يراد من اللفظ؛ فقد قلنا على الله ما لا نعلم، وقَفَونا ما [ق ٢٥٧] ليس لنا به علم، وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن، وذلك لأنَّ عِلْمنا بأنه جائز الإرادة علم بأنَّ المتكلِّم لو أراده لم يكن لاحنًا، أو لم يكن متكلِّمًا بغير العربية، أو علم بأنَّ المتكلّم له أن يريده، وإذا عَلِمنا أن الله ــ سبحانه ــ له أن يريد المعنى، أو له أن يشاء الفعل، ثم أخبرنا عنه بأنه قد شاءه، وأنه قد أراده من غير دليلٍ زائد، دلَّنا على أنه أراده، لا علمنا بأن له أن يريده، كُنَّا قد أخْبَرنا عنه بأكثر مما عَلِمْنا منه، والعلمُ به ضروري، وذلك قولٌ على الله ما لا نعلم.
الخامس: أن كونه جائز الإرادة إما أن يعنى به جائز الإرادة لغة، بمعنى أنَّ كلَّ عربيٍّ لو أراد ذلك المعنى من ذلك اللفظ لم يكن خارجًا عن لغته، أو جائز الإرادة من كلِّ وجهٍ، بمعنى أنَّ الله ورسوله إذا أراده لا يلزم منه محذور من مخالفة الأصول في قَلْب الحقائق، فإن عَنَى المعنى الأول فنحنُ نعلم باضطرار أنَّ مجرَّد كون العربي يجوز أن يريد المعنى من اللفظ لا يقتضي ذلك أنَّ الله ــ ــ ورسوله أراده، فإنَّ العربي من حيث هو كذلك يريد الحقَّ والباطلَ، والهوى والضلال، والكفر والإيمان، والله ورسوله منزَّهٌ عن ذلك، وإن أريد القسم الثاني (١) بطل قولهم، فإنهم لا يثبتون جواز الإرادة إلا لغةً.
стр. 527
(فصل (١)
ثم التمسُّك بالنصِّ من وجوه:
أحدها: دعوى إرادة الحقيقة إذا لم ينعقد الإجماع على عدم إرادة الحقيقة ، فيقال: الحقيقة مرادة؛ [لأن] (٢) الأصل في الكلام هو إرادة (٣) الحقيقة، فإن الغرض من الكلام هو الإفهام، فلو لم يكن الأصل ما ذكرنا يلزم اختلال الفهم، فلا يوجد الإفهام؛ ولأن الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم بالنسبة إلى غيره، فالظاهر من حال العاقل الإقدام إلى (٤) ما هو أسرع إفضاءً إلى الغرض، فَتُرَاد الحقيقة، على أن عدم الإرادة مما يفضي إلى ترك العهد والاصطلاح (٥) والإخلال بالظن فينتفي).
اعلم أنّ هذا طريقٌ صحيح، فإن الأصل في الكلام هو إرادة الحقيقة، وهذا مما اتفقَ عليه الناسُ من جميع أصحاب اللغات، فإن مقصود اللغات لا يتم إلا بذلك، وهو مستوفًى في مواضعه.
стр. 528
والحقيقةُ قد يُعْنَى بها المعنى المدلول عليه باللفظ، وقد يُعنى به اللفظ الدال على المعنى، وقد يُعنى به نفس الدِّلالة.
و (١) المشهور: أنها اللفظ المستعمل فيما وُضِعَ له، والأوضاعُ ثلاثة؛ وضعٌ لغويٌّ، وشرعيّ، وعرفيّ، فذلك [ق ٢٥٨] صارت الحقائق ثلاثة أنواع. وقد يكونُ اللفظ حقيقةً بالنسبة إلى وضعٍ مجازًا بالنسبة إلى وضعٍ آخر، وتختلف الأوضاعُ ــ أيضًا ــ باختلاف الأعصار والأمصار، فكم من لفظٍ غَلَب استعمالُه في معنًى عند قوم، وفي معنًى آخر عند قوم، فدلالات الكتاب والسنة مبنيَّة على معرفة أوضاع من نزل القرآنُ بلسانه، وبُعِثَ الرسولُ فيه (٢). ودلالات الأقوال المستعملة في العقود والأيمان مبنيَّة على معرفة أوضاع مَن ذلك المتكلِّم منهم، ثم إن كان ممن يتكلم بوضْعَين فلا بدَّ من التمييز، ولهذا اختلَفَ الفقهاءُ في الحاسب إذا قال: له عليَّ درهم في درهمين، أو أنت طالق طلقة في (٣) طلقتين.
وقد ذكر في تقرير (٤) إرادة الحقيقة ثلاثة أوجهٍ، فنقْتَصِر على شرحها:
أحدها: أن مقصود الكلام هو الإفهام، والإفهام إنما يتم إذا علم أن ذلك اللفظ موضع لذلك المعنى، فإما أن يكون هذا وحدَه كافيًا في الإفهام، أوْ لا، فإن كان كافيًا فهو المقصود بقوله: «إن الأصل في الكلام إرادة الحقيقة»،
стр. 529
وإن لم يكن كافيًا فلا يحصل بسماع (١) شيءٍ من الألفاظ معرفة مقصود المتكلِّم حتى يقترن به ما يبينه، فلا يحصل المقصود من الخطاب بنفس الخطاب، ولا يحصل الإفهام بمجرَّد سماع الكلام، وذلك يُعَكِّر على مقصود الخطاب بالإبطال.
الثاني: أن المعنى الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم من غيره، كما يشهد به الواقع، وسلوك الطريق التي هي أقرب إلى المقصود أظهر من حال الحكم (٢).
الثالث: أن عدم إرادة الحقيقة يُفْضي إلى تَرْك المعنى المعهود المصطلح عليه، ويُزيل ظنَّ إرادته، فيكون ... (٣) بما في ذلك من المفسدة.
ثم اعلم أنه إن أجمع الناس على أن الحقيقة غير مرادة، كقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٢]، عند مَن يقول: إن حقيقة النكاح: الوطء. وقوله: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِّسْيان» (٥)،
فإن حقيقة [رفع] الخطأ والنسيان بمعنى
стр. 530
أنه غير واقع لم يُرَد إجماعًا، وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فإن سؤال الجدران لم يُرَد بالإجماع= لم يصح دعوى إرادتها، وإن لم يجمعوا (١) على ذلك صحّ دعوى إرادتها، إلا أن يعارضه المستدل بما ينفي إرادتها. وفي الحقيقة لا فرق بين أن يكون النافي لها الإجماع أو غيره من الأدلة الراجحة، وإنما خُص الإجماعُ بالذكر؛ لأن غالبَ ما يستعملون هذه الطريقة في الأقوال العامة والمطلقة (٢).
و العمومات على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما انعقد الإجماع على بقائه على عمومه [ق ٢٥٩] وهو قليل.
والثاني: ما أُجمع على تخصيصه، وهو كثير جدًّا، وقد اختلفوا بعد التخصيص، هل يبقى (٣) حقيقة أو مجازًا؛ على قولين مشهورين، مع أنَّه
стр. 531
حجة عند عوام العلماء، وأصحابُ هذه الطريقة يسمونه مجازًا، فإذا أجمعوا على تخصيصه لم يمكنه دعوى إرادة الحقيقة، وإن لم يجمعوا على تخصيصه أمكنه أن يدَّعي إرادة الحقيقة التي هي إرادة كلّ فرد من أفراده، أو إرادة المعنى العام الكليّ (١) من حيث هو كذلك.
قوله (٢): (الثاني (٣): دعوى إرادة صورة النزاع ، بأن يقال: جاز إرادتها: فَتُراد كما مرَّ).
هذا مبنيٌّ على ما تقدَّم، وهو عند من يقول به إما أن يدَّعي [أن] المعنى الفلاني هو المراد، فتكون إرادة غيره مانعة من انحصار الإرادة فيه، أو يدَّعي أنه مراد، فلا تكون إرادة غيره مانعةً؛ لكن متى أثبتَ الخصمُ أن اللفظ إنما يدلُّ عليه بطريق المجاز، كان ذلك مانعًا من إرادته؛ لأنّ النافي للمجاز هو المقتضي لإرادة الحقيقة، وذلك راجح على جواز الإرادة المقتضي للإرادة بالاتفاق.
