هذا إن سُمِعَ كلامُه، وإلا فالواجبُ إغلاقُ بابِ هذا الهذيان، وأن لا يُعَدّ صاحبُه من نوعِ الإنسان فضلًا عن أهل العلم والبيان.
وأمَّا ما ذكره المصنِّف من الردِّ فهو أن يقال: الوجوبُ في الماشية (١) أو في المضروب راجح على الوجوب في الثياب والعبيد، بدليل الوجوب في أحدِهما وعدمِه في الآخر، والافتراقُ في الحُكْم دليل الافتراق في المصلحة، وهذا ظاهر. والمقيسُ الذي هو صورة النزاع ليس براجح على الثياب والعبيد، وإذا لم يكن راجحًا يلزم تساويهما في عدم الوجوب، أو يقول: المقيسُ ليس براجحٍ على ثياب البِذْلَة وعبيدِ الخدمة، وثيابُ البِذْلَة [ق ٢٢٠] وعبيدُ الخدمة مرجوحٌ بالنسبة إلى الماشية والمضروب، بدليل افتراق الحكم فيهما، وإذا كانت بعض الصور راجحةً على ما لم يترجَّح عليه الأصل لزم تساوي الصور في هذا الرجحان، لاستوائهما في الحكم، وإذا كانت جميع صور الإجماع راجحةً على ما هو المقيس مساوٍ له أو ناقصٌ عنه= لَزِم أن يكون المقيس مرجوحًا بالنسبة إلى جميع صور الإجماع، فيمتنع القياس مع الرجحان.
واعلم أن ما لم يمكنه الاكتفاء بقياس محل النزاع المجهول على بعض صور عدم الوجوب؛ لأنه يكون معارضةَ دليلٍ تامٍّ بدليل تام، بخلاف ما إذا استلزم من ذلك رجحان صور الأصل على محل النزاع، فإنه يبطل القياس، لكن الشأن في بيان عدم رجحان محلِّ النزاع المقيس على الصورة المرجوحة عن بعض صور الأصل.
стр. 457
وقوله (١): (ولئن منع عدم الرُّجحان فنقول (٢): المقيس إما قاصر أو مساوٍ؛ لأن الحكم فيه (٣) لا يخلو إما أن كان ثابتًا أو لم يكن، فإن لم يكن (٤) فظاهر، وإن كان ثابتًا فكذلك ضرورة تحقُّق الدليل على أحدهما، وهو المساواة حينئذٍ، فإنَّ الحكمَ إذا كان (٥) ثابتًا في المقيس، وجب أن يثبت فيما ذكرنا من الصور؛ إما (٦) بالضرورة أو بالنص أو بالقياس، وحينئذٍ تتحقَّق المساواةُ بينهما).
حاصل هذا أن يقول: المقيس إما أن يكون قاصرًا عن الصورة المرجوحة بالنسبة إلى بعض صور الأصل أو مساويًا لها، وعلى التقدِيرَين فقد ثبتَ عدمُ رجحانها على المرجوح، فيلزم مساواتها للمرجوح، فيثبت بها مرجوحة. وإنَّما قلنا ذلك؛ لأن الحكم في الفرع المقيس إن لم يكن ثابتًا فظاهر؛ لبطلان القياس حينئذٍ والدعوى أيضًا. وإن كان ثابتًا فظاهر أيضًا؛ لأنه إذا كان الحكم ثابتًا في الفرع المقيس فقد تحقَّق الدليلُ على أحد الأمرين، وهو مساواة الفرع المقيس لتلك الصورة التي ادَّعى عدم رُجحانه عليها؛ لأن الحكم إذا ثبتَ في الفرع المقيس وجب أن يثبت في تلك الصورة إما بالضرورة ــ إن أمكن ــ أو بالنص أو بالقياس، كما في الصورة المُمَثَّل بها، فإنه يقال: لو ثبتَ الوجوبُ في شيء من صور النزاع في عَبِيد
стр. 458
الخِدْمة وثياب البِذْلة بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب ... إلى آخره. وإذا ثبتَ الوجوبُ في تلك الصور ثبتت أيضًا مساويةً للفرع المقيس، فثبتَ أحدُ الأمرين، وهو المساواة، فصحَّ قولُنا: إن المقيس إما أن يكون قاصرًا عن تلك الصورة المرجوحة أو مساويًا لها.
واعلم ــ أصلحكَ الله ــ أن هذا الكلام مقابلة دعوى مجملة، وهو من باب مقابلة الباطل [ق ٢٢١] بالباطل؛ لأن القائس في فرعٍ مجهول عكس عليه الأمر، بأَن جعل ذلك الفرع الذي ادَّعاه أصلًا لصورة مرجوحة عن أصله المجهول بعد تعيين شيءٍ من صُوَرِه.
فإن قيل: كيف يتمكَّن المعترضُ من أن يدَّعي أنه إذا ثبت الحكم في المقيس ثبتَ في تلك الصورة المرجوحة بالدليل أو بالنَّصِّ مع أنَّ المسألة خلافية؟
قيل: هذا يتفق إذا كان القياس في فرع مجهولًا فاسدًا بالضرورة، وقد ركَّبه هذا التركيب، بأن يقول ــ مثلًا ــ: الزكاةُ واجبةٌ في بعض صور النزاع التي في الزكاة ــ مثلًا ــ من الوجوب [في] مال الصبي، ومال المدين، وحُلي المرأة، والمال الضائع، ونحو ذلك، قياسًا على الوجوب في بعض صور الإجماع بالجامع المشترك.
فيقال له: الوجوبُ في الماشيةِ راجح على الوجوب في الحُلي، بدليل قولِه ﷺ : «عفوتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْل والرَّقيق» (١) مع
стр. 459
تحقُّق (١) الزكاة في الماشية، والافتراقُ في الحكم دليلُ الرُّجحان، وبعض الصور المقيسة لا يترجح عن الخيل، فيلزم كونها مرجوحة عن جميع صُور الوجوب للاستواءِ في الحكم. وإنما قلنا: لا يترجح عن الخيل؛ لأن الصور المقيسة إما قاصرة عن الخيل أو مساوية؛ لأن الحكم في بقيَّة الصور المقيسة إن لم يكن ثابتًا فظاهر، وإن كان ثابتًا لزم الوجوب في الخيل بالضرورة؛ لأن الوجوبَ إذًا ثبتَ في جميع صور النزاع من المسائل المذكورة.
стр. 460
(فصل (١)
وإن (٢) عارض بالقياس المجهول؛ فذلك (٣) معارَضٌ بمثله، ولئن منع المغايرة فنعيِّن (٤) به غير الأول، أو نُعَيِّن صورةً من صور النقوض ابتداء، ونبيِّن الفرقَ بينها وبين صورة النزاع، كما إذا قال: لا يجب في الحلي بالقياس على صورة من صُوَر العدم.
فنقول: المقيس عليه لم يَقْصُر عن ثياب البِذْلة والمهنة، بدليل الاستواء في الحكم. والفرق بَيِّن (٥) بينها (٦) وبين المقيس لكونها مشغولة بالحاجة الأصلية، وهي دفع نازلة الحر والبرد).
حاصل هذا: أن المعترض إذا عارَض بقياسٍ مجهول، بأن يقيس صورة النزاع على صورة من صور عدم الوجوب، عارضَه المستدلُّ بقياسٍ آخر مجهول ليتعارض القياسان، ويسلم الأول عن المعارضة.
فإذا قال المستدل: لا أُسَلِّم أنَّ هذا الثاني غير الأول، ففيه جوابان:
أحدها: أن يقول: عيَّنْتُ في القياس الثاني أصلًا غير الذي عينته في الأول.
стр. 461
لكن للمعترض ــ أيضًا ــ أن يعارضه بقياسٍ مجهول، ويدَّعي تغاير القياسين، وحينئذٍ يكون الفَلْج لمن كانت صور الحكم في قياسِه [ق ٢٢٢] أكثر.
الثاني: أن يعيِّن المستدلُّ صورةً من صور النقوض (١)، وهو صور عدم الحكم التي قاسَ عليها المعترض، ويبيِّن الفرقَ بينها وبين صور النزاع، كالمثال الذي مثَّل به (٢)، فإنه إذا قاس المعترضُ على صورةٍ من صور عدم الزكاة، قال له المستدل: الفرقُ بين الحُلي وبين بعض الصور ثابت، وهو الثياب؛ لأنَّ الثياب مشغولة بالحوائج الأصليَّة ــ وهي دفع ضرر الحر والبرد وسَتْر العورة ــ حقيقةً أو مَظِنَّة، فإذا ثبت الفرقُ بين الفرع الذي هو صورة النزاع وبين هذه الصورة ثبتَ الفرقُ بينها وبين سائر الصور، بدليل استوائها في عدم الحكم، والاستواءُ في الحكم دليلُ الاستواء في المصلحة، فيثبُتُ الفرقُ بين الفرع وبين صور النقض التي قاسَ عليها المعترض.
