← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد الأول] [مقدمة التحقيق]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

стр. 3

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [١]

стр. 4

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٤١/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6

مقدمة اللجنة العلمية المشرفة على إخراج الكتاب الحمدُ لله الذي شَرَحَ بكتابِهِ الصدور، وأخرجَ بنورِ هدايته عباده من الظلماتِ إلى النّور، فأنار بتلاوته بصائرهم، وهدى بشرعه حائرهم، وكتب الفوز والنجاة لمن صلحت بهدايته سرائرهم، وجعله لعباده فرقاناً بين الحق والباطل، فمَنْ أقامَ أحكامَهُ واتخذه إمامَهُ صلحت له دُنياه وآخرته، ومن تنكبه وجعله خَلْفَ ظهره خاب وخسر وضل سعيه، إذ القرآن حجة الله البالغة، ومعجزته الخالدة، تحدى الله به الفصحاء فألجموا، واسمعه البلغاء فأفحموا، شهد له أعداء المُنزل عليه بالحلاوة، ولروعة بيانه بالطلاوة، ومباينته للسحر والرجز والكهانة، لا تنقضي عجائبه، فهو للقلوب شفاء، وللأبصار ضياء، وللظمآن رواء، ولا يعكره ورْد الواردين، ولا يخلق على كثرة الرد. والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على رسول الله وخيرة خلق الله محمد البشير النذير، والسراج المنير، من أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على السالكين، وأيده بالذكر الحكيم، فبينه أكمل بيان، انقياداً لأمر ربه له بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فنقل عنه أصحابه ذلك البيان، وتناقله وُعاة العلم جيلاً إثر جيل، وطبقة بعد طبقة، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء،

стр. 7

ورفع درجاتهم في عليين، وحشرنا معهم في زمرة العلماء العاملين والنصحة لدين الله وكتابه المبين الذين هم أهل الله وخاصته. أما بعد: فإن كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" لأبي إسحاق الثعلبي المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة من الهجرة النبوية، كتاب من كتب التفسير بالمأثور؛ إذ أودع فيه مصنفه ما أخرجه الأئمة المتقدمون مما جمعوا في التفسير من أحاديث رسول الله ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين كل ذلك بإسناده إلى قائله رفعاً أو وقفا، والحق أنه عمل صعب عسير لا ينقاد إلا لأمثال الثعلبي في غزارة علمه، وسعة إطلاعه واستقصائه، مع ذهن متوقد، وذاكرة وحفظ وإتقان، حتى صار لمن بعده مرجعاً؛ ومن ثمَّ تبرز أهمية تحقيق هذا السفر المبارك، تحقيقاً يليق بمقام المؤلَّف والمؤلِّف. ولما لم يكن هذا الأمر بالسهل اليسير في بدايته، كانت الخطوة الأولى هي البحث في المؤسسات الأكاديمية عمن قام بتحقيق الكتاب تحقيقاً علمياً رصيناً فوجدنا أن جامعة الأزهر وفي كلية أصول الدين والدعوة قام قسم التفسير وعلوم القرآن بتحقيق أجزاء من التفسير لكن لم يتم إكمال التحقيق -في حينه- نظراً لأن النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية فيها أجزاء مفقودة فتوقف المشروع، بينما الكتاب قد حقق تحقيقاً علمياً كاملاً في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، فاتجهنا إلى هذا التحقيق المبارك، وتم الاتصال بأصحاب الفضيلة الباحثين أصحاب الرسائل الجامعية وأخذ موافقاتهم على المشروع، ومنذ ذلك الحين تم تشكيل لجنتين:

стр. 8

الأولى: لجنه إشرافية متخصصة قامت بوضع منهج علمي لتنسيق الرسائل وإخراجها في شخصية كتاب واحد والإشراف على تنفيذ هذا المنهج وذلك بعد النظر في التجارب العلمية المماثلة والإفادة منها، والتشاور مع العلماء المبرزين في هذا الفن. ويتمثل منهج الإخراج والتنسيق في الضوابط التالية: ١ - أن توضع الرسالة كاملة كما هي لاعتبارات الجهود الأكاديمية. ٢ - حذف فروق النسخ التي لا داعي لها وليست لها فائدة علمية. ٣ - توحيد الرموز للمخطوطات التي اعتمد الباحثون عليها. ٤ - تحويل الآيات القرآنية من الرسم الإملائي إلى الرسم العثماني. ٥ - ترجمة رجال الثعلبي ورواته وتخريج الآثار بما يكفي للحكم عليها. ٦ - بيان الغريب والتعريف بالأماكن والبلدان. ٧ - اعتماد تصدير الحديث بالحكم عليه، ثم الحكم على الإسناد. ٨ - حذف المكرر من التراجم والتخريج، وغير ذلك مما لا يمس بالجهد الأكاديمي. ٩ - نقل جميع التراجم في مجلد مستقل في آخر البحث مع الفهرس. ١٠ - المراجعة الإملائية واللغوية للنص والتحقيق. ١١ - الترويس لاسم السورة والآيات مع وضعها بلون مختلف عن متن الكتاب وكذلك هوامش الكتاب بما يخرج الكتاب في صورة أنيقة. ١٢ - أن يكون مقياس التخريج الأوسع لمن قام بذلك من الباحثين وسوف يستكمل ما هو دون ذلك قدر المستطاع من اللجنة التنفيذية.

