلك في كلامهم، لأنّ إدراكهم للمعاني أتمّ، وتعبيرهم أفصح وأوضح.
الثاني: أن نقول: الخلاف في ثبوت الحال مشهورٌ بين الناس، حتى إنّ
стр. 320
أكثر المتكلمين المنتسبين إلى السنة ينفونها، ويقولون: لا معنى لكون الشيء عالمًا قادرًا، إلّا نفس قيام العلم والقدرة به، وأما حالٌ يُوجِبُها له العلم والقدرة فكلَّا. وهؤلاء يُبطِلون ما يُدَّعَى في هذا الموضع من العلّة والمعلول، ويَردُّون ذلك إلى اعتبارات عقلية وأحكام ذهنية يتبعها الأسماء واللغات. فعلى قولِ هؤلاء فلا فرقَ بين قولنا: عِلْمِ الشيء وكونه عالمًا في الوجود الخارجي. وهذا القول أصوب.
وأما مَن يُثبِت الأحوال فيقولون: إن لفظ العلم والقدرة ونحوهما يدلُّ على الصفة وعلى الحال، وإذا أرادوا تمييز [ق ١٤٣] الحال قالوا: كون الشيء عالمًا وكونه قادرًا.
وعند نُفاةِ الصفات هذه الألفاظ تدلُّ على الحال بانفرادها.
فقد اتفقت الطوائف على أن لفظ المصدر يدلُّ على تمام المقصود ، وهذا ظاهر، فإن الحال لازمةٌ للصفة لزومًا خارجيًّا وذهنيًّا، وليس للحال مقصودٌ زائدٌ على ثبوت الصفة. فواضعُ اللغة الحكيمُ أدرجَها في لفظةٍ. يُبيِّن ذلك أنه لو كانت الحال ثابتةً، ولا يدلُّ عليها لفظ المصدرِ لكانت اللغاتُ ــ خصوصًا اللغة الحكيمة ــ عاريةً عن الدلالة على هذه المعاني الكثيرة المحتاج إلى التعبير عنها، وذلك لا يجوز.
الثالث: أنه لو لم يدلّ المصدرُ على الحال لكان استعمالُه أولى، وذلك لأنّ المتكلم إن قصد الإثبات فإذا أثبتَ المصدرَ ثَبتت الحالُ، وإن قصد النفي فإذا نفى المصدرَ انتفت الحالُ. أما إذا استعمل هذه الألفاظ وقيل: إنها تدلُّ على الحال، فإذا أثبتها أثبت المصدر، أما إذا نفاها فقد لا ينتفي المصدر، لاعتقاد المتكلم أو المستمع أنه لا حقيقة لها في الخارج حتى
стр. 321
يلزمَ من انتفائها انتفاءُ الصفة.
مثال ذلك قول المصنّف: «ولئن منع العموميّة»، فإن العموميّة إن كانت هي العموم فلا كلام، وإن قيل: هي حالٌ للَّفظِ أوجبَها العموم، فلفظ العموم يدلُّ عليها نفيًا وإثباتًا، وأما لفظها فلا يلزم من مَنْعِه مَنْعَ هذه الحالِ منعُ العمومِ، لجواز أن يعتقد أن هذه الحال لا حقيقةَ لها.
وأيضًا فقد يعتقد أن العمومية صفة ثابتة للعامّ، بخلاف العموم فإنه عارض، لأن مسمّى المصدر حدثٌ، فإذا منع الصفة الثابتة لم يلزم أن يمنع الصفة العارضة، فكان قولنا «منع العموم» أجود.
وعلى ما قلنا فالعموم يدلُّ على هذه الصفة، سواء كانت ثابتةً أو عارضةً في النفي والإثبات. هذه لغة العرب، وقول النحويين: «المصدر يدلُّ على الحدث أو الحدثان» توسُّعٌ في العبارة، لأن الغالب على مسمَّيات المصادر في أفعال الخلق أن تكون حادثة، وإلّا فقولنا: «علم الله، ويعلم، وهو عالم، وله علم» ليس في ذلك ما يدلُّ على حدوث صفةٍ أصلًا، وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك. وبالجملة فتسميتُها حدثًا وحدثانًا اصطلاحٌ نحوي لا وضعٌ لغوي.
الرابع: أن استعمال هذه الألفاظ التزامٌ لثبوت الحال، وفي ذلك ما فيه، أما استعمال لفظ المصدر فهو خلوصٌ عن هذا الالتزام، ولا حاجةَ بالمستعمل إلى التزامِ أمرٍ [ق ١٤٤] باطلٍ ومختلفٍ فيه من غير حاجةٍ ولا فائدة. بل لو قيل: عدمُ هذه الألفاظ دليلٌ على عدم معانيها التي يعتقدها مُثبِتُو الأحوال، إذ لو كانت ثابتةً لوجبَ أن لا تَعرَى أذهانُ جميع أهل اللغات عن إدراكها، وتنفرد به شرذمةٌ من المتكلمين. ولو أدركتْ أذهانُهم ذلك لوجبَ
стр. 322
أن تكون لها عبارةٌ عنها كسائر المعاني المشتركة بين الأمم إمّا مفرد أو مركَّبٌ، [و] لكان هذا أولى من التزامِ ثبوت الحال واستعمالِ هذه العبارات.
الخامس: أن الحال إن لم تكن ثابتةً فلا حاجةَ إلى هذه العبارات، وإن كانت ثابتةً فلا بدَّ أن تشتمل العبارات اللغوية على الدلالة عليها، خصوصًا كلام الله وكلام رسولِه وكلام العلماء والحكماء من أمته، فإنه لا يجوز أن يَعْرَى عمّا يبيِّنُ هذه الحقائق، وعلى التقديرين فلا حاجة إلى هذه الألفاظ الغريبة.
فهذا هو الجواب عن كون هذه الألفاظ تدلُّ على الأحوال. وأما قولهم: «تدلُّ على خصوص النسبة إلى الفاعل والمفعول» فإضافةُ المصدر إلى أحدهما يُغنِي عن ذلك، بأن يقول: عِلْم فلانٍ أو العِلْمُ بكذا، أو يقول: كون الشيء عالمًا أو كونه معلومًا.
واعلم أن من حكمة لغة العرب أن لا يُضيفوا هذه المصادر، ويُضيفوا المصادر التي للأسماء، أعني بالإضافة: النسبة بالتأنيث، وهو قولهم: الذكوريّة والعبودية، ولا يقولون: الضَّربيّة والقَتليّة والضاربيَّة والقاتليّة، وذلك لأن ذلك المصدر إنما أُخِذ من الاسم، فكأنه قيل: المعنى الذي به كان العبدُ عبدًا أو الذكر ذكرًا، أو المعنى الذي أوجبَه كونُه ذكرًا وكونُه عبدًا، وذلك المعنى الذي به صار العبد عبدًا هو مقتضٍ لكونِه عبدًا، والمعنى الذي أوجبه كونُه عبدًا هو معلولُ كونِه عبدًا، وكونُه عبدًا هو الحال والصفة المعبَّر عنه بالمصدر، فأُضِيف إلى هذا المعنى كلُّ ما (١) هو لازمٌ وكلّ ما هو تابعٌ له، إما بكونه مقتضيًا له أو بكونه إنما كان من أجله. أما الضرب والقتل فهما
стр. 323
أصلٌ للفعل على الوجه المشهور، فلم يُنْطَق قَبْلهما باسم يشتقان منه، فلو أضيفا لأضيف الأصل إلى الفرع، وذلك لا يجوز، بخلاف المواضع التي نُطِقَ فيها بالاسم قبل المصدر. ألا ترى أن قولك: «ضارب» و «قاتل» إنما يَنطِق به من نَطقَ بقتل وضرب، وقولك: «عبد» و «رجل» ينطق به قبل الرجولية وقبل العبودية. وقولهم: «الخُصوصية» و «الخَصوصية» فهو ــ والله أعلم ــ ليس بمصدر، وإنما هو الصفة والحال التي أوجبها المصدر، فإن [ق ١٤٥] من خُصَّ بأشياءَ فلا بدّ أن تبقى له صفة أوجبها الخصوص.
السادس: أن هذه الألفاظ فيها تكلُّفٌ وتقعُّرٌ وتنطُّعٌ، وقد قال النبي ﷺ : «إنّ الله يُبغِض البليغَ من الرجال، الذي يتخلَّل بلسانِه كتخلُّل الباقرةِ بلسانها» (١). وقال: «إنّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مجلسًا منّي يوم القيامةِ الثَّرثارون والمتفيهقون المتشدِّقون» (٢). وهي تُفضِي إلى اللَّدَد، وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن أبغضَ الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصِم». وفي «صحيح مسلم» (٤) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «هلَكَ المتنطِّعون» قالها ثلاثًا. وفي «الصحيحين» (٥) عنه ﷺ قال: «أهل النار كلُّ جعظريّ جَوَّاظٍ مستكبرٍ».