وإن شاء قال: الصورةُ التي قِسْت عليها لا تنقص عن ثياب البِذْلة، أو ثيابُ البِذْلة لا تزيد عليه، بدليل الاستواء في الحكم، وإذا لم تنقص عنها، وقد ثبتَ الفرقُ بين الفرع وبين ثياب البِذْلة، ثبتَ بين الفرع وبين الأصل الذي قِسْتَ عليه.
واعلم أنَّ هذا الكلام مُعَارَضٌ بمثله، بأن يُعَيِّن المعترضُ صورةً من صور الأصل، ويبيِّنَ الفرقَ بينها وبين الفرع (٣) المقيس، فيثبت الفرق بينَه وبين الجميع لاستوائهما في الحكم، مثل أن يقول: الصورةُ المقيسُ عليها لا تزيد على المضروب، بدليل الاستواء في الحكم، والفرقُ بين المضروب وبين الحُليّ، أن
стр. 462
الحليَّ غير معدولٍ لاستعمالٍ مباح، فيثبتُ الفرق بين الفرع وبينَ جميع صور المدَّعى، وهذا كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا (١). فإذا كان المستدلُّ يعترض على قياس المعترض بمثل ما يعترض به المعترضُ على قياسِ المستدلِّ تكافآ، وعُلِم أن القياسَ المجهولَ باطلٌ، وسيأتي الكلام على هذا.
قوله (٢): (أو نقول: العدمُ غير ثابتٍ في الفرع، وإلا يلزم الاستواءُ بينهما في الحكم مع الافتراق في الحكمة، وأنه غير واقع، وإلا يلزم الترك بالمقتضي لإضافة الحكم إلى العلة أو الفارق).
هذا صورة أخرى للجواب عن المعارَضَةِ بالقياس المجهول ، وهو أن يقول: عدمُ الجوبِ غير ثابتٍ في الفرع، وهو الحُليّ؛ لأنه إن كان ثابتًا للزم التسوية بين الفرع وبين ثياب البِذْلة في الحكم ــ وهو عدم الوجوب ــ مع الافتراق في الحِكْمة [وهو] غير واقع؛ لأنه يستلزم ترك العمل بالمقتضي لإضافة الحكم إلى جميع العلة المناسبة، ويستلزم ترك العمل بالفارق، وقد تقدم الكلام على هذا (٣).
قوله (٤): (ولئن قاس ثانيًا وقال: نعني (٥) به غير الأوَّل، فنقول: ما ذكرتم غير ثابتٍ وإلا [ق ٢٢٣] لكان العدمُ فيما ذكرنا من الصور (٦) مضافًا إلى
стр. 463
المشترك، وليس كذلك لما بيَّنَّا).
حاصله: أنَّ المستدلَّ إن عارض بقياس ثانٍ مجهول وادَّعَى المغايرة بين الأصل فيه والأصل في الأول، قيل له: عدمُ الحكم في صورة النزاع غير ثابت؛ لأنه لو كان ثابتًا لزم أن يكون عدمُ الحكم في الصورة التي ذكرتَها ــ وهي ثياب البِذْلة ــ مضافًا إلى المشترك بينها وبين محلِّ النزاع؛ لأن الاستواء في الحكم دليلُ الاستواء في المصلحة، ولا يجوز أن يكون المشترك هو العِلَّة، لئلا يلزم الاستواءُ في الحكم مع الافتراق في الحِكْمة، لما ذكرنا من الفرق بين تلك الصورة وبين محلِّ النزاع.
قوله (١): (ولئن قاس ثالثًا، وأثبتَ التغايرَ بينه وبين الأوَّلَين، فنقول: لم يتحقَّق ما ذكرتم، وإلا لتحقَّق أحدُهما).
حاصله: إن عارَض بقياسٍ يبيِّنُ فيه التغايرَ، ولم يكتفِ بغايته (٢).
قيل: لا يتحقَّقُ مُدَّعاك؛ لأنه لو تحقَّق لزم استواء الصورة المذكورة والفرع في الحكم مع الافتراق في الحكمة، وهو مستلزمٌ لترك العمل بالمقتضي للإضافة أو الفارق.
قوله (٣): (ولئن قاس رابعًا فنعيِّن صورةً أخرى (٤)، فنقول بمثلِ ما قلنا مرةً بعد أُخرى، إلى أن قاس سابعًا فصاعدًا).
стр. 464
(فصلٌ في التنافي بين الحُكمَين) (١)
اعلم أنَّ التنافي عكس التلازم؛ لأنه عبارة عن كون الشيئين بحيث كلٌّ منهما ينفي الآخر ويمنعه ولا يجامعه، وهو التضاد والتنافي والتعاند والترديد والتقسيم والشرطيّ المنفصل (٢).
стр. 465
وأصلُ اللفظ: أن يكون كلٌّ منهما ينفي الآخر كالضدين؛ لأن التنافي تفاعُلٌ من النفي، فأصله أن يكون كلٌّ منهما يفعل مع الآخر مثل ما يفعل الآخرُ معَه، فيكون معناه عدم اجتماعهما قط، فعلى هذا أيُّ المتنافيين تحقَّقَ انتفى الآخر، ولا يجوز أن يكون النفي من أحد الجانبين دون الآخر؛ لأن أحد الشيئين متى نُفِيَ الآخر لم يجتمع معه، فلو فرَضْنا تحقُّقَ المنفيِّ امتنع تحقُّقُ النافي، وإلا لاجتمع مع المنفيِّ، وهو خلاف المفروض (١)، وكذلك لو تحقَّق النافي امتنع تحقق المنفي (٢)، بخلاف اللزوم فإنه قد يتحقَّق اللازم بدون ملزومِه؛ لأن مقتضى اللزوم إنما هو وجودُه مَعَه، فيجوز وجوده بدونه، لأن ذلك لا ينافي وجوده معه، وأما النَّفي فمقتضاه عدم الاجتماع، فيمتنع اجتماع الوجُوْدَين.
ثم التنافي على ثلاثة أقسام؛ لأن المُنَافي إما أن ينافي الآخر وجودًا فقط، أو عدمًا فقط، أو وجودًا وعدمًا. فإن تنافيا وجودًا وعدمًا فهو الذي يُقال له: الشَّرْطيُّ المنفصلُ الحقيقيُّ الانفصال [ق ٢٢٤] إذا صيغ التنافي بصيغة الشرط، ويقال فيه: استثناء عين كلِّ واحد من الأقسام يُنْتِج نقيضَ الآخر، واستثناء نقيضِه يُنْتِج عينَه، فله في الأصل أربعة استثناءات (٣)، وهو الذي يقال له: مانعُ الجمع والخلوِّ، أي يمنعُ اجتماعَ القِسْمَين، ويمنع خلوَّهما، وربَّما عُبِّر عنه بالمتناقِضَين، وإن كان التناقض في الأصل عبارةً عن الإثبات والنفي؛ لأنه متى انحصر الأمرُ في قسمين فلا بدَّ من إثبات
стр. 466
أحدهما ونفي الآخر، كما يُقال: العددُ إما شفع وإما وتر، والماءُ إمَّا طاهر وإمَّا نجس، والعباداتُ والعقودُ إمَّا صحيحة وإما فاسدة أو باطلة، وهذا الفعل إمَّا حلالٌ وإمَّا حرام، والخبر إمَّا صدق وإما كَذِب، وهذا إمَّا موجودٌ أو معدوم، وأمثلته كثيرة.
فنقول: لكنَّه طاهر فليس بنجس، أو لكنه نجس فليس بطاهر، أو لكنه ليس بطاهر فهو نجس، أو لكنه ليس بنجسٍ فهو طاهر.
وإن صُغْتَه بصيغة الحمل والإخبار ... (١) قلتَ: الطهارةُ والنجاسةُ لا ترتفعان ولا تجتمعان، أو تقول: الطهارةُ والنجاسةُ حاصران أو لازمان متنافيان، ونحو ذلك من العبارات.
وإن تنافيا وجودًا فقط أو عَدَمًا، فهو الذي يقال له: الشَّرْطيُّ المنفصلُ الذي ليس بحقيقيِّ الانفصال (٢).
ثم ما تنافَى وجودُهما فهو الذي يقال له: مانع الجمع، ويُعَبَّر عنه في المعنى بالضدَّين، واستثناءُ عين أحدهما يُنْتج نقيضَ الآخر، فأما استثناءُ نقيضِه فعقيمٌ من هذه الجهة، فإن وجود أحدِهما مستلزمٌ لعدمِ الآخر، وهذا إنَّما يُستعمل في موضعٍ يكون المقصودُ نفي اجتماع الشيئين والاستدلال بوجود أحدِهما على عدمِ الآخر، وكلامُ المصنِّف في النافي يدخل في هذا القِسْم، فإنه مفهوم التنافي في أصلِ اللغة، وهذا يكونُ في الأضداد، مثلُ قولنا: إما أن يكون أَسودَ أو أبيض، وإما أن يكون واجبًا أو حرامًا، وإما أن تكون الصلاةُ صحيحةً أو الطهارةُ فاسدةً، وإما أن تكونَ العلةُ موجودةً، أو الحكمُ منتفيًا.