стр. 9

١٣ - توحيد مصادر الكتاب في التحقيق في الطبعات وسنة الإصدار. الثانية: لجنة تنفيذية قوامها مجموعة من المحترفين مهمتها تنفيذ مرئيات اللجنة العلمية في إخراج الكتاب وفق المنهج السابق. وبعد البحث والتأمل في الدار المناسبة التي تتولى إخراج هذا العمل في عدة دول عربية وقع الاختيار على دَارُ الفَلَاحْ لِلْبَحْثِ الْعِلْمِي وَتحقِيق التُراث .. بإدارة الأستاذ/ خَالِد الرَّبَّاط بمدينة الفيوم بجمهورية مصر العربية، وقد بذل الباحثون والفنيون بالدار جهداً كبيراً، فجزاهم الله خيراً. وقد شجعنا على التعاون مع هذه الدار خوضها لتجربة مماثلة وهي إخراج مجموعة رسائل علمية في تحقيق تفسير الإمام الواحدي "البسيط". وزيادة في الحرص على رفع مستوى جودة العمل تم تشكيل لجنة من الأكاديميين المتخصصين في اللغة والتفسير والحديث لمراجعة هذا العمل مراجعة إضافية ومنهم الدكتور عبد الحق بن حمادي الهواس. والجدير بالذكر أن هذا المشروع الضخم قد اعترضه بعض العقبات التي يسر الله تجاوزها ومنها: ١ - تواجد عدد من الباحثين أصحاب الرسائل خارج المملكة بعد تخرجهم من الجامعة وعدم معرفة عناوينهم مما استغرق وقتاً طويلاً للتواصل معهم. ٢ - الاضطرار إلى إعادة كتابة أكثر الرسائل العلمية نظراً لعدم وجود نسخ الكترونية لبعضها، وعدم صلاحية بعضها الآخر مما تطلب

стр. 10

وقتاً ليس بالقصير. ٣ - الأوضاع المضطربة التي عاشتها جمهورية مصر العربية بعد قيام ثورة ٢٥ يناير مما أدى إلى إعاقة العمل زمناً طويلاً. ومما يحسن ذكره ويجمل أن فضيلة الدكتور صَلَاح بِن سَالم بَاعُثمان هو صاحب فكرة إخراج هذه الرسائل في صورة كتاب وهو أول من بدأ بتحمل أعباء هذا المشروع المبارك وسعى إلى إتمامه بما خوله الله من علم وجاه. وختاماً فإننا نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل في موازين الحسنات، وأن يكون أثراً باقياً لكل من ساهم في تحقيقه وإخراجه وطباعته ونشره. والحمد لله رب العالمين. اللجنة العلمية المشرفة على طباعة الكتاب د/ صَلَاح بِن سَالم بن سَعِيد بَاعُثمان. . رَئيساً د/ حَسنُ بن أَحمَد الغَزَليّ. . عُضوَاً د/ أَمين عَطَيَّة بَاشَة. . عُضواً د/ زَيد بن عَليّ بن مَهدِي مهَارش. . عُضواً والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل، ،

стр. 11

كلمة الناشر إنَّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونَستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ منْ شُرورِ أنفُسِنَا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنَا، مَن يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُهُ. أما بعد. . . فإنَّ الله تعالى ما زال يوفِق لتراثنا الإسلامي العظيمْ مَنْ يقوم بخدمته والعنايةِ به، فصدرت مجلدات غير قليلة من كتب التفسير بعناية علماء أجلاء وأساتذة فضلاء، لم يألوا جهدًا في خدمتها وتسهيل الإفادة منها، وهي جهود مشكورة. وفي المقابل فقد أقدم في الآونة الأخيرة كثير ممن ينتحلون صناعة الوراقة على نشر كتب قيمة لبعض علماء الأُمَّة في التفسيرِ والحديثِ والفقهِ والعربيةِ والتاريخِ ونحوها، وأخرجوها في طبعاتٍ رديئةٍ، فيها أخطاء واضحة، وأغلاط مشكلة، وسَقْط وتحريف، فالكثير منها لا يعتمد على أصول خطية موثقة، ويوكل أمر تحقيقها والتعليق عليها إلى من ليس بأهل لأن يتولى مثل هذا العمل العظيم الذي لا يحسن الخوض فيه إلا من اكتملت فيه وسائل المعرفة وتحلى بالصبر والأناة والتقوى، وقضى شوطًا كبيراً في معاناة كتب سلف الأمة ورياضتها.

