← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بمثلها، بأن يُقال: بل التخلُّف لعدم المقتضي، وليس أحدُهما بأَوْلَى من الآخر. وقوله: «إن ما ذكرتُه يدلُّ على [ق ١٩٩] قيام المقتضي»، إنما يصحُّ إذا عُلِمَ اطِّرادُه وسلامتُه عن النقض إلا لمعارض، وإنما يَسْلم عن النقض إلا لمعارض إذا عُلِم أنَّ التخلُّفَ هنا لمعارضٍ، فلو جاز أن يستدلَّ على ثبوت المانع هنا بوجودِ المقتضي، ووجود المقتضي لا يتم إلا ببيان ثبوتِ المانعِ المختصّ= لزم (١) الدور. نعم إن كان دليلُ العلة نصًّا أو إجماعًا فههنا قد تنقدح دعوى أن التخلُّف لمانع، وإن لم يتبين وجوده، كما لو احتجَّ بصيغةٍ عامةٍ قد خُصَّ منها صور، فإن له أن يحتجَّ به فيما عدا صورة التخصيص، وإن لم يتبيَّن اختصاصُ تلك الصور بالمخصِّصات، وفيه نظر. الثاني: أن يقال له: لو كان المقتضي قائمًا للزم أن يعارض المانع، وتعارُضُ الأدلةِ على خلاف الأصل. الثالث: أن التخلُّفَ دليلٌ على عدم العلة، إلا أن يبيِّنَ أنه لمانع، فإنه لا أدَلَّ على عدم اقتضاءِ الشيء من تحقُّق هذا العدم، فإنَّ تخلُّف الحكم عنه يُبَيِّن أنَّه ليس فيه ما يقتضي الحكم، إذ لو كان فيه ما يقتضي الحكم لوجبَ أن يقتضي الحكم، وإلا لزم إهمالُ الحِكَم [و] المصالح، وتعطيل المناسبات الصحيحة، وذلك غير جائزٍ على الشارع. نعم، يجوزُ أنّ عدَم اقتضائه هنا لصادٍّ صدَّه ورادٍّ ردَّه، ويجوزُ أن يكون لعدم كونه مقتضيًا، فيقف الدليل حتى

стр. 422

يَبِيْنَ الحالُ. ولو قال (١): قد قامَ الدليلُ على كونه مقتضيًا بالمناسبة، فيجبُ إحالة التخلُّفِ على المانع؛ لئلَّا يلزم تعطيل ذلك الدليل في الفرع من غير مانع. قيل: هذا الدليلُ الذي ذكرتَه يعارضُ الأصل النافي لوجود المانع، والأصل النافي لوجود التعارض، ودليلان أرجحُ من دليل. فإن قال: المناسبة أقوى من الأصل النافي، بدليل ترجُّحِها عليه عند المعارضة، فإن الأصلَ عدمُ الحكم في صورةٍ ثبتَ الحكمُ فيها بالقياس، وقد ترجَّحَ القياسُ على هذا الأصل عند الفقهاءِ القياسيين، وإنما يرجِّحُ الأصلَ النافي أهلُ الظاهر، وليس الكلامُ في هذه المسائل على هذا الأصل، وإنما الكلامُ مع من يعتقدُ صحَّةَ بناءِ الأحكامِ على القياس، على أن هذا القولَ فاسدٌ للأدلَّة المعروفة في موضعها، وأدناها: أنَّ هذا القائل يرجِّحُ نوعًا ضعيفًا من القياس على سائر أنواعه، وذلك أنه يقيس الحكم في الزمان المشتمل على السبب الموجب له، على الحكم في الزمان الخالي عن ذلك السبب، وهو عينُ القياس مع ظهورِ الفارق، ومعلوم أنَّ الجمعَ بين الصورتين بما يدلُّ على اشتراكهما في حِكْمة الحكم [ق ٢٠٠] أحسنُ من الجمع بينهما بالزمان الشامل لهما. قيل له: القياسُ الراجحُ على الأصل النافي هو القياسُ السالمُ عن التخلُّف إلا لمانع مختصٍّ، وهذا القياس لم يُعْلَم أنه كذلك. فيجب العملُ حينئذٍ بالأصل النافي؛ لسلامتِه عن معارضة القياس الذي لم يثبت شرطُه،

стр. 423

ولا شك أنَّ المصنِّف يعلم جواز كون التخلُّف لمانع أو لعدمِ مقتضٍ. فدعوى رجحان أحدهما دعوى باطلة إلا بعد التفصيل، وذلك ينقض (١) استدلالَ المستدلِّ، وهو مطلوب المعترض. الرابع: أن هذا مُعَارض بمثله بأن يقال: العدمُ متحقِّقٌ في صورة (٢) من الصور، فيجبُ تحقُّقُه في الفرع بالقياس عليه بالجامع المشترك، فإذا نقض قياسَه بصُوَر الوجود قال: التخلُّف هناك لمقتضٍ مختصٍّ مع ترجُّحِ هذا القياس باعتضاده بالأصل النافي للحكم، وبالأصل النافي للتعارض، فإنَّ وجودَ المقتضي في بعض الصور لا يعتمد قيامَ مانعٍ، بخلاف وجود المانع. فإن قلتَ: هذا القياس مُسْتَدْرَك؛ لأنه إن قاسَ بعدم المقتضي فهو يحتاجُ إلى عدمه عن الأصلِ والفرع، وبيانُ عدمه عن الأصل كافٍ. وإن قاس بوجود المانع فهو يحتاج إلى بيان وجود المقتضي في الأصل، ولم يُبَيِّن ذلك. قلت: هو يقيسُ بالمشترك سواءٌ كان وجود مانع، أو عدم مقتض، وذلك كافٍ له، ولو صرَّحَ بعدم المقتضي، لكان قياسًا صحيحًا، كما لو صرَّح بوجودِ المانع. وقوله: «بيانُ عدم المقتضي في الفرع كاف». قلتُ: قد لا يتم بيان عدم المقتضي إلَّا بشهادة صورةٍ تُماثلُ الفَرْعَ؛ لأنه يظهر حينئذٍ أنهما سواء في عدم المقتضي.

стр. 424

الخامس: أن دلالة الانتقاض على فساد العلة أَوْكد من دلالة المناسبة على صحتها، وذلك لأن العلة إنما تقتضي الحكم لنفسها وعينها، وذلك لا يقبل التعدُّد، فحيثما تخلَّفَ الحكمُ عنها عُلِمَ أنَّ هذه الماهية غير مُوْجِبة لهذا الحكم، أما المناسبة فكثيرًا ما يُعْدَم الحكم مع وجودها؛ لاختلاف أنواعها وأقدارها، وتوقُّفها على شروطٍ مُتَمِّمات وزوال موانع، والاستقراءُ يدلُّ على أن تأثير الانتقاض في الفساد أكثرُ من تأثير مجرَّدِ المناسبة في صحَّة العلَّة، فوجب إلحاقُ هذا الفَرْد بالأعمِّ الأغلب. قوله (١): (ثم المعلَّل أوَّلًا يمنع الوجوب (٢) في كل صورة من صور وجود (٣) العلة بإثبات العدم في البعض (٤) منها. أو يقول: لو لم يُضَف الحكم إلى المشترك لما كان المشترك علة، فلا يتحقَّقُ الحكم في كلِّ صورة من [ق ٢٠١] صور [عدم] (٥) كونه علَّة، وقد تحقَّق في البعض منها. وكذلك نقول: الحكم ثابتٌ في صورة (٦) من صُوَر وجود (٧) المشترك، أو المشترك في [كل] (٨) صورة من صور الحكم، فيُضافُ الحكم إلى

стр. 425

المشترك). اعلم أن هذه أجوبة [غير] (١) مُسَلّمة لمن أحسنَ النظر فيها. أما قوله: «إن المعلل يمنع الوجوب في كل صورة من صور وجود العلة بإثبات العدم في البعض منها». فإما أن يعني به وجوبَ الزكاة مثلًا ــ وما أظنه عَنَى ذلك ــ وهذا لا يفيد، بل هو عين تحقيق النقض. وإما أن يعني به أنه لا يجب تحقُّق الحكم في كلِّ صورة من صور وجود العلة، وهو ظَنِّي ما عناه، فهذا كلامُ من لا يرى النقضَ مُفْسِدًا للعلة، سواءٌ كان التخلُّف لمانعٍ، أو لم يكن، وليس هو قول أحدٍ من المعتبرين، وليس الاصطلاحُ عليه، ثم هو فاسدٌ قطعًا؛ لأن الوصفَ إذا اقترن به الحكمُ في محلٍّ، ولم يقترن به في محلٍّ آخرَ، وكلُّ واحدٍ من المحلَّيْن مُسَاوٍ للآخر فيما يمنعُ الحكمَ= عُلِمَ بالاضطرار أن ذلك الوصف ليس مقتضيًا لذلك الحكم؛ لأن حقيقةَ الاقتضاء أنه يوجِبُ الحكمَ، وأنَّ الحكمَ مقترنٌ به، فإذا وجدْتَ ماهيَّةً خالية عن هذا الإيجاب وهذا الاقتران= كان دَعْوى كونه مقتضيًا دَعْوى ما عُلِمَ فسادُه ضرورةً؛ لأن الحكم المضاف إلى الحقيقة والماهيَّة لا يجوز خُلُوُّه عنها، ولا تحقُّقُها بدونه. ثم قوله: «لا أُسَلِّم أنه يجب وجود الحكم في كلِّ صورة من صور العلة، بدليل أن الحكم معدوم في بعض الصور». قيل له: عدمُ الحكم في بعض الصور لا يدلُّ على عدم وجوب وجود

