الحكمة
الشيخ ناصر بن سليمان العمر
إلى متى عدم الحكمة؟
عندما ألقيت محاضرة (الحكمة) في الرياض، كان أول سؤال يرد إلي بعد الانتهاء من المحاضرة: (إلى متى الحكمة) ؟ فازدادت قناعتي أن هذه الصحوة تحتاج إلى جهود مضاعفة لتوجيهها إلى المنهج الشرعي، منهج أهل السنة والجماعة، قبل أن تزل العقول والأقدام.
وإذا كانت بذلت جهود مباركة -ولا تزال تبذل- من أجل عودة الناس إلى دينهم وعقيدتهم، وحيث حققت هذه الجهود -بعد توفيق الله وبتوفيق منه تلك الآثار الإيجابية التي نراها من عودة الأمة إلى الله جماعات وآحادا، رجالًا وركبانًا، فإن واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة أن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع، ويبينوا لهم الطريق الصحيح، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، فإن العبرة ليست (بالكم) ! ولكن (بالكيف) !!.
ولذا رأيت أن من الحكمة طرح موضوع الحكمة بحكمة، وأسأل الله التوفيق والسداد وحسن القصد والمآل. المؤلف
стр. 2
تقديم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 3
قال الله -جل وعلا-: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩) . وقال -سبحانه-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
فلما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلًا إليها في كل شؤونها، ولخفاء معنى الحكمة على كثير من المسلمين، فقد قمت ببحث هذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مسترشدًا بآياته، مستشهدًا بقصصه، متأملًا لأوامره ونواهيه، مع النهل من معين السنة في فهم معنى الحكمة؛ لأن السنة هي المصدر الثاني من مصادر تفسير القرآن الكريم وفهمه.
كما أفدت من كلام السلف من الصحابة ومن بعدهم، توضيحًا لمعاني الحكمة ومدلولاتها، وقد بذلت جهدي، وحرصت على ضرب بعض الأمثلة من الواقع المعاصر تقريبًا للفهم، وتحقيقًا للقصد.
وقد عشت مع هذا الموضوع مدة طويلة متأملًا وباحثًا ومحققًا، ولم أقدم على تدوينه ونشره إلا بعد قناعتي بأنه قد استوى على سوقه، مع حاجة الناس إليه.
стр. 4
أسأل الله أن يحسن لنا المقاصد والنيات، وأن يوفقنا للحكمة في أقوالنا وأفعالنا، ونياتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 5
أهمية الموضوع
تظهر أهمية موضوع الحكمة من خلال التأمل في العناصر التالية:
١- أن لفظ "الحكيم" ورد في القرآن الكريم عشرات المرات (١) .
٢- أن "الحكيم" اسم من أسماء الله -تعالى-.
٣- أن الله قد أمر بالحكمة، فقال -سبحانه-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
٤- أن الله أثنى على صاحب الحكمة، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) ، وامتن على لقمان حيث آتاه الحكمة، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) .
٥- أن الله نسب الحكمة إلى نفسه، وجعل إيتاءها من عنده، فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) ، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) . وقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (يوسف: من الآية ٢٢) ، وقال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥١) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
стр. 6
٦- أن الحكمة، هي: الفقه في دين الله، كما فسرها كثير من السلف، والرسول ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١) .
٧- أن الحكمة ضالة المؤمن، متى وجدها فهو أحق بها.
٨- أن الرسول ﷺ دعا لابن عمه، عبد الله بن عباس ﵄ فقال: «اللهم علمه الحكمة» (٢) .
٩- أن مدار نجاح الدعوات على الحكمة.
١٠- الفهم الخاطئ لمعنى الحكمة من قبل كثير من الناس.
١١- مداهنة الظالمين، وضياع الحق، والسكوت على الباطل في كثير من بلاد المسلمين باسم الحكمة.
١٢- أن الحكمة ظلمت من قبل الخاصة والعامة، فالخاصة وهم بعض صغار طلاب العلم، فمنهم من يدعيها لنفسه، وينسب أعماله إلى الحكمة، وقليل ما هم.
والعامة يصفون كل من أمرهم بخلاف ما هم عليه من هوى أو شهوة، وأنكر بدعهم وضلالاتهم، يسمونه بعدم الحكمة، كالتطرف والعجلة، ونحو ذلك مما يضاد الحكمة.