стр. 12

وإنَّ دارَ التفسير بمشيئة الله تعالى وعونه عازمةٌ على أن تُولي كتب تفسير القرآن الكريم عنايةً خاصةً وتقوم على تحقيقها ونشرها لتنتفع بها الأُمة، وأول هذا الغيث المبارك هذا السفر العظيم "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ، والذي اجتهدت الدار أن تخرجه في أحسن صورة وأبهى حلة، ولم تدخر وسعا في الإنفاق على إخراجه بسخاء. سائلين الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. المشرف على دار التفسير دكتور/ صَلاح بَاعُثمان

стр. 13

قَائِمَة المُحَقِّقِين د/ خالد بن عون العنزى .. د/ ناصر بن محمد بن صالح الصائغ أ. د/ ناصِر بن محمد بن عثمان المنيع. . د/ عفراء بنت محمد بن مطلق المصري د/ عبد الله بن جمعة بن محمد أبو طعيمة. . د/ خالد بن محمد الوذيناني د/ خالد بن علي بن عبدان الغمدي. . د/ سَاعِد بن سعيد بن سفري الصاعدي د/ عبد الله بن عواد بن فهد الجهني. . د/ هند بنت إبراهيم هزازي أ/ هاشم بن محسن بن عبد الله باصرة. . د/ فريدة بنت محمد بن أحمد الغامدي د/ جمال بن محمد بن أحمد ربعين. . د/ هبة الله بنت صادق بن سعيد هاشم أبو عرب د/ عبد الله علي عبد العزيز القبيسي. . د/ محمد بن علي الغامدي د/ قاري أحمد دين بن حاجي خوشي. . د/ صلاح بن سالم بن سعيد باعثمان د/ عِيد بن مدعج السبيعي. . د/ أحمد بن محمد بن إبراهيم البريدي د/ صَالح بن نمران بن ناصر الحارثي أعضاء اللجنة المشرفة على الكتاب د/ صَلَاح بِن سَالم بن سَعِيد بَاعُثمان. . رَئيساً د/حَسنُ بن أَحمَد الغَزاليّ. . عُضوَاً د/ زَيد بن عَليّ مهَارش. . عُضواً د/ أَمين عَطَيَّة بَاشَة. . عُضواً

стр. 14

تقسيم الرسائل بحسب ترتيب المصحف ١ - د. خالد بن عون العنزي: الفاتحة - البقرة ١ - ١٧٦. ٢ - أ. د. ناصر بن محمد بن عثمان المنيع: البقرة ١٧٧ - آخر السورة. ٣ - د. عبد الله بن جمعة أبو طعيمة: آل عمران. ٤ - د. خالد بن علي بن عبدان الغامدي: النساء - آخر المائدة. ٥ - د. عبد الله بن عواد بن فهد الجهني: الأنعام. ٦ - أ. هاشم بن محسن بن عبد الله باصرة: الأعراف - الأنفال. ٧ - د. جمال بن محمد بن أحمد ربعين: التوبة - يونس. ٨ - د. عبد الله بن علي بن عبد العزيز القبيسي: هود - الرعد. ٩ - د. قاري أحمد دين بن حاجي خوشي: إبراهيم - الإسراء. ١٠ - د. عيد بن مدعج السبيعي: الكهف - مريم. ١١ - د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي: طه - آخر الحج. ١٢ - د. ناصر بن محمد بن صالح الصائغ: المؤمنون - الشعراء. ١٣ - د. عفراء بنت محمد بن مطلق المصري: النمل إلى السجدة. ١٤ - د. خالد بن محمد الوذيناني: الأحزاب - يس. ١٥ - د. ساعد بن سعيد بن سفري الصاعدي: الصافات - غافر.

стр. 15

١٦ - د. هند بنت إبراهيم هزازي: من فصلت - الفتح. ١٧ - د. فريدة بنت محمد بن أحمد الغامدي: الحجرات - الرحمن. ١٨ - د. هبة الله بنت صادق بن سعيد هاشم أبو عرب: الواقعة - الجمعة. ١٩ - د. محمد بن علي الغامدي: المنافقون - المزمل. ٢٠ - د. صلاح بن سالم بن سعيد با عثمان: المدثر - الفجر. ٢١ - د. أحمد بن محمد بن إبراهيم البريدي: البلد - الناس.

стр. 16

الفصل الأول ترجمة المصنف وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته. المبحث الثاني: ولادته، موطنه، وعصره المطلب الأول: ولادته. المطلب الثاني: موطنه. المطلب الثالث: عصره، وتأثير الحالة السياسية والدينية والاجتماعية والعلمية فيه. أولاً: الحالة السياسية. ثانياً: الحالة الدينية. ثالثاً: الحالة الاجتماعية. رابعاً: الحالة العلمية. المبحث الثالث: نشأته، وطلبه للعلم. المطلب الأول: نشأته. المطلب الثاني: طلبه للعلم (بداية طلبه - جده ومثابرته في طلبه - ميادين علمه). المبحث الرابع: شيوخه، وتلاميذه. المطلب الأول: شيوخه.

стр. 17

المطلب الثاني: تلاميذه. المبحث الخامس: عقيدته، ومذهبه الفقهي. المطلب الأول: عقيدته. المطلب الثاني: مذهبه الفقهي. المبحث السادس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه. المطلب الأول: مكانته العلمية. المطلب الثاني: ثناء العلماء عليه. المبحث السابع: مؤلفاته. المبحث الثامن: وفاته.