стр. 467
وإن شئت عبَّرتَ به بأن كذا وكذا مما لا يجتمعان، أو بأنَّهما متنافيان.
وإن تنافيا عَدَمًا فقط فهو الذي يُقال له: مانع الخلوِّ (١)، أي يمنع خلوَّهما جميعًا، أي عدمهما جميعًا، فأيهما عُدِم دلَّ على وجود الآخر، ولهذا يقال: استثناءُ نقيض أحدِهما يُنتجُ عينَ الآخر، وأما استثناءُ عينه فعقيم.
وهذا إنما يُستعمل في الموضع الذي يكون المقصود بيان وجودِ أحدِ الأمرين أو كلاهما (٢)، وبيانُ الحصرِ في شيئين أو أشياء، والاستدلال بعدم أحدِهما على وجودِ الآخر، أو بأنَّه إذا عُدِم وُجِدَ الآخر ردًّا على من زعم عدمَهما جميعًا. كما أنَّ الذي قبله ردٌّ على من زعم اجتماعهما، كما يقال: الاستنجاء إما أن يكون بالماء أو بالجامد، وطهارة الحدث (٣) إمَّا بالماء أو بالتراب، والأدلة الشرعية إما الكتاب أو السنة أو الإجماع [ق ٢٢٥] أو القياس، أو الاستصحاب.
والغالبُ أن يُستعمل في هذا القسم: «لا يخلو»، كما يُستعمل في الذي قبله: «إما أن يكون»، كما يقال: العلةُ لا تخلو إما أن تكون منصوصةً أو مستنبطة. أو يقال: الموجِبُ للغسل إما الجناية أو الحيض أو النفاس (٤)، أو الإسلام، أو الموت. وموجَبُ العمد إما القَود وإما الدِّيَة. والحكمُ إما بالبيِّنة، أو بالإقرار، أو باليمين، أو بالنكول.
وكثيرًا ما يقع الترديد بين شيئين أحدهما أعمُّ من الآخر، أو أحدُهما
стр. 468
مستلزمٌ للآخر، أو أحدهما مغاير للآخر لفظًا فقط بلا معنى؛ لأن المقصود بيانُ وجودِ أحدِهما على التقدِيرَين، أو بيان وجود مقصود تحصيل أحدهما. وأما في القِسمَين الأوَّلَيْن فلا يجوز ذلك؛ لأن قسيم الشيء ليس قسمًا منه، والمتلازمان لا يتنافيان. وكثيرًا ما يسلُكُ الجدليون هذا المسلك. وإذا كان كذلك لم يُنْتِج استثناء نقيضِ كلٍّ منهما عينَ الآخر؛ لأن نفي الأعم أو الملزوم لا يصحُّ معه ثبوتُ الأخصِّ اللازم (١)، كما يقال: الشيءُ إمَّا أن يكون ممكنًا الإمكان العام، أو الإمكان الخاص، فإن لم يكن ممكنًا الإمكان الخاصَّ فهو ممكن الإمكان العام، ولا يصحُّ العكس.
والسرُّ في ذلك: أن الترديد في المعنى بين الخاص منفردًا وبين العامِّ مع الخاص، فكأنه قيل: إما أن يكون الإمكان الخاص فقط، أو الخاص والعام. ومعلوم أنه لو قيل كذلك ظهر المقصود. فافهم الفرقَ بين هذه الأقسام وموادِّها وصورِها فإنه نافع في العلوم جميعًا.
واعلم أن التنافي كما يكون بين الأحكام، فإنه يكون بينها وبين الدلائل والعلل، كما يُقال: القولُ بموجبِ هذا الدليل وعدمُ الحكم الفلاني لا يجتمعان، أو كون الوصف الفلاني علة وعدم الحكم الفلاني لا يجتمعان، وذلك لا يخفى على مُحَصِّل.
قال المصنف (٢): (وهو امتناع الاجتماع بينهما في محلٍّ واحد في زمانٍ واحد).
وهو كما قال؛ لأنه يعني بالمتنافيين المتضادَّين، وهما ما لا يجوز
стр. 469
اجتماعهما مكانًا وزمانًا، فإذا اجتمعا في محلٍّ واحد في زمانٍ واحد فليسا متنافيين. وإن لم يجتمعا في المحلِّ الواحد إلا في زمانين، أو لم يجتمعا في الزمان الواحد إلا في محلَّين فهما متنافيان. وإن لم يمكن اجتماعُهما لا في محلٍّ واحد ولا محلين، ولا زمانٍ واحد ولا زمانَيْن فهما أشد تنافيًا.
واعلم أنهما قد يتنافيان (١) مطلقًا، وقد يتنافيان [ق ٢٢٦] على بعض (٢) الوجوه، وكثيرًا ما يقع الغلطُ في هذا فيوجد المطلق موضع المقيَّد وبالعكس.
والنَّقِيضان نوعان من المتنافيين، وقد عُلِم أنه لابدَّ في المتناقِضَيْن من اتحادهما (٣) في النسبة التي تناقضا فيها، حتى يلزم من عدم أحدهما وجود الآخر، وبالعكس، وقد فصَّلها بعضُ الناس وعدُّوها ثمانية، ومنهم مَن زعم أنَّ الأقسامَ متداخلة إلى ثلاثة، وقيل: إلى اثنين، وقيل: إلى واحد، وهو الصواب. فالمعتبر أن يكون المثبت هو المنفي، وكل ما اقتضى تغايرهما لم يتحقَّق معه التناقض.
وأما المتنافيان فأعمّ من ذلك، فلا يشترط إلا أن يكون أحدهما بحيث يلزم من وجوده عدم الآخر، سواء كان نقيضه أو ضده.
واعلم أن التنافي إذا صحَّ بطريقٍ شرعيٍّ فإنه طريق من الطرق الصحيحة كالتلازم . وتحقيقُه إنما يكونُ بالمناهج العلمية أو المعاني الفقهية، وهؤلاء المموِّهون يدَّعُونه ويحتجُّون عليه بما لا دليل فيه، والله المستعان.
стр. 470
قوله (١): (كما إذا قال: الوجوب على المديون مع عدم الوجوب على من ملك مالًا دون النصاب مما لا يجتمعان، والثاني ثابت إجماعًا فيلزم انتفاء الأوَّل).
اعلم أن المتنافيين قد يكونان وجودِيَّيْن، وقد يكونان عدَمِيَّيْن، وقد يكون الأول وجودًا والثاني عدمًا وبالعكس، كما في التلازم. فإذا ادَّعَى أن الوجوبَ هنا، وعدم الوجوب هنا (٢) لا يجتمعان، فهو معنى دعوى التلازم بين الوجودِيَّيْن، وقوله: «والثاني ثابت»، مثل قوله: «والملزوم منتفٍ»، لكن الكلام في هذه الصورة له طريق يختصُّ بها.
فإن قيل: إذا قيل: إن المتنافيين إنما (٣) يمتنع اجتماعهما في محلٍّ واحدٍ وزمانٍ واحد، فالوجوبُ على المَدِيْن وعدمُه على مالك ما دون النصاب لا يكونان في محلٍّ واحد حتى يقال: اجتمعا فيه أو لم يجتمعا. مرادهم: أنهما لا يجتمعان في حكم الشارع، وجعلوا الحكم الشرعي محلًّا (٤) لما هو أخص منه من الأحكام، كالوجوب هنا، والوجوبُ كما يجعل الأمور العامة أوعية (٥) ومحالًّا لأقسامها الخاصة؛ لأنها جَمَعَتْها ووَعَتْها (٦) كالظرف والوعاء، فيقال: الجِسْم يجمع النامي والجامد والحيوان والجامد والبهيم
стр. 471
والناطق. ويقال: الحكم الشرعي يدخل فيه الوجوب والندب (١) والإباحة والكراهة والحظر، وهو كثير.
واعلم أن الطرق الصحيحة في تقرير التنافي أن يبين أن ثبوت أحدهما ينفي الآخر، إما بنصٍّ إن اتفق ذلك، فإن النصوص لا تكاد تدل على مثل ذلك [ق ٢٢٧] صريحًا إلا بطريق الاستلزام ... (٢) نحو ذلك، وذلك أن يسوِّي الشارع بينهما أو يفرِّق.
فيقال: إثبات أحدهما مع عدم الآخر مما لا يجتمعان، أو إثباتهما جميعًا مما لا يجتمعان، وهذا كما يقال في حديث التوضؤ بالنبيذ (٣): إن الاستدلال على تجويز التوضؤ بالنبيذ المطبوخ مع القول بعدم الجواز بالنِّيء لا يجتمعان؛ لأن الحديث إنما هو في النبيذ النِّيء، فإن كان دليلًا
стр. 472
معتمدًا جاز الوضوء بالنِّيء، فلا يكون عدمه متحقِّقًا، وإن لم يكن دليلًا معتمدًا امتنع الاستدلالُ به على جواز التوضوء بالمطبوخ، فعُلِمَ أن الاستدلالَ به على الجواز في المطبوخ دون النِّيء غير ممكن، فيكون الجوازُ هنا وعدمُه هناك متنافيين.