١٣- أن الصحوة الإسلامية في يقظتها المعاصرة أحوج ما تكون إلى الحكماء.
стр. 7
١٤- أن بعض المواقف والأعمال التي قامت بها بعض الجماعات الإسلامية، وبعض الدعاة الغيورين كانت تفتقر إلى الحكمة، كالدخول في معارك عسكرية مع الأنظمة، حتى وإن كانت كافرة (١) وقد جرت مثل هذه الأعمال على أمتنا عمومًا، وعلى الدعاة خصوصًا الويلات.
ومثل ذلك أسلوب الاغتيالات، أو إحراق أماكن الفساد في بلد لا يملك فيه المسلمون السلطة.
وكل ذلك بسبب عدم الحكمة الناشئ عن الجهل في فهم النصوص ودلالاتها.
ومن خلال ما سبق تتضح أهمية الحكمة، بل أهمية الحديث عنها في ضوء القرآن الكريم.
стр. 8
١- المعنى اللغوي للحكمة
قال ابن فارس: الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو: المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها.
والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة، قال طرفة:
ليت المحكم والموعوظ صوتكما ... تحت التراب إذا ما الباطل انكشفا
أراد بالمحكم الشيخ المنسوب إلى الحكمة (١) .
وقال ابن منظور:
قيل: الحكيم:
ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٢) .
وقال الجوهري:
الحكم: الحكمة من العلم.
وصاحب الحكمة: المتقن للأمور.
وقد حكم- بضم الكاف، أي: صار حكيما، قال النمر بن تولب:
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
قال الأصمعي: أي: إذا حاولت أن تكون حكيما، والمحكم -بفتح الكاف- هو الشيخ المجرب، المنسوب إلى الحكمة (٣) .
وقال في (تاج العروس) :
والحكمة -بالكسر- العدل في القضاء كالحكم، والحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والعمل بمقتضاها، ولهذا انقسمت إلى علمية وعملية، ويقال: هي هيئة القوة العقلية العلمية.
وقيل: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل.
стр. 9
فالحكمة من الله: معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفته، وفعل الخيرات.
وأحكمه إحكاما: أتقنه، ومنه قولهم للرجل إذا كان حكيما: قد أحكمته التجارب.
وأحكمه: منعه من الفساد (١) .
وفي (المصباح المنير) : الحكمة وزان قصبة للدابة، سميت بذلك؛ لأنها تذللها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه.
ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال (٢) .
هذه أهم المعاني اللغوية التي وردت في الحكمة وأصلها.
وكلها تدور حول المنع؛ لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فيما يذم فيه، أو ما قد يندم عليه، وتمنعه من اختيار المفضول دون الفاضل، أو المهم قبل الأهم.
стр. 10
الحكمة في القرآن الكريم
ورد لفظ الحكمة في القرآن الكريم عشرين مرة، في تسع عشرة آية، في اثنتي عشرة سورة، وقد ورد لعدة معان، وتفصيل ذلك كما يلي: اختلف المفسرون في تفسير الآيات الواردة بلفظ الحكمة، فنجد مقاتل -كما ذكر الرازي - يقول: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: مواعظ القرآن، قال -تعالى- في سورة البقرة، الآية: ٢٣١: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٣١) ومثلها في آل عمران.
وثانيهما: الحكمة بمعنى: الفهم والعلم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: من الآية ١٢) ، وفي سورة لقمان (الآية: ١٢) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) يعني: الفهم والعلم، وفي (الأنعام الآية: ٨٩) : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٩) .
стр. 11
ثالثها: الحكمة بمعنى النبوة، ففي النساء ٥٤: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: من الآية ٥٤) ، وفي (ص ٢٠) ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص: من الآية ٢٠) وفي البقرة: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥١) .
ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، ففي النحل ١٢٥ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) ، وفي (البقرة ٢٦٩) ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) (١) .
ويقول الفيروزآبادي: وردت -الحكمة- في القرآن على ستة أوجه:
الأول: بمعنى النبوة والرسالة، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: من الآية ٤٨) . ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ (صّ: من الآية ٢٠) ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥١) . أي: النبوة.