стр. 18

المبحث الأول اسمه ونسبه، ولقبه، وكنيته (١) اسمه: هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم، النيسابوري، الشافعي، أبو إسحاق الثعلبي، ويقال: الثعالبي. المقرئ، المفسِّر، الواعظ، الأديب. نسبه: يُنسب إلى مدينته التي عاش بها نَيْسَابور. لقبه: ويُلقَّب أبو إسحاق بـ "الثعلبي" بفتح الثاء المنقوطة بثلاث،

стр. 19

وسكون العين المهملة، وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة (١). وهو لقب لا نسب، كما قال ابن الأثير وتبعه ابن كثير (٢). ويقال له أيضاً الثعالبي: بفتح الثاء المثلثة، والعين المهملة، وفي آخرها الباء الموحدة بعد الألف واللام (٣). كما يلقب كذلك بـ "الأستاذ" وممن لقبه بذلك: تلميذه الواحدي، وعبد الغافر الفارسي، والبغوي (٤). وقد شاركه في هذا اللقب جماعة من العلماء والمؤلفين اشتهر منهم اثنان، يحصل اللبس بهم مع إمامنا أبي إسحاق وهما: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، أبو منصور النيسابوري (ت ٤٢٩ هـ) أديب، ناثر، ناظم، لغوي، أخباري، من تصانيفه: فقه اللغة وسرّ العربية، يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، وغيرها (٥). وهو بلدي إمامنا وعصريه ولذلك يحصل بينهما الخلط أحياناً. أما الآخر فمتأخر وهو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجزائري، أبو زيد المالكي (ت ٨٧٥ هـ) مفسّر، فقيه، صوفي. من

стр. 20

تصانيفه: الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز، والجواهر الحسان في تفسير القرآن (١). كنيته: أبو إسحاق، ونجد تلميذه الواحدي لا يكني بهذِه الكنية في كتبه وخاصة تفاسيره الثلاث (البسيط - الوسيط - الوجيز) غيره، فإذا أطلق وقال: حدثنا أبو إسحاق، فلا يعني به غير الثعلبي. ولم يُذكر بغيرها عند جميع من ترجم له إلا جلال الدين السيوطي، إذ كناه بأبي القاسم في كتابه "طبقات المفسرين" (٢)، ولم نجد من ذكره بهذِه الكنية غيره.

стр. 21

المبحث الثاني ولادته، وموطنه، وعصره، وتأثير الحالة السياسية، والدينية والاجتماعية، والعلمية فيه * المطلب الأول: ولادته لم يحظ أبو إسحاق الثعلبي رحمة الله عليه بترجمة واسعة، تبيِّن لنا سنة ولادته، ونشأته، وطلبه للعلم. فجميع الذين ترجموا له لم يذكروا سنة ولادته، فليس لنا سبيل إلى معرفة ذلك، إلا عن طريق كتاب الثعلبي "الكشف والبيان" نتلمس في ثناياه، ما يدلنا على تاريخ ولادته، ومكانها. وبعد البحث وجدنا أن أبا إسحاق ﵀ يذكر تاريخ بعض سماعاته، وهذِه السماعات كلها بعد سنة (٣٨٠ هـ). ومن هذِه السماعات ما يأتي: أ - قال ﵀: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس العبدوي في رجب سنة أربع وثمانين وثلاث مئة. ب - وقال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، فأقرَّ به. وحدَّث الثعلبي كذلك عن شيخيه ابن المقرئ محمد بن إبراهيم بن

стр. 22

علي الأصبهاني، وابن مهران وقد توفيا سنة (٣٨١ هـ) (١). ومن شيوخه الذين روى عنهم في هذا الكتاب إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن جعفر سنة ٣٥٥ هـ، وربما هناك آخرين قبل هذا التاريخ. وعليه فإنه يصعب تحديد سنة ولادته، والله أعلم.

стр. 23

* المطلب الثاني: موطنه عاش المصنف ﵀ في نَيْسَابور -بفتح النون، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء مضمومة منقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء (١) - وكانت أحسن مدن خراسان، ومعقلاً عظيماً من معاقل العلم، ضمت بين جنباتها عدداً كبيراً من العلماء والفضلاء. قال السمعاني (٢): هي أحسن مدينة وأجمعها للخيرات بخراسان. والمنتسب إليها جماعة لا يُحصون. وقد جمع الحاكم أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الحافظ البيِّع (٣) تاريخ علمائها في ثمان مجلدات ضخمة (٤).

стр. 24

وقال ياقوت الحموي (١): لم أرَ فيما طوَّفتُ من البلاد مدينة كانت مثلها (٢). وقال ابن حوقل (٣): ليس بخراسان مدينة أصحّ هواء، وأفسح فضاء، وأشدّ عمارة، وأدوم تجارة، وأكثر سابلة، وأعظم قافلة من نيسابور (٤). وفي سبب تسميتها بنيسابور: ساق أبو علي الغسَّاني في كتابه "تقييد المهمل" بسنده إلى أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني أنه

стр. 25

قال: إنَّما قيل لها نيسابور، لأنَّ سابور مرَّ بها، فلما نظر إليها قال: هذِه تصلح أن تكون مدينة، فأمر بها، فقطع قصبها، ثم كبس، ثم بُنيت، فقيل لها: نيسابور، والنيّ: القصب (١). وكان فتحها زمن عثمان بن عفان ﵁ على يد ابن خاله عبد الله بن عامر بن كُريز (٢) في سنة تسع وعشرين من الهجرة. وقيل إنها فتحت في أيام عمر ﵁ على يد الأحنف بن قيس، وإنما انتقضت في أيام عثمان، فأرسل إليها عبد الله بن عامر، ففتحها ثانيةً (٣).