وإن أثبت الخصمُ أنَّ معنًى آخر مرادٌ بطريق الحقيقة، وأنه ليس داخلًا والمعنى الأول تحت معنًى كليّ= كان ذلك ــ أيضًا ــ مانعًا من إرادة الأول؛ لاستلزامه الاشتراك أو المجاز. وإن أثبت الخصمُ أن معنًى آخر جائز الإرادة، وأنه وهذا المعنى لا يجتمعان تحت كلي (٤) يكون حقيقة اللفظ، فقد تعارض قولُه وقولُ المستدل؛ لأنه يلزم أن يكون اللفظ حقيقةً في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقةً في كلٍّ منهما على انفراده، وذلك يمنع
стр. 532
انفراد أحدهما بالاستدلال دون مرجِّح، وهذا ظاهر فتأمَّلْه وما شابهه، فإنه إذا سَلَّم أن جواز الإرادة يقتضي الإرادة أمكن إفساد أكثر الاستدلالات المموَّهَة بهذا التحقيق.
واعلم أن دعوى إرادةِ صورة النزاع (١) قد اختلفوا هل تجامع دعوى إرادة صورة النزاع، أو دعوى إرادة مقيَّد بقيدٍ مُدْرج فيه صورة النزاع؟
ومنشأُ هذا التردُّد: أن اللفظ العامَّ إنما يندرج فيه الأفراد من جهة اشتراكها في المسمَّى الذي دلَّ عليه العموم، وهو الرحمة أو الإنسانية مثلًا، لا من جهة ما يمتاز به كلُّ فردٍ عن الآخر، لكن يلزم من دخول الفرد دخول مواده التي تميّزه (٢)، فهو دال على مجموع الأفراد بطريق المطابقة، وعلى فردٍ فردٍ بطريق التضمُّن، وعلى ما يمتاز به كل فرد عن الآخر بطريق الالتزام [ق ٢٦٠] فدعوى إرادة الحقيقة، وإرادة صورة النزاع بدلالتين جائز، أما بدِلالةٍ واحدةٍ فلا يجوز.
وقد اعتقد بعضُ الناس أن دعوى إرادة صورة النزاع دعوى إرادة المجاز، وجَعَل دلالة التضمن واللزوم مجازيَّتين، وهذا إنما يصح أن لو جعل اللفظ دالًّا على ذلك فقط، أما إذا جعل ذلك بعض مدلولات اللفظ فلا يصح.
قوله (٣): (الثالث: دعوى إرادة المقيد بقيدٍ يندرج فيه صورة النزاع
стр. 533
كالحلي التي هي (١) نصابٌ كامل حوليٌّ مملوك رقبة ويدًا من قوله ﵇: «في الحلي زكاة»).
اعلم أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يُعرف في كتابٍ معتمد من كتب الحديث (٢)، فَلْيطلب مثلًا آخر كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، والفرق بين هذا المدَّعى والذي قبله: أنه هناك ادَّعى إرادة صورة النزاع بخصوصها، وهنا ادَّعى إرادة نوع عام تندرج فيه صورة النزاع، وفي الأول ادَّعى إرادة الحقيقة، وهي أعمّ من ذلك.
قوله (٣): (الرابع: دعوى إرادة شيء يلزمُ منه الحكم في صورة النزاع) .
مثل أن يدَّعي أنّ تحريم الكَنْز مراد من الآية، وتحريم الكَنْز مستلزم لوجوب الزكاة، أو يدَّعي إرادة العقاب من إيجاد حُلي غير مزكَّى من هذه الآية، وذلك مستلزم للحكمِ في صورة النزاع، وإنما قسَّم هذه الأقسام الأربعة؛ لأنَّ دلالة اللفظ إن اعْتُبِرت على جميع مسمَّياتها؛ فهي المطابقة، وهي الحقيقة، وإن اعْتُبرت دلالته على بعض مسماه فهي التضمن، وذلك البعض إما أن يكون أعم من محل النزاع، أو هو محلّ النزاع، وإن اعْتَبرتَ اللازم فهي الالتزام (٤)، فلذلك جعل هذه الأقسام الأربعة، وانتزعها من دلالة المطابقة والتضمن والالتزام.
стр. 534
قوله (١): (أو أحد الأمور الأربعة، أو الأول مع [أحد] البواقي، أو الثاني (٢) كذلك إلى الرابع).
هذه عشرة أقسام؛ الأول أن يدَّعى (٣) أحد الأقسام الأربعة، أو أحد الأمرين: الأول (٤) والثاني، أو الأول والثالث، أو الأول والرابع. أو أحد الأمرين: الثاني والثالث، أو الثاني والرابع. أو أحد الأمرين: الثالث والرابع، وبقي قسمان آخران، وهو أحد الثلاثة الأُوَل، أو أحد الثلاثة الأواخر: الثاني والثالث والرابع.
قوله (٥): (أو إرادة أحدها على تقدير عدم إرادة أحدها، ويلزم من هذا إرادة أحدها ضرورةَ تحقق اللازم، أو نقيض الملزوم بأن نردّد في اللازم أو (٦) الملزوم).
حاصله: أنه قد يدَّعي (٧) [ق ٢٦١] إرادةَ واحد منها على تقدير عدم إرادة واحدٍ منها، بأن يقول: أحدها مراد على تقدير عدم إرادة الآخر ــ كما تقدَّم ــ فإن تحقَّق الملزوم ــ وهو عدم إرادة أحدها ــ تحقَّق اللازمُ، وهو إرادة أحدها، فثبتَ نقيضُه، وهو إرادة أحدها.
стр. 535
قوله (١): (ولئن قال: شيءٌ يلزم منه عدم الحكم في صورة النزاع مراد من هذا النص، فنقول: نعني به ما يستحيل انفكاك الحكم في صورة النزاع عن (٢) إرادته. ولئن منع فنعيّن صورةَ النزاع، أو نقول: نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا).
اعلم أنَّ هذه معارضة الدعوى الرابعة ، فإن المستدل إذا قال: شيءٌ يلزم منه الحكم في صورة النزاع جائز الإرادة، فيكون مرادًا.
قال له المعترض: شيءٌ يلزم منه عدم الحكم في صورة النزاع جائز الإرادة، فيكون مرادًا، وهذا بعيدٌ في الدلالات المعروفة؛ لأن الكلام الواحد لا يكون دالًّا على النقيضين (٣)، إلا أنه يَنْفُق على طريقة: لا قائل بالفرق في مسألتين مختلفتين، وقد عرفتَ ما فيها (٤).
مثالُ ذلك أن يقال في مسألة علة الربا: التقديرُ بالكيل أو الوزن شيءٌ يلزم منه تحريم بيع المكيل والموزون بجنسِه مرادٌ من هذا النص؛ لأنه إذا باع الجِصّ والنورة، أو القطن والحرير بجنسِه متفاضلًا، فَحُرْمَةُ أَخْذ ذلك الشيء الفاضل جائزة الإرادة مع هذا النص؛ لأنه لو أُرِيْد من هذا النص لم يكن ذلك خطأً في اللغة، فيكون تحريم أخذ (٥) ذلك الفاضل مرادًا من هذا النص، وإذا كان مرادًا لزم منه تحريم بيع المكيل والموزون بجنسِه متفاضلًا؛
стр. 536
لأنه تحريم الشيء المأخوذ بالعقد يستلزم تحريم العقد، لعدم الأسباب المحرمة غيره، فيكون مرادًا.
فيقول له المعترض: شيءٌ يلزمُ منه عدم الحكم في صورة النزاع مرادٌ من هذا النص؛ لأنَّ تحريم بيعِ الخيارِ والقِثَّاء والبطيخ بجنسه متفاضلًا جائز الإرادة من هذا النص، فيكون مرادًا، وهو شيء يلزمُ منه عدم التحريم في الجِصّ والنُّورة والقطن والكتان؛ لأنه لا قائل بالفَرْق بينَ الحكمين، بحيث يقول بالتحريم في الجميع أو التحليل في الجميع، فمن قال بالتحريم في هذا قال بالتحليل في هذا.
واعلم أن طريقة: لا قائلَ بالفرقِ هنا أجود ممَّا مضى (١)، لأن أصل المسألتين شيءٌ واحد، وهو أن علة التحريم هي الطُّعْم والتماثل في الجنس، وقد أجمعَ الخصمان [ق ٢٦٢] على أن أحدَ القولين ينفي الآخر، فليس للمستدلِّ أن يأتي في هذا الأصل بقولٍ ثالث يخرج عنهما، وهو دعوى إرادة الجميع. لكن هذا إلزامٌ جدليٌّ، وإلا ففي المسألة قولٌ آخر، وهو: أن العلة الطُّعْم والتماثل، فيكون قد سوَّى بين تلك الصور في التحليل.