стр. 426

الحكم في صور العلة؛ بل عدم الحكم يدلُّ على عدم كمال الأسباب المقتضية له؛ إما عدم عِلَّته، أو جزءٍ من أجزائها، أو قَيْدٍ من قيودها، أو وجود مانِعِه، أو عدمِ بعضِ شروطه. فإذا كان عدمُ الحكم يستلزمُ أحدَ هذه الأمور من غير تعيينٍ، فلِمَ ادَّعَيْتَ أنه يستلزم عدمَ وجوبِ وجود الحكم في صورة العلة؟ وأيضًا فقوله: «يمنع الوجوبَ في كلِّ صورة من صور وجود العلة». أو يقال (١) له: يمنع أن هذا هو الأصل في العلة، وأن هذا مقتضى كون العِلَّة علةً، أو يمنع لزوم وقوع هذه المقارنة؟ فإن قال: امتنع لأن (٢) العلةَ من حيثُ هي علة توجبُ وجودَ الحكم. قيل له: [ق ٢٠٢] هذا خروجٌ عن حدودِ العقل، فإنه إذا لم تكن حقيقتُها مقتضيةً للحكم، كان الحكم حاصلًا بغيرها وبدون وجودها، وحينئذٍ فلا معنى لتسميتها عِلة. ثم يقال له: هذا يُفْسِد عليكَ القياس، لأنَّا هب أنَّا سلَّمنا لك أن المشتركَ علة، لكن لا نُسَلِّم الحكمَ في الفرع؛ لأن العلَّة لا تقتضي الحكمَ ولا توجِبُه، فلا يلزم من حصولها في الفرع حصول الحكمِ. واعلم أنَّ اقتضاءَ العلةِ المعلولَ أمرٌ فطريّ ضروري ، والمنازعةُ فيه منازعةٌ في الضروريات، كالمنازعة في اقتضاءِ الدليل المدلول. وإن قال: أُسَلِّم أنها توجبه وتقتضيه من حيث هي هي، لكن لا يلزم

стр. 427

ثبوته في جميع صور وجودها؛ لجواز التخلُّف لمانعٍ مختصٍّ. قيل له: قِسْ وجود المانع المختص في صور النقض، وقد تقدم الكلامُ على هذا آنفًا (١). وإن قال: أدَّعي وجوبَ وجودِ الحكم في كلِّ صورة من غير تفصيل. قيل له: لابدَّ من التفصيل، ثم إنَّا [إن] سلَّمنا هذه الدعوى بَطَل القياس؛ لأن الفَرْعَ صورةٌ من الصور، فلا يجب وجودُ الحكم فيه، وهذا يُبطل كلامَك. وهذا من الإلزامات المسكتة. وأما قوله: «لو لم يُضَفْ إلى المشترك لما كان المشترك علة». قلنا: مُسلَّم. قوله: «فلا يتحقق الحكم في كلِّ صورة من صُورَ عدمِ كونه علة». قلنا: لا نُسَلِّم، ولم يذكر على ذلك دليلًا؛ لأنَّا إذا قلنا: هذا الشيءُ ليس بعلةٍ لم يكن وجوده مقتضيًا لوجودِ الحكم، ولا عدمهُ مقتضيًا لعدمه، فالمشتركُ إذا لم يكن علةً كان عدمُه عدم ما ليس بعلةٍ، وعدمُ ما ليس بعلةٍ لا دلالة له ألبتة. وكذلك ــ أيضًا ــ إذا لم يكن علًة كان مع وجودِه قد عُدِمَت عِلِّيته، وعدم عِلِّيَّةِ الوصف لا يدل على وجود حكمٍ ولا على عدمِه. نعم، يدلُّ على أن الحكم إذا وُجِد لا يُضاف إليه، وأنه إذا عُدِم لا يجبُ عَدَمُ الحكم، وكون الحكم موجودًا في بعض صور عدم عِلِّيته، ليس فيه دلالة على ثبوت عِلِّيته، فإنَّ وجود الأحكام مع أوصافٍ عديمة العلية أكثر

стр. 428

من وجودها مع أوصاف موجودة العِلِّية. وما أظنُّ هذا يخفى على عاقلٍ، وظنِّي أن الجدليَّ إنما قَصَد بهذا التغليط المحْضَ والترويج الصِّرْف، فنسألُ الله العافية، ونعوذ بالله من تغليط الأذهانِ، وتخبيطِ العقولِ والأديان، واستحسانِ قول الهذيان، والدخولِ في دين الله بالإفك والبهتان، وأن [ق ٢٠٣] يُقال ما لا يَنْفُقُ إلا على الساخرين (١) المُجَّان!! وكذلك قوله: «الحكم ثابتٌ في صورة من صور وجود المشترك، أو المشترك ثابت في كلِّ صورةٍ من صور الحكم، فيُضافُ الحكمُ إلى المشترك»، دعوى باطل وكلام ليس له حاصل. فيقال: لا نُسَلِّم أنَّ ثبوتَ الحكم في بعض صور المشترك، أو ثبوت المشترك في بعض صور الحكم، يدلُّ على إضافة الحكمِ إلى المشترك، ولم يذكر عليه دليلًا، ومعلومٌ أنه خلاف إجماع العلماء، فإن أحدًّا من الناس لم يقل: إن مجرَّدَ اقترانِ حكمٍ بوصفٍ يدلُّ على أنه علة. نعم، ذهبَ بعضُ الناس إلى أنَّ الوصفَ الموجودَ في جميع صور الحكم يكون علَّةً له، وهم أصحاب الطَّرْد، وأَبى ذلك أكثرُ المحقِّقين. وأما اقترانُه به في صورة مع انتفائه عنه في صورة أخرى، فلا يقول عاقل: إنه دليلٌ على العلة، وأدنى ما في هذا الكلام أن يُعَارَض بمثله كما تقدم، والمعارضة صحيحةٌ عند العقلاءِ، بخلاف هذه الجهالة الجَهْلاء!!

стр. 429

(فصلٌ (١) وأما النقض [المفرد] (٢)، فهو المجرَّد عن مساعدة الخصم؛ كمالِ المديون والصبي والمجنون). اعلم أنَّ المعترض متى نقضَ العلة بِحُكمٍ متفقٍ عليه بينهما، فهو نقضٌ صحيح، وإن نقضَها بحكمٍ ثابت على مذهب المستدلِّ خاصةً فهو أيضًا نقضٌ صحيح؛ لأنه يقول للمستدل: لو كانت عِلَّتُك صحيحةً لطَرَدْتَها في مواضع وجودها، فإذا لم تلتزم أنت موجَبَها في صورة النقض، فكيف ألتزمُ أنا موجَبَها في الفرع؟! وهذا ظاهر. وإن نقضَها على مذهب نفسِه خاصةً، فهذا النقضُ غير مسموعٍ عند جميع العلماء؛ لأن المستدلَّ يقول [أنا] (٣) على موجِب الحكم في صورة النقض [و] في الفرع المتكلَّم فيه، فيجب عليكَ القول بموجَبها في الموضِعَيْن كما فعلتُه أنا، ونقْضُه بحُكم انفردَ به كنقضه بالفرع نفسه، قالوا: ومتى منع المستدلّ الحكمَ في صورة النقض انقطع كلامُ المعترض، وليس له أن يستدلّ على الحكم في صورة النقض؛ لأنه لو فعَل ذلك لكان مبطلًا لدليل المستدلِّ؛ بإثبات نقيضِ مذهبِه، وهذا من نوع الغَصْب؛ لأن الغاصبَ يدلُّ على نقيضِ مذهبِه في الفَرْع، وهذا الناقضُ [ق ٢٠٤] يدل على نقيض مذهبه في صورة النقض، وصورةُ النقض فرعٌ ثانٍ؛ إذ لا فرقَ بينها وبين صورة النزاع.

стр. 430

هذا الذي أَطْبَق عليه المتقدِّمون والمتأخِّرون من أهل الأصول والفقه والجدل. وهو ظاهرٌ لمن فهمَه. وهؤلاء يريدون بـ «النقض المفرد» القسمَ الأوسط، وهو النقض المجرد عن مساعدة المعترض، بأن ينقض على المستدلِّ بصورٍ تخلَّفَ الحكمُ عنها في مذهبه خاصَّة، فهو مجرَّدٌ عن مساعدةِ الحكم المعترض الناقض، وعما هو علة للحكم عنده؛ لأن ثبوتَ الحكم في صور النقض لم يكن عنده للمشترك الذي ادَّعاه المستدل (١)، مثل أن يقيس من يرى الزكاةَ في الحلي، فيقولُ: تجبُ الزكاةُ فيها قياسًا على المضروب بما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب. فيقول له المعترِضُ: ينتقضُ على أصلك بمالِ المَدِيْن، ومال الصبي والمجنون. قوله (٢): (بأن يقول: لو (٣) أُضيف إلى المشترك لثبتَ الحكم ثَمَّةَ، ولم يثبت لما ذكرتم، إلى آخر ما مرَّ من التوجيهات). هذا ظاهر، ومعناه: أن يقول المعترض: لو أُضيفَ الحكم إلى المشترك الحاصل في جميع الصور التي تنشأ منها هذه المصالح لثبتَ في مال الصبيِّ والمجنون والمَدين، ولم يثبت لما ذكرتَه أيها المستدل؛ فإنك ذكرتَ أنَّ الوجوبَ غيرُ ثابت فيها، ويوجِّهه توجيه سائر النقوض المتقدِّمة، ولا