стр. 26

* المطلب الثالث: عصره من الناحية السياسية والدينية والاجتماعية والعلمية وتأثره بذلك الإنسان ابن بيئته وعصره، ولهذه البيئة، ولذاك العصر، آثار تنطبع عليه وتؤثر فيه. وفقاً لمدى قابليته للتفاعل مع بيئته، واستجابته للظروف البيئية التي تدخل في مكونات النشأة والسلوك، ثم تمتد جذورها في الأعماق النفسية، لتدخل في بناء الشخصية واتجاهاتها السلوكية والعملية. فكل شخص يتأثر بمشايخه وأساتذته، ويتأثر بالبيئة التي تحيط به، ويعيش فيها. ويتأثر كذلك بالحالة السياسية، والاجتماعية، والعلمية، في بيئته وعصره. وعند دراسة أي علم من الأعلام، يتأكَّد الوقوف على العصر الذي عاش فيه، وبم اتسم ذلك العصر من الناحية السياسية والاجتماعية، والعلمية، لنعلم مدى تأثر ذلك العلم بتلك الأحوال، وكيف كان تأثير ذلك كله فيه. وهذا ما سنقوم به مع أبي إسحاق الثعلبي، من دراسة عصره سياسيًّا، واجتماعيًّا، وعلميًّا. لنخلُص بعد ذلك إلى أثر ذلك كله في الثعلبي ﵀. أولا: الحالة السياسية: تبيَّن لنا أنَّ الثعلبي ﵀ عاش ما بين الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، إلى ما يقرب من نهاية العقد الثالث من القرن

стр. 27

الخامس (٤٢٧ هـ). وهذا يعني أن الثعلبي عاصر الدولة العباسية في أسوأ أيامها، إذ كان عهد الدويلات المتناحرة، وقد أفل الوجود الفعلي، للسلطة العليا. بحيث لم يبق للخليفة العباسي حكم إلا على بغداد وما حولها، إضافة إلى أن الخليفة نفسه صار يتحكم فيه وزراؤه ورؤساء الجند، وقد يعزلونه، أو يقتلونه. وخرج كثير من البلدان عن حكم الدولة العباسية، فأصبح على كل بلد أمير مستقل بحكمه عن سلطان الخلافة ببغداد، ولم يبق لخلفاء بني العباس إلا الاسم فقط، وأصحاب الأطراف يُقدِّمون للخليفة الدعاء في المساجد معترفين بالسيادة العليا للدولة (١). ومن أقوى عوامل ضعف الخلافة: اعتماد الخلفاء العباسيين في حكمهم على الأتراك، وكان المعتصم بالله هو أول خليفة أدخل الأتراك واستكثر منهم (٢). وقد حكم خلال هذِه المدة ثلاثة من خلفاء العباسيين وهم: ١ - الطائع لله (٣٦٣ - ٣٨١). ٢ - القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢). ٣ - القائم بأمر الله (٤٢٢ - ٤٦٧). وتعد مدتا حكم القادر والقائم هما الأهم في حياة الثعلبي، إذ كان

стр. 28

في مدة حكم الطائع ما يزال صغيراً. ١ - أمَّا القادر بالله (١): فهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر. الذي تولى الخلافة سنة (٣٨١ هـ) بعد خلع الطائع لله. قال الخطيب البغدادي: وكان القادر من الديانة والسيادة وإدامة التهجد وكثرة الصدقات، وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعُرف بها عند كل أحد، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد، تفقَّه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنَّف كتاباً في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، وبحضرة الناس (٢). ٢ - وأمَّا القائم بأمر الله (٣): فهو أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، ولي الخلافة بعد موت أبيه سنة (٤٢٢) واستمر إلى سنة (٤٦٧ هـ). وهؤلاء الخلفاء كما أسلفت ليس لهم من السلطة الفعلية شيء. وحقيقة أمر البلاد التمزق والتفكك والتشرذم، فالبويهيون في العراق وما جاورها، والحمدانيون في الشام، والفاطميون في

стр. 29

المغرب، ومصر، والشام، والغزنويون والسلاجقة بالمشرق (١). ويصوِّر لنا المؤرخون هذِه الحالة البئيسة من التفكك والتمزق فيقولون: البصرة في يد ابن رائق، وخوزستان في يد أبي عبد الله البريدي، وفارس إلى عماد الدولة ابن بويه، وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر ومُضَر وربيعة في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج الإخشيدي، وبلاد أفريقية والمغرب في يد القائم بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الملقَّب بالناصر الأموي، وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني. ولم يبق في يد الخليفة غير مدينة السلام، وبعض السواد (٢). هذِه هي الصورة العامة لحالة العالم الإسلامي آنذاك. والذي يعنينا أكثر في هذا المقام هو المشرق الإسلامي، موطن الإمام الثعلبي، إذ كان يقطن نيسابور، ذلك الجزء المهم من المشرق. ولقد تنازع المشرق الإسلامي في تلك الفترة عدة دول: ١ - الدولة البويهية: (٣٣٤ - ٤٤٧). ٢ - الدولة الغزنوية: (٣٥١ - ٥٨٢).