الثاني: بمعنى القرآن والتفسير والتأويل، وإصابة القول فيه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .
стр. 12
الثالث: بمعنى فهم الدقائق والفقه في الدين ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: من الآية ١٢) .
الرابع: بمعنى: الوعظ والتذكير ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: من الآية ٥٤) . أي: المواعظ الحسنة، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٩) .
الخامس: آيات القرآن وأوامره ونواهيه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
السادس: بمعنى حجة العقل على وفق أحكام الشريعة، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) أي: قولًا يوافق العقل والشرع (١) .
وقال ابن كثير:
قال علي بن طلحة عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله (٢) .
وقال -أيضًا-: روي عن ابن عباس مرفوعًا: الحكمة القرآن، يعني تفسيره.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن.
وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم.
стр. 13
وقال أبو مالك: الحكمة: السنة.
وقال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي: الفقه في الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله.
قال السدي: الحكمة: النبوة.
وهذه الأقوال ذكرها ابن كثير ثم عقب قائلًا: والصحيح أن الحكمة -كما قال الجمهور- لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص (١) ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث (٢) .
وقال عبد الرحمن السعدي مفسرًا الحكمة:
الحكمة، هي: العلوم النافعة والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، ثم قال: وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة، التي هي: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام (٣) .
وقال القاسمي في تفسير الحكمة:
قال كثيرون: الحكمة: إتقان العلم والعمل، وبعبارة أخرى: معرفة الحق والعمل به (٤) .
وقال الرازي: والمراد بالحكمة: إما العلم، وإما فعل الصواب (٥) .
ونواصل الحديث عن (الحكمة) في كتاب الله كما بينها المفسرون.
فقد قال رشيد رضا مفسرًا:
стр. 14
الحكمة: التمييز بين ما يقع في النفس من الإلهام الإلهي والوسواس الشيطاني (١) .
قال الألوسي: وفي (البحر) : إن فيها تسعة وعشرين قولًا لأهل العلم، قريب بعضها من بعض، وعد بعضهم الأكثر منها اصطلاحًا واقتصارًا على ما رآه القائل فردًا مهمًا من الحكمة، وإلا فهي في الأصل: مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في علم أو عمل أو قول أو فيها كلها (٢) .
أما ابن عاشور فقد قال:
وفسرت الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة، أي: بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض، ولا يغلط في العلل والأسباب (٣) .
ونختم أقوال المفسرين في الحكمة بما ذكره سيد قطب ﵀ حيث فسر الحكمة بأنها:
القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال (٤) .
هذه خلاصة لأهم أقوال المفسرين في تفسير معنى الحكمة في كتاب الله، ونستطيع أن نقول: إن المفسرين فسروا الحكمة بتفسيرين:
الأول: النبوة.
الثاني: العلم والإتقان، والتوفيق، والبصيرة، والعمل الصائب، ومنع الظلم، ووضع الشيء في موضعه، وكلها معان متقاربة.
стр. 15
الحكمة في السنة
السنة هي المفسرة للقرآن، وهي المصدر الثاني للتشريع، ولذا سأذكر بعض الأحاديث التي وردت في الحكمة مع الاختصار في ذلك:
وقد وردت بعض الأحاديث الصحيحة، وكثير من الأحاديث الضعيفة.
وسأقتصر على أهم الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة، وبخاصة المشتهر منها على الألسنة.
أولًا: الأحاديث الصحيحة:
١- عن ابن عباس ﵄ قال: «ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: " اللهم علمه الحكمة» (١) رواه البخاري.
قال البخاري: الحكمة: الإصابة في غير النبوة.
قال ابن حجر: واختلف المراد بالحكمة هنا:
فقيل: الإصابة في القول.
وقيل: الفهم عن الله.
وقيل: ما يشهد العقل بصحته.
وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس.
وقيل: سرعة الجواب بالصواب.
ومنهم من فسر الحكمة هنا بالقرآن (٢) .
٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري ثم أطبقه» رواه البخاري (٣) .
стр. 16
٣- وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١) . رواه البخاري.
والحكمة هنا فسرت بالقرآن، كما وردت في حديث آخر. (٢)
٤- وعن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر حكمة» (٣) . حديث صحيح.