وإما بقياس صحيح، أو تلازم صحيح، مثل أن يبيِّن أن المقتضي للجواز في إحدى الصورتين موجود في الأخرى، أو المانع في إحداهما موجود في الأخرى، أو أنَّ إحداهما تستلزم الحكم في الأخرى، فيتنافى الجواز (١) وعدمه في إحدى الصورتين ونقيضه في الأخرى، أو يبيِّن أن بتقدير الحُكْم في إحدى الصورَتَيْن يقوم مانع في الأخرى، أو بتقدير عدم المانع في إحداهما يُسَلَّم المقتضي في الأخرى عن المانع، فيتنافى الحُكْمان فيهما وجودًا وعدمًا.
مثل أن يُقال: إيجابُ الزكاةِ في مال الصبيّ، وعدم الإيجاب في مالِ المجنون لا يجتمعان، أو يقال: إجبار (٢) الصغيرة الثيب، والبكر البالغة يتنافيان أو لا يجتمعان، أو يقول: إيجابُ العبادة وقضاؤها يتنافيان، أو عدم إيجاب الوضوء وعدم إيجاب التيمم يتنافيان، أو يقال: إيجاب قتل الجماعة بالواحد ومنع .... (٣) لا يجتمعان.
و يُسْتَدل على التنافي بالأدلة المعلومة في كل مسألة من هذه المسائل،
стр. 473
سواء كانت إجماعيَّة أو خلافية، ومثاله أن يقول في المال الذي (١) ذكره؛ لأن عدم الوجوب على من له دون النصاب إنما كان لنفي الضرر الحاصل بالإيجاب، فإن المالَ القليلَ لا يحتمل المواساة؛ لأنه مشغول بحوائج مالكه، ومالُ المدين يشاركه في هذا المعنى، فيتنافى وجودُ أحدِهما، وعدمُ الآخر. أو يقول: الوجوبُ على المدين إن ثبتَ فإنما يكون رعايةً لجانب السبب الموجِب، وهو المال الموجود، وترك النظر إلى كونه مشغولًا بمصالح المالك، وهذا المعنى موجود في قليل المال، فيجب ثبوت الوجوب فيه، وليس الغرضُ تقريرَ صحَّة هذا التنافي على الخصوص، فإن مادَّة الكلام في هذا المثال قد تقدَّم في التلازم. وعامة (٢) المُمَوِّهين يثبتون التنافي بنحوٍ مما يثبتون [ق ٢٢٨] به التلازم.
قال المصنف (٣): (والدليل على عدم الاجتماع متعدِّد، فإنه يمكن أن يتمسَّك بالنص والقياس والتلازم وغيرها، لكن نفي الاجتماع بِنَفْي أحدهما في مثل ما ذكرنا من المثال لا (٤) يتم لوجهين:
أحدهما: أنه دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء، وهذا باطل يُعْرف (٥) من بعد.
والثاني: أنه معارَض بمثله، فإن الخصمَ يقول: العدمُ هنا مع العدم ثَمَّةَ
стр. 474
مما لا يجتمعان بعينِ ما ذكرتُم).
وهو كما قال، فإنهم تارة يثبتون نفي اجتماع العدم والوجوب بالنص الدال على الوجوب مثلًا في صورة العدم، كما تقدَّم من أدلتهم على الوجوب على الفقير في التلازم، كقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أو ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] والدالُّ على الوجوب في تلك الصورة دالٌّ على أن العدم فيها والوجوب في الأخرى لا يجتمعان؛ إذ لو اجتمعا لثبتَ العدمُ فيهما (١)، وهو خلاف مدلول الدليل.
أو بالنصِّ الدالِّ على العدم في صورة الوجوب المختَلَفِ فيها، كقوله: «لا صَدَقَة إلا عن ظَهْرِ غِنًى» (٢)، و «ابدأ بنفسِك» (٣)، ونحو ذلك. ومتى ثبتَ العدمُ فيها ثبتَ أن الوجوب فيها والعدمَ في الأخرى لا يجتمعان.
وتارةً يثبتونه بالقياس، سواءٌ كان وجوديًّا أو عدميًّا، مثل: أن يقيس الوجوب على الفقير على الوجوب على المَدِيْن، أو عدم الوجوب على
стр. 475
المدين على عدم الوجوب على الفقير بالأقيِسَة المعروفة من طريقتهم مما سيأتي.
وتارةً يثبتونه بالتلازم المذكور في بيان الوجوب على الفقير على تقدير الوجوب على المَدين كما تقدم ذكرُه. مثل أن يقال: لو وجبَتْ هنا لوجبت هناك، أو: لو لم يجب هناك لما وجبَتْ هُنا، أو يقال: عدم اجتماعهما من لوازم اللزوم، كما تقدم ذكرُه في التلازم.
وقد اعترفوا أن هذا لا يتم، أي لا يتمُّ للمستدل، إما لإمكان إبطاله في نَفْسِه، أو لإمكان معارضته بمثله، وكلُّ صورة من صور النكث (١) أمكن فيها أحد هذين لم تتم بل ينقطع المستدلُّ بها دون إتمامها؛ لأن تمامها إنما يكون بالدلالةِ على المطلوب، والسلامةِ عن المعارض، و بيانُ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء وذلك لا يصحُّ، كما يذكر في الاستدلال بالنصِّ، وذلك لأنه إذا قال: الوجوبُ هنا والعدم هناك لا يجتمعان، فلا بدَّ أن يقول: وأحدُهما ثابت، فينتفي الآخر، مثل أن يقول: والعدم هناك ثابت إجماعًا فينتفي الوجوب هنا، ومتى احتاج أن ينفي ثبوت (٢) أحدهما فقد ادَّعَى أحد الأمرين اللذين [ق ٢٢٩] أحدهما لازم الانتفاء؛ لأنه يقول: لا بُدَّ من أحد الأمرين؛ إمَّا العدم هنا، وإمَّا الوجوبُ هناك، وإذا ادَّعَى أحدَ أمرَيْن، وأحدهما معلوم الانتفاء في نفسِ الأمر لم يَجُزْ ذلك ولازمُ (٣) الانتفاء هو المدَّعَى؛ لأنه دعوى ما يُعْلَم عدمُه،
стр. 476
فيتعيَّن أن يكون المدَّعى هو الأمر الآخر، وإذا كان المدَّعَى هو الأمر الآخر ــ وهو دعوى العدم هنا مثلًا ــ فهو دعوى محلّ النزاع بعينه، فلا فائدة في الترديد والتنافي.
وأيضًا: فإن لم يمكنه إقامة الدليل على انتفاء الأمرِ الآخر الذي ينافي ثبوتَ اللازم الانتفاء، فقد أقامَ الدليل على المدَّعَى، فلا فائدة في التنافي، وإن لم يمكنه إقامةُ الدليل على انتفائه جازَ أن يكون موجودًا، وجاز أن يكون معدومًا، وحينئذٍ فلا تتحقَّقُ منافاتُه لثبوت ما عُلِم انتفاؤه.
وأيضًا: فإنه إذا ادَّعى أحدَ الأمرين اللذين قد عُلِم انتفاء أحدهما، فإمَّا (١) أن يُقِيم الدليلَ على أحدهما مبهمًا أو معيَّنًا، [وعلى كل تقدير] لم يجز أن يقيم الدليلَ [إلا] (٢) على ثبوت ما يجوز ثبوته دون ما عُلِم انتفاؤه، وأمَّا إقامة الدليل على كلٍّ منهما فلا سبيل إليه، فعُلِمَ أنه على كلِّ تقدير لا يمكنه إقامة الدليل إلا على ثبوت ما يجوز ثبوته، وأنه إن أقامَه على ما عُلِم انتفاؤه كان قد عُلِم أنه باطل فلا يفيد.
وهذا مثل إقامة الدليل في المثال المذكور على الوجوب على من مَلَك دون النصاب، فإنه إقامةُ دليلٍ على ما يُعْلَم انتفاؤه، فلا يكون مسموعًا.
وأيضًا: فإنه إذا قام الدليل على ثبوتِ ما هو لازمُ الانتفاءِ، وهو الوجوبُ على من ملَكَ دون النصاب ــ مثلًا ــ فإنه لازمُ الانتفاء، فإذا أقامَ الدليلَ على ثبوته لم يمكنه أن يقول بعد ذلك: «والعدمُ ثابت فينتفي الأول»، ولابدَّ له من
стр. 477
هذه المقدمة الثابتة (١)، فإذا أقام الدليلَ على الوجوب لم يصح أن يقول: «وعدم الوجوب ثابت»؛ لأنه جَمْع بين النقيضَيْن.
وأيضًا: فإنه إذا ادَّعى أحدَ الأمرين وأقامَ الدليلَ على كلٍّ منهما أمكنَ المعترض أن ينفي الأمرَيْن بالأدلة النافية لكلٍّ منهما.
مثالُ ذلك: إذا قال هنا: لا يخلو إمَّا أن لا يجب [هنا] أو يجب هناك بالأدلة الدالَّة على عدم الوجوب هنا، والأدلةِ الدالة على الوجوب هناك، لكن الثاني منتفٍ بالإجماع، فيتعيَّن الأول.