стр. 324
وهي خروجٌ عن البيان الذي امتنَّ الله بتعليمه حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، وتكلُّفٌ في المنطق الذي هو خاصَّة الإنسان التي انفصل بها عن سائر أنواع الحيوان، وتشبُّهٌ بالأعاجم فيما أحدثوه من الدندنة والطنطنة، وقد نهى ﷺ عن التشبُّه بالأعاجم فيما أحدثوه من الهيئات (١)، فإن العجم مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ العرب من الصحابة والتابعين، وكذلك متأخرو العرب مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ الأولين كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ١٠٠]. فحَكَم بالرضَى لمن اتبعَ السابقين بإحسان. وقال ﷺ لما صلَّى قاعدًا: «لا تُعظِّموني كما تُعظِّم الأعاجمُ بعضُها بعضًا» (٢)، وقال في بعض ما أمر به: «لا تشبَّهوا بالأعاجم» (٣). وكتب عمر إلى العراق: «تَمعْدَدُوا واخْشَوشِنُوا وامْشُوا حُفَاةً وانتَعِلُوا وانْزُوا على الخيل نَزْوًا ولا تَشبَّهوا بالأعاجم» (٤).
وكذلك نهى عن التشبه بأهل الجاهلية فيما خالفوا فيه الإسلام، ونهى عن التشبه باليهود
стр. 325
والنصارى في أشياءَ من هَدْيِهم ودَلِّهم وسَمْتِهم. وليس هذا موضع استقصاء القول في ذلك (١).
فمن اتبعَ من العرب والعجم هَدْيَ الأولين دخلَ في زُمرتهم، فإنه مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم (٢)، وحينئذٍ يكون العجم ممن قال فيه ﷺ : «لو كان العلم ــ وفي لفظٍ: الدينُ ــ معلَّقًا بالثُّريا لتناولَه رجالٌ من أبناء فارس» (٣)، فإنه إشارة إلى العلم الذي نعتَ الله به نبيَّه الذي بعثَه به، وإن خرجوا عن ذلك عادوا إلى الجاهلية جاهلية العرب.
ولا يَحقِرنَّ أحدٌ أمرَ اللسان، فإنه أمرٌ عظيم، ولهذا قرنَه عمر بالدين لمّا قال لابن عباس: قد كنتَ أنت وأبوك تُحِبُّون أن يكثر هؤلاء، يعني سَبْيَ المجوس، [ق ١٤٦] فقال: إن أمرتَنا قتلناهم، فقال: أبعدَ ما دخلوا في دينكم وتكلَّموا بلسانكم (٤)! وقال عمر أيضًا ﵁: تعلَّموا الفرائضَ واللحنَ كما تَعلَّمون القرآن (٥). فأمر بتعليم لحن القرآن والفرائض كما أمرَ بتعليم القرآن. وقال عمر ﵁: «ما تكلَّم أحدٌ بالفارسية إلا خَبَّ ونَقَصَتْ مروءتُه» (٦). وهذا ــ والله أعلم ــ عربيٌّ يُريد أن يتكلم بها لغير حاجة، فما
стр. 326
أظنُّه [إلا] أراد ذلك، فإن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا عجمًا فُرسًا ورُوْمًا.
واعلم أن هذه العبارات لا عربية، لأن العرب لم تتكلم بها، ولا عجمية لأنها ليست من لغة العجم، فهي كلامُ عجميٍّ يُريدُ أن يتكلم بمثلِ كلام العرب، وحقيقٌ بالعجمِ الذين يريدون الدخول في عموم قولِه: «لو كان العلمُ معلَّقًا بالثريا لتناولته رجالٌ من أبناء فارس» أن يَصُونوا ألسنتَهم عن التفوُّه بالكلام المعجرفِ الذي أقلُّ منه أفضل منه، وأخصُّ منه أنفعُ منه، فقد قيل: إنه جاء فيهم آيتانِ من كتاب الله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]. وأن يعدلوا إلى العربية السمحة السهلة، المُسفِرة عن وجوهِ المعاني، الآخذة بأزِمَّة الحقائق، المبينة بين المشبَّهات بالفواصل المميِّزات، والجامعة بين المشتركات بالضوابط المعمَّمات، وأن يتكلَّموا بلغتهم التي نشأوا عليها. فأمّا إحداثُ لغةٍ ثالثةٍ فهو حدثٌ في الدين، وإذا ابتغى العجمُ اجتنابَ التكلف في الكلام فالعربُ أحرى بذلك وأخلقُ، لتيسُّرِ النطقِ عليهم بالعربية وبُعدِهم عن مسالك الشعوبية.
واعلم أنه وإن كان يقال: لا مُشَاحَّة في العبارات، فإن المقصود هو المعنى؛ فإن اللسان له موقعٌ من الدين، والعبارة المرضيَّة مندوبٌ إليها، كما أن التعمُّق منهيٌّ عنه. وكذلك كان ﷺ يُغيِّر كثيرًا من الأسماء أسماء الأشحاص والأمكنة وغير ذلك، وكانوا يَنهَون عن اللحن ويأمرون بإصلاح اللسان. فكيف في العبارات العلمية والمفاوضات الفقهية؟! لاسيما في
стр. 327
كلامٍ مقصودُه تركيبُ عباراتٍ يُقْتَنَصُ بها الباطل أو يُفْحَمُ بها الجاهل، متى سُوْمِحَ صاحبُها في الإطلاق تمكَّن من الرواج والنفاق.
واعلم أن العموم والخصوص وإن كانا في الأصل مصدرين فقد يُوصَف بهما إمّا الفاعل أو المفعول، فيقال: هذا من الخصوص وهذا من العموم، إمّا من المعمومين والمخصوصين، وإمّا من العامّ والخاصّ.
وقول المصنِّف «العمومية» (١)، كأنه ــ والله أعلم ــ جعل العمومَ صفةً، ثم نسبَها على ما [ق ١٤٧] أوجبَها، كما يقال: فيه عاميَّةٌ أي حالٌ منسوبة إلى العامَّة، فجعلَه من العموم [على] تقدير «ولئن منع كونه عمومًا» أي كونه عامًّا. وهذا كلام معترض، ليس هو المقصود.
قال: «ولئن منع العمومية، فيقال: إنه ثابتٌ في صورة التخصيص، إذ التخصيص غير ثابتٍ بدونه بالنافي للتخصيص، أو لأن أحدَ الأمرين لازم، وهو إمّا عدمُ النصِّ العامِّ أو تحقُّقُ موجبِه إمّا بالضرورة أو بالنصّ، فإنّ الحال لا يخلو عن وجود النصَّ أو عدمه».
اعلم أن منع العموم يحتمل شيئين:
أحدهما: منع عموم اللفظ العام لصور التخصيص، وهذا منعٌ صحيح يَستحقُّ الجواب، إذ اللفظ لا يثبت أنه متناول لذلك الفرد حتى يثبت عمومُه. والذي دلَّ عليه جميعُ السلف وعامَّةُ الخلف من طوائف العلماء على اختلافِ اعتقاداتِهم وتفنُّنِ عُلُومِهم، بل الذي عليه طبقاتُ بني آدم أن هذه
стр. 328
الألفاظ المعروفة بصِيَغِ العموم دالَّةٌ عند تجرُّدِها عن القرائن على الشمول والاستغراق، ولم يُخالِف في ذلك إلّا الواقفةُ والمرجئةُ، مع أن بعض الواقفة خرجَ عنهم في صيغ العموم، وقد قال بعضُ من حرَّر قولَ الواقفة: إن متبوعهم لم يُنكِر صَيغَ العموم، وإنما أنكر أن تُستعمل الظنون في مواضع القطع، وهو إنجاز الوعيد، وهذا أجْدَر (١) أن يُظَنَّ بالعاقل، فإن إنكار أصل العموم كأنه خروجٌ عن عقول العقلاء. وإذا سلَّم أن اللفظ عام لم يُقْبل منه في المباحث الفقهية أن يقول: لا أسلِّم أن العموم حجة، لكن إذا أنكر العموم فعلى المستدلِّ بيان العموم ببيان أن هذه الصيغة من صيغ العموم بالنقل أو الاستعمال وغير ذلك من الطرق. وسيأتي هذا السؤال في قوله: لِمَ قلتم: إن اللفظ تناوله؟ فإنَّه إذا ثبت أن اللفظ تناولَه ثبت العموم، إذ لا معنى للعموم إلّا ذلك.
الثاني: أن يمنع عموم المعنى موارد الاستعمال اسم التخصيص، وهو المقصود هنا، بأن يقال: لا أسلِّم أنَّ عدمَ الإرادة مع تناول اللفظ معنًى يعمُّ صورَ التخصيص، بل جاز أن يكون موجودًا في بعض صور التخصيص دون بعض.