стр. 30

٣ - الدولة السلجوقية: (٤٢٩ - ٥٢٢) (١). وهم وإن تأخر تأسيس دولتهم، إلا أن بداياتهم كانت من أول القرن الخامس كما سيأتي. أما البويهيون: فقد كانت لهم الغلبة والسيطرة على بغداد ونواحيها، وقد استبدوا بأمر الدولة، رُغم قربهم من مقر الخليفة، حيث شاركوه في بعض مظاهر الخلافة، إذ كان الأمير البويهي هو الذي يتولى إصدار الأوامر، أما الخليفة فما عليه إلا توقيعها، لتأخذ صفة الشرعية أمام الرأي العام (٢). وأمَّا الغَزْنَويون: فقد قامت دولتهم على أنقاض الدولة السامانية، على يد محمود بن سُبُكتكين الغزنوي، إذ كانت بينه وبينهم مناوشات، انتهت بالنصر والتمكين له في خراسان، فأزال عنها اسم

стр. 31

السامانية، وخطب للقادر بالله سنة (٣٨٩ هـ) وجعل أخاه نصراً قائداً لجند نيسابور، وسار هو إلى بلخ، فاتخذها دار ملك له، واتفق أصحاب الأطراف على طاعته (١). وكان محمود هذا من أعظم ملوكهم، وأكثرهم فتوحاً، وأشدهم بطشاً بأعدائه، حتى ألقى بزعماء السلاجقة في غياهب السجون، وفي عهده توسعت الدولة الغزنوية خارج بلاد غزنة، فقد ضم بلاد الغور، ثم أدخل جزءاً عظيماً من بلاد الهند تحت سلطانه، وأسلم على يديه أكثر ملوك الهند، ومن الجهة الأخرى ضُمَّت إليه خراسان والري والجبال، ودانت له ملوك طبرستان وجرجان، ولم يزل في عزه وسلطانه، إلى أن أدركته الوفاة سنة (٤٢١ هـ). وبعد وفاة هذا القائد العظيم دبَّ النزاع بين ولديه محمد، ومسعود، مما شجع السلاجقة على تجميع صفوفهم، وإعادة كرتهم في محاولة الاستيلاء على خراسان، حتى تمكنوا من ذلك سنة (٤٢٩ هـ) وأعلنوا قيام دولتهم (٢). وقد عاصر أبو إسحاق الثعلبي الغزنويين، وهم في أوج قوتهم، وكانت نيسابور موطن الثعلبي تنعم بحكم محمود الغزنوي في استقرار سياسي، وأمن داخلي، وقوة دينية، مما كان له الأثر

стр. 32

الإيجابي الكبير بلا شك على الإمام الثعلبي، وحياته العلمية. وأما السلاجقة: فقد بدأت حركاتهم وتهديداتهم للدولة الغزنوية منذ أوائل القرن الخامس، ولكن السلطان محمود كان يتغلب عليهم، ويتمكن منهم في بداية الأمر. وخوفاً من خطر السلاجقة على الدولة، احتال محمود الغزنوي عليهم، وأبدى رغبته في التفاهم والصداقة معهم، وأرسل إليهم ليقرِّر موعداً للقاء برؤساء السلاجقة. وما إن ذهب إسرائيل زعيمهم للقائه قرب جيحون مع أعوانه، حتى قبض عليهم، وأودعوا غياهب السجن بإحدى قلاع الهند، حيث ظل إسرائيل في معتقله إلى أن مات سنة (٤٢٢ هـ). ومن هنا بدأت لدى السلاجقة فكرة الانتقام، وأخذت قوتهم في الازدياد، وتحايل ميكائيل أخو إسرائيل على السلطان محمود، فاستأذنه في المرور من بلاده للإقامة بخراسان، فسمح له، فكان في ذلك فرصة للإعداد العسكري، فقاموا بعدة هجمات ضد الغزنويين، وكانت وفاة السلطان محمود الغزنوي سبباً آخر لرفع شأن جيوش السلاجقة، فيما بعد على يد (طغرل بك) و (داود) ابني ميكائيل، ومن هنا استطاع زعماء السلاجقة تنظيم صفوفهم، والاستيلاء على معظم بلاد خراسان، حتى وصلوا قاعدة الغزنويين نيسابور مقر إمامنا الثعلبي، وطلب السلاجقة من واليها السماح لهم بالإقامة بجوارها، فرفض، واندلعت نيران المعركة بينهم، حتى استطاع السلاجقة

стр. 33

الانتصار على مسعود الغزنوي وجيشه انتصاراً ساحقاً. وكان ذلك عام (٤٢٩ هـ) وبذلك تم الاستيلاء الكامل على نيسابور، وجلس طغرل بك على عرش الغزنويين، معلناً قيام دولة السلاجقة، وخطب له على منابر نيسابور ملقَّباً بالسلطان الأعظم (١). وبعد: فنخلُص مما سبق إلى أن العصر الذي عاش فيه الثعلبي، كان عصر تفكك وانقسام، تميَّز بكثرة الدويلات الإسلامية المتناحرة، وتفشي الفساد السياسي، وانعدام السلطة المركزية. إلا أنَّ الثعلبي ﵀ عاش جزءاً كبيراً من حياته، بمنأى إلى حد كبير عن تلك الفوضى، وذلك في المدة التي عاشها تحت ظل الدولة الغزنوية بقيادة قائدها محمود الغزنوي، الذي جعل نيسابور مركزاً لدولته. فعاشت نيسابور -آنذاك- وعاش فيها أبو إسحاق في استقرار، مكَّنه بلا شك من طلب العلم، وهيَّأ له الجوَّ المناسب لذلك.

