راجحة على مصلحةٍ إن كانت فيه، وحينئذٍ فلا [ق ٢٧٤] بُدَّ أن يشتمل على مفسدة لا تُعارِضها مصلحة بقدرها، وهي مفسدة خالصة حينئذٍ، ولو قال: «على المفسدة الخالصة» لكان أجود من قوله: «الراجحة»؛ لأن كلّ راجحة فإنها تؤول إلى مفسدة خالصة، وليست كلُّ خالصةٍ تكون راجحة؛ لأن الرجحان إنما يكون عند تقابل المصالح والمفاسد، ومن الأفعال ما لا مصلحةَ فيه، فقوله: «لابدَّ أن يشتمل على المفسدة الراجحة»، فيه مناقشة؛ لأن المشتمل على المفسدة المحضة لا يقال: إنه مشتمل على مفسدة راجحة، اللهم إلا أن يقال: معناه أن أحسنَ أحواله اشتمالُه على مفسدةٍ راجحة، أو يقال: إنه ما من فعل إلا وفيه مصلحة ولو كونه موجودًا (١)، أو كونه موافقًا لغرض الفاعل من بعض الوجوه، أو يُقال: إن المفسدةَ الخالصةَ تُشْعِر خلوَّ الفعلِ عن المصلحة بالكلية، فهذا هذا، ووَجْه الحصر: أنَّ الفعلَ إما أن يكون فيه فساد (٢) أو لا يكون، فإذا لم يكن فيه فساد لم يَجُز النهيُ عنه؛ لأنه حينئذٍ إما أن يكون متساويَ الطرفين، بحيث يصحّ أن يقال: لا فسادَ فيه ولا صلاح، أو يكون فيه صلاح من غير فساد، وعلى التقديرين فلا وَجْه للمنع منه، ومهما فُرِضَ [خلوّ] (٣) النهي عن عبثٍ أو لعبٍ أو لهوٍ فلا بدَّ من اشتماله على فساد.
ومن الناس من يقول لِمَا لا مصلحة فيه ولا مفسدة: قبيح؛ لأنه عَبَث وإضاعة للزمان، فيجب النهي عنه، وفي الحقيقة فهذا قد تضمَّن المفسدة،
стр. 562
وإذا كان فيه فساد فإما أن لا يكون فيه صلاح، وهو المطلوب، أو يكون فيه صلاح أيضًا، فإن تساوَى هو والفساد من كلِّ وجهٍ لم يَجُز النهيُ عنه على ما ذكرنا، وعلى ما ذكره بعضُ الناس يجبُ النهي عنه. وإن ترجَّح أحدُهما فالراجح منهما مشتمل على ما لا يقَابِلُه شيء، سواءٌ كان الراجحُ جانبَ المصلحة، أو جانب المفسدة. ومتى كان الراجحُ جانبَ المصلحة لم يَجُز النهي عنه فتعيَّن القسم الآخر، ويتبيَّن بذلك أن الفعل المنهي عنه لا بُدَّ أن يشتمل إما على مفسدة خالصة أو راجحة؛ لأنه بدون ذلك يكون النهي عن المباح، وهو غير جائز، أو النهي عما استوى طرفاه (١) أو راجح (٢) جانب خيره، وكلاهما لا يجوز النهيُ عنه.
واعلم أنَّ هذا الكلام فيه بحوثٌ كثيرة، ليس هذا موضعَ تحقيقها.
منها: أنَّ الفعل الواحد بالشخص، وهو الحركة المعينة من الشخص المعيَّن في الوقت المعين، هل يمكن استواء طَرَفيها (٣) من كلِّ وجه في نظر الشرع؟ أو يقال: لابدَّ أن يترجَّح أحَدُ جانبيها على الآخر رُجْحانًا لا يبلغ حدَّ الاقتضاء والطلب فعلًا أو تَرْكًا؟ فيه تفصيل ليس هذا موضعه.
ومنها: أنَّ هذا الكلام مبنيٌّ على أنه يجبُ اشتمال الأوامر على المصالح والمفاسد، وقد تقدَّم في هذا [ق ٢٧٥] كلام وجيز في المناسبة (٤).
والذي يجبُ أن يُعْتَقد: أن الواقع في الشرائع أن الأمر والنهي لا بُدَّ أن
стр. 563
يشتملا على مصلحة للمأمور والمنهي بتقدير الطاعة، ولابد أن يشتملا (١) على مفسدةٍ لمن عصى، كما قال عُمر بن الخطاب ﵁ وغيره من السلف: «إن الله إنما أمر العبادَ بما ينفعهم، وإنما نهاهم عما يضرهم» (٢). ولتلك المصلحة ثلاثة (٣) مصادر:
أحدها: أن تصدر المصلحة من نفس اعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال.
والثاني: من جهة الفعل؛ من حيثُ هو مأمورٌ به، أو منهيٌّ عنه.
والثالث: من جهةِ الفعل؛ من حيث هو.
فإذا نهى الله سبحانه العبدَ عن شيءٍ، ففي معصية هذا النهي إما بفعل المنهي عنه، أو باعتقاد عدمِ التحريم والعزمِ على فعل المنهي عنه فسادٌ للمكلف.
أما الفعل المنهيُّ عنه من حيث هو هو فلا يجب أن يشتمل على مفسدة، فإنَّ النهيَ قد يكون ابتلاءً وامتحانًا للمكلَّف، كما نهى الله أصحابَ طالوت عن أن يشربوا من النهر زيادةً على غرفة، وإن كانوا لو (٤) شربوا بدون النهي لم يكن فيه فساد. وهذا مذهب الفقهاء وأهلِ (٥) السنة.
وأما القدريَّة فعندهم لابدَّ أن يكون الفعل في نفسه مشتملًا على مفسدة،
стр. 564
لكن يُعْلَم تارةً بالعقل، وتارةً بالسمع، فالشرائع عندهم موضِّحات للأحكام لا موجبات.
وأما الجبريَّة فعندهم لا يجوز أن يكون الفعل مشتملًا على صفةٍ مقتضية للحكم، فالشرائعُ عندهم موجباتٌ لا موضحات.
ومذهبُ أهل السنة من الفقهاء وغيرهم: أن كلا القسمين واقع، وأن الشرائع تارةً توضِّح ما في الأفعال من الصفات، وتارة تجعل للأفعال صفاتٍ لم تكن قبل ذلك.
ومن ذلك قوله: «وإلَّا لَقَبُح النهي عنه»، فإنَّ هذا في ظاهره مبنيٌّ على قول من يقول: القُبْح العقلي في أفعال الله، وهو خلاف ما عليه جماهيرُ أهل السنة، وهو أصل القدرية الذين أسَّسوا عليه مذهبَهم.
لكن يمكن [أن] يقال: نحن نعلم باضطرار أن الشرائع لم تشتمل على قبيح ، ونعلمُ أنَّ النهي عن فعل الصالحات غير واقع في الشرائع، وغير جائز على الله شرعًا وغير جائز عليه عقلًا، بمعنى أن العقل يعلم أنَّ فعل المنهيِّ عنه قبيح، وأنه لو لم يكن قبيحًا إما بالنهي أو قبل النهي= لكان النهي عن شيء لا يكون قبيحًا بحال غير جائز على الله، وإن كان كلام المصنِّف لا يبيِّن هذه المعاني.
واعلم أن هذا (١) الدليل ليس بمرضي؛ لأن حاصله أنه لابد أن [ق ٢٧٦] يكون في الفعل المنهيِّ عنه جلب مضرَّة، أو دفع مفسدة، أو لا بدَّ أن يكون ذلك في اعتقاد عدم قبح المنهيِّ عنه، أو العزم على فعله، وهذا مُسَلَّم، لكن لِمَ قلتَ: إن هذه المفسدة توجبُ العزيمة، وذلك أنه من المعلوم أن النهي
стр. 565
قسمان: نهي تحريم، ونهي تنزيه، وأنَّ كلا القسمين المنهي عنهما لابدَّ أن يكون مفسدته (١) راجحة على مصلحته، فلو كان اشتماله على المفسدة الراجحة موجبًا للتحريم لامتنع نهي التنزيه، وذلك لأن المفاسد تختلف، فمنها ما فيه ضرر عظيم في أمر الدين، أو ضرر عظيم في أمر الدنيا، ومنها ما فيه مضرَّة يسيرة خفيفة (٢) إما في الدين أو في الدنيا، والتحريم يقتضي استحقاق الفاعل الذمَّ والعقابَ، فإن كان ضرر الفعل الحاصل عنه ضررًا يقتضي ذم الفاعل وعقابه، بحيث يكون ضرر الفعل أكثر من الضرر الحاصل من ذمِّ الفاعل وعقابه= حَسُن النهيُ عنه على سبيل التحريم؛ دفعًا لأعظم الضررين بالتزام أصغرهما.