قيل له: لا يثبتُ واحد منهما؛ لأنه لا يخلو إما أن يجب هنا، أو يجب هناك بالأدلة الدالة على الوجوب هنا وهناك، والوجوبُ هناك منتفٍ، فيتعيَّن الوجوبُ هنا.
فإن قيل: إنما يَدَّعي أحدَ الأمرَين [ق ٢٣٠] اللذين أحدُهما لازم الانتفاء، ويقيم الدليل على ثبوتِ أحدهما بتقدير عدمِ الآخر كما في التلازم. مثاله: أن يقيم الدليلَ على الوجوب على الفقير بتقدير الوجوبِ على المَدِيْن، فلا فرقَ بين هذا وبين التلازم في المعنى.
قيل: هو في باب التلازم يدَّعي الوجوب على التقدير، وهذا أيضًا ممكن، ويقيم الدليل عليه في الجملة، فيكون قد أقام الدليلَ على ممكن، وكذلك لم يمكن المعترض معارضته بنفسِ كلامه، وهنا إذا ادَّعَى أحدَ أمرين فهو يُقيم الدليل على كلٍّ منهما بانفراده، وهذا غير ممكن فيما عُلِمَ انتفاؤه، وإذا أمكن في (٢) الجانب الآخر فهو مستقلٌ بالإفادة.
стр. 478
واعلم أن هذا الذي قالوه جيِّد إذا كان الاستدلال على أحد الأمرين بأدلة عامة، من جنس الأدلة التي يثبتون [بها] التلازم والدوران والقياس والنقض ونحو ذلك. أما إذا ادَّعى أحد أمرين، وأقامَ دليلًا صحيحًا على ثبوتِ أحدِهما لا محالة، وكان قد عُلِمَ انتفاءُ أحدهما، فهو دليلٌ على ثبوتِ الآخر، وهذا يكون كثيرًا في مواضع يكون الدليلُ الواحدُ غير دالٍّ على عين المدَّعَى، مثل أن يقول: المقتضي لتحريم الخمر إمَّا السُّكْر أو الرائحة؛ لأن التحريم دار معهما وجودًا وعدمًا، والرائحة غير مقتضية بالإجماع، فتعيَّن أن يكون السُّكْر مقتضيًا.
أو يقول: صيغة «افعل» إمَّا أن يكون مقتضاها في الأصل الطلب، أو ما يستلزمُ عدم الطلب؛ لأنَّ الحال لا يخلو عن أحدهما، والثاني منتفٍ، فيتعيَّن الأول، وهذا كثير في كلامهم.
واعلم أن هذه الأدلة العامة لا تدلُّ على شيءٍ، لا في التنافي، ولا في غيره، لكن في غيره قد لا يمكن الخصمَ المقابلة بمثل ذلك الدليل، وفيه قد أمكنه ذلك، فلذلك يقولون: «قد لا يَتمّ»، فالمقصود بتمام الدليل وعدمه عندهم: إمكان الاستدلال عليه بجنس أدلتهم من غير مُعَارضة بمثل ذلك الدليل.
الثاني: أنه وإن لم يظهر بطلانُه في نفسِه، فإنه يمكن معارضتُه بمثله بأن يُقال: ما ذكرتَ من الدليل وإن دلَّ على عدم الاجتماع فعندنا ما ينفي هذا العدم، وهو ما يثبت الاجتماعَ، وذلك لأن عدمَ الوجوبِ في فصلِ المدينِ وعدَمَه في فصل الفقير الذي يملك دون النصاب لا يجتمعان بعين ما ذكرتم، وهو النص الدالُّ على الوجوب في صورة العدم، ونحوه مما يقال
стр. 479
في دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء، كما يقال: إمَّا أن يجب هنا، أو يجب هناك، ولا يجب هناك بالإجماع، فيجب [ق ٢٣١] هنا، وحينئذٍ يلزم الاجتماع هنا، وعدم الوجوب هناك، وهو نقيض ما ادعاه المستدل.
واعلم أنَّ الاستدلال على التنافي على الوجه الذي تقدَّم باطلٌ من وجوه أخرى كثيرة، قد تقدم التنبيه على كثير منها في التلازم، فإن مادَّة الكلام واحدة، فلذلك (١) كرهنا إعادتها. ويختص هذا الموضع بأنه قد انعقد الإجماع على عدم دلالة النصوص أو الأقيسة أو التلازمات على الوجوب هناك، وإذا لم تكن دالةً على الوجوب لم تكن دالة على عدم اجتماعهما، ولا يمكنه أن يقول: هي دالة على الوجوب على تقدير اجتماع الوجوبَيْن، كما قال في التلازم: هي دالة على الوجوب على تقدير الوجوب؛ لأنَّه لا يريدُ أن يثبتَ دلالتها على عدم الاجتماع بدلالتها على الوجوب، فلو قال: هي دالَّة على الوجوب على تقدير اجتماع الوجوبَيْن، فتكون دالَّة على عدم اجتماع الوجوب هنا، والعدم هناك= لكان معنى الكلام: هي دالَّة على الوجوب على عدم اجتماع الوجوب هنا وعدمه هناك على تقدير اجتماع الوجوبَيْن، ومعلومٌ أنه بتقدير الوجوبَيْن لا يكون أحدُهما معدومًا، فلا يجتمع الوجوب في أحدهما، والعدم في الآخر، فنكون قد قلنا: هي دالَّة على عدم اجتماع الوجوب والعدمِ بتقدير عدم اجتماع الوجوب والعدم. وهذا كلامٌ لا يُفِيْد.
وكذلك لو قال: هي دالَّةٌ على الوجوب هناك على تقدير الوجوب هنا، فتكونُ دالَّة على عدمِ اجتماع الوجوب هنا والعدم هناك.
قيل له: إذا دلَّت على تقدير الوجوب بتقدير الوجوب فقد دلت على
стр. 480
امتناع اجتماع الوجوب في أحدهما والعدم في الآخر، فتكون دلالتها على امتناع هذا الاجتماع مشروطة (١) بما يمنع هذا الاجتماع، وهذا أيضًا لا يفيد، فإن الدليلَ إذا لم يدل إلا بتقدير وجودِ المدلول عليه بدونه لم يكن دليلًا لعدمِ تأثيره في المدلول وجودًا وعدمًا.
هذا هو السِّرُّ (٢) في ردِّهم دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما معلوم الانتفاء. وأيضًا فإنه إن استدلَّ على عدم اجتماع الوجوب هنا والعدم هناك بما ينفي الوجوبَ هنا= كان ذلك وحدَه دليلًا على عدم الوجوب هنا، وهو المطلوب، فلا يجوز جَعْل عدم الاجتماع مقدمةً في الدليل، وهي لا تثبتُ إلا بثبوت المطلوب، فيكون ذلك مصادرةً على المطلوب. وأيضًا فإنه هب أنه أمكنه الدلالة على عدم الوجوب هنا، أو على ثبوته هناك، لكن ليس هنا ما يدلُّ على التنافي، فإن مجرَّد [ق ٢٣٢] الدلالة على ثبوت الشيء أو نفيه لا يدلُّ على نفي غيره أو ثبوته إلا بواسطةٍ أخرى.
فإن قال: الواسطةُ هي الدليل الآخر في الجانب الآخر.
قيل له: وذلك ــ أيضًا ــ لا يدلُّ على عدم الاجتماع، لا بنفسه ولا بواسطة. وإيضاح ذلك: أنه إذا استدلَّ على الوجوبِ هناك، ثم قال: فلا يجتمع عدم الوجوب هناك والوجوب هنا.
قيل له: لا نُسَلِّم، فإنه بتقدير أن يكون الوجوبُ هناك ثابتًا جاز أن يكون العدمُ هنا ثابتًا، وهذا وإن كان خلاف الإجماع، لكن الوجوب هناك خلاف الإجماع، فلا يضرُّ أن يلزم من خلافِ الإجماع خلافُ الإجماع.
стр. 481
وكذلك قوله: «ما يدلُّ على عدم الوجوب هناك يدلُّ على عدم الاجتماع» غيرُ صحيح، بل الأدلَّة على ذلك بالنفي (١) والإثبات.
وإن استدلَّ على عدمِ الوجوب هنا، ثم قال: «وإذا ثبتَ العدمُ فالوجوب هنا والعدم هناك (٢) لا يجتمعان».
قيل له: لا نُسَلِّم، فإن الدالَّ على العدم هنا يدلُّ على العدم هنا، أمَّا دلالته على الحكم هنا بنفي أو إيجابٍ فلا، وذلك أنه يجوز أن يكون العدمُ هنا ثابتًا، والوجوبُ هنا والعدمُ هناك يجتمعان، ويجوز أن يكون الدالُّ على العدم هنا دالًّا على الوجوب هناك؛ لأنَّ المعترضَ يُمكنُه منعُ عدمِ الوجوب هناك بتقدير الوجوب هنا.