فيقال له: هذا المعنى ثابتٌ في كل صورةٍ من (٢) الصور التي يُستعمل فيها لفظ التخصيص، لأن التخصيص ليس ثابتًا بدونه بالأدلة [المقتضية] (٣) للتخصيص، وإذا لم يثبت التخصيص مع عدمِه فحيثُ
стр. 329
تحقق التخصيص تحقَّق هذا المعنى، ولا معنى لعمومه موارد التخصيص إلّا هذا.
وإن شئتَ قلتَ: لأنه لو لم يكن ثابتًا لم يثبت لفظ التخصيص، لأن التخصيص على خلاف [ق ١٤٨] الأصل، فهو منفيٌّ بالموجب للعموم وباستصحابِه الحالَ، فلو لم يكن المعنى الذي ذكرناه من عدم الإرادة مع التناول ثابتًا في الموضع الذي يقال له تخصيص ــ إمّا بأن تكون الإرادة حاصلةً أو بأن لا يكون التناول حاصلًا ــ لم يثبت التخصيص للأدلة الدالّةِ على نفيه السالمةِ عما يُعارِضُها. وهذا الجواب يختصُّ بهذا الموضع وما أشبَهه من المواضع التي تكون على خلاف الأصل.
ويمكن أن يُجعَل عامًّا، بأن يقال في كل معنًى يُدَّعى عمومُه مواردَ الاستعمال: اللفظ غير ثابت بدون هذا المعنى بالأصل النافي، لأن الأصل عدم استعمال اللفظ فيما عدا صور هذا المعنى، لأن الاستعمال كان معدومًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان. وإذا كان اللفظ غير ثابت بدون هذا المعنى، فحيثُ ما كان اللفظ فقد وُجِدَ المعنى العام، فيكون المعنى عامًّا.
قال: «ولأن أحد الأمرين لازم، وهو إما عدم النصّ العام أو تحقُّق موجبه بالضرورة أو بالنصّ، فإن الحال لا يخلو عن وجود النصّ أو عدمِه».
هذا تقريرٌ ثانٍ لأنَّ المعنى المذكور عامٌّ لموارد الاستعمال، يقول: لأنّ التخصيص غير ثابتٍ بدونِه في نفس الأمر، فهو لازمٌ للتخصيص، فيكون عامًّا له بالضرورة، لأن اللازم عامٌّ لصور الملزوم، وإنما قلنا ذلك لأن أحد الأمرين لازم: إمّا عدمُ النصّ العام أو تحقّق موجبه بالضرورة أو بالنص، نقول: إن الضرورة أو النصّ تحقق أحد الأمرين: عدم العام أو موجب العام،
стр. 330
لأنه إن لم يكن العام موجودًا فقد تحقَّق أحدُهما بالضرورة، وهو عدم العام، وإن كان موجودًا تحقَّق موجبُه بالنصّ، لأنّ النصّ العام يقتضي تحقُّقَ موجبه، فيكون النصّ محقِّقًا لأحدهما، وأيُّهما تحقَّق لزمَ عدمُ التخصيص، لأنه إن تحقَّق عدمُ العام فلا تخصيص، وإن تحقق موجبه فلا تخصيص.
واعلم أنّ هذين التقريرين فاسدان:
أما الأول فمن وجوه:
أحدها: قوله «التخصيص غير ثابت بدونه» قلنا: هذا حكمٌ على التخصيص بعدمِه عند عدمِ هذا المعنى، والحكم على الشيء فرعُ تصوُّرِه، وكلامنا في تصوُّرِ اسمِ التخصيص وحَدِّ هذا اللفظ بحسب اللغة والاصطلاح، فلا يخلو إمّا أن يكون اسم التخصيص مما قد عُرِف معناه ومفهومُه، أو لم يكن قد عُرِف، فإن كان قد عُرِفَ فلا حاجة إلى الاستدلال عليه، كيف والخصمُ قد نازعَ فيه! وإن لم يكن قد عُرِف لم يجز الحكمُ عليه بعدمٍ أو وجودٍ.
فإن قلتَ: إنما أحكُم على اسم التخصيص، وذلك إنما يتوقف على تصوُّر اللفظ فقط، لا على تصوُّر [ق ١٤٩] معنى اللفظ.
قلتُ: فالأدلة النافية لا تنفي اللفظ، إنما تنفي المدلول عليه باللفظ، لأن الأدلة النافية هي المُفضِية للعموم والشمول، وهذه إنما تنفي إخراجَ بعض العام، لا تنفي أن ينطق ناطقٌ بلفظ تخصيص، وإذا كانت إنما تنفي ما هو المعنيُّ بلفظ التخصيص لم يلزم من نفي هذا المعنى نفيُ الاسم المذكور، حيث يثبت أن هذا المعنى لازم هذا الاسم، ولن يثبت أن هذا المعنى لازمٌ
стр. 331
لهذا الاسم إن لم يثبت، إذ (١) الاسم لا يثبت بدون المعنى، فلو أثبت هذا بما ذكر لأثبتَ الشيء بنفسه، وهو غير جائز.
الثاني: قوله «لا يثبت بدونه بالنافي للتخصيص»، قلنا: هذا حكمٌ بتحقُّق النافي للتخصيص، ولا يمكن ذلك إلّا بعدَ معرفةِ التخصيص، فلو أثبتنا معرفة التخصيص بهذا لَزِمَ الدور.
الثالث: أن النافي للتخصيص إما أن ينفي إطلاق اللفظ على غير هذا المعنى، أو ينفي ما قد عَناه بالتخصيص، أو ينفيهما معًا. أما الأول والثالث فلا سبيل له، لأن ما ينفي التخصيص إنما هو المقتضي للعموم وإرادة كل فردٍ من أفراد العام، وذلك لا يتعرض لهذا اللفظ بنفي ولا إثبات، فإن إطلاقَ هذا اللفظ على ذلك المعنى أمرٌ يتبع الوضعَ والاصطلاحَ في لفظ التخصيص، وما يُوجِبُ إجراءَ العموم على عمومِه لا يتوقف على النطق بلفظ التخصيص كما ينفيه، مع كون هذا المعنى لا يتحقق بدونه لفظ التخصيص، فلا اختصاصَ للنافي للتخصيص بمطابقة اللفظ المعنى وجودًا ولا عدمًا.
وأما التقرير الثاني فنقول: قولك: «التخصيص غير ثابت بدونه» وقولك: «يلزم من تحققِ أحدِهما عدمُ التخصيص» غير معقولٍ حتى يُعقَل معنى لفظ التخصيص، فلو أثبتَّ ما يُعقَل من لفظ التخصيص بهذا لَزِم الدور.
وأيضًا فقوله: «إذا عُدِمَ هذا المعنى لزِمَ إما عدم العموم أو تحقّق موجبه»، قلنا: هَبْ أنه كذلك، لكن من أين يلزم [من] تحقُّق أحدِهما عدم
стр. 332
اسم التخصيص؟ فإن الواضع لو وضعَ اسم التخصيص على بعض ما يجامع أحدهما لم يكن محالًا.
وإن قال: يلزم عدمُ المعنى الذي فسَّرنا به التخصيص.
قلنا: نعم، ولكن لمَ قلت: إن ذلك هو معنى لفظ التخصيص؟ فإن هذا أولُ الكلام. وأيضًا فإن الاستدلال بهذين الدليلين موقوفٌ على المقتضي لتحقُّقِ موجب العموم وعلى النافي للتخصيص، ولا شكَّ أنّ معرفة معنى التخصيص أمرٌ متفقّ عليه أظهرُ من هذين الأصلين، فكيف يثبت الأقوى بالأضعف؟
واعلم أن المرجع في ذلك إلى استقراء صور الاستعمال ومعرفة صور الوجود وصور العدم، وهذا [ق ١٥٠] قد يُقطَع به، وقد يَغلب على الظنّ. وأدنى الأحوال أن يُستدلَّ على الأشياء باستصحاب الحال، بأن يقال: قد وجدناهم يستعملون لفظ التخصيص في موضع كذا وكذا وكذا، وقد اشتركت هذه المواضع في هذا المعنى، والأصل عدم موضع آخر لا يُوجد فيه هذا المعنى.
وإن سلك الطريقة المحققة قال: هذا اللفظ مطابقٌ لهذا المعنى عمومًا وخصوصًا، وملازمٌ له وجودًا وعدمًا، لأنا وجدناه مقرونًا به في موضع كذا وكذا، والأصل عدم وجود أحدهما منفردًا عن الآخر. وقد يمكن التقسيم الحاصر إذا كان حكم الأقسام مسلَّمًا أو معلومًا، سواء كان في جانب الوجود أو العدم، مثل أن يقال: اللفظ إمّا أن يكون متناولًا للمعنى أو لا يكون، فإن لم يكن متناولًا فلا تخصيص، لم يبق إلّا إذا تناوله اللفظ وهو غير مراد، وهذا حسنٌ إذا سلّم انتفاء التخصيص في القسمين الأولين. والله
стр. 333
سبحانه أعلم.