стр. 431

شكَّ (١) أنَّ جنسَ هذا النقض نقضٌ صحيح كما تقدم. قوله (٢): (ثم الحكم في الفرع إما أن كان من لوازم العدم في النقض أو لم يكن، فإن كان فنقول: العدمُ ثمةَ لا يخلو إما أن كان ثابتًا أو لم يكن، فإن لم يكن ثابتًا (٣) فظاهر، وإن كان فكذلك ضرورة تحقّق الوجوب هنا). هذا هو الجوابُ عن النقض المفرد، وهو على مذهب المستدلِّ خاصة، وذلك أن صورةَ النقض إما أن يكون عدمُ الحكم فيها مستلزمًا للحكم في الفرع، أو لا يكون، فإن كان عدم الحكم فيها مستلزمًا للحكم في الفرع فيقول المستدل: عدمُ الحكمِ في صورة النقض إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتًا امتنع النقض؛ لأن العدم إذا لم يكن ثابتًا ثبتَ وجود الحكم فيها، فلا يتأتَّى النقضُ. وإن كان العدمُ ثابتًا [ق ٢٠٥] فيها فهو مستلزم للحكم في الفرع، فلا يفيد النقض، وهو معنى قوله: «فكذلك ضرورة تحقق الوجوب»، يعني: أنه بتقدير ثبوت العدم يتحقَّق الوجوب في الفرع، فدارَ الأمرُ بين عدم النقض وبين ثبوت الحكم في الفرع، وعلى التقدِيرَين يتمّ (٤) الدليل. واعلم أن هذا يَنْفُقُ على الطريقة الرديَّة التي تقدَّمت، وهو الملازمة بين حكمين مختلِفَي المأخذِ بأنه لا قائل بالفَرْق. مثال ذلك: تقيس الوجوب في الحليّ على الوجوب في المضروب، فإذا نقضتَ عِلَّته بمال الصبيّ والمجنون والمَدِيْن، فإن الوجوبَ في الحلي من

стр. 432

لوازم عدمِ الوجوبِ على الصبيِّ والمجنون؛ لأن الكوفيين يقولون: يجب في الحليّ، ولا يجب على غير المكلَّف. والحجازيون يقولون: يجب في مال الصبيّ والمجنون، ولا يجب [في الحلي] (١)، فادعاءُ هؤلاءِ أن الحكم في الفرع ــ وهو الوجوب في الحليّ ــ من لوازم عدم الوجوب في مال غير المكلف، وقد علمتَ أن هذا اللازم خلاف إجماع الأمة، فلا يُسْمَع ألْبتة. فيقول المستدلُّ ــ على تقدير هذا التلازم ــ: العدمُ في صورة النقض إما أن يكون ثابتًا أو لم يكن، فإن لم يكن ثابتًا ــ كما هو مذهب المعترض ــ لم يصح النقضُ به، وإن كان ثابتًا لزم من ثبوته الوجوب في الفرع، لعدم القائل بالفَرْق، وإذا تحقَّقَ الوجوب في الفرع ثبتَ المدَّعى. وكذلك لو قال في مسألة المثقَّل: قَتْل عَمْد عدوان مَحْض (٢) فأوجب القَوَد، كالقتل بالجارح. فنقَضْتَ عليه بقتل المسلم بالكافر، وبقتل الحرِّ بالعبد، بأن يقال: لو أُضيف الحكم إلى المشترك لثبتَ وجود القَوَد في هاتين الصورتين، وقد ذكرتَ أنه غير ثابت، فنقول: إن لم يكن الوجوب معدومًا هناك فلا نقض، وإن كان معدومًا فقد لزم الوجوب في القتل بالمثقل؛ لعدم القائل بالفرق. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذا الكلام من أفسد الفاسد من وجوه: أحدُها: أنه إنما يتمُّ بالملازمة بين مسألتين مختلفَتَي المأخَذ لا مناسبة بينهما، والملازمة بينهما خلاف إجماع المسلمين، بل وخلاف إجماع

стр. 433

العقلاء، فإن الرجلَ لو قام عنده دليلٌ على صحة مذهب [ق ٢٠٦] الحجازيين في القتل بالمثقَّل، لحديث الجارية (١) مثلًا، فاستدلَّ بذلك على صحة مذهبهم في جميع مسائل الخلاف، أو قال: يلزم من موافقتي لهم في هذه المسألة، موافقتهم في جميع مسائل الخلاف؛ لعدم القائل بالفرق بين (٢) تلك المسائل= لكان هذا خارجًا عن حدِّ العَقْل والدين، هازئًا بآيات الله لاعبًا بدين الله! الثاني: أن يُقال: قولك: «عدم الحكم في صورة النقض إما أن يكون ثابتًا أو لا»، تقسيمٌ لا حاصلَ له، فإن العدمَ حاصل عندك وثابت، ولولا ذلك لما صحَّ النقضُ، والتقسيمُ الذي قد عُلِمَ انتفاءُ أحدِ قِسْميه أو ثبوتُه غير سديد، وذلك لأنه إذا عُلِمَ ثبوتُ الشيءِ أو انتفاؤه، كان (٣) الترديد بينه وبين قَسِيمه (٤) تضييع كلام، فإن الكلام على القسم المعلوم ثبوتُه أو انتفاؤه غيرُ حاصل. وإن قال: أردتُ ثبوتَه أو انتفاءَه في نفس الأمر.

стр. 434

قيل له: فلو كان العدمُ غير ثابتٍ في نفسِ الأمر لزمَ فساد مذهبك في نفس الأمر، وأيُّ غرضٍ لك في أن تُصَحِّحَ مذهبًا بفسادِ آخر؟! وإذا كان مذهبُك هذا لا يتم إلا بفساد الآخر في نفس الأمر، لم يتم استدلالك؛ لأنك مطالَبٌ بتصحيح هذا الدليل مع سلامةِ بقيَّةِ المذهب. ولو زعمتَ أنَّ هذا الدليلَ لا يتم إلا بفساد ذلك المذهب، لكنتَ قد عَجَزْتَ عن نصرةِ المذهب وانقطعتَ، وقولُكَ غير مقبولٍ على صاحب المذهب؛ لأنه قد لا يلتزم هذه الطريقة التي سلكتها. الثالث: أن قولَه: «إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون ثابتًا»، إن أرادَ به في نفس الأمر؛ فالمختار هو الثبوت، لكن لا يلزم من ذلك عدمُ النقضِ، لأن علته (١) تنتقض بما يعتقدُه. وإن لم يكن مطابقًا لنفس الأمر، وذلك إذا قال: مذهبي ينقضُ دليلي هذا، أو دليلي هذا ينقض مذهبي، كان إقرارًا منه بعدم اتِّباعه لهذا الدليل، ومن أقرَّ بأن بيِّنَته غير صادقة لم يلزم خصمَه ما شهدت به، وكأنَّه هو يعتقدُ بطلان هذا القياس، لعدم قوله بموجبه في صورة النقض، والمعترضُ يعتقد بطلانَه، لعدم قولِه به في الفرع، والوجوبُ عنده في صورة النقض لمقتضٍ آخر غير هذا المشترك، وإذا حصل الإجماعُ من الفريقين على انتقاضِ هذا القياس كان فاسدًا وإن لم يتفقا على عين صورةِ النقض، فإذا سَلَّم المعترِضُ أنَّ العدمَ غير متحقِّق في نفسِ الأمر لم يلزم من ذلك سلامتُه عن النقض، مع اعترافِ المستدلِّ [ق ٢٠٧] بانتقاضِه واعترافِ المعترضِ بانتقاضِه في موضعٍ آخر. وإن أراد به الثبوت عنده فالواقع هو عدمُ الثبوت عنده، وحنيئذٍ تكونُ

стр. 435

علَّته مُنْتقضة بإقراره كما تقدَّم، فجوابه حنيئذٍ أن يقال: هو ثابتٌ عندك، وليس بثابتٍ في نفسِ الأمر، [و] على التقدِيْرَين لا يصح استدلالك. الرابع: أن قولَه: «وإن لم يكن ثابتًا فالحكمُ متحقِّق في الفرع»، لو سلم صحة اللزوم، لكن ذلك لا يمنع تَوَجُّه النقض، فإنَّ غايةَ ذلك أن يكون الوجوبُ ثابتًا في الفرع، مع أنَّ القياسَ المذكور فاسدٌ لانتقاضه، والكلامُ إنما كان في إبطال الدليل الذي استدلَّ به على الحكم، لا في إبطال نفسِ الحكم، فمتى بطَل الدليلُ انقطعَ المستدلُّ وإن كان الحكمُ ثابتًا. وأيضًا فإن صحَّة الحكم لا يستلزم صحةَ الدليل المعيَّن ، بل صحة الدليل يستلزم صحة الحكم؛ لأن الدليلَ يجب طَرْدُه ولا يجب عكسُه، فوجوده ملزومٌ للحكم؛ فإذا وُجِدَ وُجِدَ الحكمُ، وإذا عُدِمَ الحكمُ عُدِم، أما مجرَّد وجود الحكم فلا يدلُّ على وجود الدليل المعيَّن أصلًا. فإن قال: أحدُ الأمرين لازم: إما سلامة القياس على النقض، أو الحكم في الفرع، وعلى التقديرين فقد لزِمَ المدَّعَى. قيل له: لا يلزم المدَّعَى على واحد من التقديرين؛ أما على الأولى فلأنَّ سلامَتَه من النقض كانت على وجهٍ تعتقدُ أنتَ أنه منتقض، فلا ينفع سلامته في نفس الأمر عن بعض النقوض، مع إقرارك أنه باطل ومع إقراري أيضًا؛ لأن الخصم لو قال: هذا دليلٌ في نفس الأمر وأنا لا أَعْتَقده دليلًا لم يجب قبولُ قولِه؛ لأن أحدَ قوليه ينقضُ الآخر؛ لأن كونه دليلًا يوجبُ الاتِّباع، فإن تَرَكَ اتباعَ الدليل إلا (١) لمعارض كان فاسقًا، فلا يُقْبَل قولُه: «هو ثابت في نفس الأمر».