وإن كان ضرر الفعل شيئًا يسيرًا، بحيث يكون الذم والعقاب على فعله أعظم من ضرر فعله لو خلا عن الذم والعقاب= حَسُنَ أن يُنْهى عنه؛ بيانًا لما فيه من الفساد، ولم يحسن أن يحرَّم؛ لأن معنى تحريمه الإخبار بأنه سبب لذمِّ فاعله ولعقوبته، ومعلومٌ أن ذمَّ فاعله وعقوبته ربما كانت أضعاف ضرر فعله، فكيف يوقع أعظمَ الضررين لدفع أخَفِّهما (٣).
نعم يكون فعل ما نُهي عنه على وجه التنزيه سبب الانتقاص؛ إما بانحطاط درجته، أو بِقِلَّة أجره وثوابه، أو ببقاء الآثام (٤) التي عليه، كما قد يكون تَرْك كثيرٍ من المسنونات من هذا القبيل. فَعُلِم بذلك أنَّ النهي يدلُّ
стр. 566
على اشتمال الفعل المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة، لكنَّ مجرَّدَ اشتماله على المفسدة لا يكون موجبًا لحرمته، إلا أن تكون مفسدةُ فعلِه أعظم من المفسدة الحاصلة بفاعله من الذمِّ والعقاب بتقدير التحريم.
وبهذا يحصل الجواب عن قولهم: «الشارع حكيم فلا يجوز أن يبيح ما فيه مفسدة؛ لأن المفاسد يجب السعي في إعدامها وإذا لم يتَّجه فقد جَزَمْنا بعلم (١) أن اشتماله على المفسدة موجبٌ للتحريم».
فيقال: ما فيه مفسدة لا بُدَّ أن ينهى الشرع عنه، ويُعرِّف بما فيه، وحينئذٍ فلا يكون مباحًا متساوي الطرفين؛ لا أنه (٢) لا بد أن يحرِّمه على العباد حتى يجعل [ق ٢٧٧] فاعله مذمومًا معاقبًا، أو يجعل فعله سببًا لعقوبة فاعله، فكيف يجب ذلك، وهو لو فَعَلَه لم يكن فيه ضرر أعظم من ضرر العقوبة؟! فكيف يُشرع حكمٌ فيه من المضَرَّة ما ليس في عدمِه؟ إذ لو لم يحرِّمْه لكان ضرر فعله دون عقوبته.
فإن قيل: كثير مما نهى الله عنه وحرَّمَه لو لم يحرِّمْه لكان إما أن يخلو عن المضرة، أو فيه مضرة دون مضرة العقوبة على الفعل، كما قد قرَّرتموه قبل هذا، ومع هذا فقد حرَّمَه.
قلنا: هذا غلط، بل يجب أن يُعْتَقد أن جميع تحريمٍ حرَّمَه الله لو لم يكن لكان الفساد الحاصل من عدمه أكثر من الفساد الحاصل بعقوبة العاصين بتقدير الوجود، وأن تقدير وجوده أقل مفسدة وأكثر مصلحة من تقدير عدمه، ولو لم يكن إلا أن في التحريم من تحصيل اعتقاد التحريم والعزم على
стр. 567
الطاعة والانقياد (١) للناهي من المصلحة ما لو عُدمت لكان ضرر عدمها أكثر من ضرر عقوبة من يعصي.
واعْتَبِر هذا بقصَّة النَّهر (٢)، فإنه لولا النهي لعَبَروا كلُّهم وأكثرهم المنافقون فزادوهم خبالًا وأوضعوا خلالهم، والمؤمن منهم لم يستحكم إيمانه، فلعلَّهم (٣) لو قاتلوا جالوت على تلك الحال لانهزموا، فلما ابتلوا بالنهي عن الشُّرب أطاع من أطاع فازداد يقينًا وإيمانًا، [و] حصل لهم النصر على عدوهم بسبب ذلك الإيمان واليقين، وعقوبة العاصين مرجوحة مغمورة في جانب ما حصل من إعزاز دين الله، وإعلاء كلمة الله الذي [هو] مقصود الشرائع.
وأقرب ما يُقال في جواب هذا السؤال: أن الفعلَ المشتمل على مفسدة ... (٤) والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
الوجه الثالث (٥): قوله (٦): (ولأنه لو لم يكن محرَّمًا لما كان العاقل محترزًا [عن ارتكاب المنهيِّ عنه حال كون النفس داعيةً إليه، وقد كان محترزًا] فيكون حرامًا).
стр. 568
كأن مضمون هذا الوجه أنه يقول: لو لم يكن الفعل محرَّمًا لكان مباحًا، ولو كان مباحًا لما احترز العاقلُ عن إيقاعه عند وجود الداعي؛ لأن الداعي إذا دعا إلى أمر مباح فلا معنى للاحتراز عنه شرعًا، لكنَّ العاقل يدعوه عقلُه إلى الاحتراز من إيقاع الفعل المنهيِّ عنه؛ لِما يتخوَّفه من قُبْح عاقبته وسوء مغبّتِه، فَعُلِم أنه ليس بمباح، فهو حرام.
وهذا الوجه مستدرَك من وجوه:
أحدها: أن احتراز العاقل قد يكون منشؤه تجويز التحريم، أو ظنّ التحريم، أو توهُّم التحريم، فإنَّ هذا إنما يمنع العاقل عن ارتكاب المنهيِّ عنه وإن لم يكن في نفسه محرَّمًا.
الثاني: أن أفعال ... (١).
* * * *
стр. 569
[(فصل
في التمسُّك بالنافي للضَّرَر، مثل قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضْرار في الإسلام»، فيقال: الإيجاب إضرار؛ لأنه يفَوِّت سلامة الملك عن الزوال لو أُدِّي، وسلامة النفس عن العقاب لو ترك، والمجموع مطلوب، والإضرار يدور مع المفوت للمطلوب وجودًا وعدمًا، فيكون حقيقة له)] (١).
[ق ٢٧٨] مثلًا، فإن أدى زال ملكه، وإن لم يؤدِّ (٢) تعرَّض للعقاب، وكل واحد من زوال المال (٣) وعقوبة النفس ضرر، وهذا الضرر إنما حصل بالإيجاب، فيكون الإيجاب مقتضيًا لهذا الضرر، فيكون ضررًا، وهو معنى قوله: «لأن الإيجاب تَفْويت (٤) سلامة الملك، أو سلامة النفس»؛ لأنه إن أُدِّي فقد فاتت سلامة الملك عن الزوال، وإن لم يُؤَدَّ فقد فاتت سلامة النفس عن العقاب، لقيام سبب وجوده، وهو ترك أداء الوجوب، وكلُّ واحدة من هاتين السلامتين مطلوبة؛ لأن العاقل يطلب سلامة ملكه من الزوال، وسلامةَ نفسِه من العقاب، والإيجابُ يفوِّت هذا المطلوب، وتفويت المطلوب إضرار؛ لأن الإضرار يدور مع المفوّت للمطلوب وجودًا وعدمًا، فحيثما
стр. 570
وُجِد مفوِّت للمطلوب كان ذلك إضرارًا، وحيث انتفى المفوِّت للمطلوب لم يكن إضرارًا، فيكون قد دار كون الشيء إضرارًا مع كونه مفوِّتًا للمطلوب وجودًا وعدمًا، فيكون التفويت للمطلوب حقيقة الإضرار، والإضرار منتفٍ بقوله: «لا ضرَرَ ولا إضْرارَ في الإسلام» (١).
والمعنى: لا ضرر ولا إضرار في أحكام الإسلام، بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه. ولو ثَبَت الضررُ في هذا الحكم لثبت الضرر في جملة الأحكام، فلم يصح أن يقال: لا ضرر في أحكام الإسلام والضررُ ثابت في واحدٍ منها.
واعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذه الطريقة على هذا الوجه مسكتة (٢) من وجوه:
أحدها: أن هذا الحديث الذي ذكره بهذا اللفظ (٣) لا يُعْرف في شيءٍ من دواوين الحديث (٤)، وإنما المعروف ما رواه الإمام أحمد في
стр. 571
«مسنده» (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا إضرار، وللرجل أن يضع خَشَبَةً في حائِط جارِه، وإذا اختلفتم في الطريق فاجْعَلُوه سَبْعَةَ أذْرُعٍ» ورواه ابنُ ماجه في «سننه» مُقَطَّعًا (٢).