قوله: «وإذا كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقةً له، وإلّا يلزم الاشتراك أو المجاز».
هذا تقريرٌ لكون (١) المعنى إذا كان عامًّا لموارد استعمال الاسم يكون حقيقةً له، وهو أحد الوجوه التي ذكرناها فيما تقدم في حجة من يقول بهذه القاعدة. وبيان كلامِه أن المعنى عامٌّ لموارد استعمال الاسم، فإما أن يكون حقيقةً أو لا يكون، والثاني باطلٌ، فيتعيَّنُ الأول. وإنما قلنا: إنه باطل، لأن الغير لو كان حقيقةً مثل أن يقال: التخصيص عدم إرادة المعنى من اللفظ المتناول له بكلامٍ متصل، فيقال: استعمالُه في ذلك الغير إما أن يكون بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز، فإن كان بطريق الحقيقة كان اللفظ مشتركًا، وإن كان بطريق المجاز كان مجازًا، وكلاهما خلاف الأصل.
وهذا تقريرٌ ليس بصحيح، والاعتراضُ عليه أن يقال: قولك: «وإن كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقة له»، أيَّ شيء تَعنِي بالغير؟ تَعني غيرَ هذا المعنى العام أو غيرَ ما هو معنى عام؟ فإن عنيتَ غيرَ هذا المعنى فلا نُسلِّم أنه يلزم الاشتراك والمجاز، وذلك لأن غير هذا المعنى هو عامٌّ أيضًا أو يجوز أن يكون عامًّا، لأن هذا المعنى يجوز أن يكون عامًّا لموارد الاستعمال وليس اللفظ عامًّا لمواردِه، ويجوز أن يكون اللفظ عامًّا
стр. 334
لموارده [و] يكون [المعنى] موجودًا بدون اللفظ، وإذا كان المعنى موجودًا بدون اللفظ لم يكن حقيقة اللفظ مع أنه عام لموارده. وعلى هذا [ق ١٥١] التقدير فلابدّ من معنًى يكون عامًّا لموارد الاستعمال، ويكون اللفظ عامًّا لموارده هو حقيقة اللفظ، ولا يلزم اشتراك ولا مجاز. وإن شئتَ قلتَ: غير هذا المعنى إذا كان حقيقة اللفظ فإنه يكون عامًّا أيضًا لمواردِه، ولا اشتراك ولا مجاز. وإن شئت قلت ما هو أعمّ من هذا المعنى وأعمُّ من الأعمّ وهَلُمَّ جرًّا، كلُّها مغايرةٌ لهذا المعنى. ولو كانت حقيقة اللفظ لم يلزم اشتراكٌ ولا مجاز، لأن اللفظ يكون حينئذٍ دالًّا على القدر المشترك بينهما، كلها بطريق الحقيقة.
وإن عنيتَ بالغير معنًى لا يكون عامًّا، فإنه على هذا التقدير يلزم الاشتراك أو المجاز، لأن حقيقة اللفظ إذا لم تكن عامّةً لمواردِه فاستعمال اللفظ في بقية الموارد إن كان بطريق الحقيقة أيضًا كان للَّفظ حقيقتان، وهو المشترك، وإن كان بطريق المجاز لزم المجاز، لكن إذا بطل ما ليس بمعنًى عام وهذا عام فلِمَ قلتَ: إنه حقيقة اللفظ؟ إنما يثبت ذلك إذ لو كان لا معنى عام إلّا هذا، لكن هنا معاني (١) كثيرة عامة. أو يجوز أن يكون هنا معنًى عام أو ما هو أعمُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا بالضرورة، أو ما هو أخصُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا إن أمكن بيانُ ذلك. وقد تقدم الكلام على هذا.
واعلم أن قوله: «فإن الغير [لا] يكون حقيقة له» ظاهرُه أنه يعني: غيرُ هذا المعنى لا يكون حقيقة، لأنه لو كان حقيقةً لزمَ الاشتراك أو المجاز، كما ذكرنا في التقرير الأول، وهذا فاسدٌ بالضرورة كما تقدم.
قال المصنف (٢): (ولئن قال: لِمَ قلتم بأن اللفظ تناولَه؟ فنقول: بدليل صحة الاستثناء).
стр. 335
لما ادَّعى أن الأصل مخصوص من اللفظ العام بمعنى عدم إرادته مع تناول اللفظ إيَّاه، فيخص منه النزاع. قال: «ولئن قال: لِمَ قلتم إن اللفظ تناولَه؟»، قال: «فنقول: بدليل صحة الاستثناء». وذلك أن صحة استثناء الشيء من اللفظ يَدُلُّ على أنه عامٌّ له، لأن الاستثناء يُخرِج من اللفظ ما لولا هو لما خرج، بدليل النقل والاستعمال والحكم والاشتقاق.
أما النقل فإن أهل النحو ذكروا ذلك في كتبهم، وقالوا: إخراجُ ما لم يدخل استثناءٌ منقطعٌ، وإنما حقيقة الاستثناء أن يخرج بعض ما دخل في اللفظ.
وأما الاستعمال فإن الاستقراء دلَّ على أنّ العرب إنما تُخرِج من اللفظ ما دَخلَ فيه، فإذا لم يدخل استُغنيَ بعدمِ دخولِه عن إخراجه.
وأما الحكم فإنه لو قال: «عَبِيْدي أحرارٌ إلّا فلانًا» عَتَقُوا كلّهم إلا فلانًا (١)، [ق ١٥٢] ولو لم يَستثنِه لعتقوا كلُّهم، ولولا أن الاستثناء أخرجه وكان داخلًا بدونه لما كان كذلك.
وأما الاشتقاق فإن الاستثناء استفعالٌ من الثَّنْيِ، وهو الصَّرف والمنع، يقال: ثَنيْتُ عِنانَ الفرس، وثَنيْتُ فلانًا عن رأيه، إذا طلبتَ صَرْفَه عن وجهه. فالاستثناءُ طَلَب (٢) صَرْفِ المستثنى ومَنْعِه عن الدخول، ولولا قيامُ المقتضي لدخولِه لم يحتج إلى ذلك. وإذا قام المقتضي السالم عن المعارض وجبَ دخولُه.
فإن قيل: هذا يُشكِل بالاستثناء من غير الجنس.
стр. 336
قلنا عنه أجوبة:
أحدها: أن ذلك لا يكون إلّا في كلام غير موجب، كما شهدَ به الاستعمال، ونحن إنما استدللْنا بالاستثناء مطلقًا من الموجب وغيره.
الثاني: أن ذلك يكون منصوبًا بكلِّ حالٍ في اللغة الحجازية (١)، كما في قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. ونحن إنما قصدنا المستثنى الذي يجوز إبدالُه في اللغة الشائعة (٢) من المستثنى منه.
الثالث: أن ذلك مجاز على خلاف الأصل باتفاق أهل العربية، وبعضهم يقول: ليس باستثناء، وإنما هو بمعنى «لكن»، ونحن إنما استدللنا بحقيقة الاستثناء لا بمجازه.
الرابع: أن المانع هناك من دخولِ المستثنَى في المستثنى منه كونُ لفظ المستثنى منه ليس موضوعًا له جميعًا ولا فرادى. ونحنُ إنما نستدلُّ بما يَصحُّ أن يُطلق عليه لفظ المستثنى منه ولو على سبيل الأفراد، كما يُطلق لفظ الإنسان على آحاد الذين آمنوا.
الخامس: أن مقتضى الدليل دخولُ كلِّ مستثنًى، لكن حيث عُلِمَ أن اللفظ لم يَشملْه عُلِمَ أنه استثناء منقطع، فما لم يُعلم ذلك فهو على الأصل.
السادس: أن الاستثناء المنقطع استثناء [المستثنى] من حكم المستثنى [منه] ومن جنسه البعيد، فإذا قيل: ... (٣) إنسان إلّا حمارًا، فقد استثنيت
стр. 337
الحمار من الحكم، وهو نفي كونها فيه، وهو مستثنًى من جنس الإنسان البعيد، وهو الحيوانية، فعُلِمَ أن المستثنى لا بدَّ أن يدخل جنسه البعيد في حكم المستثنى منه، ولولا ذلك لما صحَّ الاستثناء. وهذا حسن.
قوله (١): (ولئن مَنَعَ فنقول: يصحّ استثناء البعض في بعض الأسامي المحلَّاة بالألف واللام، كما في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٣]، فوجبَ أن يصحَّ في الكلّ، وإلّا (٣) يلزم أن يكون البعض مختصًّا بالموجب، وليس كذلك. وإذا صحَّ في الكلِّ صحَّ فيما نحن فيه. ولئن قال: لِمَ قلتم بأنه إذا صحَّ في البعض صحَّ في هذا المعيَّن؟ فنقول مثل (٤) ما قلنا).