قوله (٣): (وأما إذا ردَّدَ الكلامَ في أمرٍ ونَفَى الاجتماعَ على كلِّ واحدٍ من التقديرَيْن بما هو المختص بذلك التقدير، كما إذا قال: المشترك بينهما لا يخلو إمَّا أن يكون (٤) موجِبًا لوجوبِ الزكاة أو لم يكن، فإن كان موجبًا تجبُ الزكاة ثمَّة عملًا بالموجِب، وإن لم يكن لا تجبُ الزكاة (٥) هنا (٦) بالنافي السَّالم عن معارضةِ كونه موجبًا، فإنه يتم؛ لأنه لا يمكن له أن يقول
стр. 482
بمثل ما قلنا، سواء كان ذلك الأمر ــ وهو الذي ضم إليه ضد المدَّعَى ــ من صُوَر الإجماع كما مر، أو من صور الخلاف نحو المركَّب مثلًا، أو كان فيه روايتان عن مجتهدٍ، والترديد لازم بعد اللزوم فيها (١)).
واعلم أن التنافي على هذا الوجه مقيَّد في الجملة، وهو مما يمكنُ تمامه، وذلك لأنه إذا ردَّدَ الكلام بين أمرين، وبيَّن أن الاجتماع منتفٍ على كلِّ واحد من التقديرين بدليلٍ يختصُّ ذلك التقدير، كان بمنزلة أن يقيمَ دليلًا يدلُّ بنفسه على امتناع الاجتماع، بأن يُبَيِّن أن ثبوت أحدهما ينفي ثبوتَ الآخر، فإن ذلك قد يمكن في مواضعَ كثيرة؛ لأنه لا فرقَ أن يُبَيِّن تنافيهما وامتناع اجتماعهما بدليل يدلُّ على ذلك، أو يُبَيِّن انحصار الأقسام في أمور، ويُبَيِّن تنافيها على تقدير كلِّ قسمٍ من الأقسام.
وكذلك أيضًا لا فرقَ بين إثبات التلازم بما يدلُّ [ق ٢٣٣] بنفسه على ذلك، أو ترديد الحال في أمور، وبيان اللزوم على تقدير كلِّ قسم، وهذا ظاهر، بخلافِ ما إذا بيَّن التنافي بدليل يُثبت أحدَهما، وبدليلٍ آخر ينفي الآخر، وليس لدليلِ ثبوتِ أحدِهما إشعارٌ بانتفاء الآخر، ولا لدليل الانتفاءِ إشعارٌ بثبوتِ الآخر، بل يجوز أن يستدلَّ بدليلِ ثبوتِ أحدِهما على ثبوتِ الآخر، كما يستدلُّ على انتفائه، ويجوز أن يمنع الحكم هناك على تقدير خلاف المدَّعَى هناك، وفَرَضْنا ثبوتَ موجب الدليلين= لكان ذلك أمرًا اتفاقيًّا لا لزوميًّا، و الأمرُ الاتفاقي لا يدلُّ على التنافي؛ لجواز تغيُّر الحال الاتفاقية، ولأنه لا مناسبة بينه وبين ما استدلَّ به عليه، ولابدَّ أن يكون بين الدليل والمدلول نوعُ علاقة ورباط، ولأنَّ التنافي هو كون أحدهما ينفي
стр. 483
الآخر بنفسه، أو بلازِمِه من حيث هو لازِمُه، لا كون هذا اتفقَ انتفاؤُه عند وجود هذا، لاسيما إذا اتفق انتفاؤه عند وجوده وعند عدمه.
لكن إنَّما أثبتوه بجنس أدلَّتِهم في الجملة، وذلك له صور متعدِّدة؛ لأن انتفاء الاجتماع ــ على كلِّ تقدير ــ له أسباب متعدِّدة، منها ما ذكره وهو القياس بأن يقال: المشترك بين الصورتين لا يخلو إما أن يكون مقتضيًا وجوبَ الزكاة، أو لا يكون، ويعني بالمشترك بينهما: حصول المصالح المتعلِّقة بالوجوب منهما، أو كون الوجوب طريقًا إلى تحصيلها، فإن ما يشتركان فيه من ذلك إما أن [يكون] (١) موجبًا لوجوب الزكاة أم لا، فإن كان مقتضيًا وجبت الزكاةُ هناك عملًا بالموجب، وحينئذٍ فلا يجتمع الوجوبُ هنا والعدم هناك، وإن لم يكن المشترك مقتضيًا للوجوب لم تجب الزكاة هنا عملًا بالنافي لوجوب الزكاة، السالمِ عن معارضة موجبه المشترك، وحينئذٍ لا يجتمع الوجوبُ وعدمُه.
فحاصله: أنه أثبت الوجوبَ على تقديرٍ بدليلٍ ينشأُ من ذلك التقدير، وأثْبَت عدمها عند عدم ذلك التقدير بدليلٍ ينشأ من عدم ذلك التقدير. وهذا في الجملة له توهيم وتمويه.
فإن قيل: لا تجبُ الزكاةُ هناك على تقدير كون المشترك موجبًا بالمانع من الوجوب؟
قيل له: يعني بالموجب هو: ما يقتضي الزكاة على تقدير وجود المانع وعدمه، بأن يكون راجحًا على ما يعارضُه وينافيه، وحينئذٍ فإذا كان المشترك
стр. 484
موجبًا بهذا التفسير لزمت الزكاةُ هناك قطعًا، وإن لم يكن موجبًا فقد سلم ما هنا عن المعارض القطعي، وهو الموجب بكلِّ حال، فيكون الموجب منتفيًا بالنافي السالم عن (١) هذا المعارض.
واعلم أن اختصاص السالم النافي بتقدير عدم موجبيَّة المشترك أظهر من [ق ٢٣٤] اختصاص الموجب بتقدير موجبيَّتِه؛ لأن الوجوب يمكنُ حصوله بغير المشترك، كما يمكن حصوله به، وغير المشترك متعدِّد، أمَّا نفي الوجوب فلا يحصل إلَّا بالنافي السالم عن المعارض، والمعارضُ إما قطعيٌّ أو ظنيٌّ، فقد ذكر أحدَ قِسْمَي عدم الوجوب، فعُلِم أنَّ النافي لا يحصل إلا على هذا التقدير أو تقدير آخر، والموجب يحصل على هذا التقدير وعدَّة تقديرات، فكان الأوَّل أخص.
وإنما لم يمكن المعترض أن يقابل المستدلّ بمثل كلامه؛ لأنه إذا قال: العدم (٢) هنا مع العدم هناك لا يجتمعان؛ لأن المشترك بين الصورتين إما أن يكون مقتضيًا للوجوب أو لا يكون، فإن كان مقتضيًا للوجوب وجبت الزكاةُ هناك عملًا بالموجب، أو وجبت الزكاة مطلقًا؛ وحينئذ فلا تحقُّقَ للعدم فضلًا عن اجتماع الموجبين. وإن لم يكن مقتضيًا للوجوب، وجبت الزكاةُ هنا بالمقتضي للوجوب، فلا يجتمع العدمان.
قيل له: لا نُسَلِّم أنَّه إذا لم يكن مقتضيًا تجب الزكاة هنا؛ لأن عدم المقتضي الخاص لا إشعار له بالوجوب، بل هو إلى الإشعار بالعدم أقرب.
стр. 485
ومَنْعُ المستدلِّ هنا ظاهر؛ لأن الوجوبَ عنده غير ثابت، فإن أنشأ المعترضُ الوجوبَ هنا بدليلٍ لم يَحْسُن لوجهين:
أحدهما: أن ذلك الدليل لا ينشأ من هذا التقدير، والأدلَّةُ العامةُ قد تقدَّم الكلامُ على تهافتها وتهاترها (١).
والثاني: أن إثبات الوجوب هنا إثبات الحكم المتنازع فيه، فإذا أبطل به مقدمة المستدل، وهو قوله: «الوجوبُ هنا والعدم هناك لا يجتمعان» = قد قال: الوجوب والعدم يجتمعان؛ لثبوت الوجوب المتنازع فيه بكَيْتَ وكَيْت، وهذا غَصْب لمنصبِ الاستدلال، فلا يُسْمَع. هذا تقرير كلام هؤلاء.
والتحقيقُ أنَّ مثل هذا الكلام لا يُقْبل من المستدلِّ أيضًا لوجوه:
أحدها: قوله: «وإن لم يكن المشترك موجبًا لم تجب الزكاة هنا بالنافي السالم عن معارضة القطعي» (٢).
قلنا: إما أن تكون سلامة النافي عن المعارض القطعي كافيةً في العمل بموجبه، أو غير كافيةٍ، فإن كانت السلامة عن المعارض القطعي كافيةً في العمل بموجبه، وجبَ العملُ بكلِّ نافٍ لم يعارِضْه قطعي. وحينئذٍ فلا يجوز إثبات الوجوب بدليل ظَنِّي؛ لأن نافي الوجوب حينئذٍ يكون سالمًا عن المعارض القطعي، وهذا خلاف إجماع الأمة، بل خلاف إجماع العقلاء، فإنَّ الأصل النافي أضعف الأدلة، فأدنى دليل موجب (٣) يُبْطِل العملَ به،
стр. 486
ولهذا يترك استصحاب (١) الحال النافي للوجوب بالظواهر والتلازمات والأقيسة، وغير ذلك، ولهذا [ق ٢٣٥] تُشْغل الذمم بالأمارات (٢) التي ليست قطعية، وتقبل أخبار الآحاد، بل الأمارات الظنية في دفع موجب الأدلة النافية من الاستصحاب ونحوه، ومن تأمَّل الشريعة تأصيلًا وتفصيلًا وجد الغالب عليها تقديم الظواهر على النوافي.