стр. 436

وقولُه: «لا أعتقدُهُ دليلًا» ينفي قولَه: «هو دليل في نفس الأمر»؛ لأنه لو كان دليلًا لاعتقده دليلًا؛ لأنَّ الأصلَ في المسألتين الصحة. ثم يقولُ له المعترض: إن سَلِمَ في نفس الأمر عن هذا النقض فهو منقوض بالفرع، وكلٌّ منَّا يعتقدُ انتقاضه في نفس الأمر بصورة، فقد أجْمَعْنا على أنه ليس بدليل في نفس الأمر. وأما الحكم في الفرع فقد علمت أنه ليس بلازم على التقدير الآخر، وعلى تقدير لزومِهِ فإن الدليلَ باطل منقوض، والمدَّعى هو ثبوتُ الحكم بذلك الدليل، فإذا لم يلزم ثُبُوت الحكم بذلك [ق ٢٠٨] الدليل على كلِّ واحد من التقديرين بطل المدَّعَى. واعلم أن أصل هذا الفساد: دعوى التلازم بين مسألتين لا مناسبة بينهما ، فاحْذَرْه فإنه بابٌ عظيمٌ من باب أغاليط هؤلاء المغالطين، وعليك بإحكام أصول الفقه، فإنه يبيِّن لك طُرق استخراج الأحكام الشرعية من الأدلة السمعية. قوله (١): (وإن لم يكن فالجواب عنه بالفرق، أو بتغيير (٢) المدَّعى بأن يقال: انتفاءُ (٣) المجموع المركَّب من العدم هنا، والوجوب ثَمَّة، فإنه (٤) ثابت؛ لأن الوجوبَ ثمة لا يخلو: إما إن كان ثابتًا أو لم يكن، فإن لم يكن فظاهر، وإن كان فكذلك ضرورة تحقق الوجوب هنا لما بيَّنَّا من الدليل السالم عن التخلُّف). هذا هو الجواب على تقدير أن لا يكون حُكم الفرع من لوازم عدمِ

стр. 437

الحكم في صورة النقض، ولعمري جميع التقادير هكذا، لما بيّنا من فسادِ الملازمة. ومثال ذلك على ما قصَدَه الجَدَليُّ: أن يكون قد قال قائل بقول إحدى الطائفتين في صورة النقض، وبقولِ الأُخرى في الفرع، مثل أحد قولَي الشافعي وأحمد، وقول كثيرٍ من أهل العلم بوجوب الزكاةِ في الحليّ، وبالوجوب في مالِ غيرِ المكلَّف. فلو قال: إن كان العدمُ ثابتًا في صورة النقض ــ وهي مال الصبي والمجنون ــ لزِمَ تحقُّق الوجوبِ في الفرع وهو الحليّ؛ لعدم القائل بالعدم في الموضعَيْن، أو الوجوب في الموضِعَين. قيل له: قد قال بالوجوب فيهما طائفةٌ من أهل العلم في المذاهب المتبوعة في هذا الزمان وغيرها (١). وأَبْيَنُ من هذا المثال أن يُقال في مسألة وجوب القَوَد على المكره (٢): يجبُ القَوَد قياسًا على المختار، فقال: ينتقضُ بقتل المسلم الذمِّيَّ، وقتل الحرِّ العبدَ، فلا يمكنه أن يقول: إن كان عدمُ الوجوبِ متحقِّقًا في صورة النقض لزم الوجوب في الفرع، لعدم القائل بالفرق؛ لأنَّ الشافعيَّ في قولٍ له لا يوجب (٣) القَوَد في الجميع، وزُفَر يوجب القَوَد في الجميع. وإنما كان هذا أَبْيَن؛ لأنَّ المسألة الأولى لم يَقُل [فيها] بالعدم في الموضعين أحدٌ في

стр. 438

المذاهب المتبوعة، فيمكن أن يُقال: إن كان العدم ثابتًا تحقَّق الوجوب [ق ٢٠٩] في الفرع، لعدم القائل بعدم الوجوب في الفرع بتقديرِ عَدَمِه في صورة النقض. واعلم أنَّ هذا الكلام لكونه باطلًا يَسْتَثقِلُه القلبُ العاقِلُ، لكن لابدَّ من بيان مقالةِ هؤلاء فيه، وقد علمتَ أنه في الحقيقة وعند كل منصف (١)، فإن الواقع هو هذا القسم، فيكون النقض نقضًا صحيحًا. قال: فالجواب عنه بالفرق، وهو جواب صحيح عند من يجوِّز تخصيصَ العلة لمانع أو مطلقًا، وأما مَن لا يرى تخصيصها فإنه لا يسمع الفرق، بل يعد المستدلَّ منقطعًا إذا توجَّه النقضُ عليه توجيهًا صحيحًا. وعند هؤلاء إنما يُجابُ النقض بمنع ثبوتِ المشترك في صورة النقض، أو بمَنْع تخلُّف الحكم فيها فقط، فأما إذا سَلَّمَ ثبوتَ المشترك وتخلَّف الحكمُ فقد اعترف بما يُفسد العلة. والأول هو الذي أطبق (٢) عليه عامةُ متأخري الجدليين، وهو أشبه بمباحثات الفقهاء وأقرب إلى طريقة السلف. وصورةُ الفرقِ: أن يبيِّن اختصاصَ صورة النقض بما (٣) يقتضي عدم الحكم فيها من وجود مانع أو فوات شرطٍ. مثل أن يقول: الصبيُّ والمجنونُ إنما تخلَّف الوجوبُ عن مالهما لعدم التكليف الذي هو شرط وجوب

стр. 439

العبادات، كما نبَّه عليه قوله ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة ... » الحديث (١). وأنها أحد مباني الإسلام، فلم تجب إلَّا على مكلَّف كالحج. أو تكليفٌ من التكاليف، فلم يتعلَّق بغير المكلَّفين كسائر التكاليف. وحنيئذٍ فإن نازعه المستدلُّ في صحَّةِ الفَرْق، بأن يُبَيِّن أن عدم التكليف لا أثرَ له في سقوط الحقوق المالية، بدليل وجوب العشور في أرضه، والفطرة في ماله، ووجوب النفقات والغرامات في ماله، وأنَّ حقيقةَ التكليف يثبتُ في حقِّ الوليِّ، فإنه هو المخاطَب بالأداء من مال الصبيِّ، كما يُخاطَب بإخراج عُشره وصدقة فطرِه= كان هذا في الحقيقةِ من جنس الأقيِسَة المركَّبة؛ لأن المعترِض لا يقول بعدم الموجب في صورة النقض، والمستدلُّ إنما يبتغي (٢) الوجوبَ لمأخَذٍ يُثْبِت الوجوبَ في صور النقض، كما يَثْبُت في الفرع. فقد اتفق الفريقان على عدم النقض بهذه الصور مع اختلافِ المأخَذ. والصواب في هذه النقوض: أنها إن رجعت إلى قاعدةٍ أخرى، بحيثُ

стр. 440

تكون صور النقض توجد [ق ٢١٠] مع الوصف المشترك ومع (١) عدمه ــ كما ذكرناه من النقض بالصبيّ والمجنون ــ فإنها لا تُقبل، وإن قُبِلت سُمِعَ الجواب عنها بإبداء مانعٍ ولم ينازع في صحةِ المانع؛ لأن ذلك خروج من مسألةٍ إلى مسألة، وخروجٌ بالكلامِ عن المقصود إلى غيره. ويمكنُ المستدل أن يجيبَ بالأجوبة التي تقدَّمت بأن يقول: القياسُ إنما اقتضى وجوبَ الزكاة المعهودةِ أو الشرعية، أو الزكاة الواجبة في المضروب، ونحو ذلك، كما تقدَّمَ في النقض المركب من المذهبين، ومالُ الصبيّ والمجنون عندي ليس بهذه المثابة، أو لا أُسَلِّم أن مالَ الصبيّ والمجنون بهذه المثابة، فيكون قد منع اقتضاء القياس الوجوبَ المعتبرَ في صُوَر النقض، وهذا منعٌ لتحقُّقِ الوصفِ المشترك في صورة النقض ببيان امتناع وجوده (٢). وهذا جوابٌ محقَّقٌ في نفس الأمر. وإن كان النقضُ من تفاريع الجامع المشترك فله أن ينازع المستدلَّ فيه، ويكونُ حاصلُ المنازعةِ إلزامَ المستدلِّ وبيانَ مناقضاته. وأما قوله: «أو بتغيير المدَّعَى ... » إلى آخره. فمعناه أن يُقال: المدَّعَى انتفاءُ المجموع المركَّب من عدم الوجوب في الفرع، والوجوب في صورة النقض. يقول: أدَّعِي أنه لا يجتمع هذان الأمران: عدمُ الوجوبِ هنا والوجوبُ هناك، فإنَّ انتفاء هذا الاجتماع ثابت، وإذا كان هذا الاجتماع منتفيًا ثبتَ المدَّعَى؛ لأنه إذا لم يثبت المجموع، فإن ثبتَ عدمُ الوجوب في الفرع فقد ثبتَ المدَّعى، وإن ثبتَ الوجوبُ في صُوَر