اعلم أن هنا مَنْعَين:
أحدهما: أن [ق ١٥٣] يمنع صحة الاستثناء من اللفظ الذي يدعي عمومه، وهو قوله هنا: «الثيِّب بالثيب جَلْد مئةٍ وتغريبُ عام» أو «الثيبان يُرجَمان» و «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» (٥).
والثاني: أن يمنع كون الاستثناء دليل التناول والعموم.
أما الثاني فقد تقدم بيانه، وأما الأول فيحتاج إلى بيان صيغ العموم، والكلام في هذا الموضع في الاسم المعرَّف باللام، وهو قسمان:
стр. 338
أحدهما: أن يكون اسم جمع أو ما هو في معنى (١) اسم الجمع، وهو ما لم يصلح أن يكون صفة للواحد ولا موصوفًا به، مثل جموع التصحيح والتكسير، كرِجالٍ وقُرُوْء، وأسماء الجموع كالناس والنَّفر والرَّهْط، واسم الجنس كالنمر والبقر والغنم والإبل ونحو ذلك، فهذا كلُّه للعموم باتفاق القائلين بالعموم إلّا من شَذَّ.
الثاني: أن يكون اسمًا واحدًا، مثل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبَّهة وأفعل التفضيل والمصادر كلّها وجميع أسماء الأجناس التي لها تثنية وجمع، كالإنسان والحيوان والدرهم والدينار. فهذا عند الفقهاء وأكثر الأصوليين يُفيد العموم أيضًا، كما ذكره صاحب الجدل. وذهب جماعةٌ من مُثبِتي العموم من المتكلمين إلى أنه لا يفيده، وإنما يُفيده عند القائلين به إذا لم يكن التعريف لمعهود، فأما إن كان لمعهود غير المسمّى العام فإنه يرجع إليه بلا تردد.
والدليل على أنه يفيده صحة الاستثناء منه، والدليل على صحة الاستثناء منه قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢ - ٣]. وإذا صحَّ الاستثناء من بعض الأسماء المفردة صحَّ من جميعها، لأنه لو لم يصحَّ لكان ذلك البعض مختصًّا بما يوجب صحة الاستثناء، وليس كذلك، لأن الأصل عدم الموجب، ولأنه لا فرق بين هذا المفرد وبين غيره من المفردات، فوجب التسوية بينها في جواز الاستثناء، وإذا صحَّ في جميع الأسماء المفردة صحَّ فيما نحن فيه، لأنه اسم جنس مفرد، ولأن الاستثناء قد صحَّ في عدة صور، مثل قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي
стр. 339
خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ٩ - ١١]، وقول النبي ﷺ : «التاجر هو الفاجر إلّا من بَرّ وصَدَق» (١) أو كما قال، إلى غير ذلك من الصور.
فنقول: إنما صحَّ فيها للقدر المشترك بينها، وهو الألف واللام، لدوران الصحة معها وجودًا فيما ذكرنا، وعدمًا في النكرات في الموجب إذا قيل: [ق ١٥٤] أكرم رجلًا ونحو ذلك، وإذا كانت الألف واللام هي المصحِّحة للاستثناء وجب صحة الاستثناء حيث كانت، ولأن المصحّح للاستثناء ليس غير الألف واللام، إذ ليس في اللفظ ما يصلح للعموم غير ذلك بالضرورة والاتفاق، فتعيّن الألف واللام. ولأن الألف واللام للتعريف فإذا لم يكن بعض الأفراد معهودًا لم يبقَ معروفٌ ينصرف الخطابُ إليه إلّا الجنس، ولو كان المراد مطلق الجنس لم يصحّ الاستثناء، لأن إخراج فردٍ من الأفراد لا يؤثِّرُ في الحقيقة وجودًا ولا عدمًا، فتعيَّن أن يكون المراد استغراق الجنس. وهذا كما أنه دليل على العموم فهو دليل على صحة الاستثناء من كلّ جنسٍ جاز تعريفُه مع عدم العهد، وهو المقصود.
وأما قول المصنف: «إذا صحَّ في بعض الأسامي صحَّ في الكلّ، وإلّا كان البعض مختصًّا بالموجب، وليس كذلك»، فهو كما قال، لأنه لو صحَّ
стр. 340
في بعض الأسماء المحلَّاةِ باللام دون البعض لوجب اختصاص البعض بالموجب (١)، وليس كذلك، لأن الموجب للصحة هو المشترك بينها. أو نقول: فإن الصحة متعلقة بالمشترك بينها، وهو الاسم المحلَّى باللام، لما تقدم من الدوران ونحوه.
فإن قيل: قد دارَ مع ما يختصُّ بتلك الصورة المستشهد بها.
قيل: لم يَدُر معه عدمًا، لأنّ المختصّ ينتفي بانتفاء أجزائه، وصحة الاستثناء موجودة، ولم يَدُرْ مع بعضه، لأنه لم يَدُرْ وجودًا مع بعضه.
وأما قوله: «لمَ قلتم: إذا صحَّ في البعض صحَّ في المعيَّن؟» فمعناه: لمَ قلت: إنه إذا صحَّ في بعض أفراد الجنس يصحُّ في هذا الفرد المعيَّن من أفراد العام؟
«فنقول مثل ما قلنا»، أي أنه إنما صحَّ في البعض لأجل المشترك بينه وبين غيرِه، وهو كونُه داخلًا في مسمَّى الاسم العام خارجًا عن إرادتِه لدوران الصحة معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي صورة الصحة، وأما عدمًا ففي صورة عدم المشترك، وهو ما إذا كان مرادًا. فقد دارَ كلامُه على مقدمتين:
إحداهما: أنه صحَّ استثناء البعض في بعض الأسماء المعرَّفةِ بالألف واللام، فيصحُّ في الجميع.
والثاني: صحَّ استثناء البعض، فيصحُّ استثناء الجميع، وهو كلامٌ صحيح في الجملة.
стр. 341
الوجه الثاني في تقرير العموم: أن المراد بالثيب ونحوه إمّا أن يكون المراد به واحدًا بعينه أو عموم الجنس أو مطلق الجنس:
والأول منتفٍ بالإجماع، ثم لو ثبت في واحدٍ بعينِه فإنما ذاك لأجل الثيوبة، فإنّ الحكم إذا عُلِّق باسمٍ مشتقّ مناسب كان ما منه الاشتقاقُ علَّةً، فتكون العلةُ هي الثيوبة، فيجب عموم الحكم لعموم علته.
والثالث يقتضي العمومَ أيضًا، لأنه يقتضي تعلُّقَ الحكم بالحقيقة من حيث هي هي، [ق ١٥٥] وكلُّ فردٍ من أفراد الحقيقة قد تحققت فيه الحقيقة، فيجب أن يتعلَّق الحكم بها، لما ذكرناه من المعنى.
والثاني واضح.
الوجه الثالث: أن المانع من عمومِه إمّا أن يكون جواز إرادة الحقيقة من حيث هي هي أو شيئًا آخر، لكن الثاني منتفٍ بالأصل وبالاتفاق على أن ما سوى ذلك ليس بمانع. وهذا (١) لا يجوز أن يكون مانعًا، لأن أسماء الجموع قد يُرادُ به تعريفُ الحقيقة، ثم لم يكن ذلك مانعًا من العموم، فكذلك أسماء الأجناس.
واعلم أن الحكم المعلَّق باسم الجنس إن كان في معنى النفي ــ كالتحريم ونحوه ــ كان مفيدًا للعموم بلا تردُّد، لأن انتفاء الحقيقة لا يحصل إلا بانتفاء كلِّ فردٍ من أفرادِها، أما إذا كان إثباتًا كالإيجاب والإباحة فيظهر لك أن دلالة قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] على العموم أضعفُ من دلالة قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ على العموم، فإن تحريم الربا يقتضي تحريم هذه
стр. 342
الحقيقة، وتحريمها يقتضي الأمر بإعدامها، وذلك لا يحصل إلّا بإعدام كلِّ فردٍ من أفرادِ الربا. وأما إحلال البيع فإن قيل: يقتضي العموم، وإلّا فيقال: إنه إنما اقتضى إباحة هذه الحقيقة، ولا شكّ أنها مباحة، لكن لا يمنع من تحريم بعض البيوع بسببٍ خارج عن حقيقة البيع.
وأيضًا فإن إحلال البيع مع تحريم الربا يقتضي أن بعض البيوع محرَّم، وذلك البعض لا يُعلَم حتى يُعلم الربا، فيكون مُجملًا، أو يكون كلّ ما يُسمَّى ربًا خارجًا عن الإحلال، والربا إمّا عامٌّ أو مجمل. ولأجل هذه المآخذ اختلف الناس هل المُحَلُّ والمحرَّمُ هنا مجملٌ أو عام، مما ليس هذا موضع استقصائه (١).