وفيها قول آخر لبعض الأتباع، وهو أن العلة التَّمَوُّل، فيجري في جميع الأجناس، فقد قيل بالتحريم في الجميع، فبطل قوله: «لا قائل بالفرق»، على أنه لو لم يقل أحدٌ بالفرق في هذه المسألة، فهل يجوز الفرقُ فيها؟ قولان مشهوران لأهل الفقه والأصول ــ كما تقدم ــ لكنَّ القولَ بعدم جواز الفرق هنا متوَجِّه، وإن كان الصحيحُ خلافَه.
стр. 537
وهذا البحث إنما هو في المثال المذكور، فإذا أوْرَد المعترضُ مثلَ هذا السؤال قال المستدلُّ: يعني به ما يستحيلُ انفكاك الحكم في صورة النزاع عن إرادته، يقول: يعني بالشيء المستلزم للحكم في صورة النزاع متى يستلزم الحكم بالضرورة، بحيث لا يجوز انفكاك الحكم عن إرادته كما ذكرناه، فإنَّ إرادةَ تحريم الفاضل من الجِصّ والقطن إرادةُ شيءٍ مستلزم لتحريم العقد بحيثُ لا يجوز انفكاكُ تحريم العقد ــ وهو محلُّ النزاع ــ عن إرادته بخلاف (١) تحريم الخيار والقثاء الزائد، فإنه شيء ليس مستلزمًا بالضرورة، لعدم تحريم العقد المشتمل على التفاضل في الجِصّ والقطن؛ لأنه يجوز أن ينفكّ عدمُ الحكمِ في صورة النزاع ــ وهو عدم تحريم التفاضل في المكيل والموزون ــ عن تحريم التفاضل في المطعوم، بأن يكون في المسألة قولٌ ثالث بالتحريم فيهما، فإنَّ تجويزَ قولٍ ثالث أمرٌ ممكن جائز، فليست الملازمة ضرورية، بخلاف تحريم المبيع من حيث هو مبيع مع تحليل العقد فإنه مستلزمٌ له بالضرورة.
وأما قوله: «ولئن منع فنُعَيِّن صورةَ النزاع».
يعني إنْ مَنَع أنَّ شيئًا يستحيل انفكاك الحكم في صورة النزاع عنه جائز الإرادة عيَّنَّا (٢) صورة النزاع، فيثبت استحالة الانفكاك.
وقوله: «أو نقول: نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاعِ في الوصف، ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا».
стр. 538
اعلم أن المستدل قد يدَّعي إرادةَ شيء يلزم من إرادته الحكم في صورة النزاع، وقد يدَّعي إرادة شيء يلزم منه الحكم، فإن ادَّعَى الأول جائز أن يضمن (١) أنه محلُّ النزاع؛ لأن محلَّ النزاع شيء يلزم من إرادته الحكم في صورة النزاع، وإن ادَّعى الثاني لم يجز أن يضمن نفسَ محلِّ النزاع؛ لأن نفسَ محل النزاع ليس شيئًا يلزم منه الحكم، وإنما يلزم الحكم [ق ٢٦٣] من إرادته، وبَيْنَ المعنيين فرق.
إذا عرفتَ هذا، فالمصنِّف إنما ذكر إرادةَ شيءٍ يلزمُ منه الحكم في صورة النزاع، وهذا لا يجوز أن يفسَّرَ بمحلِّ النزاع؛ لأن محل النزاع لا يلزم منه الحكم، وقد قال: «فنُعَين صورةَ النزاع، أو نقول: نعني ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف»، وهذا تعيينٌ للشيء الذي يلزم منه الحكم في صورة النزاع بأنَّه محلُّ النزاع، وهو كما ترى، إلا أنه يمكن أن يقال: لا فرقَ من جهة المعنى بين ما يستلزم إرادته الحكمَ وبين ما يستلزمُ هو الحكم بتقدير كونه مرادًا، ونحن ندَّعي أنَّ محلَّ النزاع يستلزم الحكم إذا كان مرادًا، لاسِيَّما ومن اللغة الفصيحة التسامح في مثل هذا الكلام عند ظهور القصد وحَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقَامه.
قولنا: «إرادة شيء يلزم منه الحكم»، أي يلزم من إرادته الحكم، ودلَّ على المحذوف قولُه: «إرادة شيء».
قولُنا بعد ذلك: «يلزم منه»، أي: يلزم من هذا الشيء المراد من حيث هو مراد (٢)، أو يلزم من إرادته.
стр. 539
وعلى هذا؛ فينبغي في المثال الذي ذكرناه أن يدَّعي إرادةَ تحريم بيع الكيل بالكَيْلَين أو الرطل بالرطْلَيْن من كلِّ مال متماثل، ثم نعين ذلك إذا منع.
أو نقول: نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف؛ لأن ما ذكرناه لا يغاير صورةَ النزاع في الوصف، بخلاف بيع البطيخة بالبطيختين، والخيارة بالخيارتين، فإنه يغاير صورةَ النزاع في الوصف، وهذا معنى قوله: «ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا».
لكنَّ الاعتراض في الحقيقة لا يندفع بهذا، إلا أنَّ الخصمَ يقول: هب أن الذي تعنيه (١) ما يستحيل انفكاك الحكم في صورة النزاع عن إرادته، أو ما لا يغاير صورةَ النزاع في الوصف، لكن وجه الدلالة فيه: أنه شيء يلزم منه الحكم في صورة النزاع، وأنَّه مراد، وأنا معي شيءٌ يلزمُ منه عدم الحكم في صورة النزاع، وهو مراد، فافتراقهما بعد ذلك بأنَّ أحدهما لا ينفكُّ عن الحكم، أو لا يغاير صورة النزاع= افتراقٌ في شيءٍ لا تأثير له وجودًا ولا عدمًا، فلا يصلح جوابًا للمعارضة ولا ترجيحًا، وهذه المعارضة تدفعُ أصلَ الاحتجاج بجواز الإرادة؛ لأنه يلزم منها مثل هذه النقائص.
وقد اختلف الناس في آية الربا والبيع هل هما من قبيل العمومات والظواهر، أو من قبيل المجملات؟ فمن سلك المسلك الأول يجوِّز الاحتجاجَ بعمومها، ومن سَلَك الثاني لا يُجَوِّزه، ولولا أن كان ذكر (٢) هذه الآية على سبيل المثال؛ لبينَّا وجوهَ الاستدلال الصحيح منها والاعتراض عليه والجواب عنه.
стр. 540
(فصل (١)
إذا ادَّعى أحدَ الأمرين اللذين [ق ٢٦٤] أحدهما لازم الانتفاء، لا يتم، كما إذا ادَّعى إرادة الحقيقة، أو إرادة (٢) صورة النزاع من النص= انعقد (٣) الإجماعُ على عدم إرادة الحقيقة، كقوله ﵇: «في الحليِّ زكاة» (٤) فإنَّ الخصمَ يقول: أحدُ الأمرين لازم، وهو إما إرادة الحقيقة، أو عدم إرادة صورة النزاع، والأول منتفٍ، فيتحقق الثاني، ويلزمُ من هذا عدم إرادةِ كلِّ واحدٍ مما ذكرتم).
اعلم ــ أصلحكَ الله ــ أن مُدَّعي الإرادة لا بدَّ أن يبين جواز الإرادة ، فإذا منع (٥) جواز الإرادة فلابد من الدلالة عليه دلالةً سالمةً عن المعارضة، بأن يبيِّن صلاحَ اللفظِ له، واحتماله له، وأن إرادة ذلك المعنى به ليست خطأً، هذا أقلُّ ما يلزمه عند كلِّ أحد، وإلا فيدَّعي الإنسانُ إرادةَ ما شاء من أيِّ لفظٍ شاء!
وإذا أقام الدليلَ على أنه جائز الإرادة، أو سُلِّم له أن جواز الإرادة يدلُّ على الإرادة ثبتَ المدَّعَى، إلا أن يُعارض بما يمنع الإرادة من إجماعٍ، أو كونه مجازًا، أو نحو ذلك؛ لكنَّ هؤلاء فتحوا باب مقابلة دعوى الإرادة بدعوى الإرادة، وتنزَّلوا عن مقام الممانعة.