قال ابن حجر: إن من الشعر حكمة، أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحق.
وقيل: أصل الحكمة: المنع، فالمعنى: إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع من السفه (٤) .
٥- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمان والحكمة يمانية» حديث صحيح (٥) .
قال ابن الصلاح:
إن المراد بالحكمة: العلم المشتمل على المعرفة بالله (٦) .
ومعاني الحكمة في هذه الأحاديث قريبة من المعاني التي ذكرتها عند بيان الحكمة في كتاب الله.
стр. 17
ولعل مما يجدر ذكره هنا أن هناك بعض الأحاديث المشتهرة على الألسنة في الحكمة مع أن أسانيدها ضعيفة، مع الإشارة إلى جودة معناها، وأنها لا تخرج عن كونها حكمًا، إذا ما يثبت صحة نسبتها إلى رسول الله ﷺ ، ومنها:
١- «إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدًا في الدنيا وقلة منطق، فاقتربوا منه، فإنه يلقن الحكمة» رواه أبو هريرة، وروي عن أبي خلاد، وهو ضعيف (١) .
٢- «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» وفي لفظ: «حيث وجدها جذبها» ، وهو مروي عن أبي هريرة وعلي، وهو ضعيف جدًا (٢) .
٣- «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه» روي عن أبي أيوب، وهو ضعيف (٣) .
٤- «الطمع يذهب الحكمة من قلوب العلماء» روي عن أنس، وهو موضوع (٤) .
٥- «قلب ليس فيه حكمة كبيت خرب» روي عن ابن عمر، وهو ضعيف (٥) .
٦- «رأس الحكمة مخافة الله» روي عن ابن مسعود، وهو ضعيف (٦) .
٧- «الرفق رأس الحكمة» روي عن جرير، وهو ضعيف (٧) .
٨- «الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في العزلة، وواحد في الصمت» رواه أبو هريرة، وهو حديث ضعيف جدا (٨) .
٩- «الحكمة تزيد الشريف شرفا، وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك» روي عن أنس، وهو ضعيف (٩) .
стр. 18
١٠- «أنا دار الحكمة وعلي بابها» روي عن علي، وهو موضوع (١) .
стр. 19
الحكمة كما عرفها بعض العلماء
هناك عدة تعريفات أخرى للحكمة وهي لا تخرج عن معنى التعريفات السابقة، ولكن ذكرها يزيد الأمر وضوحا، ومن ذلك:
١- قيل: هي وضع الشيء في موضعه (١) .
٢- وقال ابن القيم: وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك، إنها: معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان (٢) .
٣- وقال رشيد رضا: الحكمة: العلم الصحيح، الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير (٣) .
٤- قال الرازي: حكم الحكمة والعقل، هو الحكم الصادق المبرأ من الزيغ والخلل، وحكم الحسن والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة (٤) .
وأخيرا: لعل خير خلاصة تجمع أغلب هذه المعاني التي وردت في الحكمة هي أنها: "فعل (٥) ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي" (٦) .
ولنأخذ، مثلا، يوضح ذلك:
الأمر بالصلاة، مما ينبغي، والأمر بشرب الخمر، لا ينبغي. وعلى الوجه الذي ينبغي، فقد يكون -الأمر بالصلاة- تذكيرا، أو أمرا، أو ضربا حسب الأحوال (٧) .
وفي الوقت الذي ينبغي، وذلك بمراعاة الزمان والمكان، وهذا له عدة صور وأحوال تجب مراعاتها.
стр. 20
أقسام الحكمة
قال ابن القيم: والحكمة، حكمتان: علمية، وعملية. فالعلمية: الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقا وأمرا، قدرا وشرعا. والعملية، كما قال صاحب المنازل: وضع الشيء في موضعه.
قال: وهي على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه.
الدرجة الثانية: أن تشهد نظر الله في وعده، وتعرف عدله في حكمه، وتلحظ بره في منعه. ومن معاني هذه الدرجة قول أهل الإثبات والسنة: إنها -أي الحكمة- الغايات المحمودة المطلوبة له -سبحانه- بخلقه وأمره، التي أمر لأجلها، وقدر وخلق لأجلها.