قال المصنف (٢): (ولئن منع الإضافة وقال: إنه غير مضاف أو غير ثابت بالأصل (٣)، فذلك باطلٌ يُعرَف من بعدُ).
يعني إن منعَ إضافةَ الحكم إلى المشترك بين صورة الإجماع وصورة النزاع، وقال: إن الحكم غير مضاف إلى المشترك، أو التخصيص غير ثابت في صورة الإجماع. أما الأول فلما تقدم ذكره من النافي للتخصيص، يقول: أحد الأمرين لازم إما عدم الإضافة أو عدم التخصيص، فإنه يكون قد ادَّعَى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء.
وقد تقدم الكلام على عدم جواز هذا، وسيأتي إن شاء الله، وذلك أنه
стр. 343
يدَّعي عدمَ الإضافة، وقد انعقد الإجماع على وقوع التخصيص، فيكون عدم التخصيص لازم الانتفاء. وأقلُّ ما فيه أن يُقابَل بمثله، فيقال: لا يتحقق أحدهما لتحقق أحد الأمرين الآخرين اللَّذين أحدهما عدم التخصيص في صورة الإجماع أو الإضافة إلى المشترك، وإذا تحقق أحدهما ولم يتحقق عدم [ق ١٥٦] التخصيص تعيَّن إضافة الحكم إلى المشترك، وذلك يناقض ما ادعيتم من نفي الإضافة.
قوله (١): (وكذلك إذا قيل (٢): لو أضيفَ لتَرجَّح القياسُ على النصّ، فإن الترجيح بعد التعارض (٣)، ولا تعارضَ بينهما في الحقيقة).
هذا كلام صحيح في الأصل، وهو كلام من يجوِّز تخصيص العموم المخصوص بالقياس، فإن المانع يقول: لو أضيف الحكم إلى المشترك للزمَ ثبوت الحكم في الفرع، فيلزم ترك العمل بالعموم، وذلك تقديم القياس على النصّ، وهذا لا يجوز، لِما (٤) تقدم من الحجج الكثيرة.
وجوابُه أن الترجيح بعد التعارض، ولا تعارض بين النصّ والقياس، لأنّ النصّ لم يدلَّ على الحكم في صور التخصيص، وإذا لم يكن مراده لم يكن قد تعارضا. وهذا معنى قولِه «في الحقيقة»، وقد تعارضَا في الظاهر، لأن العموم يُثبِتُ الحكمَ في ذلك الفرد، والقياس ينفيه. لكن يقال: إنما
стр. 344
قدَّمنا القياسَ على دلالة العموم، وذلك غير محذور، وليس هو ترجيحًا للقياس على النصّ.
ومنهم من يُقرِّر هذا بوجهٍ آخر، فيقول: لو أضيف الحكم إلى المشترك لكانت الإضافة متحققةً في نفس الأمر [و] امتنع أن يعارضها نصٌّ، لأنّ النصّ كلام الشارع، وهو مما يُوجِب العلم في الشرعيّات لكونه مَصُونًا عن الخطأ، والقياسُ رأيُ المجتهد وقد يُخطِئ ويُصيب ولأن النصّ مُثبِتٌ للحكم، والقياس مُظهِرٌ لمحل آخر يثبت فيه مثل حكم النصّ، فكيف يُعارضه؟ فكيف يتعارضان؟ وإذا امتنع تعارضهما امتنع الترجيح، لأنه فرع التعارض. لكن وقوع الإضافة دليلٌ على عدم النصّ المعارض، فلا ترجيح للقياس على النصّ.
واعلم أنّ الجواب الأول الاعتراضُ عليه ببيان دلالة العام على صور التخصيص وغيرها، وحينئذٍ يعود الكلام المتقدم.
وأما الثاني فضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه هَبْ أن الإضافة لو كانت واقعةً لما عارضت النصّ، لكن وقوعها في نفس الأمر غير معلوم، وإنما دلَّ عليه المناسبة ونحوها، فيكون ما ذكرته على صحة وقوع الإضافة معارضًا للنصّ، ومعنى الكلام: إن قلتم بالإضافة لزمَ المحذور.
الثاني: أن المعارضة بين دلالة النصّ وبين القياس. وهذا واضح.
стр. 345
(فصل في تعدية العدم) (١)
[ق ١٥٧] اعلم أن القياس تعدية حكم الأصل إلى الفرع، والحكم قد يكون وجودًا وقد يكون عدمًا، كما يُعدَّى عدمُ (٢) الوجوب أو عدم التحريم أو عدم الصحة ونحو ذلك. وإذا كان عدمًا جاز أن يكون وصفًا وجوديًّا، وهو في الغالب وجود مانع منه، وجاز أن يكون عدميًّا، وهو في الغالب عدم المقتضي له أو عدم شرطه. ومن الناس من يمنع القياس بعدم المقتضي، لأنه متوقف على نفي المقتضي عنهما، وذلك إذا حصل في الفرع أغنى عن القياس. والصحيح أنه يصح القياس به كما يصحّ القياس بوجود المانع، وإن كان وجوده لو ثبت [كان] كافيًا، وكما يصحّ القياس بالمقتضي للحكم، وإن كان لو ثبت اقتضاؤه [كان] كافيًا للحكم. وذلك أن الأصل بمنزلة الشاهد، وذلك أنه قد لا يمكن بيان عدم المقتضي في الفرع إلّا بتوسُّطِ عدمِه في الأصل، وقد تكون الدلالةُ على عدمِه في الفرع بواسطة القياس أسهل، فإن الصورتين إذا تماثلتا وقد عُدِمَ المقتضي في إحداهما عُدِم في الأخرى، مثل أن يُستدلّ على عدم وجوب الزكاة فيما إذا نقصَ نصابُ النقدين نقصًا يسيرًا، بأن يقال: نقص يسير في النصاب، فلا تجب الزكاة معه، كنقص نصاب السائمة أو كنقص الكثير. أو يُقاس عدمُ وجوبِ الوتر على [عدم] وجوب ركعتي الفجر بجامعِ فِعْلِهما على الراحلة في السفر، وإن كان وجود نقص النصاب يُوجب عدمَ المقتضي.
стр. 346
وقد يمكنه أن يجمع بين الأصل والفرع بالمشترك، سواء كان عدم مقتضٍ أو وجود مانع، بأن يقول: إن لم يكن المقتضي موجودًا لزمَ عدمُ الوجوب، وإن كان موجودًا امتنع الحكم لوجود المانع، قياسًا على الأصل.
واعلم أن القياس في الأحكام العدمية مع تجويزه في الوجود.
فإن قيل: كيف صحَّ تعدية العدم؟ والتعدية فرعُ تعليل الحكم، والعدم لا يمكن تعليلُه بعلةٍ وجوديَّة ولا عدمية، لأن العلة لابدَّ أن تكون سابقةً للمعلول سبقًا ذاتيًّا، والعدم لا يَسبِقه شيء بالذات لا وجودٌ ولا عدمٌ، فإنه قبل كلّ وجودٍ حادثٍ، مع كلِّ عدمٍ.
فيقال: الجواب من وجوه:
أحدها: أن العلل قد تكون أدلَّةً وعلاماتٍ، والأمر العدمي يجوز أن يُعلم بغيره وإن لم يكن سابقًا عليه، لأن المتأخر يجوز أن يدلَّ على المتقدم. والأمور العدمية إنما عللها في الحقيقة علاماتٌ وأدلة على بقاء العدم.
الثاني: [ق ١٥٨] أنه يجوز تعليله بالوجود وبالعدم، أما بالأول فإن المانع أمر وجودي يقتضي عدمَ الحكم، وهذا العدم عدمٌ خاصٌّ، وهو عدمٌ انعقد بسبب الوجود الذي يناقضه، فيكون حادثًا متخصصًا، فيجوز أن يُعلَّل بالوجودي. وأما بالثاني فلأن عدم الحكم يُعلَّل بعدم العلة المتحدة وإن اقترنا في الزمان، ويكون عدم العلة متقدمًا بالذات على عدم المعلول، كما كان وجودُها بالذات متقدمًا على وجودِه، إذ التقدم هنا إنما يُعرَف بالعقل، بأن يقال: وُجِدَ هذا فوُجِد هذا، ويقال: عُدِم هذا فعُدِمَ هذا، وهذا كذلك.
الثالث: أن يقال: العلة في العدم هي علم الله سبحانه بأن المصلحة في
стр. 347
إبقاء عدم الحكم (١) على ما كان، وبأن المصلحة في أن يكون معدومًا لا موجودًا.
الرابع: أن عدم الحكم يتضمن أمرًا وجوديًّا، لأن عدم الوجوب يتضمن إباحة الترك، والتلبُّس (٢) بالأضداد، واعتقاد عدم الإيجاب، وهذه أمور وجودية.