وإذا لم يكن معروفًا لم يصح الاحتجاج به؛ لأن أقل ما على المستدلِّ أن يبيِّن ثبوتَ الحديثِ، إما بكونه مشهورًا بالصحة، أو بكونه مرويًّا في الدواوين الصحيحة، أو في ديوان غير مشهور بالسُّقْم، أو أن يرويه بإسناده، أو بكونه في شيءٍ من كتب الحديث في الجملة، وإن كان هذا وحده غير كاف، فإن الجدليين مصطلحون على أنه لو عزاه إلى بعض كتب الفقه لم يُقْبَل، إلا أن يكون صاحب الكتاب عالمًا بصحيح الحديث وضعيفه، ففي قبوله حينئذٍ خلافٌ بينهم. ولو عزاه إلى كتاب حديث لبعض الفقهاء، كان بمنزلة عزوه إلى كتاب حديث وأولى. فأما حديث ليس له زِمام ولا خِطام فلا يجوز الاستدلال به في الأحكام باتفاق أهل العلم من الجدليين وغيرهم.
[ق ٢٧٩] فإن قال: هذا قد رواه بعضُ أصحاب الخلاف، أو بعض الفقهاء، وذلك كافٍ.
قيل له: هؤلاء المتأخِّرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقِّهَة أقلُّ
стр. 572
الناسِ علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته، ولعلّ أحدهم أو أكثرهم لا يعرفون مظانِّ طلب الأحاديث، ولا حملها ونقلها، ولا يميزون (١) بين أجناسها وأنواعها، وأدنى دليلٍ على ذلك ما في كتبهم من الأحاديث التي أجمع أهلُ الحديث على أنه ليس لها أصل عن النبي ﷺ ، تارةً يجعلون الفتوى حديثًا، وتارةً تكون الكلمة محفوظة عن بعض الفقهاء، أو بعض السلف، فيجعلونها مرفوعةً إلى النبي ﷺ ، وتارة يخلطون بالحديث زيادات ليست منه (٢)، وذلك لأنهم لم يتلقوا الأحاديث ممن ضبطَها وأحكمها، وإنما غايةُ المبرِّز منهم أن يجده في بعض كتب الفقه، ولا يَعْرف من أين نقله ذلك المصنِّف. ومجرَّد ذلك لا يغلِّب على الظن صحةَ الحديث، بعدما عُرِفَ من تساهل هذا الضرب في الأحاديث وقلة اعتنائهم بها، لاسيما إذا لم يوجد له أصل في الدواوين المعنيَّة بهذا الشأن، وعند الرجال الذين هم فرسان هذا العلم، فيكون مَثَلُ ذلك مَثلَ دينار عُرِضَ على النجَّارين، فقالوا: هو صحيح، فلما رأتْه الجهابذة (٣) قالوا: هو مغشوش، والقولُ في ذلك قولُهم، لأن أهل كلِّ صنعة أعلم بصنعتهم.
وكذلك لو رأى بعض الحدَّادين خَرَزةً فقالوا: هي جوهرة، وقال الجوهريُّ: هي زجاجة، فالقولُ قولُ الجوهريُّ.
ويكفي دليلًا على ذلك أن هذا المصنِّف ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث، عامتها ليست محفوظة عن رسول الله ﷺ ، مع أنَّ في الباب الذي
стр. 573
يذكره عدةَ أحاديث صحاح مشهورة.
وإذا كان المحفوظ إنما هو قوله: «لا ضر ولا إضرار» = بطلَ الاستدلال الذي ذكره؛ لأنه إنما يتمّ بأن يُقال: «لا ضرر ولا إضرار في أحكام الإسلام»، ومعلومٌ أن مجرَّد قوله: «لا ضرر ولا إضرار» لا يدلُّ على هذا المحذوف، وحذفُ ما لا يدلُّ عليه سياق الكلام غير جائز.
بقي أن يُقال: اللفظ عام في نفي كلِّ ضرر، والإيجاب ضرر، فيكون منتفيًا. فنقول: سنأتي عليه.
الوجه الثاني: أنه إن كان قوله: «لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» محفوظًا، فإن معناه يعود إلى معنى قوله: «لا ضرر ولا إضرار»، وذلك ينبني على مقدمة، وهو أن بعضَ الناس يقول: الصوابُ في هذا الحديث أن يقال: «لا ضرار، ولا إضرار» (١)، فالضرر اسم مصدر: ضرَّه يضرُّه ضررًا. والضرار مصدر: ضارَّه يُضارُّه ضرارًا ومضارَّة، فنفى النبيُّ ﷺ الضرر المنفرد من أحد الجانبين، والضرار المشترك من [ق ٢٨٠] الجانبين، وتقديره: لا يضرَّ أحدٌ أحدًا، ولا يُضارَّ أحدٌ؛ لكن في كتب الحديث: «لا ضرر ولا إضرار».
وهذا كما أنه المعروف في الرواية فهو أجود في الدراية، وذلك أنَّ ما يحصل لأحد الجارين من المضرة تارةً يكون بقصد الجارِ الآخر وفعله، وتارة لا يكون بفعله، فما كان بفعله فهو إضرار بالآخر، وما لم يكن بفعله فهو ضرر به، ففي نفي النبيِّ ﷺ أن يتضرَّر الإنسانُ أو أن يضر به غيره. وهذا لأن «الضرر» اسم المصدر، واسم المصدر لا يختص باللازم ولا بالمتعدِّي،
стр. 574
بل يدلُّ على الحدث من حيث هو، كالكلام فإنه لا يختصُّ بالتكلُّم ولا بالتكليم، وكذلك الحركة لا تختصُّ بالتحريك ولا بالتحرُّك. فالضرر اسم لما يقع بالمتضرِّر، لا يختصُّ بالضرر الذي هو متعدٍّ، ولا بالتضرُّر الذي هو لازم، ويجوز أن يكون اسمًا للشيء المضارّ، ويجوز أن يكون مصدرًا لـ «ضرِرْتُ أضَرُّ ضَرَرًا»، مثل: «عَرِج يَعْرجُ عَرَجًا»، و «عَمِي يَعْمَى عمى»، و «صمَّ يَصَمّ صَمَمًا»، فيكون على هذا مصدرًا للازم.
من ذلك قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فإنه ليس إشارة إلى ضُرِّ الغير لهم. ويدلُّ على [أن] هذا الاسم لا يدلُّ على ضررٍ متعدي: قولُ الإنسان: فلانٌ به ضررٌ، ومكانٌ ذو ضررٍ، أي ضيِّق، ويقال: لا ضرر عليك، ولا ضرورة، ولا مضرَّة (١).
وأما «الإضرار» فهو مصدر: أضْرَرْتُ به أُضِرُّ به إضرارًا، إذا أَوْقَعَ به الضرر وأحلَّه به، كأنه أَلْصَقَه به، ولهذا جِيء بالباء، وليست للتعدية، فإن الثلاثيَّ يتعدَّى بنفسه، فكيف يتعدَّى الرباعيُّ بالباء، لكن جِيء بها لزيادة المعنى، وهذا المعنى أعمُّ من المعنى على ذلك القول، ويؤيده أنه لو أُريد ذلك المعنى لكان الأَقْيس: «لا ضرّ ولا ضرار».
وأيضًا: فإنَّ الضرار في الحقيقة ضُرّ، فنَفْي الضُّرِّ يستلزمُ نفي المضارَّة، كما أن نفي القَتْل والضَّرْب يستلزمُ نَفْي المقاتلة والمضاربة.
فإن قيل: فقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ضارَّ أضرَّ اللهُ به، ومن
стр. 575
شاقّ شقَّ الله عليه» (١)، وقال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٧].
قيل: إنما جِيء في هذه المواضع بصيغةِ المفاعلة؛ لأنه فِعْل من أحد الجانبين يقتضي مثلَه من الجانب الآخر، فهو يفضي إلى المفاعلة، وإن كان المنهي أحد الجانبين، وذلك أن الكاتب أو الشهيد إذا فُعِل به ما يضرُّه فإنه يكافئ على ذلك بموجب الطبيعة، فصارت مُضارَّة، وهكذا كلُّ ما كان من شأنه إمكان المُقابلة والمُجازاة، وهذا يبين أنَّ المضارَّةَ أخصُّ من الضرر، ونَفْي الأعمِّ [ق ٢٨١] يستلزمُ نفيَ الأخصِّ.