الدرجة الثالثة: أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وفي إرشادك الحقيقة، وفي إشاراتك الغاية. قال ابن القيم: يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة، وهي أعلى درجات العلماء (١) .
стр. 21
وتظهر الحكمة في قصتهم بما يلي:
١- أن هدايتهم إلى دين الله، وعدم تقليد قومهم على ما هم عليه هو عين الحكمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
٢- اعتزالهم لقومهم، بعد أن أدركوا أنه لا ينفع معهم نصح ولا دعوة، وهذه هي العزلة المشروعة، وبخاصة عند وقوع الفتن أو الخشية منها، وهذا مصداق الحديث الصحيح: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» .
٣- صمودهم على الحق عند مواجهتهم للباطل.
٤- العزلة الثانية، وهي عزلة سرية، لأن العزلة الأولى كانت عزلة دون تخف، حيث علم بهم قومهم، وعلموا ما هم عليه.
أما هذه العزلة، فكانت عزلة سرية، لا يعلم مكانهم، لما قد يترتب على ذلك من مفاسد. ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ٢٠) .
وكأنهم يشيرون إلى العزلة الأولى، ثم الفرصة التي أعطيت لهم، حيث علموا أن الفرصة لن تتكرر.
стр. 22
٥- حكمتهم في قضاء حوائجهم، ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية ١٩) .
إن هذه القصة، قصة عجيبة، فيها الحكمة، والعبرة، وبيان منهج الدعوة، وحسن استخدام الوسائل، وتقدير المصالح والمفاسد، ومعرفة ما آلت إليه الأمور، إلى غير ذلك من الدروس والعبر.
стр. 23
إن إبراز مواطن الحكمة في هذه القصة تبرز من خلال ما يلي:
١- العدل.
٢- التثبت.
٣- بُعدُ الرؤية، وسعة الأفق.
٤- إتقان قاعدة المصالح والمفاسد.
٥- القوة بدون عنف، واللين بدون ضعف.
٦- أداء المسئولية على وجهها.
٧- الشورى.
٨- نسبة الفضل لأهله.
٩- التنبه والحذر من الاستدراج.
١٠- القوة في اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
стр. 24
٤ - أن الداعية يخرج من قصة لقمان بعدة دروس أهمها:
(أ) حسن الأسلوب، واختيار أفضل الكلمات للوصول إلى قلوب المدعوين.
(ب) التركيز على الأصول من التوحيد وغيره، مع عدم الإخلال بالفروع.
(جـ) الإيجاز مع التركيز والشمول.
(د) أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليس بالأمر الهين واليسير، ولذا يخشى على صاحبه من المزالق، ويستطيع الداعية أن يتخلص من ذلك بالصبر، والتواضع، والتزام منهج الوسطية في أموره كلها.
وبعد:
فهذه وقفة سريعة مع هذه القصة العظيمة التي تنبض حكمة وعلما وفقها ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .
стр. 25
أمثلة من الحكمة في السنة النبوية
تجري الحكمة على لسان رسول الله ﷺ كالماء الزلال، وأفعاله ﷺ كلها عين الحكمة، فهو المعصوم من الزلل والخطأ.
وسأختار بعض الأمثلة، لبيان الحكمة في السنة، مكتفيا من القلادة بما أحاط بالعنق:
١- فنجد حكمته ﷺ في حسن تعامله مع أصحابه ومراعاته لأحوالهم، وهذا أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يؤتى له بمثال.
٢- إجابة الرسول ﷺ للسائلين، حيث قد يبدو الخلاف والتعارض -أحيانا- بينها، بينما هي من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وذلك لحكمة عظيمة، وهي مراعاة حال السائلين، ولنأخذ هذا المثال:
(أ) " سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ قائلا: «يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على ميقاتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، فسكت عن رسول الله، ولو استزدته لزادني» رواه البخاري (١) .
(ب) وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور» رواه البخاري (٢) .
стр. 26
(جـ) وعن عبد الله بن بسر ﵁ " أن رجلا قال: «يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» رواه أحمد والترمذي (١) .