الخامس: أن عدمَ الإيجاب الذي [في] علم الشارع (٣) مغايرٌ لعدم الإيجاب الذي يستفاد باستصحاب دليل العقل، والشارع إنما يقرر عدم الإيجاب على ما كان، ويخصُّ بعض الأشياء بالوجوب لأمورٍ تفصِل بين ما أوجبَه وبين ما لم يوجِبْه، وإلّا لكان تخصيصًا من غير مخصّص. وحينئذٍ فلا يُعنَى بالعلة سوى ما أوجب الفرق بين الموضعين، سواء كان وجوديًّا أو عدميًّا في أحدهما أو في الآخر.
السادس: أن عدم الوجوب مستلزم لقيام ضدٍّ من أضداد الوجوب، كما أن عدم الفعل مستلزم لضدٍّ من أضداد الفعل، فكما جاز أن ينهى عن الفعل ويكون الطلب متوجّهًا إلى الاشتغال بضدّ الفعل جاز أن يكون هذا الترك مستندًا إلى علة، وأن يكون عدم الوجوب لذلك بمعنى أن عدم وجوب الفعل متضمن لضدٍّ من أضداد هذا العدم.
السابع: أنه إذا عُلِّل عدمُ الوجوب مثلًا، فلا بدَّ أن يُعلَّل بعدم مصلحةٍ في الوجوب أو بقيام مفسدةٍ فيه، وكونُه خاليًا عن المصلحة أو متضمنًا للمفسدة والعلمُ بذلك يمنع الشارعَ من هذا الإيجاب، فيكون الإيجاب
стр. 348
ممتنعًا، والتعليل لامتناع الوجوب لا بمجرد عدمه، ولا شكّ أن كونَه ممتنعًا أخصُّ من كونِه معدومًا، وليس ذلك لامتناعه في ذاته، فلا بدَّ أن يكون لسببٍ منفصلٍ. وهذا الامتناع قد يكون حادثًا، فإن الشيء الجائز قد يصير ممتنعًا، وإذا كان حادثًا جاز تعليلُه كغيره.
واعلم أنّا إنما تكلمنا في هذا بناءً على أن الأحكام الوجودية قد توصف بالحدوث إذا عُنِيَ بالحكم نفس الوجوب أو الحرمة القائمان بالفعل [ق ١٥٩] أو المضافان إليه، ولم يُعنَ بهما نفس الإيجاب أو التحريم الذي هو كلام الله، فإنه إذا عُنِيَ بها ذلك فالأحكام كلُّها قديمةٌ وجوديُّها وعدميُّها (١)، والسؤال على الجميع واحد، وإن كان بينهما فرقٌ من وجهٍ آخر. واعلم أن استقصاء الكلام في هذا السؤال غيرُ لائقٍ بمقصودِ هذا الكتاب.
قال المصنف (٢): (كما يقال: العدم ثابت في فصل اللآلئ والجواهر، فكذا في الحُلِيِّ بالقياس عليه (٣)، إذ (٤) العدم في اللآلئ والجواهر (٥) يدلُّ على أن المشترك بين الوجوبين لا يكون علةً أصلًا، أو المشترك بين العدمين مانعٌ عن الوجوب قطعًا، فإنه إذا لم يتحقق أحدُهما تحققَ الوجوب (٦)
стр. 349
[فيهما] (١) بالمقتضي السالم عن المعارضَينِ القطعيَّينِ (٢)، أحدهما عدم علّية المشترك، والثاني مانعيته) (٣).
اعلم أنه إذا قاس الحُليَّ على الحلية من الجوهر مثلًا في عدم الوجوب، فعليه أن يبيّن أن المشترك بينهما دليلٌ على عدم الزكاة، إمّا باشتماله على عدمِ مقتضٍ أو فواتِ شرطٍ أو وجودِ مانع، فيقول: المشترك بينهما ــ وهو التحلِّي ــ مانعٌ من الوجوب أو مشتملٌ على عدم الموجب، لأن التحلي من الأمور المباحة المأذون فيها، وإيجابُ الزكاة فيه يُخِلُّ بمقصود هذا المباح، لأنه ليس لها نماءٌ يَسُدُّ مَسَدَّ ما يُخرَج منها. وهذا المعنى مناسبٌ لعدمِ الوجوب، إمّا لكونه مانعًا للسبب، فلا يكون السبب معه سببًا، أو مانعًا للحكم، وقد شهد له بالاعتبار عدمُ الوجوب في الأصل، وغيره من الأصول.
أو يقول: الحلية مالٌ مقطوعٌ عن النماء، والزكاةُ إنما تجب في مالٍ نامٍ بالدوران، فإن الإبل والبقر والغنم والعروض والنقدين لما كان مالًا مُرصَدًا للنماء بنفسه أو قابلًا للتنمية من غير فواتِ مقصودٍ أوجبَ الشرعُ فيه الزكاة، والعبيد والمساكن لما لم يكن قابلًا للنماء لم يُوجِب فيه الزكاة. ودوران الحكم مع الوصف أو دوران الأثر مع المؤثر وجودًا وعدمًا آية (٤) كون المدار علةً للدائر، فيكون كونُ المالِ ناميًا بمعنى أنه ينمي بنفسه أو بتصريفه
стр. 350
من غير فواتِ مقصودٍ علةً لوجوب الزكاة. وقد دلَّ على اعتبار القيد الأخير عدم الإيجاب في المعلوفة والعوامل، فإنها تقبل النماء، وقد تنمي لكن مع فوات مقصودٍ، وهو الاستعمال ونحوه، والحليُّ ليس كذلك.
هذا ونحوه تقرير علّية المشترك، وللمعترض أن [ق ١٦٠] يتكلم على المناسبة أو الدوران بوجوهٍ معروفةٍ لم يتعرض لها المصنف فلذلك لم نذكرها، إذ الغرضُ التنبيهُ على المسلك الصحيح والتكلم على مسلكه، ليظهر الفرق بين الجدل الصحيح والباطل.
وهؤلاء إنما يسلكون الكلام العامّ المموّه في تعدية العدم، كما قال: «إذ العدم في اللآلئ والجواهر يدلُّ على أن المشترك بين الوجوبين لا يكون علة أصلًا، أو المشترك بين العدمين مانعٌ عن الوجوب قطعًا» إلى آخره. يقول: عدمُ الوجوب في اللآلئ والجواهر يدلُّ على أحد أمرين: إمّا على أن المشترك بين الوجوبين لا يكون علةً، أو على أن المشترك بين العدمين مانعٌ من الوجوب، وعلى التقديرين يلزم انتفاء الوجوب في الحليّ، لأن اللازم إن كان عدم كون المشترك بين الوجوبين علةً لزمَ عدمُ الحكم لعدم علته، وإن كان اللازم كون المشترك بين العدمين مانعًا فقد تحقق مانعُ الحكم، فيجبُ عدمُه. ويعني بالمشترك بين الوجوبين كونَ الوجوب فيهما محصّلًا للمصالح المتعلقة بالوجوب، ويعني بكونه لا يكون علةً أي لا يكون علةً راجحةً، لا في الأصل ولا في الفرع. كذلك يعني بكون المشترك بين العدمين مانعًا، أي مساويًا راجحًا فيهما، ومعلومٌ أنه على هذا التفسير يكون عدم المقتضي قاطعًا، والمانع كذلك.
قال: وإنما قلت: إن أحدَ الأمرين لازمٌ؛ لأنه إذا لم يلزم واحد منهما،
стр. 351
أعني من عدم عِلِّيَّة (١) المشترك، ووجود مانعيَّة المشترك، فقد خلا الأصل والفرعُ من تحقُّق عدم عِلِّيَّة المشترك للوجوب، ومنع المشترك للوجوب، فتجبُ الزكاةُ في الحِلْية الجوهرية بالمقتضي لوجوبها من النصِّ والقياس ونحوهما، السالم عن المعارِضَيْن القطعيَّيْن؛ وهو معارضةُ تحقُّق عدم كون المشترك علة، وتحققُ كون المشترك مانعًا، بالتفسير الذي ذكرناه، ومضمون العدم هو معارِضٌ قطعيٌّ للعلة الموجبة وللحكم= لعَارَضَ ذلك بما يوجب الزكاة.
هذا تفسيرُ كلامه، وسيتضح في حَلِّه بيانُ فسادِه والاعتراضِ عليه، وذلك من وجوه:
أحدها: قوله: «العدم في اللآلئ والجواهر يدل على أن المشترك بين الوجوبَيْن ليس بعلة، أو أن المشترك بين العدَمَيْن مانع».
قلنا: لا نُسَلِّمِ، ولم يذكر على ذلك دليلًا سوى قوله: «بالمقتضي السالم عن المعارضَيْن».