стр. 541
والغرضُ أن يبينوا الدعاوى التي يمكن أن تُقَابل بدعاوى تناقضها من التي لا يمكن ذلك فيها، فإذا ادَّعى المستدلُّ أحد أمرين، أحدهما لازم الانتفاء، وهو أن يكون منتفيًا في نفسِ الأمر ليس انتفاؤه متعلِّقًا بعدمِ الآخر ولا بوجوده، وهذا في الترديد مثل اللزوم الاتفاقي لا يجوزُ الاستدلالُ به ألْبتة حتى يكون الشيئان بينهما نوعُ مناسبة ينشأ منها التعاند (١) والترديد والتلازم والاستتباع، وهذا إذا كانت مفردة، فإنه إذا كان لازم الانتفاء على التقدير، فما من تقديرٍ يضمه إليه المستدل إلا أمكن المعترض أن يضم إليه نقيضه كما ذكره، فإنه إذا قال: أحد الأمرين لازم إما إرادة الحقيقة، أو إرادة صورة النزاع، والأول منتفٍ فيتعيَّن الثاني. قيل له: أحد الأمرين لازم إما إرادة الحقيقة، أو عدم إرادة صورة النزاع، والأول منتفٍ فيتعيَّنُ الثاني، وهو عدم إرادة صورة النزاع؛ لأن التقدير المنتفي في نفس الأمر لك أن تدَّعي على تقديره أيَّ دعوى أردْتَها، إذ ليس بعضُ الدعاوى أولى من بعض.
قوله (٢): (هذا إذا ادَّعى في نفس الأمر، أمَّا إذا ادَّعى على تقدير هو (٣) غير واقع عنده، فإنه يتم، كما إذا ادَّعى أحدَهما على تقدير انتفاء ملزوم من ملزومات الحكم في صورة النزاع، أو على تقدير عدم إرادة هذا (٤) الحكم من قوله ﷺ [ق ٢٦٥]: «أدُّوا زَكاةَ أموالِكُم» (٥)، ويلزم منه الحكم في صورة
стр. 542
النزاع؛ لأن الحالَ لا يخلو عن تحقُّق ذلك التقدير أو عدمه).
مثالُ هذا أن يقول: الحقيقةُ أو صورةُ النزاع مرادةٌ من هذا النصِّ ــ وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤]، أو قوله: «في الحُلِيِّ زكاةٌ» (١)، وقد تجنَّبْتُ ذِكْرَ هذا الحديث لأنه ليس له أصل ــ على تقدير انتفاء ذمِّ من ليس لها حُلي لا تزكيه، أو على تقدير انتفاءِ وجوبِ ضمِّ الحليِّ إلى نوعه من المضروب في تكميل النِّصاب، وإذا كان أحدُهما مرادًا على هذا التقدير، فإما أن يكون هذا التقدير ثابتًا أو لا يكون، فإن كان ثابتًا فإنه يستلزم عدمَ الحكم في صورةِ النزاع؛ لأنه إذا لم يلزم المرأة بترك إخراج الحلي عن الزكاة، ولم يجب عليها أن تضمَّه إلى المضروب في تكميل النصاب، فإن ذلك ملزوم لعدم الوجوب عليها، وعدم الوجوب ملزوم لعدم إرادة صورة النزاع، وعدم إرادة صورة النزاع ملزوم لإرادة الحقيقة، والحقيقةُ ليست مرادة بالإجماع، فيتعين أن يكون المراد صورة النزاع.
أو يقول: فيتعيَّن التقدير الثاني، وهو عدم ذلك التقدير، وإذا عُدِم انتفاء الذَّم أو انتفاء وجوب الضم، فقد ثبتَ ذمُّ من لم يزكِّ الحليَّ، وثبتَ وجوبُ ضمِّ
стр. 543
الحليِّ إلى المضروب، وذلك ملزوم الوجوب في الحلي، وهو محلُّ النزاع.
أو يقول: إن كان هذا التقدير ثابتًا لزم إرادة الحقيقة، وهو خلاف الإجماع، فيتعيَّن انتفاؤه.
أو يقول: إما أن يكون ثابتًا أو منتفيًا، فإن كان منتفيًّا لزم الحكم في صورة النزاع، وإن كان ثابتًا فإما أن يُرَاد الحقيقة أو صورة النزاع، والحقيقةُ غيرُ مرادة، فيُراد صورة النزاع فقد (١) صارت صورة النزاع ثابتة على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه.
أو يقول: أحد الأمرين مرادٌ على هذا التقدير، فإن كان ثابتًا فقد لزم إرادة أحد الأمرين، وأيُّهما أُريد فقد ثبتَ المدَّعى، [و] إن لم يكن ثابتًا فقد ثبت المدَّعى.
فإن قيل: الحقيقة ليست مرادة بالإجماع.
قال: لا يضرني دعوى إرادتها على تقدير ليس بثابت، فإني أُسَلِّم عدمَ الإرادة على كلِّ تقديرٍ ثابت، أما على التقديرات التي ليست بثابتة فقد يلزم المحال.
وكذلك إذا ادَّعى أحدَ الأمرين على تقدير عدم إرادة هذا الحكم من قوله ﷺ : «ما من صاحب ذَهَبٍ ولا فِضَّة لا يؤدِّي زَكَاتَه» (٢)، أو من قوله: «أدُّوا زكاة أموالكم» (٣)
إن كان لهذه الصيغة أصل، أو من قوله: ﴿وَآتُوا
стр. 544
الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أو من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، أو من قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا [ق ٢٦٦] رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، فإنَّ هذا التقدير إن كان ثابتًا فقد لزم أحد الأمرين: إرادة الحقيقة، أو إرادة صورة النزاع، والحقيقةُ ليست مرادةً بالإجماع فتعيَّن إرادةُ صورة النزاع، وإن لم يكن ثابتًا فقد ثبتَ نقيضُه، وهو إرادة الحكم من هذه النصوص، فيثبت الحكم في صورة النزاع، فصار محلُّ النزاع ثابتًا على التقديرين، ولا يمكن المعترض أن يقابل هذا بمثله بأن يقول: الحقيقةُ أو عدم صورة النزاع مرادٌ على هذا التقدير؛ لأن هذا التقدير إن كان منتفيًا لزم المدَّعى فلا يحصل غرضُه على التقديرين.
واعلم أنَّ هذا الكلام كما تراه في غاية السماجة! وذلك أنَّ مبناه على قبول الدَّعاوَى المحضة واختلاقها، فالصانع (١) منهما من يُحْسِن اختلاق دعوى يعجز الآخر (٢) عن اختلاق دعوى تناقضها.
وما أشبه هؤلاء بما يُحكى أن ماجِنَين اجتمعا وتفاخرا في أيهما أَقدر على اختلاق الكذب والأسمار الباطلة والأحدوثات المفتعلة، ولم يزالا
стр. 545
يتناوبان في الحكايات حتى أتى أحدهما بِبِدْع من الأكاذيب، فأعجزَ الآخر عن معارضته.
وحَسْبُك بمن يكون فَلْجُه وظهورُه بالاقتدار على الاختلاق والحذق في الافتراء، و سبيل هذه الدعاوى أن تُقَابل بالمنع الصحيح من غير معارضة، فإنَّ المبْطِل [لا] يجوز أن يُقَابَل بباطِل مثل باطله، بل بِدَفعِ باطِلِه، إما لعدم ما يصححه، أو ببيان (١) ما يُفْسِده.
نعم قد يُعارَض بمثل باطِلِه ليستبين له أن الذي جاء به باطل لمجيئه بالنقيضين، فيُقال لمن ادَّعى إرادة الحقيقة، أو إرادة صورة النزاع: لا نسلِّم جواز إرادة أحدهما، أو لا تقدر على دفع هذا المنع إلا ببيان جواز إرادتهما، وحينئذٍ فذلك يدلُّ على إرادة صورة النزاع من غير ترديد، وكذلك إذا ادَّعى إرادة أحدهما على تقدير غير واقع عنده، قيل له: لا نُسَلِّم إرادة أحدهما، ولا تَقْدر على دفع هذا المنع إلَّا ببيان أنه لا بد من إرادة أحدهما على هذا التقدير، ولا يمكنه ذلك إلا ببيان جواز إرادة أحدهما، وهو محلّ النزاع مثلًا، وذلك الدليلُ مُغْنٍ له عن هذا الترديد.
فإن قيل: في هذا التقدير له فائدة، وهو أن يقول: إنما أُسَلِّم أن الحقيقة أو صورة النزاع غير مرادة إذا كان هذا التقدير منتفيًا، ويلزم من انتفائه ثبوت المدَّعى إما بتقدير أن هذه النصوص لم يرد منها صورة النزاع، فلا أُسَلِّم أن أحدَهما غير مراد.