стр. 34

ثانيا: الحالة الدينية: نجد أن الأحوال الدينية قد تأثرت باضطراب الأحوال السياسية، ففي العراق تبنى البويهيون مذهب الرفض، ونشروه بين الناس، وكتبوا لعن الشيخين ﵄ على أبواب مساجدهم، وألزموا الناس بما أحدثوه من بدع في يوم عاشوراء (١). وجاراهم في ذلك إخوانهم العبيديون، الباطنية، فنشروا البدع، والرفض في مصر والشام، والمغرب العربي، وحاربوا أهل السنة، ونكلوا بهم، فقد أمر نائب دمشق بمغربي فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر، وعمر ﵄ ثم ضرب عنقه في سنة ٣٩٣ هـ (٢). أما في بلاد المشرق -خراسان وما جاورها- فالأمر أهون من ذلك، لأن الغزنويين، والسلاجقة من أهل السنة في الجملة، فلم تتأثر تلك البلاد، كما تأثرت البلاد الأخرى، وتولى الرافضة، والباطنية السلطة في بلاد المسلمين كان أمرا طارئا، لم يدم بحمد الله تعالى. وسيأتي مزيد تفصيل إن شاء الله للحالة الدينية وتأثيرها في المصنف في مبحث عقيدة المصنف ومذهبه.

стр. 35

ثالثاً: الحالة الاجتماعيَّة: تبيَّن لنا مما سبق أنَّ الحالة السياسية في تلك الحقبة من أيام الدولة العباسية -التي عاصرها الثعلبي- كانت حالة سيئة، بسبب التفرق والتشرذم، والحروب والصراعات التي كانت مستمرةً. ولا شك بأن العلاقة وثيقة جدًّا بين الحالتين: السياسية، والاجتماعية، فالحالة الاجتماعية مرآةٌ للحالة السياسية، فإذا كانت الحالة السياسية مستقرَّة، وكانت الدولة قويةً عادلة، أثَّر ذلك في المجتمع، فأصبح مجتمعاً قويًّا متماسكاً، يسوده الأمن والاستقرار والرخاء. وبعكس ذلك تصير الأمور، إذا كانت الحالة السياسية مضطربة، والسلطة ضعيفة لا تملك من أمرها شيئاً، فالحالة الاجتماعية -عندئذ- تنهار، فلا أمن ولا أمان، ولا هدوء ولا استقرار، وهذا ما حصل للدولة الإسلامية في هذِه المدة التي نتحدث عنها. فالحروب والصراعات التي دارت أنهكت الاقتصاد، وقضت على الموارد، وشجعت على إشاعة الفوضى في شتى ميادين الحياة. فالفزع والرعب سيطر على القلوب، بسبب اختلال الأمن، مما أوجد الفرصة للسلب والنهب فكثر العيَّارون (١)، وانتشر اللصوص

стр. 36

وقطاع الطرق. يقول ابن الأثير، في أحداث سنة (٤١٧ هـ): في هذِه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد، فأكثروا مصادرات الناس، وأخذوا الأموال. وعظم الخطب، وزاد الشر، وأُحرقت المنازل والدروب والأسواق، ودخل في الطمع العامة والعيَّارون، فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره. . (١). بل إن السلب والنهب ما سلم منه الحكام أنفسهم، وهذا أكبر دليل على ضعفهم، ووهن سلطتهم كما سبق في الحالة السياسية. نعم لقد كان ضعف السلطان سبباً مباشراً لشيوع شريعة الغاب بين الناس في ذلك العهد، حتى انتشرت الفوضى ولم يسلم منها حتى الحكام. يقول ابن الأثير في حوادث سنة (٤١٩ هـ): في هذِه السنة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وشَغبوا ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب دنانير ودراهم وتفرق فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره ومنعوه الطعام والماء. . .، إلى أن قال: فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه، وفرق ثمنها فيهم حتى سكتوا (٢). وعن العيَّارين وما أحدثوه من نهب وسلب يقول ابن كثير: ثم