стр. 441

النقض تَمَّ الدليلُ وسَلِم عن النقض. وإنما قلنا: إنَّ انتفاء هذا المجموع المركب ثابت؛ لأن الوجوبَ في صورة النقض إن لم يكن ثابتًا فقد انتفى أحدُ الأمرين وهو الوجوبُ هناك، فلا يكون المجموع ثابتًا، وإن كان الوجوبُ ثابتًا هناك، فقد تحقَّق الوجوبُ في الفرع؛ لأن الدليل حينئذٍ يكون قد سَلِمَ عن التخلُّف، والدليلُ السالم عن النقض مما يجبُ العملُ به. واعلم ــ أرشدك الله ــ أن هذا الكلام أَفْسَد مما قبله وأقبح من وجوه: أحدُها: أن تغيير الدَّعوى لا يُسمع؛ لأنه إذا ادَّعى الوجوبَ في الفرع بدليلً ذكره، فقد لزمه تصحيحُ دعواه، فإذا انتقل بعد ذلك إلى دعوى مغايرةٍ لها لم يُقْبل؛ لأن الانتقال إلى دليلٍ آخرَ لا يُقْبَل، فالانتقال إلى دعوى أُخرى أولى أن لا يقبل. ولو قال: هذه الدَّعوى [ق ٢١١] الثانية تُصَحِّح الدعوى الأولى. قيل له: إن بَقِيت الدعوى الأُولى على حالها لَزِم النقض المذكور، وإن غُيِّرت عن حالها فهو انتقال. وتحرير ذلك: أنَّ الدعوى الثانية إما أن تكون هي الأُولى في المعنى أو لا تكون، فإن كانت هي الأُولى فقد وردَ عليها ما ورد على الأُولى، سواءٌ تبدَّلَ اللفظُ أو لم يتبدَّل، وإن لم تكن هي الأولى؛ فإما أن يدَّعي الأُولى مع ادعاءِ الثانية، فالنقضُ وارد على الدعوى الأُولى، فيفسد الدليل، وإن كان لا يفسد على تقدير الثانية؛ لأن المعترض إنما يقدح في الأُولى، وإن رجَعْتَ عن الأولى، فقد حصل المقصود وانقطعْتَ عن إقامة الدّلالةِ عليها، فلا

стр. 442

ينفعك بعد هذا صحةُ دعوى أخرى. الثاني: أن يقال: ما (١) تَعْني بانتفاء المجموع المركَّب مِن العدم هنا والوجوب هناك؛ تعني به انتفاءَ كلٍّ منها، أو انتفاء (٢) المركب فقط؟ فإن (٣) عَنَيت انتفاء العدم هنا وانتفاء الوجوب هنا، فهذا أوَّل الدَّعوى ورأس المسألة وترجمة المذهب، فما الدليل عليه؟ وقد ذكرتَ دليلًا يقتضي انتفاءَ العدم وثبوتَ الوجوب فيهما جميعًا، فكيف الجمع بين دعواك ودليلِك الذي يُناقِضها؟! ثم كلامك المذكور يقتضي ثبوتَ أحدِهما، فكيف يجوز ادعاء انتفائهما؟! وإن عَنَيْت انتفاء المركَّب، فالمركَّب ينتفي تارةً لانتفاء أحدِ مفردَيْه، إما هذا وإما هذا، وتارةً لانتفاء كلِّ واحدٍ من المفردَيْن، فإن ادَّعيت انتفاءَه لانتفاء (٤) كلِّ واحدٍ من مفردَيه، فهي الدَّعوى الأولى بعينها. وإن عَنَى به انتفاء المركَّب لانتفاءِ أحدِ مفردَيْه، وهو الذي دلَّ عليه كلامُه. فيقال له: إمَّا أن تدَّعي انتفاءَ أحدهما وثبوت (٥) الآخر، أو انتفاءَ أحدهما مع قطع النظر عن الآخر.

стр. 443

فإن عنيتَ انتفاءَ أحدهما وثبوت الآخر، فقد ادَّعَيت انتفاءَ العدمِ في الفرع، وذلك بتحقُّق الوجوبِ فيه وثبوت الوجوب في صورة النقض، وثبوت العدِم في الفرع. وأيُّما كان فقد ادَّعَيْت ما يخالف دعواك الأولى، ويُناقضُ مذهبَك؛ لأنك ادَّعَيتَ خلافَ مذهبِكَ، إما في الفرع أو في النقض، وهذا اعترافٌ بالعجز عن نصر المذهب. وإن ادَّعيتَ انتفاءَ أحدهما مع قطع النظر عن الآخر، قيل لك: إذا انتفى أحدُهما [ق ٢١٢] فإما أن ينتفي الآخرُ معه أو لا ينتفي؛ لأن الحالَ في نفسِ الأمر لا يخلو عن الأمرين، فإن انتفى أحدُهما مع انتفاءِ الآخر فهو المدَّعى أوّل المسألة، لأن انتفاء العدم في الفرع، وانتفاء الوجوب في النقض هو الحُكْم بالوجوبِ في صورةِ النزاع، وبالنفي في صورة النقض. وإن انتفى أحدُهما مع ثبوتِ الآخر فهو نقيض المدَّعَى؛ لأنه يستلزمُ حينئذٍ خلاف قوله، إما في الفرع أو في النقض (١)، فَعُلِمَ بهذا التقسيم الحاصِر (٢) أنه لا يمكنه أن يدَّعي إلا ما هو مذهبه من الوجوبِ في الفرع وعدمِ الوجوبِ في النقضِ، فيلزمُه النقضُ المتقدِّم، أو ما يخالف مذهبَه في أحدهما، فيبطل كلامه، ويتبيَّن أن جوابه بتغير المدَّعى إنَّما غيَّر لفظه لا معناه، وأَوْهَمَ بمجيئه بألفاظٍ مشتركةٍ أنه خلصَ من النقض المنقضّ على العبارة الأولى، وهيهات تبدُّل الحقائق بتغيير العبارات!!

стр. 444

الوجه الثالث: أن يقال: ادَّعيتَ انتفاء المجموع المركَّب من العدم هنا، والوجوب ثَمَّةَ. فيقال: لا نُسَلِّم انتفاءَ المجموع، بل يجوز أن يكون المجموع المركَّب ثابتًا، وهو العدم في الفرع والوجوبُ هناك، وعلى هذا التقدير فالوجوب في الفرع باطل، ولا يضر تَسْليم انتقاضِ الدليل على تقدير عدم الحكمِ في الفرع؛ لأنه تسليمٌ لقياسٍ لا دلالة له، وأنتَ لم تذكر دليلًا على ثبوتِ أحدِ الأمرَين كما سنُبَيِّنه. الوجه الرابع: أن يُقال: لا نُسَلِّم انتفاءَ المركَّب [و] قوله: «الوجوب هناك لا يخلو إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون، فإن لم يكن فظاهر». قلنا: لا نُسَلِّم ظهورَه؛ وذلك لأنك ادَّعيتَ انتفاء المركَّب، فإن عنيتَ به انتفاءَ مفردَيْه، أو انتفاءَ أحدهما مع كون الآخر في نفس الأمر منتفيًا، فقد ادَّعيتَ الوجوبَ في الفرع وعدمَه في النقض أو الوجوبَ في الفرع (١). وأيُّما كان فهو الدَّعوى الأُولى بعينها، فأين التغيير المدَّعَى؟! ثم يلزمُك على معنى هذه الدعوى ما لزمَك على الأولى من النقض المنقض. وإن عنيتَ به انتفاءَ أحدِ مفردَيْه وثبوتَ الآخر، أو انتفاء أحدِهما مع أنَّ الآخر في نفس الأمر ثابت، فإذا لم يكن الوجوبُ في النقض ثابتًا لزم أن يكون عدمُ الوجوبِ في الفرع متحقِّقًا ثابتًا، وحينئذٍ كيف يكون قولُك ظاهرًا (٢) مع تضمُّنِه نقيضَ الحكم [ق ٢١٣] الذي ادَّعَيْتَه في صورة النزاع؟!