قيل له: الإجماع النافي للحقيقة قول غيرك، وهو ثابت على كلِّ تقدير
стр. 546
لا ينافيه، فإنَّ المُجْمِعِين الذين أجمعوا أن الحقيقة ليست مرادة لم يخصُّوا ذلك بما ذكَرْته من التقدير، وليس الإجماع قولك حتى تتصرَّف فيه [ق ٢٦٧]. وأما كونك تمنع عدم إرادة كلٍّ منهما فإنّ (١) هذا المنع لم يضرّنا، لأنَّا لم نستدلَّ بشيءٍ، ولكن أنت المستدلّ، فعليك بيان لزوم أحدهما، إما في نفس الأمر، أو على هذا التقدير، وأنت لا تقدر على ذلك إن قَدَرْت عليه إلا بما يُغنيك عن هذا الترديد. ثم إنه يمكن أن يُعارض هذا بما هو من نوعِه، بأن يدَّعي إرادة الحقيقة، أو عدم إرادة صورة النزاع، على تقدير انتفاء ملزومٍ من ملزوماتِ عدمِ الحكم بأن يقول: أحدُهما مراد على تقدير عدم انتفاء عدم الذم عمن لم يُزَكِّ الحلي، وانتفاء عدم وجوب ضمِّه إلى المضروب، أو تقدير عدم إرادة عدم الحكم من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرار» (٢)
فإن هذا التقدير [إن] لم
стр. 547
يكن ثابتًا فقد لزم إرادة عدم الحكم من هذا النص، ولزم انتفاء عدم (١) ذم المزكّي، فيثبت عدم ذمّه، فلا يكون الوجوب حاصلًا، وإن كان ثابتًا فقد لزم أحدهما.
قوله (٢): (وإن كان كلُّ واحدٍ من الأمرين محتمل الثبوت والانتفاء، فلا حاجة إلى هذا التكلُّف، وكذلك إذا كان أحدهما منكرًا).
حاصله: أنه إذا كان أحد الأمرين اللذين كل منهما محتملُ الثبوت والانتفاء، أو كان أحدهما منكرًا، بأن يدَّعي إرادة صورة النزاع، أو إرادة نوعٍ مُقَيَّد تدخل فيه صورةُ النزاع، أو يدَّعي إرادة صورة النزاع، أو إرادة ما يلزم منه الحكم في صورة النزاع= كان أحدهما منكرًا، وتكون الحقيقة ممكنة الإرادة، فيدَّعي إرادتَها، أو إرادة صورة النزاع، فإنَّ كلًّا منهما ــ من الحقيقة ومن صورة النزاع ــ ممكن الثبوت والانتفاء، فلا يحتاج أن يتكلَّف دعوى ذلك على تقدير غير واقع يلزمُ من وقوعه الحكمُ في صورة النزاع، بحيث يثبت المدَّعى على ذلك التقدير وعلى عدمه.
* * *
стр. 548
(فصل (١)
ثم الأمرُ هو اللفظ الدالُّ على طلبِ الفِعْل بطريقِ الاستعلاء)
هذا الرسمُ للأمر قريبٌ.
وقد قيل: هو طلبُ الفِعْل بالقول على وجه الاستعلاء.
وهذا الحدُّ أجَوْدُ من حَدِّه؛ لأنه جعل الأمر اسمًا لنفسِ اللفظ الدالِّ على الطلب الاستعلائي، ومعلومٌ أن المدلول غير الدالِّ، فيكون الطلب خارجًا عن حقيقةِ الأمر.
ومن قال: «هو طلب الفعل بالقول» جعلَ الطلبَ القوليَّ الاستعلائي هو الأمر، وهذا أَجْود؛ لأن هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: الطلب القائم (٢) بقلب الطالب الذي لا يتبدَّل بتبَدُّل العبارات.
والثاني: اللفظُ الدالُّ عليه.
والثالث: مجموعُ الأمرين.
وقد قيل: إن الأمر اسم لذلك الطلب من حيث هو كذلك، وقال: هذا (٣) هو اسم اللفظ.
стр. 549
والصوابُ الذي عليه الفقهاء وجماهير أهل العلم: أنه اسم للمجموع، وكذلك كل اسم لنوع من أنواع الكلام، مثل النهي والخبر، أو لجميعه كالكلام [ق ٢٦٨] والقول، أو لمفرداته كالاسم، فإن هذه الأسماء لا يستحقُّها مجرَّدُ الألفاظ مع قطع النظر عن معانيها، ولا المعاني مع قطع النظر عن الألفاظ، وإنما يستحقُّها اللفظ المتضمِّنُ للمعنى، والمعنى المتضمِّن اللفظَ، وهو كالجسد (١) والروح للإنسان، أو كالبطانة والظهارة للجبَّة، فإنَّ الاسم لا يستحقه في الأصل أحد هذين.
قوله (٢): (ولئن منع فنقول: هذا أو اللازم أَمْرٌ بالنقل، فإنه يدلُّ على كونِ أحدهما أمرًا، أو يقول: اللازم [لا يخلو] (٣) إما أن كان أمرًا، أو لم يكن، فإن كان أمرًا فظاهر، وإن لم يكن أمرًا (٤) يكون ذلك أمرًا بالدليلِ السالم عن معارضة كون اللازم أمرًا).
يقول: إذا ادَّعى المستدل أن هذا مأمور به، أو أن هذا القول يدلُّ على الأمر فمنع ذلك، قال هو: «الأمر اللفظ الدال على طلب الفعل بطريق الاستعلاء»، وهذا القول كذلك، فإن منَعَ ذلك قال: هذا اللفظ أو لازم هذا اللفظ أمر بالنقل عن أهل اللغة، فإنَّ عباراتهم في بيان الأمر يدل على أنه هذا، أو هو أمر لازم لهذا، كقول من يقول: هو اقتضاء طاعة المأمور بفعل المأمور به، أو هو صيغة «افعل» وما يقوم مقامها إذا تجرَّدَت عن القرائن، أو
стр. 550
يقول: هو إرادة الفعل بالقول على وجهِ الاستعلاء، أو يقول: هو نفس الاقتضاء القائم بنفس المقتضي سواءٌ كان على وجهِ الاستعلاء، أو لم يكن، فإن هذه المعاني لازم لما ذكرته.
وقوله: «اللازم ... » إلى آخره.
يقول: قد قامَ الدليلُ على ثبوت الأمر، فإن كان الأمر هو اللازم، فهو أحد الشيئين، وإن لم يكن هو اللازم، فهو ذلك بالدليل المقتضي لوقوع الأمر السالم عن معارضةِ كون الأمر أمرًا.
قوله (١): (على أنَّ أحدهما أمر في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، بدليل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
يقول: اللفظُ الدالُّ على طلب الفعل، أو لازم هذا اللفظ، وهو الطلب مثلًا في هذه الآية، بدليل تسميته أمرًا، فيجب أن يكون أمرًا في جميع المواضع دفعًا للاشتراك أو المجاز.
قوله (٢): (وهذا يدلُّ على أنه للوجوب؛ لأنه لو لم يكن للوجوب ما (٣) ذمَّه الله تعالى على التَّرْك).
اعلم أنَّ الاستدلال بالأمر على الوجوب له مقامان:
أحدهما: تحقُّق الأمر وثبوته، فإن كانت الصيغة صريحة مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
стр. 551
[النحل: ٩٠]، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ونحو ذلك= فلا كلام. وإن كانت الصيغة ظاهرة، وهي صيغة «افعل»، و «ليفعل»، ونحوهما، وصيغةُ الخبر إذا اسْتُعْمِلت بمعنى الأمر، كقوله [ق/٢٦٩]: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالذي عليه عوامُّ الخلائق: أن مقتضى هذه الصيغة ومعناها الطلبُ والاستدعاء، وأنها بمطلقها أمر، ولا يُصْرَف عنه إلا بقرينة، وذهبت الواقفة إلى أنها متردِّدَة بين الأمر وبين سائر المعاني التي اسْتُعْمِلت فيها من الإباحة والتهديد والتعجيز والتكوين والتسخير والتسوية والتمني والدعاء وغير ذلك من المعاني.
ثم منهم من جزم بالاشتراك، ومنهم من توقَّف، وليس هذا الخلاف مما يُلْتفتُ إليه في الأمور العلمية، فإنَّا باضطرار نعلمُ أن هذه الصيغة إذا تجرَّدت عن القرائن فإن معناها الاستدعاءُ والاقتضاءُ.
ثم تلك المعاني هل فيها هذا المعنى ــ وهو الاستدعاء والاقتضاء ــ أو في بعضها بحيث تبين العلاقة بين الحقيقة والمجاز، أو يثبت التواطؤ، أو ليس فيها شيء من معنى الطلب؟ فيه بحوث دقيقةٌ ليس هذا موضِعَها، وإثبات هذا المقام سهل (١)، وعليه تُبْنى صيغة «افعل» الواردة بعد الحَظْر؛ هل هي أَمْر أو إذن.