قلنا: لا نُسَلِّم وجودَ المقتضي على هذا التقدير، ولم يذكر [ق ١٦١] على وجوده دليلًا فنتكلَّم عليه، ولا يحتاج أن يمنع الوجوب كما منع السائل بالمانع، بل يمنع الوجوبَ، ويمنع وجودَ مُقْتضيه حتى يثبتَه.
وإن قال: المقتضي واقع في الواقع، فيجب أن يكون واقعًا على هذا التقدير بـ?ستصحاب الواقع.
يقال له: واقع على كلِّ تقدير، أو على تقدير واقع؟ فإن ادَّعى الأول؛
стр. 352
فهو باطل بالضرورة والإجماع، وإن ادعى الثاني؛ قيل: لا نُسَلِّم أن التقديرَ الذي ذكرتَه واقعٌ (١)، لأنه تقدير أن ليس له علة لعدم الحكم، أو أنه مانع من ثبوت الحكم، وتقديرُ عدم عِلِّيَّته أو مانعيَّته لا نُسَلِّم أنه واقع؛ لأن المشترك عندنا لا تأثير له وجودًا ولا عدمًا، ولا يمكنُه بيانُ كونِ التقدير واقعًا إلا ببيان تأثير المشترك، وحينئذٍ يكون ذلك دليلًا مستقِلًّا، فيُسْتَغْنَى به عن هذا الكلام.
هذا هو المنعُ المحقَّق، وإن شئتَ قلت: لا نُسَلِّم أن المقتضي واقع في الواقع، ولا دليل له على ذلك، بل الدليلُ على عدمه، وذلك لأن المراد به ما يقتضي وجوبَ الزكاة في اللآلئ والجواهر؛ لأنه إن عَنَى بالمقتضي: النصوصَ العامةَ، فقد علم عدم إرادة اللآلئ والجواهر منها، فلا تكون مُقْتَضية، وإن عَنَى به نوعَ قياسٍ فيه مناسبة أو نحو ذلك إبطال (٢) ذلك بطريقه، فإنَّه من المحال أن يقومَ دليلٌ شرعيٌّ على وجوب الزكاة في اللآلئ والجواهر في الواقع.
وإن قال: إنما هو مقتضٍ على هذا التقدير، وهو تقدير كون المشترك لا يدلُّ على منع الزكاة.
قال له المعترِضُ: ولا أُسَلِّم أن شيئًا من الأدلة مقتضٍ على هذا التقدير؛ لأن هذا التقدير واقع عندي، فإن المشترك لا أثر له في مَنْع الزكاة، وإنما امتنعت الزكاةُ في الحلية من الجواهر لمعنًى اختصَّ بها. وإذا كان هذا التقديرُ واقعًا امتنع أن يقوم المقتضي للوجوب على تقدير عدم اختصاص الحِلْية بما يمنع الوجوب، بل الواقعُ أحدُ الشيئين؛ إما عدم المقتضي
стр. 353
للوجوب في الحلية، أو اختصاصها بالمانع، فيمكن أن ينازع في هذا المقام في عدم المقتضي. أو يقال: أحد الأمرين واقع: عدم المقتضي للوجوب في الحلية الجوهرية، أو مانع مختصٌّ بها، فإن كان الواقع عدم المقتضي بطل قولُه بتحقُّق الوجوب فيهما بالمقتضي، وإن كان الواقع مانعًا مختصًّا بها بطل قوله: «العدمُ في اللآلئ يدلُّ على أن المشترك ليس بعلة (١) [ق ١٦٢] الوجوب، أو هو مانع من الوجوب»؛ لأن المانع إذا اختصَّ بالحلية الجوهرية، لم يكن للمشترك بانفراده أثر في عدم الاقتضاء، أو اقتضاء العدم، بل يكون الحكم مضافًا إلى المختص.
فإذا قال المعترِض: لا أُسَلَّم أن المقتضي واقع في الواقع؛ لأن الواقع في الواقع واقع؛ مِن جملةِ الأمور التي هي واقعة حتى يجب العمل به على تقدير نفي تأثير المشترك.
الوجه الثاني: لا نُسَلِّم قيامَ المقتضي في الحِلْية؛ لأنه لو كان قائمًا لزم التعارضُ بينَه وبين المانع منها، بل لزم ترك العمل به؛ للإجماع على عدم الوجوب فيها. على عدم المقتضي لم يلزم التعارض المذكور، فيكون أولى، وطرده الحُلي لمَّا قام المقتضي للوجوب فيه ثبتَ الوجوب؛ لئلا يلزم ترك العمل بالدليل.
وهذا الكلام في غايةِ الحُسْن من جانب المعترض، وهو يقطع دابر المستدلِّ؛ لأن المعترض يقول: أنا عملتُ بالمقتضي في الحُليِّ (٢) من غير معارضةٍ بمانع، وقد عملتُ بعدم المقتضي في الحِلْية من غير إثباتٍ لمقتضٍ
стр. 354
مستلزمٍ تركَ العمل به لمانع، فقد احتَرزْتُ عن محذورَيْن كلاهما خلاف الأصل، وأنت التزمتَ مخالفةَ الأصل؛ لأنك ادَّعيتَ أن المشترك مؤثِّر في عدم الوجوب، وقد ادَّعيتَ قيامَ المقتضي للوجوب، فقد تعارض في دليلكَ ما يقتضي الوجوب وما ينفيه، والتعارضُ على خلاف الأصل.
أو يقول: لا يخلو إما أن يكون المقتضي للوجوب فيهما قائمًا (١)، أو غير قائم، فإن لم يكن قائمًا بطل دليلُكَ وقولُكَ بتحقُّقِ الوجوب فيهما بالمقتضي، وإن كان قائمًا قال: فإما أن تعمل به وهو خلاف الإجماع في الأصل، وخلاف قولك في الفرع، وعلى التقديرَيْن بطل مذهبُك.
وإما أن لا تعمل به، فقد التزمتَ تَرْك المقتضي، وتركُ الأدلَّةِ على خلافِ الأصل، وليس في التعارض محذورٌ (٢) أشدّ من الترك.
فلئن قال: هذا التعارض موجود في الأصل، فكذلك في الفرع.
قيل: لا نُسَلِّم وجودَ المقتضي في الأصل كما ذكرناه، وعلى تقدير التسليم فلا يلزم من ترك العمل بالدليل في موضعٍ تَرْكُ العمل به في موضع آخر، إلا أن تُبَيِّن أنه مثله، وأنتَ لم تُبَيِّن أنه مثله بهذا الدليل. وهذا الدليل إنما يتمُّ إذا ثبت أنه مثله، فصرتَ محتجًّا على الشيء بما لا يتمُّ إلا ببيان الشيء، وهذه مصادرةٌ على المطلوب، وكثيرًا ما يَسْتَعْمِلها هذا الجدليُّ في أغالِيْطِه، بل كثيرٌ من الأغاليط إنما ترْوْجُ بها، فإنه يُغَيِّر العبارة، ويُكَثِّر الأقسام، ويُطِيْل المقدِّمات، ويجعلُ الشيءَ مقدمةً في إثبات [ق ١٦٣] نفسه
стр. 355
من حيث لا يشعر الغبيّ، فافطن (١) لهذا المعنى.
الثالث: أن يقال: المقتضي للوجوب في الأصل؛ إما أن يكون ثابتًا، فهو مدفوعٌ بالمانع بالإجماع، وذلك المانع إما المشترك أو غيره، فلِمَ قلتَ: إنه المشترك دون غيره؟ فإنَّ عدمَ الحكم في الأصل يدلُّ على عدم موجِبه، أو وجود مانعه، فإنه إذا لم يتحقق أحدُهما، تحقَّقَ الموجبُ السالمُ عن المعارِض فيعملُ عملَه. هذا هو الذي يدلُّ عليه عدمُ الحكم، فلِمَ تحكَّمْتَ بتعيين كون ذلك المؤثِّر في عدم الحكم هو المشترك، دون غيرِه من غيرِ دليل؟
وهذا كمن قال: زيدٌ جائعٌ، فإن لم يأكل هذا الرغيفَ يموت؛ لوجود الجوع المقتضي.
فيقال له: الجوعُ يندفع بما يسدُّ الرَّمَقَ من هذا الرغيف أو غيره. فَلِمَ خصَّصْتَ الحكمَ مع أن المقتضي لا اختصاص له؟ ونحو ذلك من كلِّ أمرٍ يدلُّ على موجَب مُجْمَل.
ولو ادَّعى مدَّع (٢) أنَّ المؤثِّر في عدم الحكم هو ما يختص بالأصل، أو مشترك (٣) آخر بينَه وبينَ فرع آخر= لم يكن بينك وبينه فرقٌ إلّا التحكُّم. وذلك: أنَّ كلَّ تقدير ينشأ منه ثبوتُ مقتضٍ أو عدمُه، أو انتفاءُ مانعٍ، فلا يُقْبل من أحدٍ تعيين المقتضي أو المانع إلّا بدليل. وتقديرُ عدم الوجوب في