إذا تبيَّن هذا فقوله: «لا ضرر ولا ضرار» صيغته بصيغة (٢) الخبر، ومعناه الأمر؛ لأنه لو كان مقصودُه الإخبار بعدم وقوع الضرر والإضرار للزم أن لا يقع شيء من الضرر والإضرار؛ لأنَّ خبرَ رسول الله ﷺ صِدْق لا يجوز أن
стр. 576
يقع شيءٌ منه بخلاف مُخْبره (١)، فلما رأينا في الوجود شيئًا كثيرًا من الضرر والإضرار= علمنا أن مقصودَه النهي عن الضرر والإضرار، فيكون المعنى: لا يتضرَّرَنَّ أحدٌ بأحد، فحيثما تضرَّر أحدٌ بأحد فعلى من كان ذلك التضرُّرُ من جهته أن يزيله ويرفعه، وحيثُما (٢) أضرَّ أحدٌ بأحد فعليه أن ينتهي عن ذلك، ولا يحلُّ له أن يفعله ابتداءً.
وكذلك إن صحَّ قولُه: «في الإسلام» لكان معناه النهي أيضًا، كقوله: «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَار في الإسلام» (٣) إنَّما معناه: لا تجلبوا ولا تجنبوا، ولا تشاغروا في الإسلام.
وكذلك قوله: «لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فلم يزِدْه الإسلام إلا شِدَّة» (٤)، ومثل هذا كثير، وإذا كان كذلك امتنع أن يُسْتَدَلَّ بذلك على نفي إيجاب الله أو تحريمه؛ لأن الله ــ ــ لا يجوز أن يُنهى ولا يُؤمَر.
ويجوز أن يكون معناه الخبر ــ أيضًا ــ وإن كان معناه آئلًا إلى الأمر، بأن
стр. 577
يَقْصد الإخبار عن الحكم الشرعي والأمر الديني، تقديره: ليس في دين الله وحكمه أن يتضرَّر أحد، ولا أن يضرَّ أحدٌ أحدًا. وعُلِمَ هذا بقرينة حاله ﷺ ، فإنَّه إنما بُعِثَ لبيانِ الأحكام الشرعية والأمور الدينية، فأما ما يَعْلم كلُّ أحدٍ بحواسِّه فلا حاجة إلى بيانه.
وأيضًا: فإنه قد عُلِمَ أنه لم يُرَد نفي وقوع الضرر، فعُلِمَ أنَّ المراد نفي كونه دينًا وشرعًا، فهو ينفي جوازَه وإباحتَه، والمعنى: لا يُباح ضررٌ ولا ضِرار.
وقوله: «في الإسلام» إن صحَّ يصدِّق هذا المعنى؛ لأن الإسلام هو دين الله. فكأنه ليس في الإسلام ــ الذي هو دينُ الله ــ ضررٌ ولا إضرار، أي: ليس فيه أن يتضرَّرَ أحدٌ، ولا أن يضرَّ به غيره، وما ليس من الإسلام يجبُ إعدامه؛ لأنه لا يجوز الخروج عن دين الإسلام. وعلى هذا التقدير فمعناه معنى النهي، و لا يجوز أن يراد به نفي الأحكام الشرعية التي يحكم (١) بها الشارع ويشرعها، لما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الثالث: أنه لا يجوز أن يُراد به نفي الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية أمرُ الشارع وكلامه، أو موجَب ذلك، أو خَلْق ذلك بالأفعال، فكل حالة إنما مصدرها ومبدؤها من الشارع، فإن أثبتها ثبتت وإن نفاها انتفت، ليس للمكلَّف فيها فعل، وإنما يمكنه الاستدلال عليها، والفحص عن أسباب علمها، فهو يُبْدِيها لا يَبْتَدِئها، ويُظْهِرها لا يُصْدرها، وبين المُظْهِر والمُصْدِر فرق (٢) أنور.
стр. 578
وهذا ظاهر على أصل من يقول: إن في الحادثة حكمًا معينًا على (١) المجتهد طلبُه، كما هو قول جماهير الفقهاء وعامة السلف.
وكذلك من قال: ليس فيها حكم مُعَيَّن، فإن عنده على المجتهد اتِّباع ما يغلب على ظنِّه، فهو مقيَّد بالأدلة والأمارات غير مطلق في الآراء والاختيارات.
وكذلك من قال: عليه طلب الأشبه بالحق، وإذا كان كذلك فإن كان معنى الكلام نهيًا لم يجز أن ينهى عما ليس من أفعالنا، وإن كان نفيًا فليس من إخبارنا بأن الله إذا حَكَم بحكمٍ لم يكن في ذلك الحكم ضررٌ ولا إضرار أيُّ (٢) فائدة؛ لأن هذا أمر معلومٌ علمًا ظاهرًا أن الله سبحانه لم يضر عباده بدينه وشرعه.
الوجه الرابع: لا يجوز أن يُراد به نفي الإيجاب أو التحريم ؛ لأن الإيجاب أو التحريم ليس بضرر ولا إضرار، إذ لو كان ضررًا أو إضرارًا= لكان الله سبحانه إذا أوجب شيئًا أو حرَّمه فقد حكم في دينه بالضرر والإضرار، ولكانت الرسل إنما بُعِثت بالضرر والإضرار؛ لأن أكثر الشرائع إنما هي إيجاب أو تحريم، ولكان دين الله وشرعه عامته ضررًا للخلق وإضرارًا بهم، ولكان تَرْكُ إنزال القرآن وترك بعث الرسل دفعًا للضرر والإضرار، فيكون ذلك أقربَ إلى رحمة الخلق ونفعهم، ويكون ترْك الناس كالبهائم (٣) يفعلون ما يشتهون أنفع لهم وأصلح وأقرب إلى رحمتهم
стр. 579
وتكميلهم واستقامة أمورهم من تقييدهم بقيود الأمر والنهي. ولكان الرسول لم يُبْعَث رحمةً للعالمين؛ لأنَّه بُعِث بالضرر والإضرار، ولكان الشارع قد أراد العُسْر، ولم يُردِ اليُسْر؛ لأنه إنما أتى بالضرر والإضرار، ولكان المنزل من القرآن ليس شفاءً ورحمةً للمؤمنين، إلى غير ذلك من اللزوم (١) التي يقشعر منها الجلد، بل هي كفر واضح قد أجمعَ المسلمون على بطلانها، بل قد دلَّت القواطِعُ السمعيةُ والعقلية على انتفائها، فَعُلِمَ أن الإيجاب والتحريم ليس بضرر ولا إضرار، فبطل دخوله في العموم.
الوجه الخامس: أن الإيجاب والتحريم ليس بداخل في الحديث؛ لأنه لو كان داخلًا لاكتفى بقوله: «لا ضرر»، أو بقوله: «لا إضرار»؛ لأن أحد اللفظين يدلُّ على انتفاء ذلك، كما يدلُّ عليه الآخر، فإعادة اللفظ في مثل ذلك تكرير محض، ولا يُقال: ذلك توكيد؛ لأن التوكيد نوعان:
أحدهما: إعادة اللفظ بعينه كقوله: «والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا» (٢)، وقوله: «عدَلَت شهادةُ الزُّورِ الإشراكَ
стр. 580
بالله» (١)
مرتين أو ثلاثًا، وقوله في تعديد الكبائر: «ألا وقَوْل الزُّور، ألا وشهادة الزُّور» فما زال يكرِّرُها حتى قلنا: ليته [ق ٢٨٣] سكت (٢)، وهذا كثير في كلامه ﷺ ، فإنه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا، وإذا سلَّم على قومٍ سلم عليهم ثلاثًا (٣). فلو قصد هذا لقيل: لا ضرر، لا ضرر (٤).
والثاني: توكيد المعنى الأول بما يزيل عنه شبهة بأن يكون المؤكِّد أنصَّ على المقصود من المُؤكَّدِ، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣]، وقولهم: «جاءَ زيدٌ نفسُه»، ونحو ذلك، وهذا أيضًا منتفٍ هنا؛ لأنه ليس في أحد اللفظين من الدلالة (٥) على نفي الإيجاب أو التحريم ما ليس في الآخر.
الوجه السادس: أن المقصود بهذا الحديث نفي الضرر والإضرار في أفعال العباد، لا في أحكام الله؛ لأنه إذا قصد الأول كان الحديث باقيًا على عمومه، سواء قصد به النهي أو النفي، فإنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يفعل ضررًا ولا
стр. 581
إضرارًا، وحيث جاز ذلك مثل: قَتْل القاتل، وجَلْد الشارب؛ فليس بضرر؛ لأنه منفعة عامة للناس ومنفعة خاصة للمحدود بتطهيره من الذنب. وتحقيق العقوبة والمضرة المغمورة في جانب المنفعة ليست مضرة مطلقة، ولهذا لا يُعَدّ نزول الغيث وقت الحاجة ضررًا، وإن كان فيه هَدْم بعضِ البيوت، واحتباس بعض السَّفْر، وانقطاعُ بعض الناسِ عن مصالحهم.