стр. 37

دخلت سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، فيها عظم الخطب بأمر العيَّارين، عاثوا ببغداد فساداً، وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلاً ونهاراً، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلَّبتهم الشرط، فلم يفد ذلك شيئاً، ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه. . (١). ولم يقتصر سوء الحال في تلك المدة على اختلال الأمن وإنَّما تعداه إلى نواحي المعيشة، فأثَّرت تلك الأوضاع السيئة في الناس من الناحية الاقتصادية والمعيشية، وصاحب تلك الحوادث غلاء شديد في المعيشة. فقد اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعدم القوت، فكان الإنسان يصيح: الخبز، الخبز، ويموت (٢). ويقول ابن كثير عن سنة (٣٧٣ هـ): فيها غلت الأسعار ببغداد ومات كثير من الناس جوعاً، وجافت الطرقات من الموتى من الجوع (٣). وذكر الجوع أيضاً في سنة (٣٨٢ هـ)، وسنة (٣٩٣ هـ) (٤). وهكذا كانت الحالة الاجتماعية فى هذِه الحقبة، اختل الأمن، وذهب الاستقرار والاطمئنان، وعمت الفوضى، وانتشر اللصوص

стр. 38

والعيَّارون، وكثر السلب والنهب، واشتد الغلاء، وحدث الجوع. وكل ذلك انعكاس للحالة السياسية السيئة التي عاشتها البلاد آنذاك. ونيسابور موطن الإمام الثعلبي، وإن كانت أحسن حالاً من غيرها، حيث تعيش في ظلال الدولة الغزنوية القوية آنذاك، إلا أنها لا بد أن تتأثر بما حولها، ولا بد أن يتأثر ساكنها أبو إسحاق الثعلبي بذلك. رابعاً: الحالة العلميَّة: تبيَّن مما سبق أنَّ العصر الذي نشأ فيه الثعلبي ﵀ كان مضطرباً غير مستقر من الناحية السياسية، إذ ضعفت الخلافة العباسية، وقامت دول ثم سقطت، وقامت على إثرها دول، وهكذا، كانت القلاقل والصراعات سمة هذا العصر، الأمر الذي انعكس أثره سلباً على الحالة الاجتماعية كما سبق. وأما الحالة العلميَّة فكانت على العكس من ذلك! فمع هذا الضعف والسوء في الحالتين السياسية والاجتماعية، نجد أن الحركة العلمية نشطت، حتى كان هذا العصر من أزهى عصور الإسلام الثقافية، فيه كثر طلاب العلم والعلماء. ولعل مردَّ تلك الحركة العلميَّة النشطة إلى تنافس الإمارات الإسلامية المختلفة، بضم أكبر عدد من العلماء والأدباء، والتفاخر بهم، وتسهيل السبل للعلم وأهله. إضافة إلى حبّ الحاكم للعلم والعلماء، وتقريبه إياهم، ودعمهم، مما كان له أكبر الأثر في ازدهار

стр. 39

الحركة العلمية والثقافية (١). الحركة العلميَّة في نيسابور: بعد أن اتضحت لنا الصورة العامة للحركة العلمية في المدة التي عاشها الإمام الثعلبي من بعد منتصف القرن الرابع، إلى سنة وفاته (٤٢٧ هـ). نريد بعد ذلك أن نستجلي الصورة مفصَّلة عن الحركة العلمية في موطن الثعلبي، نيسابور. كانت نيسابور معظم هذِه المدة، تنعم في ظل الدولة الغزنوية، بقيادة ملكها الصالح محمود الغزنوي الذي كان بلاطه حافلاً بالعلم والعلماء، لما اتصف به من حب للعلم وأهله. جاء في "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" في ترجمة السلطان محمود: كان مجلسه مورد العلماء ومقصد الأئمة والقضاة، يعرف لكل واحد حقه، ويخاطبه بما يستحقه، ويستدعي الأكابر والصدور والعلماء من كل فن إلى حضرة غزنة، ويبوئهم من ظله وإنعامه وإكرامه المحل الرفيع، ويصلهم بالصلاة السنيَّة (٢). لقد كانت نيسابور من أهم وأبرز مراكز العلم والفكر، ولذا نجد الإمام السخاوي ﵀ يصفها بأنها دار السنة والعوالي وكان

стр. 40

يتوافد إليها العلماء باستمرار، حتى اكتسحها المغول (١). وإذا علمنا أنَّ أبا عبد الله الحاكم لمَّا ألَّف كتابه الكبير "تاريخ نيسابور" ضمَّنه ترجمة (١٣٧٥) عالماً من علماء نيسابور، والواردين عليها، ثم ذكر عبد الغافر الفارسي في "السياق لتاريخ نيسابور" وهو ذيل على "تاريخ نيسابور" ومختصر له، (١٦٩٩) عالماً من علمائها والواردين عليها. إذا علمنا ذلك اتضح لنا بجلاء مدى ازدهار نيسابور آنذاك بالعلم وأهله، وأنها بحق معقلٌ عظيمٌ من معاقل العلم والعلماء (٢). المدارس العلمية في نيسابور: ونتيجة لهذا الوضع العلمي المزدهر، شيِّدت بنيسابور المدارس، التي ضمَّت بين جنباتها العلماء وطلاب العلم. ومن هذِه المدارس: ١ - مدرسة أبي بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغِي (ت ٣٤٢ هـ) المعروفة بدار السُّنَّة (٣). ٢ - مدرسة الدَّاري، وهي دار الحديث التي أنشأها أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدَّاري، الرئيس البسطامي، في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري (٤).
следующие страницы →