стр. 445

وحاصله: أنك بَيْن أمرين على هذا التقدير، إما أن تبطلَ قولك بتغيير الدَّعوى، وتقرَّ بأنَّ هذه الدعوى هي الأولى، فيبطل الكلام، أو تعترفَ بخلاف قولك وترجع عن قولك. ومتى بطل قولك على هذا التقدير بطل قولك؛ لأنه لا يتم حتى يَبِيْن حصولُ الغرضِ على كلِّ واحدٍ من التقدِيْرَين، فإنه إذا لم يتم على أحدهما مع جواز أن يكون هو الواقع لم يعلم صحة المدَّعَى، فأيُّ ظهورٍ في هذا؟! الوجه الخامس: قوله: «وإن كان الوجوبُ ثابتًا في صورة النقض فكذلك» أي: هو ظاهر لتحقُّق الوجوب في الفرع، لسلامة الدليل عن التخلُّف. قلنا: إذا كان الوجوبُ ثابتًا في صورة النقض؛ فقد بطل قولُكَ في صورة النقض؛ لأنك تعتقدُ عدم الوجوب فيها، فإذا لم يتم حكم الفرع إلا بتقدير الوجوب فيها، لم يتم حكم الفرع إلا بالرجوع عن المذهب في صورة النقض، وهذا من أكبر الانقطاع، وهو مطلوب الخصم، أن يبيِّن أنَّ صحَّةَ هذا القول لا يتم إلا بفساد قولٍ آخر. وإن قال: أنا ردَدْتُ الكلامَ فلا يضرني لزوم المحذور على أحدِ التقديْرَين، بجواز أن يكون الواقع هو التقدير الآخر. قيل له: قد بيَّنا أن المحذورَ يلزمُك على كلِّ واحدٍ من التقديرَين، وأيضًا: فقد بيَّنًّا أنَّ غرضك لا يحصُل على واحدٍ من التقديرين؛ لأن الغرضَ إنما يتمُّ بثبوتِ الوجوب في الفرع وعدمِه في الأصل، وهذا المجموعُ لا يحصُل على التقدير الأوَّل، ولا على التقدير الثاني، فبطل كلامُك من كلِّ وَجْه.

стр. 446

الوجه السادس: أنتَ ادَّعيتَ انتفاءَ المركَّب من العدم هنا، والوجوب هناك، وذلك دعوى ثبوت أحدهما، أو دعوى نفيهما، وغرضُك لا يحصل إلَّا بثبوتهما؛ لأنه إن ثبتَ الوجوبُ هنا دون العدم هنا (١)، أو بالعكس لم يتمَّ الكلامُ، وإذا كان الغرضُ إنما يحصل بثبوتهما، فأنت لم تذكر على ذلك دليلًا، بل القياسُ الذي ذكرتَه ينفي ثبوتَ العدم والوجوب. وتلخيصُه أن يقال: هب أنَّ سلَّمنا أن المركَّب من العدم هنا والوجوب هناك منتَفٍ، ولكن إذا لم ينتفِ (٢) مع وجود أحد مفردَيْه، وهو إما العدم هنا أو الوجوب هناك بطلت الدَّعْوى أو دليلها، فلا بدَّ من نفي مفردَيْه، وأنتَ على [ق ٢١٤] أحد التقديرين نفيتَ أحدَ المفردَين وأثبتَّ الآخر، وعلى التقدير الآخر عكست. فحاصِلُه: أنك لما نفيتَ الوجوبَ هناك، فقد نفيتَ أحدَ الأمرين، ولمَّا أثبتَّه هنا، فقد أثبتَّ الآخر، وإن شئت أن تقول: سلَّمنا أنه لا يجتمع المركَّب من الأمرَين. الوجه السابع: أن يُعارَض بمثله، بأن يُقال: أحدُ الأمرين لازم، وهو إما العدم هنا، أو الوجوب هناك، وإنما كان يلزم تعيين المدَّعَى؛ لأنه إن كان القياس صحيحًا لزم الوجوبُ هناك، فينتقضُ القياس، وإن كان فاسدًا لَزِم العدمُ في الفرع بالأصل النافي (٣) السالم عن معارضة القياس الصحيح، ولا ريبَ أنَّ هذا الكلام أَوْجَه من كلامه.

стр. 447

الوجه الثامن: أن يُقَابَل بمثِله، فيقال: المدَّعَى انتفاءُ المجموع المركَّب من الوجوب في الفرع، وعدم الوجوب في صورة النقض، وإذا انتفى المجموع المركَّب من هذين بَطَلَ الدليلُ على ما لا يخفى؛ لأنه إن انتفى المجموعُ لانتفاءِ الوجوب في الفرع، فهو بُطلان المدَّعَى، وإن انتفى لانتفاء عدم الوجوبِ في النقض، فقد لزم الوجوب في النقض، فيتوجَّه النقضُ، فيبطل الدليلُ، فيبطل المدَّعَى. وإنما قلنا: إن المجموعَ منتفٍ؛ لأنه إن ثبتَ عدمُ الوجوب هناك فقد تَمَّ النقضُ وتوجَّه، ويلزمُ من انتقاضِه بطلانُ الدليل، فيبطل المدَّعَى، وهو الوجوب في الفرع، فينتفي أحدُ الأمرين، فلا يكون المركَّب ثابتًا، وإن لم يثبت عدم الوجوب هناك فقد انتفى الآخر، وهو عدم الوجوب، وهو أحد الأمرين. وإن شئتَ أن تقول: الوجوبُ في الفرع وعدمُه في النقض لا يجتمعان ... إلى آخره. وإن شئتَ: الوجوبُ هنا وعدَمُه هناك متنافيان .. إلى آخره. وبكلِّ حال؛ فيبطل المدَّعَى، ومعلومٌ أن هذه المعارضة أحسنُ وأَجْوَد.

стр. 448

(فصل (١) وإذا لم يكن المقيس [عليه] (٢) مُعَيَّنًا، فعلى السائل أن يعيِّنَ صورةً هي راجحة على صورة النزاع، ويقول (٣): المقيس عليه يساوي تلك الصورة لاستوائهما في الحكم. أو يُعيِّن صورةً هي راجحة على صورة معينة لا يترجح المقيس عليها، إذا لم يكن المقيسُ معينًا أيضًا). اعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذا هو القياس على أصلٍ مجهول معلوم الحكم، وقد اختلفَ فيه أربابُ الجدل؛ فالذي عليه أهلُ العراق أنَّه لا يصح، وذهبَ أهل الجدل [ق ٢١٥] المُحْدَث من الخراسانيين إلى أنه يصح. واحتجُّوا بأن مناطَ الحكمِ إنما هو العلة، والركنُ الأعظم في القياس إثبات عِلِّيَّة المشترك، وذلك ممكن بدون تعيين الأصل، بأن يقال: ثبتَ الحكم في صورةٍ من الصور لكذا، فيجبُ ثبوتُهُ في صورة النزاع لوجود المشترك، وتثبت عِلِّيَّة المشترك بالمناسبة والدوران من غير تعيين الأصل، فتثبتُ إضافةُ الحكم إلى المشترك، فيلزم ثبوته في الفرع. ولهذا لو سمعنا أن السلطانَ أعطى رجلًا عالمًا غلب على ظنِّنا أنه إنما أعطاه لعلمه، وإن لم نَعْرِف عَيْنَه، وكذلك لو علمنا أنَّ رجلًا شرب دواءً فأعقبه إسهالًا غلبَ على ظنِّنا أن ذلك الدواء كان سبب الإسهال، وإن لم نَعْلَم عينَ الرجل.

стр. 449

وحجَّة الأوَّلين: أن شرط القياس ثبوت العلة في الأصل، وثبوت كونها علة، ولهذا يتوجَّه المنع على وجودها في الأصل، وعلى عِلِّيتها، فإذا لم يكن الأصلُ معلومًا امتنعَ العلمُ بحصول العِلَّة فيه؛ لأن العلمَ بالصِّفَة فرعُ العلمِ بالموصوف، وإذا لم يعلم بحصول العلة فيه لم يصح القياس؛ لانتفاء شرِطه، وامتنع أيضًا العلم بعلِّية الوصف المدَّعَى كونه علةً، لأن عِلِّيته لا تثبتُ إلا في محلٍّ، فإذا لم يُعْلَم محلُّها (١) لم يُعْلَم ثبوتها، وذلك لأن عِلِّيَّته لو ثبتت بدون أصلٍ تقوم به لكانت مناسبةً مطلقةً ومصلحةً مرسلةً، وذلك ليس من القياس الذي يُقاس فيه فرع على (٢) أصل، فإنه حينئذٍ ليس هناك مقيس عليه، لا معلومًا ولا مجهولًا. وهذا القولُ هو الصواب، وعليه أهلُ الفقه والأصول، لكن لا يجبُ العلم بصفاتِ الأصل التي لا تأثير لها في الحكم، وهذا هو فَصْل الخطاب في المسألة، فإن الأصل على ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يُعلَم شيءٌ من صفاته، فهذا يستحيل القياس عليه قطعًا. الثاني: أن يُعلَم بِعَينه، فهذا يصح القياس عليه قطعًا. الثالث: أن يُعلَم بعضُ صفاتِه دون بعض، مثل أن تُعلَم صفاتُه العامة دون الخاصة، أو يُعلَم نوعُه ولا يُعلَم شخصُه، أو جِنْسُه ولا يُعلَم نوعُه، فهذا قسمان: أحدهما: أن يُعلم أن المجهول من صفاته لا تأثير له في الحكم، مثل أن