وإن قال: أعني بالنافي ما ينفي الوجوب من الاستصحاب والدور المنفي شرعًا، والنصوص النافية للوجوب.
قيل: هذا لو صحَّ لم يَجُز العملُ به إذا عارضه ما يكافئه أو يفوقه من الظنِّيَّات وإن كان سالمًا عن معارضة القطعي، فعُلِمَ أن ذلك وحدَه ليس كافيًا.
وإن لم تكن السلامة عن معارضة القاطع كافيةً في (٣) العمل بالنافي، كان معنى كلامه: لم تجب الزكاةُ هنا بالدليل الموصوف صفةً قد لا تكفي في العمل به، ومعلومٌ أنَّ الدليل لا يجوزُ اتِّباعه حتى يتَّصف بالصفات التي يجب العمل به عند وجودها.
فإن قال: مجرَّد النافي دليل شرعي، وليس على المستدل به التعرُّض لنفي المعارضات؛ إذ المعارضات لا تنحصر، بل على المستدل إبداء (٤) المعارض؛ لكن له أن يتعرَّض لنفي ما يشاء من المعارضات، فإنه ليس
стр. 487
ممنوعًا من ذلك، وقد تعين ما نَصَبَه منها، لكونه قد خطر بباله، أو ببال المناظِرِ له؛ لكونه هو الذي خشي أن يعارض به، أو هو الذي اشتهرت المعارضةُ به، أو لأنه لا يعرف معارضًا غيره، ونحو ذلك. وحينئذٍ فنفْيُه للمعارض القطعي تبرُّع بزيادة في الدليل، لا شرطٌ (١) في الاستدلال بالنافي. نعم، الشرط على الناظر أن لا يجد دليلًا أقوى من النافي أو مساويًّا له، وعليه فيما بينه وبين الله أن يبين رُجْحان النافي على ما يَجِده من المعارضات بعد البحث.
أما المُناظِر فلا يُكَلِّف ذلك ــ كما تقدم ــ ... (٢) هذا تمسُّكٌ باستصحاب الحال النافي، وعند أكثر هؤلاء الجدليين وأكثر سلفهم المؤصّلين (٣) إنما يصلح للدفع وإبقاء ما كان على ما كان، وحينئذٍ فلا يجوز الاستدلال به (٤) في تنافي الحكمين؛ لأن ذلك قدر زائد على الدفع والإبقاء.
وأما عندنا وعند أكثر الناس، فإنه حجة في الجملة، لكن نقول: إن كان دليله لا يتم إلا بالاستدلال بالنافي على إحدى مقدماته فلا حاجة إلى هذا التطويل، فإنَّ النافي وحدَه كاف بأن يقول أولًا (٥): لا تجب الزكاة على المدين بالنافي، وعلى المعترض أن يبيِّن ما يوجب الزكاة. أو يقول: تجب
стр. 488
الزكاة عليه بالنافي السالم عن (١) معارضة القطعي، وإذا كان ما يدلُّ على بعض المقدمات ــ على بعض التقادير ــ يدل بعضُه على الحكم المتنازع كان بقية (٢) المقدمات والتقديرات خارجةً عن الدليل وزيادةً فيه، ولا يجوز أن [ق ٢٣٦] يُزاد في الدليل ما ليس من الدليل؛ لأنَّه ضم ما لا يفيد إلى ما يفيد، مثل التكلُّم بالمهمل والمستعمل، والاستدلال على الحكم الشرعي بالأدلة الشرعية بعد تقديم مقدمات حسابية وظنية لا يتوقف الاستدلالُ عليها، وهذا ظاهر لا خفاءَ به، فإنه إذا قال: الوجوبُ هنا والعدمُ يتنافيان، وإذا تنافيا وقد ثبتَ العدم انتفى الوجوب، فهاتان مقدمتان.
ثم يقول: والدليل على الأولى أن المشترك إن كان موجبًا فقد ثبت الوجوبُ فيهما، وإن لم يكن موجبًا انتفى الوجوب عنهما بالنافي للوجوب السالم، وكان قوله في الأول الأمر: «لا يجب هنا بالنافي السالم»، وإلا كانت تلك المقدمات والتقديرات حشوًا ليس من الدليل.
واعلم ــ أصلحك الله ــ أن نكت هؤلاء المموِّهِين إذا صح بعضُها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لا بد من حشوٍ وإطالة، وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال (٣) ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح.
فإن قلتَ: حُسْن الكلام ليس محصورًا في الإيجاز، بل المتكلم له أن
стр. 489
يوجز تارة ويُسْهِب أخرى، فإنهما طريقان من طرق الكلام، كما قيل:
ويُسْهب لكنه لا يُمِلّ ... ويوجز لكنه لا يُخِلّ (١)
قلتُ: هم قد سلَّموا لنا أن ما لا يتوقف الاستدلالُ عليه لا يجوزُ إدْخاله في الدليل، وما ذكرناه كذلك.
ثم نقول: الإسهابُ والإطنابُ حَسَنٌ بليغ إذا أفاد الإيضاح والبيان حتى يصيرَ الخبرُ كالعيان، ولهذا قال الخليلُ بن أحمد: الكلامُ يوجَزُ لِيُحْفَظ، ويُبْسَط لِيُفْهَم (٢). وإذا كانت معانيه تكُثُر بكثرة ألفاظه. أما إذا كان بالإطالة يزداد خفاءً وبُعدًا، وما يُزادُ فيه لا حاجةَ إليه أَلبته= لم يجز استعماله باتفاق أهل البيان وأهل النَّظر، فإنه مذموم شرعًا، قبيح عقلًا وطبعًا.
الوجه الثاني (٣): أن قوله بالنافي السالم إما أن يعني به براءة الذمم من الوجوب المعلومة بالعقل المُسْتَصْحَبة إلى أن يَرِدَ الناقل، أو يعني به أدلَّةً معينةً تنفي الوجوب، أو يعني القَدْر المشترك، أو يعني شيئًا رابعًا.
فإن عَنَى الأول كان مستدلًّا على نفي وجوب الزكاة عن رجلٍ قد ملك
стр. 490
نصابًا لأجل دَينٍ عليه بالبراءة الأصلية. وهذا قد انعقد سببُ الوجوب في حقِّه، وإنما التردُّدُ في كون الدين مانعًا من الوجوب، ومعلومٌ أن [ما] هذا سبيله لا يجوز الاستدلال [ق ٢٣٧] على عدم الوجوب فيه بالأصل النافي لوجوه:
أحدها: أنَّ الأصل النافي بطل حكمُه بقيام السبب الموجب، فإن الأسبابَ التي جعلها الشرعُ موجبةً رافعةٌ للعدم الأصلي.
الثاني: أن الأصل النافي كما ينفي الإيجاب ينفي المانع من الوجوب، فيكون دليلًا على عدم الوجوب وثبوته، فلا يصح الاستدلال به على عدمه.
الثالث: أنَّ سببَ الوجوب إذا انعقد وقع وقع الشك في حصولِ مانعٍ من الوجوب، فالاستدلالُ بالأصل النافي على عدم المانع أولى من الاستدلال به على عدم الوجوب؛ لأنَّ الأصل الأول قد وقع الخللُ فيه بتخلُّف الحكم عنه كثيرًا، وبقيام السبب الموجب، والثاني ــ وهو عدم كون الدَّيْن مانعًا ــ محفوظٌ عن الخلل، فيتعيَّنُ أن يكون الأوَّلُ أولى.
الرابع: أنَّ ما ينفي الوجوب قد عارضه السببُ الموجبُ الذي انعقد الإجماعُ على كونه سببًا للوجوب، أما النافي للمانع من الوجوب فلا معارِضَ له، فيكون العمل به أولى.
الخامس: أنَّ النافي للوجوب دليلٌ عَقْليّ، والمقتضي للوجوب أدلة سمعية كثيرة اعتضد بها العقلي النافي للمانع، فيكون أوثق (١) من حيث إن الحكم الشرعي يرجح فيه ما اقتضته الأدلة السمعية على ما اقتضاه مجرَّد الدليل العقلي لو لم يكن معارضًا، فكيف إذا تعارض؟!
стр. 491
السادس: أنَّه إذا قال: العقلُ ينفي الوجوبَ، فأنا أسْتَصْحبه ما لم يجئْ دليلُ التغيير.