إلى غير ذلك من الأحاديث التي سأل أصحابها عن أفضل العمل، فاختلفت إجابة رسول الله ﷺ مراعاة لحال السائلين، وإدراكا منه ﷺ أن ما يستطيعه هذا قد لا يستطيعه ذاك، إلى غير ذلك من الأسباب التي يراعى فيها حال الفرد وحاجة الأمة وقواعد الشرع.
ولو أن الدعاة استطاعوا أن يكلفوا كل إنسان بما يحسنه (٢) ويبتعد عما لا يستطيع، لحققت الأمة اكتفاء ذاتيا في أغلب مجالاتها.
ولكن واقع أغلب الناس، كما قال الشاعر:
ومكلف الأشياء ضدّ طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
٣- وانظر إلى هذا الأسلوب الحكيم من لدنه ﷺ لمعالجة قضية مهمة تحتاج إلى الحكمة، وبعد النظر.
стр. 27
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «إن فتى شابا أتى إلى النبي ﷺ فقال: " يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله!! يا رسول الله -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» رواه أحمد (١) .
أرأيتم مثل هذا الأسلوب، كيف جاء هذا الشاب وقد هاجت شهوته، ورغب في الحرام، وعاد عفيفا محصنا بعيدا عن الشهوة والشبهة.
стр. 28
٤- ولعل من أهم الأمثلة في هذا المجال، قصة الحديبية، وما وقع فيها من أحداث كانت تقتضي الحكمة في أسمى معانيها، وإلا لحدثت أمور لا تحمد عقباها.
ويصعب التفصيل في ذلك، حيث لا يتسع المجال له -حسب المنهج الذي رسمته- ولكن سأقتصر على قضية واحدة لتكون لنا عبرة ونبراسا، وتلك القضية هي كتابة الصلح، ولنقرأ كما في صحيح البخاري، وفيه:
«فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي- ﷺ : اكتب: باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي- ﷺ : والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله ... » الحديث (١) ".
стр. 29
إن التأمل في هذه الحادثة العظيمة، يبين لنا مقدار حكمة رسول الله ﷺ وعدم استجابته للاستفزاز، أو الوقوف عند أمر فيه سعة مع أنه يحقق، للمسلمين مكاسب باهرة، وهذا من باب النظر في المصلحتين والسعي لتحصيل أعلاهما، ولذلك جاءت النتيجة بتسمية الله لهذا الصلح فتحا، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: ١) .
وقادة الدعوة بحاجة إلى وعي هذه الدروس، وعدم الاستجابة لضغط القاعدة إذا كان خلاف الحق، أو أن هناك ما هو أولى مما يريده هؤلاء. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .
ولئلا يتوهم متوهم أن الحكمة تقتضي التنازل دائما إذا كان الأمر في مصلحة الإسلام والمسلمين، كما هو واقع بعض العاملين للإسلام، والمتحمسين للدعوة، ممن ينقصهم العلم الشرعي، وهذا خلل في المنهج، وخطأ في التصرف، وبخاصة أن هؤلاء يحتجون دائما بقصة الحديبية، عند كل تنازل يقدمونه.
стр. 30
من أجل هذا أبين أن هناك قضايا لا تقبل التنازل أبدا، وهذه هي الحكمة، وهذا كثير جدا في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وفعل الخلفاء الراشدين، ومن ذلك سبب نزول سورة (الكافرون) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: ١، ٢) .
وكذلك قصة قريش مع رسول الله، عندما طلبوا أن يخصص لهم مجلسا دون الضعفة من المسلمين، فنزل قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: من الآية ٥٢) . وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨) .
стр. 31
وكذلك عندما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، اشترطوا أن يدع لهم اللات ثلاث سنين -لا يهدمها- فأبى رسول الله -صلى اله عليه وسلم- ذلك، حتى إنهم تنازلوا شيئا فشيئا إلى أن طلبوا إمهال هدمها شهرا واحدا، فأبى رسول الله ﷺ .
ولكنهم عندما طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم، وافقهم على ذلك رسول الله ﷺ للفرق بين الطلبين، وهنا يتميز الحكيم عن غيره، وهو الذي يتنازل عن الكل أو يرفض الكل مع الفرق بينهما (١) .
أما أبو بكر وقصته في حرب الردة، وعدم تنازله عن شعيرة من شعائر الإسلام، وقوله كلمته الخالدة: " والله لو منعوني عناقا -أو عقالا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها".