стр. 450

يُعلم أن رجلًا وقع على امرأته في رمضان فأمره النبيُّ ﷺ بالكفارة، فليس علينا أن نعلم عينَه باسمِه ونسبِه، وكونه طويلًا أو قصيرًا، أو أسود أو أبيض، أو عربيًّا [ق ٢١٦] أو عجميًّا لِعِلْمنا بعدمِ تأثير هذه الصفات. وعلينا أن نعلمَ هل هو مسلم أو كافر، مقيمٌ أو مسافر؛ لاختلاف الحكم باختلاف هذه الصفات. والثاني: أن يكون المجهولُ من صفاتِه يجوزُ أن يكون مؤثِّرًا، ويجوز أن لا يكون مؤثِّرًا، فهنا إن قام دليلٌ من نصّ أو إجماع (١) على عِلِّيَّة الوصف المعلوم، فلا شكَّ أنه حجة، وإن لم يقم دليلٌ فهذا موضع الخلاف؛ لأن الدوران والمناسبة قد انتظما الصفات المعلومة والمجهولة انتظامًا واحدًا، فلا يمكن إضافة الحكم إلى ما عُلِمَ من صفاته دون ما جُهِل. وقولهم: إن إثبات عِلَّية المشترك ممكن (٢) بدون التعيين. قلنا: أما التعيين الشخصِيُّ فليس مشروطًا بالاتفاق، وإنما المشروط التعيينُ النوعيُّ، وهو ما لا تختلف آحادُه بالنسبة إلى ذلك الحكم إلا في العدد فقط. وما ذكروه من صور الاستشهاد، فإنَّا قد علمنا أنَّ الشارب للدواء إنسانٌ، والعلم بهذا كافي، وقد علمنا أنَّ المُعْطَى رجلٌ عالم، وذلك عِلْم بنوعِه، حتى لو فرضنا أن ذلك الرجل يجوز أن يكون فيه صفات مؤثِّرَةٌ من النسب والفقر والصداقة غير العلم لم يُضف الإعطاء إلى العلم. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن التعيين في باب القياس الشرعي لا يُرَاد به

стр. 451

التعيين الشخصي أصلًا، اللهم إلا في صورة نادرة، وعند المحقِّقين ليس ذلك بقياس؛ لأن حُكْمَ الله لا يختلف باختلاف أشخاص الأفعال، وأشخاص الفاعلين، وأشخاص مواضع العلل، ومواضع الحِكَم، مثل هذا البُرّ، وهذا الخمر، وهذا الحلي، وهذا الصبيّ، وإنما يُراد بالتعيين التعيين النوعيّ، مثل أن يقيس على بعض صور وجوب الزكاة. ولا شكَّ أنها تجب في الماشية وفي النقدين وفي الحرث، ولكل واحدٍ من ذلك أحكامٌ تخصُّه. إذا علمتَ فلا يُقْبل من القائس إلا قياسٌ على أصلٍ معلومِ النَّوْع بأخصِّ صفاته، أو على أصل قد عُلِمَت عِلِّية المشترك بينَه وبين الفرع بنصٍّ أو إِجماع أو تنبيه، كما عليه أهلُ العراق، ولكن نحن نذكرُ ما اصطلحَ عليه هؤلاء الخراسانيون. مثالُ ذلك أن يقول: الزكاةُ واجبة في صورةٍ من الصور، فيجب في محلِّ النزاع قياسًا عليه بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل مصلحةِ [ق ٢١٧] الإيجاب، وتثبت عِلِّية المشترك بالمناسبة والدوران كما تقدَّم. واعلم أن هذا القياس فاسدٌ من وجوهٍ كثيرةٍ قد تقدَّم ذكرُ بعضها (١)، فإنه مجهول الأصل، مجهول الجامع. والمناسبةُ أو (٢) الدورانُ، لا يدل على عِلِّية مشتركٍ، لا يُدْرَى ما هو، ولا يُدْرَى أين هو! لأنه لابدَّ أن يقول: المشترك مناسِبٌ للحكم، أو مدار الحكم معه وجودًا وعدمًا. فيقال له: لا نُسَلِّم أن المشترك مناسِبٌ، أو أنه مدار؛ لأن الحكم على

стр. 452

الشيء فرعُ تصوُّرِه، ونحن لا نعلم المشترك؛ لأن العلم بالمشترك بين الشيئين فرعُ العلم بالمشتركين، فمن لم يعلم المشتركين كيف يعلم المشترك بينهما؟! أكثرُ ما علمنا أنَّ الوجوبَ موجودٌ في بعض الصور، وأنَّ له علةً موجودةً في تلك الصور، أمَّا أن تلك العلة هي المشترك بينَه وبينَ محلِّ النِّزاع فهذا لم نَعْلَمْه، فلابُدَّ أن يضطرَّ إلى بيانِ وصفٍ يعلم أنه مشترك، مثل أن يقول: كونه مالكًا لمال ونحو ذلك، وحينئذٍ تنهالُ الأسولةُ القادحة على هذا المشترك؛ لأن الوصفَ المذكور قد دار معه أوصافٌ كثيرة، وهو منقوضٌ بصورٍ كثيرة ومناسبة غير صحيحة؛ لانخرامها بما هو أقوى منها؛ ولأن إضافة الحكم إليه موجبُ انتقاضِها. وإن كان أكثر الأصوليين يقولون: لا ينخرم بالمعارضة، فمعناه عندهم: أن الحكم إذا ثبت أنَّ فيه مصلحة وجبَ إضافته إليها وإن كان فيه مفسدة؛ لأن الشارع قد حَكَم به، فلا بد أن يكون جانبُ المصلحة راجحًا عند الشارع. أمَّا إذا كانت المفسدةُ ناشئة من إضافة الحكم إلى المشترك، لا من مجرَّدِ الحكم، أو كانت ناشئة من الحكم على تقديرِ إضافته إلى وصفٍ دون إضافته إلى وصفٍ أحسن، فلا ريبَ أنَّ هذا يُفْسِد قياسَ القائس، ويُبطل ما ادَّعاه من المناسبة. وبالجملة؛ فمن قَبِلَ هذا النوع من القياس ولم يُحَاقّ (١) صاحبه ــ كما

стр. 453

ذكرناه ــ فلا بدَّ من أن يكون عنده ما يعترض به عليه، لئلا يلزم نَفَاق الأقيسة الفاسدة. قال المصنف: الاعتراض عليه أنَّ يُعَيِّن السائل صورةً هي راجحة على صورة النزاع، ويقولون (١): المقيس عليه يساوي تلك الصورة، لاستوائهما في الحكم. مثاله: إذا قاسَ الوجوبَ في الحليّ على صورة من [ق ٢١٨] صور الوجوب، قيل له: الوجوب ثابتٌ في الماشية، وهي راجحة على الحليّ؛ لأنها مال نامٍ بنفسِه، لا مؤونةَ على صاحبه، ولا هو مُعَدٌّ للانتفاع بعيِنه على وجهٍ تنقصُ الزكاةُ منفعتَه، وهذه الصورة راجحة على صورة النزاع، فإن الحُليّ ليس بنامٍ بنفسه، وهو مُعَدٌّ لمنفعةٍ مباحةٍ، متى أُخرجت منه زكاة نقصت منفعتُه، والأصل المقيس عليه مساوٍ لهذه الصورة المذكورة لاستوائهما في الحكم وهو الوجوب، والاستواءُ في الحكم دليلُ الاستواءِ في المصلحة؛ لأنه لو كانت هذه الصورة راجحة على الأصل، فإما أن يكون ذلك الرجحان معتبرًا أو غير معتبر، فإن لم يُعتبر لزم إلغاءُ المصالح وإهدارُها، والشارعُ حكيم لا يهتك المصالح، وإن كان معتبرًا فإما أن يفيد ذلك الحكم بعينه أو أَزْيَدَ منه، فإن كان الأول لزم تعليل الحكم الواحد بالعين بعلتين، وهو غير جائز. وإن أفاد أزْيَد منه لزم الاختلاف في الحكم، ونحن نتكلَّمُ على تقدير الاستواءِ في الحكم، ولأن الحكم الموجود في صورٍ كثيرةٍ مشتركةٍ في معنًى مناسب يُضاف إلى ذلك المعنى الخاص، دون

стр. 454

ما تختصُّ به كلُّ صورة. كما يقال: كلُّ حكمٍ ثبتَ للأعمِّ فالأعم عدم التأثير فيه؛ لأن المعنى العام قد عُلِمَت عِلِّيته باستقلاله بالحكم مع عدم تلك الخصائص، والإضافةُ إلى ما عُلِمَت عِلِّيته أولى، فلو استوت الصورتان في الحكم مع تفاوت المصلحة، لَزِم التعارضُ بين المقتضي للإضافة إلى جميع المصلحة، والمقتضي للإضافة إلى المعنى العام المشترك، وهو على خلاف الأصل. وإذا كان الاستواءُ في الحكم دليل الاستواء في المصلحة، وقد استوى الأصلُ المقيسُ عليه، والصورةُ التي أبداها المعترضُ في الحكم، فقد استويا في المصلحة مع رُجحان أحدهما على صورة النزاع، فقد ترجَّحَ الأصلُ على صورة النزاع، فيمتنع القياسُ لوجود الفارق. وحاصل هذا: أنَّ المستدلَّ ثبَّتَ رُجْحان الأصل المجهول بمساواته للصورة المعيَّنة الراجحةِ في الحكم. وقوله: «أو يعين صورةً هي (١) راجحة على صورة معينة، لا يترجَّح المقيس عليها [ق ٢١٩] إذا لم يكن المقيسُ معيَّنًا أيضًا». هذا إذا لم يكن المقيسُ معيَّنًا، بأن يقول: الحكمُ ثابت في محلِّ الإجماع، فثبت في محلِّ النزاع بالقياس عليه. أو ثابت في صورةٍ من الصُّوَر فيثبت في صورة النزاع قياسًا عليه بالجامع المشترك، ولا يُعَيِّن صورةَ النِّزاع ولا يذكرها، لئلَّا يتمكَّن المعترِضُ من الكلام.