قيل: بذلك (١) قد جاءت الأدلة النافية (٢)، وهي كل آية وحديث دخل فيه صورة النزاع، وهي مثل (٣) قوله ﷺ : «في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقة، وفي الرِّقَةِ رُبْعِ العُشْر» (٤)، و «ما من صاحب ذهبٍ ولا وَرقٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا جُعِلَتْ له صَفائحُ من نارٍ تُكْوَى بها جَبِيْنُه وجَنْبُه وظهْرُه في يومٍ كان مقدارُه خَمسِين ألفَ سنة، فيرى سبِيْلَه إما إلى الجنةِ وإمَّا إلى النارِ» (٥).
فإن قال: الدَّيْن مانع من الدخول في العموم، ويمنع من الوجوب.
قيل له: لا نُسَلِّم، فإن الأصل عدم مانِعِيَّتِه.
السابع: أنَّ الذين يُجِيْزون التمسُّك بالأصل النافي يشترطون فيه عدم الناقل؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز الاستدلالُ به قبل البحث التام عن النواقل الشرعية، والذين يمنعون الاستدلال به إما مطلقًا أو في غير الدفع والإبقاء ونحو ذلك ينصُّون (٦) على فساد هذا الاستدلال. أما الآخرون [ق ٢٣٨] فظاهر. وأما الأولون فلأنَّ شرط الاستدلال عدم النواقل، والنواقل
стр. 492
هنا موجودة، وهؤلاء يوجبون على المُناظِر إذا استدلَّ به إبداء عدم الناقل حسب الطاقة، وإن كانوا لا يوجبون ذلك في الأدلَّة الشرعية؛ لأن الأدلَّة الشرعية تدلُّ بنصِّها على الحكم الشرعي، وإنما يُخافُ حصولُ معارض، والأصلُ عدمُه، أما هذا فإنَّما يدل على حكمٍ عقليٍّ كان قبل مجيء الشرعيِّ، وذلك لا يجوز اعتقادُ بقائه حتى يُعلم أنَّ الشرعَ أبقاه، أو أنه قرَّره، وذلك يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍّ يدلُّ على التقرير، أو عدم التغيير، والمستدلُّ لم يتعرَّض لهذا.
وأما إن عَنَى بالنافي أدلةً سمعية تنفي الوجوب في صورة النزاع، فلا نسلِّم وجودها أَلْبتة، وعلى المستدل إبداؤه، وهو لم يتعرض له، وهو كالمتعذِّر عليه أن ... (١) يستدلّ بقياس أو بعموم يحتاج إلى نوع تأويل، أو يحتج بحديث عثمان ونحوه (٢) وحينئذٍ فلا ريب أن ذلك دليل في الجملة، لكن لا تُقبل دعوى وجوده حتى يبديه؛ إذ المعترض يعتقد أن ليس على نفي الوجوب دليلٌ سمعيٌّ، وإن اعتمد على طريقة نفي الضرر ونحوها، فسيأتي بيانُ فسادِها. فيثبتُ بهذا التحرير الواضح أنه لم يثبت نافيًا للوجوب فضلًا عن كون سالمًا.
وإن عَنَى القدر المشترك، أو مطلق النافي، قيل: هو في نفس الأمر إمَّا أن يكون عقليًّا أو سمعيًّا، ويُعادُ الكلام. وإن ادَّعى نافيًا خارجًا عن الأدلة العقلية والسمعية فعليه بيانُه، ولا سبيل إليه.
стр. 493
الوجه الثالث (١): أن يُقال: النافي للوجوب إما أن يكون متحقِّقًا في نفس الأمر أو لا يكون، فإن لم يكن متحقِّقًا بطل الاستدلال، وإن كان متحقِّقًا، فإما أن يجب العمل به مطلقًا، أو عند عدم مطلقِ المعارض، أو عند عدم معارضٍ مخصوص، والأوَّل والثاني خلاف الإجماع، بل خلاف ما تقتضيه ضرورة العقل.
وأما الثالث فنقول: ذلك المعارض المقتضي للوجوب لابدَّ أن يكون راجحًا على (النافي)، ولا يُشترط فيه غير ذلك بالاتفاق.
فيقول: أنت لم تعلم سلامته إلا عن معارضة موجبية المشترك بين الصورتين، وهو لم يسلم عن معارضة موجبيَّة المختص بصورة النزاع، ولا عن معارضة موجبية المشترك بين صورة النزاع وسائر صور الوجوب، ولا عن معارضة المركَّب بينها وبين سائر صور عدم الوجوب، وهي معارضات كثيرة لا تكاد تنضبط. وقد عَلِمْنا أن بعضها يُقَدَّم على النافي بالإجماع، وبعضها يُقَدَّم النافي عليه [ق ١٣٩] بالإجماع، وبعضها مختلف فيه، ولابدَّ من فصلٍ بين ما تقدَّم على النافي، وما تقدم النافي عليه، فَلِمَ قلتَ: إن مجرَّد موجبيَّة المشترك [هي] التي تُقَدَّم على النافي وسائر المعارضات لا تقدَّم على النافي؟ لأنَّ التخصيصَ لا بدَّ له من مُخَصِّص، فليس في ذلك إلا سلامته (٢) عن موجب واحد أو نوعٍ واحد من أنواع الموجبات، فامتيازُ هذا عن غيره لا بُدَّ له من سبب، وليس معه أكثر من أنَّ موجبيَّة المشترك تقتضي الوجوبَ فيه.
стр. 494
قيل له: وأيُّ موجبية قامت فيه من جنس موجبيَّة المشترك، فإنها تقتضي ذلك، فما الموجب لتخصيص هذه الموجبيَّة؟
فإن قال: لأنَّ موجبيَّة المشترك تقتضي الوجوبَ في الصورتين، فيحصُل التنافي المدَّعى.
قيل له: حصول المقصود بالأدلة تابعٌ لصحَّة الأدلة في نفسها، فإن الدليل يُتْبَع ولا يَتْبع، فيجب أن تكون الدعوى على مطابقته، ولا يجوز أن يُجْعَل هو على مطابقة الدعوى؛ لأن الأدلة أعلامُ الله التي نصبها أسبابًا (١) موصلات إلى العلم بأحكامه، والدعاوى أقوال العباد واعتقاداتهم، والعبادُ مأمورون باتِّباع ما أنزل الله وشرَعَ ونَصَب، فلا يجوز أن يجعلوا ما شرع الله ونصبَ تبعًا لهم.
والمستدلُّ إنما خصَّ موجبيَّة المشترك بالاحتراز عنها دون غيرها بمعنًى فيها يقتضي ذلك= إنما خصَّها لأن دعواه تتمّ بها دون غيرها، وتمامُ دعواه بها ليس لخاصةٍ فيها، بل لنفس الدعوى، فكأنه اعتقد صحة الدعوى. ثم طلب ما يدلُّ عليها، وهذا غير جائز.
والذي يوضِّح ذلك: أن كون المشترك بين صورة المدين والفقير موجبًا للزكاة أمر لم يعتقدْهُ أحدٌ من الأمَّة، ولا يجوز أن يعتقده. وكون المشترك بين المَدِين وبين الغني الجلي (٢) موجبًا أقرب بالنافي للوجوب على المدين، لا يمكن أن يُعْمَل به حتى يُعتقد عدم موجبيَّة المشترك بين
стр. 495
المَدين والبريء من الديون.
أمَّا عدم (١) موجبيَّة المشترك بينه وبين الفقير بالذكر تخصيصٌ من غير مخصِّصٍ يقتضي ذلك في حقيقة الأمر، بل تخصيصٌ بمَحْضِ التحكُّم وصِرْف التشهِّي، بل تخصيصٌ لِمَا يصحِّح الدَّعوى، وتخصيصُه بالذِّكْر موقوفٌ على صِحَّة الدعوى. وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك ما يدلُّ على خصوص الدعوى، بل يكون كسائر الأدلة العامة التي اعترضوا بأنه [لا دلالة] (٢) فيها؛ إذ لا فرق بين قول القائل: «يجب العمل بالنافي على تقديرِ عدمِ هذا المعارض وإن لم يكن لتخصيصه موجِب»، وبين قوله: «يجبُ على هذا التقدير وإن لم [يكن] دليل [ق ٢٤٠] الوجوب مختصًّا بالتقدير»، فإنَّ التحكمَ بتقديرٍ لقيامِ مقتضٍ لا يختصُّ بذلك (٣) التقدير، كالتحكُّمِ بتقديرٍ يقومُ منه مانعٌ لا يختصُّ بذلك التقدير، فإنَّ قيام المقتضي إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه، والمانعُ إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه= لم يكن فرق بينَه ــ على ذلك التقدير ــ وبينه على غير ذلك التقدير، ومعلومٌ أنَّ هذا لا يجوز التعويلُ عليه، فافهم هذا فإنه سرُّ عدم دلالة هذا النظر مع أنه في ظاهره قد يختل.
الرابع: أنَّ الدليل ما كان النظرُ فيه مُفْضيًا إلى علم أو ظنٍّ غالب، ومن عَلِم أن الأصل ينفي وجوبَ الزكاة مطلقًا، وإنما خولفت في مواضع لقيام أسباب موجبيَّتِه، ثم عرضت عليه صورة قد علم أن أمرًا من الأمور لا يوجب