وإذا جُعِل متناولًا للإيجاب أو التحريم لزم تخصيصُه بكلِّ ما أوجبَه الله أو حرَّمه، ومعلوم أن هذه صور كثيرة لا تُحْصَى أشخاصها، وإذا دار الأمرُ بين ما يلزم منه التخصيص وبين ما لا يلزم منه التخصيص، كان حملُه على ما يقتضي بقاء عمومه وحفظَه عن التخصيص أولى؛ لما في التخصيص من مخالفة الأصل، وهذا ظاهر.
ولو سُلِّم أنا إذا حملناه على أفعال العباد كان فيه تخصيص لكان يقال: إذا حُمِل على الأحكام كَثُر فيه التخصيص، وما كان على خلاف الأصل فكثيره على خلاف الأصل.
الوجه السابع: أنه لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام ؛ لأن الإسلام فِعْل العبد المسلم، يقال: أسلم لله يُسلم إسلامًا، وأسلم وجْهَه لله يسلمه إسلامًا.
فإذا قيل: ليس في هذا الدين ــ الذي هو الإسلام ــ ضرر ولا إضرار، كان حقيقة نفي ذلك عن الدين الذي يفعله العباد. فإذا قصد به: ليس في حكم الله الذي يحكم به على أهل هذا الدين؛ افتقر إلى إضمار. وحَمْل الحديثِ على معنًى لا يفتقر إلى إضمار أولى من حمله على معنى يفتقر إلى إضمار؛ لأن الإضمار خلاف الأصل.
стр. 582
الوجه الثامن: أن الإضمار إنما يجوز إذا دلَّ على (١) سياق الكلام، إما بأن لا يصح الكلامُ إلا به، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقد علم أنَّ الجدران والأرض والسقوف لا تُسأَل، ونحو ذلك، وهنا الكلام يصح بدون [ق ٢٨٤] هذا الإضمار، وليس في اللفظ قرينة تدلُّ عليه فتمتنع إرادتُه، وهذا قاطِعٌ في نفي الإضمار؛ لأنّ شَرْط جوازه معدوم، ولهذا لم يقصد هذا المعنى في مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبيَّن ذلك بأن أضاف نفيَ الحرجِ والعُسْر إلى الله ليعلم أنه هو الذي نفاه عن حكمه في دينه، وهنا فاعل الضرر والإضرار غير مذكور، ومحله هو أفعال العباد، فوجب أن يجعل فاعله هو فاعل محله، ويكون المعنى: أيها الدائن بدين الإسلام لا تُدْخِل فيه ضررًا ولا إضرارًا (٢).
الوجه التاسع: أن سياق الحديث وما قُرِن به وضُمَّ إليه يدلُّ على أنه قصد به نفي الضرر أو الإضرار في أفعال العباد، بل في بعض أفعالهم، وذلك أنه قال ﷺ : «لا ضرر ولا إضرار، وللجار أن يضع خشبةً في حائط جاره، وإذا اختلَفْتُم في الطريقِ فاجعلوه سبعةَ أذْرُع». ولابدَّ أن يكون بين الجُمَل المعطوف بعضها على بعض نوعُ مناسبةٍ، والمناسبة هنا أن التجاور في الأملاك مَظِنَّة تضرُّر أحد الجارين بالآخر، أو إضراره به، كما يشهد به الواقع، فأراد ﷺ أن ينهى عن ذلك وينفيه عن دين الإسلام، ولذلك (٣) قال:
стр. 583
«وللجار أن يضَعَ خشبةً في حائطِ جارِهِ»؛ لأنه إذا احتاج إلى ذلك ولم يُمكِّنْه تضرَّر بذلك.
وكذلك أَمَر بالطريق إذا اقتسموا الأرض أو أرادوا إحياءها أن يجعلوه سبعةَ أَذْرُع، فإنَّ ما زاد على ذلك ضَرَرٌ بالمُلَّاك، وما نقصَ عن ذلك ضرَّر بأبناء السبيل، ولهذا عامَّةُ الفقهاء والمحدِّثين إنما يذكرون هذا الحديث في أبواب الصلح وأحكام الجِوَار، وكذلك احتجَّ به طوائفُ من الفقهاء مثل الإمام أحمد (١) وغيره على أنه ليس لأحد الجارين أن يفعل في ملكه ما يضرُّ بجاره، مثل إحداث رَحًى أو كنيف ونحو ذلك، وأنه ليس للجار أن يمنع جارَه مما هو محتاج إليه ولا مضرَّة عليه فيه، كوضْعِ الخشب على جداره القويِّ، وإجراء الخليج في أرضه، كما قضى به عمر بن الخطاب (٢)، وغير ذلك، كما هو مُبَيَّن في مواضعه من كتب الفقه، وإن كان في هذه المسائل خلاف معروف، وفي بعضها أيضًا خلافٌ في مذهب أحمد.
ومن تأمل الحديث علم قطعًا أن هذا هو مقصودُ الحديث أو أكثر مقصوده.
الوجه العاشر: سلَّمنا أن اللفظ عامٌّ، لكن قصره على سببه جائز إذا دلَّ دليل على ذلك، وهنا أدلة كثيرة تدل على أن عمومه فيه محاذير، وقصرُه على سببه لا محذورَ فيه، فيكون أولى.
стр. 584
الوجه الحادي عشر: لا نُسَلِّم أن شيئًا من الوجوب أو التحريم ضرر أو إضرار.
قوله (١): «الإضرار يفوت المطلوب».
قلنا: لا نُسَلِّم.
قوله: [ق ٢٨٥] «الإضرار دار معه وجودًا وعدمًا».
قلنا: لا نُسَلِّم؛ لأن دورانه معه: أن يوجد حيثُ وُجِد، ويُعْدَم حيث عُدِم، وقد رأينا ما لا يُعَدّ ولا يُحصى من فوات المطلوب، ولا يُعد ذلك ضررًا، ولا تفويته إضرارًا، فإن فضلات المطالب مثل العمر الطويل جدًّا بحيث يعيش عشرة آلاف سنة، والمال الواسع بحيث يملك كل ما على الأرض، والرِّياسة العامة بحيث يستولي على أقطار المعمورة، والعلم المحيط بحيث لا يخفى عليه إلا ما شاء الله، والقوَّة التامَّة بحيث يقتدر على ما يريد، والسمع النافذ، والبصر التام، إلى غير ذلك مما هو مطلوب للنفوس في الجملة، بمعنى أنها تريدُه وتشتهيه وتسعى في تحصيله لو أمكن، وإنما أقعدها عنه اليأس من حصوله= فإنه فَوْتُ مطلوبٍ، ولا ضررَ على من فاته ذلك.
بل من المعلوم أن الملك قد فات النوع إلا وحدًا، وهو مطلوب النوع، ومع هذا فلا يعدون فواته ضررًا، ولا نُسَلِّم أنه دار معه عدمًا، فإن الرجل قد يتضرَّرُ من غير فَوْت مطلوب، وذلك لأن الطلب مسبوق بتصور المطلوب، والإنسان قد يكره أشياءَ وهي تضره، وإن كانت نفسُه لا تستشعر طلبَ أضدادها، فإن الإنسان يتضرَّر بالمرض، وهو لا يستشعر الصحة فلا يطلبها، لكن لو حصل له المرض لتألم به، ولهذا أكثر الناس غافلون عن طلب عدم
стр. 585
ما يضرّهم وجودُه.
الوجه الثاني عشر: لو سلمنا أن الإضرار دار مع ما ذكرتم، فقد دار أيضًا مع فوات اللذة، أو مع وجود المنافي للكمال، ودار أيضًا مع حصول المؤلم الموجع، ودار أيضًا مع تألُّم القلب، وتفسيرُ الضررِ بهذا أصح؛ لأنه مطَّرِدٌ منعكس، فإن كلّ من فاتته لذة، أو حصل له ألم، أو فاته ما ينافي كمالَه يقال: قد تضرَّر، وإن لم يحصل شيءٌ من ذلك لا يقال: تضرر، ولو لم يكن أصحَّ لكن هو مدارٌ آخر، فلا يتعيَّن ما ذكرتم، وإذا كان كذلك فلا تَفُوت اللذة، أو يحصل الألم، وإن فُرِضَ رجلٌ شحيح حريص خروجُ الدرهمِ يُمِضُّه كانت طبيعتُه فاسدة فلا يُلْتَفت إلى تألُّمه ولا يستحق أن تنقلب الحقيقةُ به مدربة (١).