стр. 455

واعْلَم أن المغالبة في أنواع اللعب من الصراع والسِّباق (١) والقمار أحسن من المغالبة بمثل هذا الكلام. فهل سمعَ السامعون بأقبحَ مما يقال: فلانٌ يخالفك في مسألةٍ لا يدري ما هي، ولا يدري من أيِّ نوعٍ من العلوم هي؟! وهل هي من الفروع أو الأصول أو الأحكام الطبيعية أو الشرعية، أو من الطهارات أو من الجنايات؟! فيقول: الحكمُ ثابتٌ في صورةٍ من الصور فيثبتُ في صورةِ النزاع، أو في صورة من صور النزاع قياسًا عليه؛ لأن الحكم ثمةَ إنما ثبتَ لأجل المشترك، بدليلِ المناسبة والدوران، والمشترك متحقِّقٌ في صورةِ النزاع، فيثبت المدَّعَى، أو متحقِّق في صورةٍ من صور النزاع، فيثبت الحكم في جميع صور النزاع؛ لأنه لا قائل بالفرق! وما حقُّ من يتكلَّم بمثل هذا الهذيان أن يُقابل إلا بالتبكيت والتَّسْكيت، بل بالتعزير والتنكيل، وإن سُوْمح قيل له: لا نُسَلِّم أن بين الصورتين مشتركًا صالحًا للإضافة بالكلية، ولا نسلِّم ــ بتقدير وجود المشترك ــ إمكان كونه مناسبًا أو مدارًا، ولا نسلِّم تحقُّق المناسبة أو الدوران بتقدير إمكان كونه مناسبًا أو مدارًا؛ فإن شيئًا من هذه الأشياء لم يَثْبُت، إنما ادَّعاه دعوى. ف الواجب في مثل هذا الكلام أن يُقابل بالمُنُوعِ الصحيحة التي يتمكَّن معها من إثبات ما يدَّعِيه، أو يُقابَل بالمعارضات من جنس كلامِه، بأن يقال: الحكمُ منتفٍ في بعض الصور، فينتفي في صورةِ النزاع قياسًا عليه بالجامع المشترك ... إلى آخره.

стр. 456

هذا إن سُمِعَ كلامُه، وإلا فالواجبُ إغلاقُ بابِ هذا الهذيان، وأن لا يُعَدّ صاحبُه من نوعِ الإنسان فضلًا عن أهل العلم والبيان. وأمَّا ما ذكره المصنِّف من الردِّ فهو أن يقال: الوجوبُ في الماشية (١) أو في المضروب راجح على الوجوب في الثياب والعبيد، بدليل الوجوب في أحدِهما وعدمِه في الآخر، والافتراقُ في الحُكْم دليل الافتراق في المصلحة، وهذا ظاهر. والمقيسُ الذي هو صورة النزاع ليس براجح على الثياب والعبيد، وإذا لم يكن راجحًا يلزم تساويهما في عدم الوجوب، أو يقول: المقيسُ ليس براجحٍ على ثياب البِذْلَة وعبيدِ الخدمة، وثيابُ البِذْلَة [ق ٢٢٠] وعبيدُ الخدمة مرجوحٌ بالنسبة إلى الماشية والمضروب، بدليل افتراق الحكم فيهما، وإذا كانت بعض الصور راجحةً على ما لم يترجَّح عليه الأصل لزم تساوي الصور في هذا الرجحان، لاستوائهما في الحكم، وإذا كانت جميع صور الإجماع راجحةً على ما هو المقيس مساوٍ له أو ناقصٌ عنه= لَزِم أن يكون المقيس مرجوحًا بالنسبة إلى جميع صور الإجماع، فيمتنع القياس مع الرجحان. واعلم أن ما لم يمكنه الاكتفاء بقياس محل النزاع المجهول على بعض صور عدم الوجوب؛ لأنه يكون معارضةَ دليلٍ تامٍّ بدليل تام، بخلاف ما إذا استلزم من ذلك رجحان صور الأصل على محل النزاع، فإنه يبطل القياس، لكن الشأن في بيان عدم رجحان محلِّ النزاع المقيس على الصورة المرجوحة عن بعض صور الأصل.

стр. 457

وقوله (١): (ولئن منع عدم الرُّجحان فنقول (٢): المقيس إما قاصر أو مساوٍ؛ لأن الحكم فيه (٣) لا يخلو إما أن كان ثابتًا أو لم يكن، فإن لم يكن (٤) فظاهر، وإن كان ثابتًا فكذلك ضرورة تحقُّق الدليل على أحدهما، وهو المساواة حينئذٍ، فإنَّ الحكمَ إذا كان (٥) ثابتًا في المقيس، وجب أن يثبت فيما ذكرنا من الصور؛ إما (٦) بالضرورة أو بالنص أو بالقياس، وحينئذٍ تتحقَّق المساواةُ بينهما). حاصل هذا أن يقول: المقيس إما أن يكون قاصرًا عن الصورة المرجوحة بالنسبة إلى بعض صور الأصل أو مساويًا لها، وعلى التقدِيرَين فقد ثبتَ عدمُ رجحانها على المرجوح، فيلزم مساواتها للمرجوح، فيثبت بها مرجوحة. وإنَّما قلنا ذلك؛ لأن الحكم في الفرع المقيس إن لم يكن ثابتًا فظاهر؛ لبطلان القياس حينئذٍ والدعوى أيضًا. وإن كان ثابتًا فظاهر أيضًا؛ لأنه إذا كان الحكم ثابتًا في الفرع المقيس فقد تحقَّق الدليلُ على أحد الأمرين، وهو مساواة الفرع المقيس لتلك الصورة التي ادَّعى عدم رُجحانه عليها؛ لأن الحكم إذا ثبتَ في الفرع المقيس وجب أن يثبت في تلك الصورة إما بالضرورة ــ إن أمكن ــ أو بالنص أو بالقياس، كما في الصورة المُمَثَّل بها، فإنه يقال: لو ثبتَ الوجوبُ في شيء من صور النزاع في عَبِيد

стр. 458

الخِدْمة وثياب البِذْلة بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب ... إلى آخره. وإذا ثبتَ الوجوبُ في تلك الصور ثبتت أيضًا مساويةً للفرع المقيس، فثبتَ أحدُ الأمرين، وهو المساواة، فصحَّ قولُنا: إن المقيس إما أن يكون قاصرًا عن تلك الصورة المرجوحة أو مساويًا لها. واعلم ــ أصلحكَ الله ــ أن هذا الكلام مقابلة دعوى مجملة، وهو من باب مقابلة الباطل [ق ٢٢١] بالباطل؛ لأن القائس في فرعٍ مجهول عكس عليه الأمر، بأَن جعل ذلك الفرع الذي ادَّعاه أصلًا لصورة مرجوحة عن أصله المجهول بعد تعيين شيءٍ من صُوَرِه. فإن قيل: كيف يتمكَّن المعترضُ من أن يدَّعي أنه إذا ثبت الحكم في المقيس ثبتَ في تلك الصورة المرجوحة بالدليل أو بالنَّصِّ مع أنَّ المسألة خلافية؟ قيل: هذا يتفق إذا كان القياس في فرع مجهولًا فاسدًا بالضرورة، وقد ركَّبه هذا التركيب، بأن يقول ــ مثلًا ــ: الزكاةُ واجبةٌ في بعض صور النزاع التي في الزكاة ــ مثلًا ــ من الوجوب [في] مال الصبي، ومال المدين، وحُلي المرأة، والمال الضائع، ونحو ذلك، قياسًا على الوجوب في بعض صور الإجماع بالجامع المشترك. فيقال له: الوجوبُ في الماشيةِ راجح على الوجوب في الحُلي، بدليل قولِه ﷺ : «عفوتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْل والرَّقيق» (١) مع

стр. 459

تحقُّق (١) الزكاة في الماشية، والافتراقُ في الحكم دليلُ الرُّجحان، وبعض الصور المقيسة لا يترجح عن الخيل، فيلزم كونها مرجوحة عن جميع صُور الوجوب للاستواءِ في الحكم. وإنما قلنا: لا يترجح عن الخيل؛ لأن الصور المقيسة إما قاصرة عن الخيل أو مساوية؛ لأن الحكم في بقيَّة الصور المقيسة إن لم يكن ثابتًا فظاهر، وإن كان ثابتًا لزم الوجوب في الخيل بالضرورة؛ لأن الوجوبَ إذًا ثبتَ في جميع صور النزاع من المسائل المذكورة.

стр. 460

(فصل (١) وإن (٢) عارض بالقياس المجهول؛ فذلك (٣) معارَضٌ بمثله، ولئن منع المغايرة فنعيِّن (٤) به غير الأول، أو نُعَيِّن صورةً من صور النقوض ابتداء، ونبيِّن الفرقَ بينها وبين صورة النزاع، كما إذا قال: لا يجب في الحلي بالقياس على صورة من صُوَر العدم. فنقول: المقيس عليه لم يَقْصُر عن ثياب البِذْلة والمهنة، بدليل الاستواء في الحكم. والفرق بَيِّن (٥) بينها (٦) وبين المقيس لكونها مشغولة بالحاجة الأصلية، وهي دفع نازلة الحر والبرد). حاصل هذا: أن المعترض إذا عارَض بقياسٍ مجهول، بأن يقيس صورة النزاع على صورة من صور عدم الوجوب، عارضَه المستدلُّ بقياسٍ آخر مجهول ليتعارض القياسان، ويسلم الأول عن المعارضة. فإذا قال المستدل: لا أُسَلِّم أنَّ هذا الثاني غير الأول، ففيه جوابان: أحدها: أن يقول: عيَّنْتُ في القياس الثاني أصلًا غير الذي عينته في الأول.
следующие страницы →