وحيث يبين أنه سيسوي بين من ترك الصلاة، ومنع الزكاة، ولن يقبل التفريق بينهما، والقصة مفصلة في كتب الحديث والسيرة (٢) .
وهذه هي الحكمة كما عرفناها، هذا ما شهد به عمر -الفاروق- حيث كان مخالفا لأبي بكر في أول الأمر، ثم عرف أنه الحق لما شرح الله صدر أبي بكر وثبت عليه.
стр. 32
٥- أما أعظم أمر رأيت الحكمة متمثلة فيه من خلال منهج القرآن الكريم، وسنة الرسول ﷺ فهو معالجة قضية المنافقين، وهو العلاج الذي استمر منذ هجرته ﷺ إلى المدينة وحتى غزوة تبوك، بل إلى وفاته ﷺ .
وكما شغل حيزا كبيرا من وقته ﷺ في المدينة، فقد نزلت فيها آيات كثيرة جدا في كتاب الله، حتى نزلت سورة كاملة في هذا الموضوع.
وقد اتسم علاج هذه المشكلة بعدة سمات، من أبرزها:
١- طول المدة، وهي ما بين هجرته إلى قبيل وفاته ﷺ وهذا يدل على الصبر العظيم، الذي تحلى به رسول الله ﷺ وهو يعالج هذه المشكلة العويصة بتؤدة وروية.
٢- الآيات الكثيرة التي نزلت في القضية، حيث لا يقاربها قضية أخرى إلا قضية الشرك والمشركين، وقضية أهل الكتاب. والله -سبحانه- قادر على حسمها في آية واحدة، ولكن القرآن جاء ليرسم منهجا للبشر فيه صفة الشمول والديمومة، لأنه دين عالمي.
стр. 33
٣- الحرص على وحدة الصف، مع عدم السكوت عن الباطل، وإقراره، أو هذه مسألة يغفل عنها كثير من الدعاة، وقد تحقق الأمران، فبقي الصف المسلم موحدا، وتم القضاء على فتنة المنافقين بأساليب عدة.
٤- أخذ الناس بظواهرهم، وترك سرائرهم إلى الله، وهو منهج فريد تميز به الإسلام عن سائر النظم والأديان، ومع أن المنافقين أشد كفرا من المشركين فلم يؤاخذوا إلا بما ظهر منهم، مع علم الرسول ﷺ بما هم عليه من النفاق والكفر.
ولكن القضية قضية منهج، وليست قضية أفراد يتم القضاء عليهم، ثم ينتهي الأمر، لأن المسألة أعمق من ذلك وأبعد، فجاء العلاج متوازيا مع حجم المشكلة وأبعادها وآثارها.
٥- المحافظة على هيبة المجتمع المسلم في نظر الأعداء والخصوم، «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (١) وبخاصة مع كثرة الأعداء، واستغلالهم لكل فرصة تسنح لهم داخل الصف.
٦- تركيز القرآن على الصفات وعدم ذكر الأفراد، حيث لم يرد في القرآن اسم منافق واحد.
стр. 34
وهذا المنهج حقق آثارا إيجابية ضخمة، وكان كفيلا بالقضاء على هذه الحركة مع تجاوز السلبيات المتوقعة، ولهذا قال الرسول ﷺ في نهاية المطاف ردا على عمر -الفاروق- الذي طالما طالب بقتل المنافقين حمية لدين الله: «أين عمر؟ لو قتلنا هؤلاء يوم طلب عمر لأرعدت لهم أنوف تريد اليوم قتلهم» (١) . وهذا المنهج هو الذي أدى إلى قتلهم معنويا، دون الحاجة إلى قتل أي فرد منهم حسيا.
وهذه -والله- هي الحكمة في أسمى معانيها.
إننا اليوم بأمس الحاجة إلى دراسة منهج مواجهة حركة النفاق في الصدر الأول، ومن ذلك دراسة الآيات التي نزلت في هذه القضية، وبخاصة في سور (البقرة -التوبة -الأحزاب -المنافقون) .
وبهذا نستطيع أن نحقق ما يلي:
١- معرفة الوسائل الموصلة إلى الكشف عن هوية المنافقين في مجتمعنا، ومدى تأثيرهم في المجتمع.