كما أن وجود الممرور العسلَ مرًّا، أو رؤية الأحول الواحدَ اثنين، ونحو ذلك= لا يغيِّرُ حقائقَ الموجودات؛ لأن القوة الدَّرَّاكة قد فسدت.
ويبيِّن صحةَ هذا: أنَّ النبي ﷺ قال [لمن] قُتِل يوم أحد فأثْنَت عليه أمُّه خيرًا، فقال: «وما يُدْرِيْكِ لعَلَّه كان يتكلَّمُ فيما لا يَعْنِيْه، ويَمْنَعُ ما لا يَضُرُّه» (٢)، فجعل النبي ﷺ مَنْع [ما] لا يضره عيبًا، فلو كان منع ما (٣) يضره
стр. 586
عيبًا أيضًا لم يخصه بالذكر، ومعلومٌ أن مَنْع الزكاة عيب، فيكون مانعها مانعًا [ق ٢٨٦] ما لا يضره، فلا يكون إيجابها إضرارًا.
الوجه الثالث عشر: سلمنا أن الإضرار تَفْوِيْت المطلوب؛ لكن متى؟ إذا حَصَلَ (١) له بفوات مطلوبٍ أشرفَ منه أم مطلقًا؟ الثاني ممنوع، والأول مُسَلَّم. وهذا ظاهر، فإن العقلاء عن آخرهم لا يعدُّون من أخرج درهمًا وأخذ أَلف دينار متضرِّرًا، ولا يعدُّون من فُوِّت عليه ثوب من ثيابه وأُعطي أحمالًا من البزِّ أنه قد أضرَّ به، فلا بدَّ أن يقال: فوات مطلوب لا ينجبر بخير منه، إذ لا يَنجبر بمثله أو بخير منه. ومعلوم أن سلامة الملك من الزوال ــ وإن كانت مطلوبةً ــ لكن يحصل بفواتها إذا أُدِّيت الزكاة من تحصين المال، وتزكية النفس، وغفران الذنب، ورحمة الله في الدنيا، وعظيم ثوابه في الآخرة، إلى غير ذلك من المطالب العظيمة والمقاصد الجسيمة ما ينغمر في جانبه فوات قليل المال، وحينئذٍ فلا يكون الإيجاب إضرارًا، بل نفعًا أيَّ نفع، وهذا معلوم بالضرورة.
الوجه الرابع عشر: أن تَرْك الإيجاب يفوِّت هذه المطالب أيضًا؛ لأنه بتقدير عدم الإيجاب لا يحصل له شيء من هذه المطالب، وحينئذٍ فيكون عدم الإيجاب إضرارًا، فيكون منتفيًا، وهذه معارضة، والترجيح معنا؛ لأن الإيجاب تفويت بعض المطالب، ونفي الإيجاب تفويت مطالب أشرف منها، وإذا دار الأمرُ بين تفويت مطلوبَيْن، كان تفويت أدناهما لتحصيل أعلاهما هو الواجب، وهذا ظاهر.
الوجه الخامس عشر: لا نُسَلِّم أن سلامة الملك عن الزوال مطلوب
стр. 587
مطلقًا.
فإن قال: إنّا نرى الناسَ يحرصون على جمع المال ويصونونه عن أسباب التَّلَف والزوال.
قلنا: إنما يصونونه إذا تلف ضائعًا إما بِحَرق أو غرق ونحو ذلك، أما سلامته عن الزوال بالإعطاء للجنس، فلا نُسَلِّم أنه مطلوب لهم.
فإن قيل: هو مطلوبٌ لهم أو لأكثرهم، فإنَّ أحدَهم إذا خُيِّر بين أن يعطي أو لا يُعطي، كان حفظُ ماله أحبَّ إليه.
قلنا: هذا مُعارَض بمن إذا خُيِّر بين الإعطاء وعدمه، كان الأعطاءُ مطلوبَه ومقصودَه، كما قيل:
تراه إذا ما جئتَه متهلِّلًا ... كأنَّك تُعطيه الذي أنت نائلُه (١)
ولو لم يكن في كفِّه غير روحِه ... لجاد بها فَليتق اللهَ سائلُه (٢)
وهذه من طباع الأسخياء و (٣) الأجواد غير منكورة ولا مدفوعة، وإنهم يتلذَّذون بالعطاء، ويرون سلامة (٤) المال عنه مصيبة وبلاء.
فإن قيل: هؤلاء مغمورون بالنسبة إلى الجمهور، والاعتبار عند التعارض بالأكثر.
стр. 588
قلنا: الناس ثلاثة أصناف:
أحدهم: إذا رأى المحاويج من الفقراء [ق ٢٨٧] والغارمين وغيرهم كان حِفظُ قليل ماله أحبَّ إليه من سدِّ خَلَّاتهم، وهؤلاء الأشِحِّاء، وهم قليل.
والثاني: من يُؤْثِرُ سدَّ خَلَّةِ المحتاج على قليل ماله طبعًا وخُلُقًا، بحيث يرى أنه إذا ملك عشرة آلاف درهم فَسَدَّ خَلة ناسٍ من المحاويج بربع عُشْرها، فهو أحب إلى طبعه من سلامةِ هذا المال، ومعلومٌ أن هذا هو الغالب على الطباع.
الصنف الثالث: من يكون طبعُه يُحب سدَّ الخَلَّات وإعطاء السُّؤَّال ولو بضرر نفسِه، وهذا طبع الأجواد، وهذا قليل كالأول.
فإن كان غالبُ الناسِ لا تُؤثِر طباعُهم سلامة قليل المال عن سدِّ خلات المحاويج، لم يصح أن يكون عدمُ إيجاب الزكاة مطلوبًا، ولو فُرِضَ أن غالبَ الطباع تأبى ذلك وبعضُ الطِّباعِ تحبُّ إعطاء المحاويج، كانت رِعايةُ هذا الجانب أولى؛ لأن القليلَ إذا كان أفضل وأشرف كان ترجيحُه على كثيرٍ منقوصٍ هو الواجب، ولهذا عشرةُ شُجْعان يقهرون مائة جبان.
الوجه السادس عشر: قوله: «الإيجاب إضرار بالعبد».
قلنا: إيجابُ ما لم يوجبه الشارع [لا يجوز، والشارع] (١) أعلم بما ينفع الخلقَ وما يضرهم، وهو أرحَم بهم من الوالدة بولدها، فما أوجبه لم يوجِبْه إضرارًا بهم، أمَّا ما لم يوجِبْه فقد يكون إيجابه إضرارًا بهم، وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال على نفي الإيجاب بنفي الإضرار، إلا إذا عُلِم أنَّ الشارعَ لم
стр. 589
يوجبه، ولو عُلِم أنه لم يوجِبْه لاستُغْنِي عن الاستدلال على نفي إيجابه.
أو نقول: العلمُ بكونه إضرارًا موقوف على العلم بعدم إيجابه، فلو كان علمنا بعدمِ إيجابه مستفادًا من العلم بكونه إضرارًا لزم الدَّوْر.
الوجه السابع عشر: لو سلَّمنا أن الإيجاب أو التحريم إضرار، لكن هو واقع، فإن الإيجاب والتحريم واقعان، فيكون هذا الإضرار واقعًا، وإذا كان واقعًا لم يصحَّ الاستدلالُ على عدم وقوعه.
فإن قال: هو واقعٌ في غير محلِّ النزاع، فأنا أتمسَّك بالنافي للضرر في محلِّ النزاع.
قيل له: الدالُّ على وقوعه في محلِّ النزاع قياس هذا الإيجاب على سائر أنواع الإيجاب، وهذا دليلٌ خاصٌّ، والنافي للضرر عامٌّ مخصوص، والقياسُ مقدَّم على العامِّ المخصوص، لاسِيَّما مثل هذا القياس.
فإن قيل: إنما يصح تخصيصُه بالقياس إذا بيّن أن قَدْر ضرره مثل قدر الضرر في صورة الإجماع.
قيل: هذا مُبَيَّن، فيبيِّن الخصمُ أن صورة النزاع تساوي صورة الإجماع.
أو يقول: هذا النافي للضرر مُعارَض بما في الإيجاب من المصلحة المشتركة، فيبقى القياسُ خاليًا عن المانع.