المقام الثاني: إذا ثبت الأمرُ إما صريحًا أو ظاهرًا بلفظةٍ أو بقرينةٍ؛ فهل مقتضاه إيجاب الفعل؟ فالذي عليه جماهير الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم أنَّ المجرَّد منه للإيجاب، وذهب بعضُهم وطوائف من المتكلمين
стр. 552
إلى أنه إنما يفيد الندب، ومنهم من قال: إنما يفيد القَدْرَ المشترك، وهو مُطْلق الاستدعاء من غير تعرُّضٍ لتجويز الترك، أو المنع من الترك، وهذا أقرب من الذي قبله، ومنهم من يزعم أنه مشترك بينهما، ومنهم من توقَّف في الجميع.
والخلافُ هنا أقربُ من الخلافِ في الذي قبله. وقد استدلَّ عليه المصنِّف ببعضِ الأدلة المشهورة:
منها: قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
وجه الدليل: أن الله أمر الملائكة وإبليسَ معهم بالسجود لآدم، ثم لما امتنعَ إبليسً من السجود ذمَّه الله وعاقبَه على ترك الامتثال، ولو لم يُفِد الأمرُ الإيجابَ لما استحقَّ الذَّمَّ والعقابَ على الترك، لأنَّا لا نعني بالإيجاب إلا كون التَّرْك سببًا للذَّمِّ والعقاب، وكون إبليس مأمورًا مع الملائكة لا خلاف فيه بعد قوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، سواء قيل: هو من الملائكة حقيقة أو تبعًا.
ودعوى أن الأمرَ كانت معه قرينة تُفيد الوجوب، يُجاب عنه: بأن الأمرَ المحكيَّ في القرآن مطلق، وهو قوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، والأصلُ عدم القرائن الحالية، ولو كانت لذُكِرت لبيان المقتضي للعن الشيطان (١).
ثم قوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ كالنص في ترتُّب الذَّمِّ على مخالفة مجرَّدِ الأمر. ودعوى أن إبليس إنما استحقَّ ذلك لتركه تكبُّرًا لا لمجرَّد الترك لا [ق ٢٧٠] تستقيم؛ لأن التركَ [جزءٌ] من سبب الذمِّ والعقاب؛ إذ لو لم يكن
стр. 553
جزءًا (١) لبقي الكبر الذي في نَفْسِه الذي لم يتضمَّن تركَ واجب ولا فعل محرم، وذلك [و] إن كان عظيمًا، لكن سنة الله أن لا يجزي الناس على ما في ضمائرهم حتى يبتليهم، وإلَّا فذلك الكبر كان موجودًا قبل هذا؛ ولأن الله ــ سبحانه ــ بيَّن أن الذَّمَّ والعقابَ عن مخالفة الأمر بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فذَمَّه على الإباء والاستكبار والمصير (٢) من الكافرين، فعُلِم أن كلًّا (٣) من الإباء والاستكبار له مَدْخل في استحقاق الذَّم.
وأيضًا فينبغي أن يُقال: إنَّ ترك امتثال الأمر على وجه الشهوة جائز، وعلى وجه الكبر غير جائز، ومعلوم أن هذا قولٌ يخالف الإجماع، وإن كان التركُ كِبْرًا أعظمَ عند الله وأشدَّ عقوبة وأقبحَ عاقبة.
الدليل الثاني: قوله (٤): (وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (٥) أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]).
حذَّر الله المخالفين عن أمره أن تصيبَهم فتنة، وهي الكفر، أو يصيبهم عذاب أليم، فلولا أن المخالفة ينعقد معها سبب الفتنة أو العذاب لما حذَّر منها، ومعلومٌ أنه لو كان الفعل بعد الأمر على حاله قبل الأمر مِن جهة عدم
стр. 554
الضرر على تركه لم ينعقد بتركه سببُ الكفر أو العذاب، ألا ترى أن صلاة الضحى أو صيام أيام البيض لا يقال لمن تركه: احْذر أن ترتدَّ عن دينك، أو يعذِّبك الله عذابًا أليمًا.
وهذه الآية تُصَدِّق التي قبلها، فإن إبليسَ خالفَ عن أمرَ ربِّه فأصابته الفتنة بأن صارَ كافرًا، وآدمُ عصى ربَّه فأُخْرِجَ عن الجنة.
الدليل الثالث: قوله (١): (ولأن التارك عاصٍ بقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، والعاصي يستحقُّ العقابَ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وكذلك تارك الأمر).
وهذا أيضًا دليل جيِّد؛ لأن من تَرَك امتثال الأمر فقد عصاه بقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وبقوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، ومَن عصى أمْرَ الله ورسوله فقد عصى الله ورسوله، وإلا أمكن كلَّ أحدٍ أن يقول: إنما عصيتُ أمرَ الله، ولم أعص الله، فلا يكون أحد قد عصى الله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣].
واعلم أنَّ هذه الأدلَّة عليها أسْوِلَة ليس هذا موضع استقصائها.
وقول المصنِّف: «وكذلك تارك الأمر» عليه مناقشة؛ لأنه قد قال: تاركُ الأمر عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقابَ، وهذا يُنْتج أنَّ تارك [ق ٢٧١] الأمر يستحق العقابَ، فإدخالُ «كاف التشبيه» هنا لا معنى له؛ لأنه يقتضي أن تارك
стр. 555
الأمر مُشَبَّه بالعاصي، لا أنه قِسْم من العاصين؛ إذ المُشَبَّه غير المُشَبَّه به.
والجوابُ عن هذا ــ على دقة فيه ــ: أن الجزء قد يُشَبَّه بالكلِّ، ومن هنا سُمِّي هذا النظم قياسًا، فكأنَّه قال: كما استحقَّ العاصي العقاب يستحقه تارك الأمر؛ لأنه قِسم منه، فهو تشبيه لاستحقاق النوع باستحقاق الجنس.
قوله (١): (ولئن قال: لو كان الأمر للوجوب لكان الترك معصيةً في كلِّ صورةٍ من صور الأمر صيغةً، وليس كذلك.
فنقول: الكلامُ فيما إذا كان عاريًا عن القرينة النُّطْقية والعقلية).
لا شكَّ أن الأمر يدلُّ على أن الآمِر أوجبَ الفعلَ إلا أن يدل دليل على أنه لم يوجِبْه، وإنما نَدَب إليه، وهذا شأن جميع الأدلة التي تُتْرَك لما هو أقوى، فإنَّ تَرْكَ مدلول الدليل مقرونًا بمانعٍ لا يُبْطل دلالَتَه، ولو بطلت دلالتُه بتركه لمانعٍ لما صحَّ الاستدلال بدليل يمكنُ تخلُّف مدلوله عنه من الأمر والنهي والعموم والخصوص والمطلق والمقيَّد، وخبر الآحاد والقياس، والشهادة والفتوى والاستصحاب.
نعم، هل الدليل مجموعُ الأمرين ــ الأمر وعدم القرينة ــ حتى يُقال: الأمر المجرَّد هو الدليل، أو الدليل هو نفس الأمر، والقرينة معارض لذلك الدليل؟ هذا فيه منازعة لفظية.
وقوله: «إذا كان عاريًا عن القرينة النُّطْقية [والعقلية»، لو قال:] (٢)
стр. 556
«والحالية» لكان عامًّا وذلك لأن القرينةَ قد تكون حالة (١) للمتكلم كما يظهرُ من صورته أو يُعلم من سيرته، وقد تكون حالًا للمأمور، وقد تكون ما يُعْلم من شأن المأمور به، وقد تكون دليلًا قوليًّا أو فعليًّا، أو قياسًا يدلُّ على عدم الوجوب.
فإن قال: كل ما ليس بقوليٍّ فهو عقليٌّ.
قيل له: إن أردت أنه يُدْرك كونه قرينةً صادقة بالعقل، فالنطق كذلك، وإن أردت أنَّ العقلَ يستقلُّ بدَرَكِه، فأكثر هذه المواضع لا يستقلُّ العقلُ بدَرَكِها، اللهمَّ إلا أن يقول: أردتُ بالنطقيِّ الدلائل النقلية السمعية، وبالعقليِّ الدلائل العقلية، فيعودُ الكلامُ الذي تقدَّم في أوِّل هذا الكتاب (٢).
стр. 557
(فصل (١)
ثم النهيُ وهو: طلب الامتناع عن الفعل على طريق الاستعلاء مما يقتضي الحرمة).
اعلم أن حقَّه أن يحدَّ النهيَ بحدٍّ يُقابل حدَّ الأمر، فيقول: هو اللفظُ الدالُّ على طلب الامتناع بالقول على وجه الاستعلاء. وأما مجرَّد الطلب، أو الطلب بغير القول [ق ٢٧٢]ــ وإن سُمي نهيًا ــ ففي كونه حقيقةً أو مجازًا خلافٌ مشهور، والذي عليه الجماهير أنه مجاز.