٢- رسم منهج شرعي لمواجهة هذه الحركة، وأسلوب التعامل معها.
٣- شل فاعليتها، ثم القضاء عليها دون إحداث فتن داخل الصف المسلم.
ولن يتحقق هذا الأمر إلا بالالتزام بالحكمة التي رأينا بعض مظاهرها، وسماتها في منهج القرآن، والسنة، عند معالجة هذه القضية الكبرى.
стр. 35
١- الهوى وعدم التجرد:
يقول -سبحانه-: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: من الآية ٢٦) . ويقول: ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص: من الآية ٥٠) . وقال: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (المؤمنون: من الآية ٧١) . والآيات في ذم الهوى كثيرة جدا، وكلها تدل على استحالة اجتماع الحكمة والهوى، وتأمل في هاتين الآيتين ليتضح ما أقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: من الآية ٤٩) . والحكم بما أنزل الله هو مقتضى الحكمة (١) .
وفي آية أخرى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (محمد: ١٤) .
وفي حديث الرسول ﷺ في بيان وقت العزلة: «فإذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ... » الحديث (٢) .
стр. 36
وهذا دليل على فقدان الحكمة وذهابها. والحكمة منبعها العقل، بل إن معناهما واشتقاقهما متقارب، فكلاهما يدلان على المنع مما لا ينبغي، ومن هنا جاء الشاعر يبين تأثير الهوى على الحكمة:
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
والهوى يعمي، ويصم، كما قال شيخ الإسلام، فمن كانت هذه حاله فأنى له الحكمة.
стр. 37
٢- الجهل:
والجهل ضد العلم، وما وجد الجهل في شيء إلا شانه، وما نزع من شيء إلا زانه، والتأمل في هذه الآيات يبين تأثير الجهل، وأنه والحكمة لا يجتمعان، حيث ذكر الله -سبحانه- في أكثر من آية أن سبب عدم توفيقهم للحق والحكمة هو الجهل:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر: ٦٤) . ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: من الآية ٦٧) . ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠) . ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: من الآية ٤٦) . ومن خلال هذه الآيات وأمثالها يتضح لنا تأثير الجهل على الحكمة، وأنه من خوارمها، ولذا قال الشاعر:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور
فهل ننتظر الحكمة من الأموات؟
стр. 38
٣ - الأخذ بظواهر النصوص، وعدم الجمع بين الأدلة .
وذلك كمنهج الظاهرية في الأخذ بظواهر النصوص، ولذا لم يوفقوا للصواب في كثير من المسائل، وهل الحكمة إلا الإصابة في القول والعمل -كما سبق-؟
أما عدم الجمع بين الأدلة فهو مزلق آخر من المزالق التي يقع فيها بعض طلاب العلم، فيعتمدون على دليل دون آخر، وهذا يؤدي إلى اتخاذ بعض المواقف بعيدا عن الحكمة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ففطن لشيء، ولكن غابت عنه أشياء.
ومن ذلك الاستدلال بقوله -تعالى-: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٨، ٣٩) . ويغفل عن الأحاديث التي تبين أن الإنسان قد يكون آثما إذا رأى منكرا عمله غيره فلم يغيره، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، حسب استطاعته.
وكذلك يغفل عن الأحاديث التي تبين مشاركة المسلم لغيره في الأجر، كما ورد في أحاديث كثيرة. ومنها: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» الحديث (١) .
стр. 39
ومثل ذلك الاستدلال بقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤) . على وجوب الإنصات مطلقا، ويغفل الأحاديث الواجبة في قراءة الفاتحة في الصلاة حتى مع قراءة الإمام (١) .
стр. 40
٤- الاستدلال بالأدلة في غير مواضعها:
وهذا يختلف عن السابق، لأنه استخدام للدليل في غير موضعه، والأمثلة توضح ذلك:
(أ) فكم سمعنا من الناس من إذا طلب منه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال: مالي وللناس، فلم أكلف بهم، والله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٠٥) .
وقد روى الإمام أحمد أن أبا بكر الصديق قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٠٥) . وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه» .
قال ابن كثير: وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصديق وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره (١) .