أو يقول: النافي للضرر عمومٌ مخصوص في كثير من المواضع، فضعُفَت دلالتُه، وهو واردٌ على سببٍ، فضعُفَت دلالتُه من جهةٍ أُخرى،
стр. 590
والضررُ الموجود في صورة النزاع لو فُرض قَصْره عن (١) صورة [ق ٢٨٨] الإجماع لما كان التفاوت إلا شيئًا (٢) يسيرًا، وهذا الفرقُ اليسير لا يمنعه عن أن يكون من الأقْيِسَة المتوسِّطة إن لم يكن من القويَّة، والأقْيِسة المتوسِّطة راجحة على عموم في غاية الضعف؛ لأن هذا القياس يحتجُّ به عامةُ الفقهاء، وتلك العمومات يُخالف فيها كثيرٌ منهم، والاتفاقُ دليلُ قوة الدليل، كما أن الاختلاف مُشْعر بعدم ظهور قوّته.
الوجه الثامن عشر: استدراكٌ على قوله: «الإضرار يدور مع المفوت للمطلوب وجودًا وعدمًا، فيكون حقيقة».
أي: يكون المفوِّت للمطلوب حقيقةً للإضرار، وهذا ليس بجيِّد؛ لأن حقيقة اللفظ مُسَمَّاه ومعناه، ومسمَّى الإضرار ليس هو المفوت، وإنما هو التفويت.
الوجه التاسع عشر: أن دورانه معه كما أنه يدلُّ (٣) على أنه حقيقةٌ له فقد دلَّ على أنه علةٌ له، فإنَّ معنى الاسم يدورُ معه وجودًا وعدمًا، كدوران المحدود مع الحدِّ، والمعلولُ يدور مع العلة، فلماذا كان الدوران دليلًا على أنه حقيقة له ولِمَ (٤) لم يكن دليلًا على أنه علة له؟ فكان على هذا التقدير حقُّه أن يقال: فيكون المدار علة للدائر، فيكون المفوِّت للمطلوب علة للإضرار. والنبيُّ ﷺ إنما نفى الإضرار، ولم ينفِ علةَ الإضرار، فيجوز أن
стр. 591
يكون التفويتُ علة الإضرار، والإضرارُ لم يوجد لوجودِ مانع مَنَع من كونه إضرارًا، والأمر كذلك، فإن التفويت إنما يوجب الإضرار إذا لم يحصل له مطلوب آخر كما تقدم.
الوجه المُوفِي عشرين: أنَّ ما ذكرتَه من الدليل إنْ دلَّ على أنَّ الإيجاب إضرار، لكن مَعَنا ما يدلُّ على أنه ينفع (١)؛ لأنَّ الإيجابَ يبعثُ النفوسَ على الأداء، فيحصل لها الثواب الذي لا يحصل بدون هذا الأداء ــ وهو أمور مطلوبة ــ من تحصين المال، وتزكية النفس، وقضاء حاجة المحاويج، ومعلومٌ أنَّ هذه أمور مطلوبة، والوجوب مُحَصِّل (٢) لها، فيكون نفعًا؛ لأنَّ النفعَ دار مع الإعانة على المطلوب وجودًا وعدمًا، وإذا كان نفعًا كان واجبَ الحصول، لقوله ﷺ : «من استَطاع أن ينفعَ أخاه فَلْيَفْعَل» حديث صحيح (٣)، والنبيّ يمكنه نفع المتمَوِّل بإنبائه (٤) بالوجوب، فيكون مأمورًا بهذا النفع.
وقوله (٥): (ولئن قال: المفوت فعل العبد، وهو أداء الواجب أو تركه، فنقول: هذا لا ينفكُّ عن ذلك، فيكون جهةً فيه، ولا يكون مانعًا).
حاصله: أن المفوِّت للمطلوب إنما هو فِعْل العبد أو تركه؛ لأنه إن أدَّى الواجبَ فاتت سلامة المال، وإن تركَ أداءَه فاتت سلامةُ النفس، لكن فعله
стр. 592
إنما صار مفوّتًا بإيجاب (١) الأداء، إذ لولا الإيجاب [ق ٢٨٩] لما كان الفعلُ مفوَّتًا؛ لأنه على هذا التقدير يمكنه التركُ من غير تفويتِ سلامةِ النفس؛ ولأن فعله لا ينفكُّ عن إيجاب الشرع، ففعله ملزوم للإيجاب، فيكون الإيجاب جهة فيه، فلا يكون مانعًا من إضافةِ التفويتِ إلى الإيجاب؛ لأنَّ معنى الإضافة إليه: أنه (٢) إذا وُجِد حَصَل التفويت لا محالة، سواءٌ حصل من ذاته، أو من شيءٍ من لوازمه، ومعلوم أن التفويت يحصل من بعض لوازم الإيجاب، وهو فعل العبد أو تركه، ولهذا كانت إضافة الحكم إلى السبب لا تقدح في إضافته إلى سبب السبب، أو إلى حكمة السبب، أو إلى حكمة الحكمة؛ لأن السبب ملزومٌ لسببه، فإضافته إلى الملزوم لا يقدح في إضافته إلى اللازم، وكذلك حكمة الحكمة ملزومة للحكمة، فإضافته إلى الملزوم لا يقدح في إضافته إلى اللازم؛ لأنه إذا تحقَّق الملزوم تحقق اللازم، فإذا تحقَّقَ السَّببُ تحقَّقَ سبَبُه، وإذا تحقَّقَت الحكمةُ تحقَّقَت حكمةُ الحكمة.
قوله (٣): (ولئن قال: لا نُسَلِّم بأن المجموع مطلوب وكيف (٤) والعاقل يسعى في إبطاله؟ فنقول: هذا مُعَارَض بمثله).
يقول: كما أن العاقلَ يسعى في إبطال هاتين السلامتين فهو يسعى في تحصيلهما، فيبقى ما ذكرناه من الدليل على كونه إضرارًا سالمًا عن المعارض.
стр. 593
وحاصله: أن الإنسان قد يسعى في إزالة ملكه وفي تعريض نفسه للعقاب، فلا تكون سلامته عن ذلك مطلوبًا له؛ لأن المطلوب لا يبطُل ويعدم ويزال. فقال: هذا متعارض بأنه سعى في إيجاد هذه السلامة، والسعيُ لا يكون لتحصيل شيءٍ إلا وهو مطلوب؛ لأنَّ ما لا يُطْلَب لا يُسْعَى في إيجاده، لكن يمكن أن يُقال: المستدلُّ لم يُقِم دليلًا على أن المجموع مطلوب، فإذا أقام السائلُ دليلًا على كونه غير مطلوب، وعارضَه المستدلُّ بما يدلُّ على كونه مطلوبًا، بقيت دعوى كونه مطلوبًا ليس عليها [دليل] سليمٌ عن المعارضة، فلا تكون مقبولة، وهذا ظاهر.
قوله (١): (ولئن منع كونه إضرارًا في الإسلام. فنقول: الإضرار في أحكام الإسلام مُجْمَلٌ بطريق حذفِ المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، وقد تحقَّق في واحدٍ منها فتحقَّق فيها).
أما مَنْع السائل كون الإيجاب إضرارًا في [ق ٢٩٠] الإسلام فَمَنْعٌ مُوَجَّه، فإن الإسلام هو: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وهذه الأمور لا إضرار فيها.
وأيضًا: فإن الإسلام هو الدين الذي يفعله العباد، والإيجاب ليس هو في أفعال العباد.
فإن قيل: هو متعلِّق بالأفعال، فيصح أن يُقال: هو فيها، ويدلُّ عليه أنه يصح أن يُقال: الإسلام فيه إيجاب وتحريم، وأمر ونهي.
стр. 594
قيل: هذا خلاف مدلول اللفظ، لكن يمكن أن يُجاب عنه بأن الإيجاب يقتضي الوجوب، والوجوب ثابت للأفعال، فيكون (١) الوجوب ضررًا في الأفعال، فيكون الإيجاب إضرارًا في الأفعال، فيكون إضرارًا (٢) في الإسلام.
ويُمكن أن يُجابَ عنه: بأن الإسلام قد يُعنى به نفس الأحكام الشرعية، لِمَا بينهما من التلازم، أو بطريقِ حَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه كما ذكره المُصنِّف، فيكون تقديره: لا إضرار في أحكام الإسلام. وإيجابُ الزكاةِ إضرار، فلو تحقَّق الإضرارُ في واحدٍ من أحكام الإسلام، وهو الإيجاب= لكان قد تحقَّق في الجملة، فلا يصحُّ أن يُقال: لا إضرار فيها، وهو في واحدٍ منها، لكن يُمْكن أن يُقال على هذا: بأن الأصلَ عدمُ الحَذْف والإضمار، وعدمُ التجوُّز وإطلاق أحدِ المتلازمين على الآخر.
ويقال أيضًا: الأحكام يُعنى بها نفس الإيجاب والتحريم مثلًا، ويُعنى بها الوجوب والحرمة.