وأما قولُه: «طلب الامتناع» فهنا بحثٌ، وهو أن المطلوبَ بالنهي ما هو ــ بعد الاتفاق على أن المطلوبَ به الترك ــ؟
فالذي عليه أكثرُ الأصوليين أن المطلوبَ به أمرٌ وجوديٌّ، وهو فعلُ ضدِّ المنهيِّ عنه، وهو الكفُّ مثلًا، أو الامتناع.
وذهب بعضُ المتكلِّمين إلى أن المطلوب به عدم المنهيِّ عنه، وهو نفس أن لا يفعل المنهيَّ عنه؛ لأن مقصود الناهي عدم ذلك الأمر المنهيِّ عنه، وقد لا يخطر بباله الاشتغالُ بضدِّه.
نعم، ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، وهو مبنيٌّ على أنَّ النهي عن الشيء أمرٌ بضدِّه.
ووَجْه الأول: أن النهي طلب واقتضاء، والمطلوب المقتضى لابدَّ أن يكون مُسْتَطاعًا للعبد ومقدورًا عليه له، والعدمُ المحض والنفي الصِّرْف ليس مقدورًا له، ولا هو من آثار قدرته واستطاعته، فامتنع أن يكون مطلوبًا منه.
стр. 558
وأيضًا: فإنَّ طاعةَ الناهي واجبة كطاعة الآمر، والطاعةُ إنما تكونُ بقصدِ الموافقة، والقصدُ إنما يتوجَّه إلى أفعال العبد، أما ما ليس من فِعْله، ولا من أثر فعله فلا يصح قصدُه وإرادته، والعدم المحض ليس من فعله ولا من أثر فعله، فامتنع أن يكون مقصودًا له.
و فصلُ الخطابِ في هذه المسألة: أنَّ المنهيَّ إذا لم يفعل ما نُهِيَ عنه ولم يقصد الاحتساب والانتفاء (١)، ويستشعر الانتهاءَ عما نُهِيَ عنه لم يستحقّ ثوابًا ولا عقابًا، ولا هو مطيعٌ ولا عاصٍ، بل عدمُ الفعلِ اقتضى عدمَ الذَّمِّ والعقاب، وعدمُ الانكفافِ والاتقاء اقتضى عدم الثواب.
ولو قيل: إنَّه يُثابُ وإن ثوابَه سلامتُه عن العقوبة، فإنِّها إحدى الغَنِيمَتَين، ونجاتُه من العذاب فإنها أحد الفوزَين، لكان معنًى صحيحًا.
وأما إذا قَصَد تركَ الفعل بعد قيام داعِيه وباعثه، وقَصَد أن لا يفعل لو وجد داعيه وباعثه، فهنا يُثاب على ذلك، ويكون مطيعًا، وقد صَدَر عنه أمرٌ وجوديٌّ بلا ريب، فوجودُ الثواب لا يكون إلا عن أمرٍ وجودي، أما عدم العقاب فيكفي فيه الأمر العدميُّ في باب المنهيَّات. وبهذا يظهر أنَّ كلا القولين له وجهٌ صحيح، والخلافُ في الحقيقة آئل إلى اللفظ، لكن القول الأوَّل أجود تحقيقًا، فإنَّ مقصودَ الناهي كما أنه قد يكون عدم [فعل] (٢) القبيح، فقد يكون ابتلاء المكلَّف وامتحانه، كما نهى آدم عن أكل الشجرة، وهذا إنما يصحُّ على أُصولِ أهل السنة، ولهذا كان القولُ الثاني من مذاهب المعتزلة البصريين.
стр. 559
قوله (١): (مما يقتضي الحُرْمة وإلَّا لما [ق ٢٧٣] صحَّ إطلاقُ اسم المعصية على ارتكابِ المنهيِّ عنه، وقد صحَّ بالنقل والاستعمال).
اعلم أن الذي عليه عامةُ الطوائف: أنَّ النهي يقتضي حُرْمة الفعلِ المنهيِّ عنه، حتى إن كثيرًا ممن خالف في الأمر قد وافقَ في النهي، وفيه خلافٌ شاذٌّ. وكل ما دلَّ على أن الأمر يقتضي الوجوب، فهو دليلٌ على أنَّ النهيَ يفيد الحُرْمة؛ لأن النهَي عن (٢) الشيء أمرٌ بضدِّه؛ ولأن النهيَ في الحقيقة نوعٌ من أنواع الأمر؛ لأن الأمرَ طلبُ الفعل، والنهيَّ طلبُ الفعلِ أيضًا؛ لأنَّ الترك والامتناع نوعٌ من الأفعال، وهو أمرٌ وجوديٌّ كما تقدَّم، ولهذا كان قول أكثر الفقهاء: إنه إذا قال: إن عَصَيْتِ أمري فأنتِ طالق، فنهاها وعصته= أنه يحنث.
وأيضًا: فقد دلَّ على النهي دلائل تخصُّه، كقوله سبحانه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فإنه يفيد وجوبَ الانتهاء؛ لأن استحباب الانتهاء معلومٌ بنفس النهي، فلا بدَّ أن يفيد هذا الخطاب فائدةً زائدةً على جميع أنواع الاستحباب، وكذلك قوله ﷺ : «إذا نهيتُكُم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم» متفق عليه (٣)، يدلُّ على ذلك.
وأيضًا: فإن الله سبحانه نهى آدم (٤) وزوجَه حوَّاء عن الأكل من الشجرة، فلما خالفا لحقهما من العقاب ما قد ذكره الله في كتابه.
стр. 560
وأيضًا: فكل ما دلَّ على وجوب الطاعة أو تحريم المعصية؛ فهو دليل على وجوب الانتهاء وتحريم (١) المخالفة في النهي، والأدلة على هذا مستوفاة في غير هذا الموضع؛ لكن قد احتجَّ المصنِّف بثلاثة وجوه:
أحدُها: قوله: «وإلا لما صحَّ إطلاق اسم المعصية على ارتكاب المنهي عنه، وقد صحَّ بالنقلِ والاستعمال».
وتقريرُ ذلك: أنه لو لم يكن الفعل محرَّمًا لما كان مرتكبُه عاصيًا؛ لأن العاصي يستحقُ الذَّمَّ والعقابَ كما تقدَّم، فلو لم يكن الفعل محرَّمًا لكان مباحًا، لأنه ليس بين الحلال والحرام واسطة، ومن فَعَل المباحَ لا يكون مذمومًا ولا معاقَبًا، لكن مرتكب المنهيِّ عنه عاصٍ بقوله سبحانه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] لما ارتكب المنهيَّ عنه، بدليل قولِه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] والأصل عدمُ ما سِوَى النهي المجرَّد؛ ولأن أهل اللغةِ يسمُّون من ارتكبَ المنهيَّ عنه: عاصيًّا؛ ولأن الاستعمال شائع بذلك.
الوجه الثاني: قوله (٢): (على أن المنهيَّ عنه مشتمل على المفسدة الراجحة، وإلَّا لَقَبُحَ النهيُ عن (٣) الفعل المباح، وليس كذلك).
حاصلُ هذا الوجه: أنَّ المنهيَّ عنه لا بدَّ أن يشتملَ فعلُه على مفسدةٍ، وهي جَلْب مضرَّة، أو دفع منفعة، ولابدَّ أن تكون المفسدة التي فيه خالصة أو
стр. 561
راجحة على مصلحةٍ إن كانت فيه، وحينئذٍ فلا [ق ٢٧٤] بُدَّ أن يشتمل على مفسدة لا تُعارِضها مصلحة بقدرها، وهي مفسدة خالصة حينئذٍ، ولو قال: «على المفسدة الخالصة» لكان أجود من قوله: «الراجحة»؛ لأن كلّ راجحة فإنها تؤول إلى مفسدة خالصة، وليست كلُّ خالصةٍ تكون راجحة؛ لأن الرجحان إنما يكون عند تقابل المصالح والمفاسد، ومن الأفعال ما لا مصلحةَ فيه، فقوله: «لابدَّ أن يشتمل على المفسدة الراجحة»، فيه مناقشة؛ لأن المشتمل على المفسدة المحضة لا يقال: إنه مشتمل على مفسدة راجحة، اللهم إلا أن يقال: معناه أن أحسنَ أحواله اشتمالُه على مفسدةٍ راجحة، أو يقال: إنه ما من فعل إلا وفيه مصلحة ولو كونه موجودًا (١)، أو كونه موافقًا لغرض الفاعل من بعض الوجوه، أو يُقال: إن المفسدةَ الخالصةَ تُشْعِر خلوَّ الفعلِ عن المصلحة بالكلية، فهذا هذا، ووَجْه الحصر: أنَّ الفعلَ إما أن يكون فيه فساد (٢) أو لا يكون، فإذا لم يكن فيه فساد لم يَجُز النهيُ عنه؛ لأنه حينئذٍ إما أن يكون متساويَ الطرفين، بحيث يصحّ أن يقال: لا فسادَ فيه ولا صلاح، أو يكون فيه صلاح من غير فساد، وعلى التقديرين فلا وَجْه للمنع منه، ومهما فُرِضَ [خلوّ] (٣) النهي عن عبثٍ أو لعبٍ أو لهوٍ فلا بدَّ من اشتماله على فساد.