فإن قلتَ: لا إضرار (٣) في الإيجاب والتحريم مثلًا، وقد ادَّعيت أن نفسَ الإيجاب إضرار (٤) لم يصح ذلك؛ لأن الظرف غير المظروف، فأحد الأمرين لازم، إما أن يكون الإيجابُ ليس إضرارًا، أو يكون الإيجاب إضرارًا، فلا يصح أن يُقال: لا إضرار في الإيجاب، كما لا يقال: لا إضرار
стр. 595
في الإضرار.
وإن عُنِي بالأحكام ما هو ثابت للأفعال من الوجوب والحرمة، فيكون التقدير: لا إضرار فيما (١) هو ثابتٌ للأفعال من أحكام الإسلام، وحينئذٍ يكون نفيًا للإضرار عن الأفعال؛ لأن نفيه عن صفاتها نفيٌ له عنها بطريق اللزوم، وحينئذ فلا يحتاج إلى إضمار «الأحكام»؛ لأن نفي الإضرار عن الأحكام مُسْتلزمٌ نفيَ الإضرارِ عن الأفعال، فيكون نفي الإضرار عن الأفعال مع كونه سليمًا عن الإضمار أعم معنًى، فيكون أولى، فلا حاجة إلى التعسُّف.
стр. 596
(فصلٌ في الأثر) (١)
اعلم ــ أصلحك الله ــ أن الأثر في اصطلاح فقهاء الخراسانيين يُعنى به قولُ الصحابة، ويسمون قولَ النبيِّ ﷺ خبرًا (٢)، وأما اصطلاح سائر الفقهاء وعامة المحدِّثين فإن الأثرَ عندهم كلُّ ما أُثِر عن النبي ﷺ وعن أصحابه، وربما أدخلوا فيه ما أُثِر عن التابعين وغيرهم من السَّلَف (٣)، واللغةُ تساعد هذا الاصطلاح، كقول عمر ﵁: «ما حلفتُ بها ذاكرًا ولا آثرًا» (٤)، أي: ذاكرًا عن نفسي، ولا آثرًا عن غيري، ومنه قولُه تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ﴾ [الأحقاف: ٤]، قالوا: هو الرواية والاستناد والكتابة عمَّن مضى ممن يُقْبَل قولُه (٥)، وهم الأنبياء ﵈، ويقولون: فلانٌ يأثر هذا الحديث، أي: يرويه ويسنده إلى غيره، والمقصودُ هنا قول الصحابة.
وجملةُ ذلك (٦)؛ أن الصحابيَّ إذا قال قولًا فإما أن يخالفه صحابيٌّ أو لا يخالفه، فإن خالفَه صحابيٌّ آخر لم يكن قولُ أحدِهما بمجرَّدِه حجةً، بل يجب الرجوعُ إلى دلالات الكتابِ والسُّنة، إلَّا على قولِ بعضهم من ترجيح
стр. 597
قول الخلفاء أو الشيخين، وليس هذا موضعَ استقصاءِ ذلك.
وإن لم يخالفه صحابيٌّ آخر، فإن اشتهر قوله في الصحابة، ولم يخالفوه، فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه يكون إجماعًا، ومنهم من قال: لا يكون إجماعًا، بل يكون حجةً، وقال طوائف من المتكلمين وبعض الفقهاء: لا يكون حجةً ولا إجماعًا، وليس هذا موضعَ الكلام في ذلك؛ لأنه ليس هو مقصود الفصل.
وإن لم يشتهر قولُه أو لم يُعْلَم أنه اشتهر؛ فهنا اختلف الناسُ، فالظاهر من مذاهب فقهاء السلف أنه حجة، وذلك ظاهر في فتاويهم وأحكامهم، وهو قول جماهير الأئمة المتبوعين؛ قولُ أكثر الحنفية، مثل محمد بن الحسن وغيره، ويُروى عن أبي حنيفة نفسه، وهو مذهب مالك وأصحابِه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد، وخلائقَ من السلف، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل وأصحابه، وهو أَحَدُ قولي الشافعي، ويقال: إنه القول القديم، وفي ذلك نظر؛ لأن في كتابه الجديد ما يدلُّ على أنه احتج به، لكن أكثر ما يحتج في الجديد بأقوال الصحابة يعضده بضروبٍ من الأَقْيسة (١).
وقد روى الربيعُ عنه أنه قال: «المُحْدَثات من الأمور ضربان:
أحدهما: ما أُحْدِث يخالف كتابًا أو سُنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة
стр. 598
الضلالة» (١). والربيعُ إنما أخذَ عنه بمصر [ق ٢٩٢] وقد جعل مخالفةَ الأثر الذي ليس بإجماع ضلالة.
قال بعضُ علماء المالكية: أهلُ الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيلُه، وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم واستدلالاتهم على أحكام الحوادث.
وذهب بعضُ الحنفيَّة وبعضُ الحنبليَّة وطوائفُ من الشافعية إلى أنه ليس بحجة، وهو أحد القولَين عن الشافعي وأحمد، وهو قول كثيرٍ من المتكلِّمين أو أكثرهم؛ لأن الصحابيَّ مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ، فلا يجب تقليده، ولا يكون قولُه حجة كسائر المجتهدين؛ ولأن الأدلَّة الدالَّة على إبطال التقليد تعمُّ تقليدَ الصحابة ومن دونهم؛ ولأن التابعيَّ إذا أدرك عصر الصحابة اعْتُدَّ بخلافه عند أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد منهم حجةً عليه؛ ولأنَّ الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقولُه ليس واحدًا منها؛ ولأن امتيازَه بكونه أفضل أو أعلم أو أتقى ونحو ذلك، لا يوجِبُ وجوبَ اتباعه على مجتهدٍ آخر، كعلماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم.
واختلفوا ــ أيضًا ــ فيما إذا قال قولًا لا (٢) يخالفُ القياسَ هل يُحمل على أنه قاله توقيفًا، وذهب أكثرُ الشافعية وطوائفُ من الحنبلية إلى أنه لا يجب اعتقادُ كونه قاله توقيفًا، والغرضُ الآن بيان قوله المجرَّد، هل هو حُجة أم لا؟
стр. 599
والدليلُ على وجوب اتِّباعه وجوه:
أحدها (١): ما احتجَّ به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فوجه الليل: أنَّ الله أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتَّبعهم عليه مُتَّبِعٌ قَبْل أن يعرف صحَّته فهو متَّبعٌ لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك وأن يستحق الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين، لم يستحق من اتَّبَعهم الرضوان إلا أن يكون عامِّيًّا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم.
فإن قيل: اتِّباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوكُ سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد. والدليل عليه قولُه: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتَّبِعْهم بإحسان؛ لأنَّه لو كان مطلق الاتباع محمودًا، لم [ق ٢٩٣] يُفرق بين الاتباع بإحسان أو بإساءة.
وأيضًا: فيجوز أن يُرَاد به اتباعهم في أصل الدين، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي: بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وَجَب لهم الرضوان وإن أساءوا؛ لقوله: «وما يُدريْكَ أنَّ الله قد اطَّلَع على أهل بدرٍ فقال: اعمَلوا ما شِئتُم فقد غَفَرتُ لكم» (٢).
стр. 600
والثناءُ على من اتَّبَعَهم لا يقتضي وجوبَه، إنما يدلُّ على جواز تقليدهم، وذلك دليلٌ على جواز تقليد العالم، كما هو مذهبُ طوائف من الحنفية والمالكية، أو تقليد الأعلم (١). أما الدليل على وجوبِ اتِّباعِهم فليس في الآية ما يقتضيه.
قلنا: الاتِّباع لا يستلزمُ الاجتهاد، لوجوه:
أحدها: أن الاتباع في القرآن مثل قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، ونحو ذلك= لا يتوقَّف [على] (٢) الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.
الثاني: أنه لو كان المراد اتِّباعهم في الاستدلال والاجتهاد، لم يكن فرقٌ بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتِّباع موجبِ الدليل يجبُ أن يُتَّبعَ فيه كلُّ أحد، حتى الكافر لو قال قولًا بدليل صحيح وجبَ موافقته فيه.
الثالث: أنه إما تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال، أو لا تجوز، فإن لم تجُز فهو المطلوب، وإن جازت (٣) مخالفتهم، فقد خُولِفوا في خصوص الحكم، واتُّبِعُوا في جنس الاستدلال، فليسَ جَعْل من فَعَل ذلك مُتَّبعًا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعْلِه مخالفًا لمخالفته في عَيْن الحكم.