ومن الناس من يقول لِمَا لا مصلحة فيه ولا مفسدة: قبيح؛ لأنه عَبَث وإضاعة للزمان، فيجب النهي عنه، وفي الحقيقة فهذا قد تضمَّن المفسدة،
стр. 562
وإذا كان فيه فساد فإما أن لا يكون فيه صلاح، وهو المطلوب، أو يكون فيه صلاح أيضًا، فإن تساوَى هو والفساد من كلِّ وجهٍ لم يَجُز النهيُ عنه على ما ذكرنا، وعلى ما ذكره بعضُ الناس يجبُ النهي عنه. وإن ترجَّح أحدُهما فالراجح منهما مشتمل على ما لا يقَابِلُه شيء، سواءٌ كان الراجحُ جانبَ المصلحة، أو جانب المفسدة. ومتى كان الراجحُ جانبَ المصلحة لم يَجُز النهي عنه فتعيَّن القسم الآخر، ويتبيَّن بذلك أن الفعل المنهي عنه لا بُدَّ أن يشتمل إما على مفسدة خالصة أو راجحة؛ لأنه بدون ذلك يكون النهي عن المباح، وهو غير جائز، أو النهي عما استوى طرفاه (١) أو راجح (٢) جانب خيره، وكلاهما لا يجوز النهيُ عنه.
واعلم أنَّ هذا الكلام فيه بحوثٌ كثيرة، ليس هذا موضعَ تحقيقها.
منها: أنَّ الفعل الواحد بالشخص، وهو الحركة المعينة من الشخص المعيَّن في الوقت المعين، هل يمكن استواء طَرَفيها (٣) من كلِّ وجه في نظر الشرع؟ أو يقال: لابدَّ أن يترجَّح أحَدُ جانبيها على الآخر رُجْحانًا لا يبلغ حدَّ الاقتضاء والطلب فعلًا أو تَرْكًا؟ فيه تفصيل ليس هذا موضعه.
ومنها: أنَّ هذا الكلام مبنيٌّ على أنه يجبُ اشتمال الأوامر على المصالح والمفاسد، وقد تقدَّم في هذا [ق ٢٧٥] كلام وجيز في المناسبة (٤).
والذي يجبُ أن يُعْتَقد: أن الواقع في الشرائع أن الأمر والنهي لا بُدَّ أن
стр. 563
يشتملا على مصلحة للمأمور والمنهي بتقدير الطاعة، ولابد أن يشتملا (١) على مفسدةٍ لمن عصى، كما قال عُمر بن الخطاب ﵁ وغيره من السلف: «إن الله إنما أمر العبادَ بما ينفعهم، وإنما نهاهم عما يضرهم» (٢). ولتلك المصلحة ثلاثة (٣) مصادر:
أحدها: أن تصدر المصلحة من نفس اعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال.
والثاني: من جهة الفعل؛ من حيثُ هو مأمورٌ به، أو منهيٌّ عنه.
والثالث: من جهةِ الفعل؛ من حيث هو.
فإذا نهى الله سبحانه العبدَ عن شيءٍ، ففي معصية هذا النهي إما بفعل المنهي عنه، أو باعتقاد عدمِ التحريم والعزمِ على فعل المنهي عنه فسادٌ للمكلف.
أما الفعل المنهيُّ عنه من حيث هو هو فلا يجب أن يشتمل على مفسدة، فإنَّ النهيَ قد يكون ابتلاءً وامتحانًا للمكلَّف، كما نهى الله أصحابَ طالوت عن أن يشربوا من النهر زيادةً على غرفة، وإن كانوا لو (٤) شربوا بدون النهي لم يكن فيه فساد. وهذا مذهب الفقهاء وأهلِ (٥) السنة.
وأما القدريَّة فعندهم لابدَّ أن يكون الفعل في نفسه مشتملًا على مفسدة،
стр. 564
لكن يُعْلَم تارةً بالعقل، وتارةً بالسمع، فالشرائع عندهم موضِّحات للأحكام لا موجبات.
وأما الجبريَّة فعندهم لا يجوز أن يكون الفعل مشتملًا على صفةٍ مقتضية للحكم، فالشرائعُ عندهم موجباتٌ لا موضحات.
ومذهبُ أهل السنة من الفقهاء وغيرهم: أن كلا القسمين واقع، وأن الشرائع تارةً توضِّح ما في الأفعال من الصفات، وتارة تجعل للأفعال صفاتٍ لم تكن قبل ذلك.
ومن ذلك قوله: «وإلَّا لَقَبُح النهي عنه»، فإنَّ هذا في ظاهره مبنيٌّ على قول من يقول: القُبْح العقلي في أفعال الله، وهو خلاف ما عليه جماهيرُ أهل السنة، وهو أصل القدرية الذين أسَّسوا عليه مذهبَهم.
لكن يمكن [أن] يقال: نحن نعلم باضطرار أن الشرائع لم تشتمل على قبيح ، ونعلمُ أنَّ النهي عن فعل الصالحات غير واقع في الشرائع، وغير جائز على الله شرعًا وغير جائز عليه عقلًا، بمعنى أن العقل يعلم أنَّ فعل المنهيِّ عنه قبيح، وأنه لو لم يكن قبيحًا إما بالنهي أو قبل النهي= لكان النهي عن شيء لا يكون قبيحًا بحال غير جائز على الله، وإن كان كلام المصنِّف لا يبيِّن هذه المعاني.
واعلم أن هذا (١) الدليل ليس بمرضي؛ لأن حاصله أنه لابد أن [ق ٢٧٦] يكون في الفعل المنهيِّ عنه جلب مضرَّة، أو دفع مفسدة، أو لا بدَّ أن يكون ذلك في اعتقاد عدم قبح المنهيِّ عنه، أو العزم على فعله، وهذا مُسَلَّم، لكن لِمَ قلتَ: إن هذه المفسدة توجبُ العزيمة، وذلك أنه من المعلوم أن النهي
стр. 565
قسمان: نهي تحريم، ونهي تنزيه، وأنَّ كلا القسمين المنهي عنهما لابدَّ أن يكون مفسدته (١) راجحة على مصلحته، فلو كان اشتماله على المفسدة الراجحة موجبًا للتحريم لامتنع نهي التنزيه، وذلك لأن المفاسد تختلف، فمنها ما فيه ضرر عظيم في أمر الدين، أو ضرر عظيم في أمر الدنيا، ومنها ما فيه مضرَّة يسيرة خفيفة (٢) إما في الدين أو في الدنيا، والتحريم يقتضي استحقاق الفاعل الذمَّ والعقابَ، فإن كان ضرر الفعل الحاصل عنه ضررًا يقتضي ذم الفاعل وعقابه، بحيث يكون ضرر الفعل أكثر من الضرر الحاصل من ذمِّ الفاعل وعقابه= حَسُن النهيُ عنه على سبيل التحريم؛ دفعًا لأعظم الضررين بالتزام أصغرهما.
وإن كان ضرر الفعل شيئًا يسيرًا، بحيث يكون الذم والعقاب على فعله أعظم من ضرر فعله لو خلا عن الذم والعقاب= حَسُنَ أن يُنْهى عنه؛ بيانًا لما فيه من الفساد، ولم يحسن أن يحرَّم؛ لأن معنى تحريمه الإخبار بأنه سبب لذمِّ فاعله ولعقوبته، ومعلومٌ أن ذمَّ فاعله وعقوبته ربما كانت أضعاف ضرر فعله، فكيف يوقع أعظمَ الضررين لدفع أخَفِّهما (٣).
نعم يكون فعل ما نُهي عنه على وجه التنزيه سبب الانتقاص؛ إما بانحطاط درجته، أو بِقِلَّة أجره وثوابه، أو ببقاء الآثام (٤) التي عليه، كما قد يكون تَرْك كثيرٍ من المسنونات من هذا القبيل. فَعُلِم بذلك أنَّ النهي يدلُّ