← Общие книги

Общие книги · id 1874

الحكمة

ناصر العمر

Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا دليل على فقدان الحكمة وذهابها. والحكمة منبعها العقل، بل إن معناهما واشتقاقهما متقارب، فكلاهما يدلان على المنع مما لا ينبغي، ومن هنا جاء الشاعر يبين تأثير الهوى على الحكمة: وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا والهوى يعمي، ويصم، كما قال شيخ الإسلام، فمن كانت هذه حاله فأنى له الحكمة.

стр. 37

٢- الجهل: والجهل ضد العلم، وما وجد الجهل في شيء إلا شانه، وما نزع من شيء إلا زانه، والتأمل في هذه الآيات يبين تأثير الجهل، وأنه والحكمة لا يجتمعان، حيث ذكر الله -سبحانه- في أكثر من آية أن سبب عدم توفيقهم للحق والحكمة هو الجهل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر: ٦٤) . ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: من الآية ٦٧) . ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠) . ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: من الآية ٤٦) . ومن خلال هذه الآيات وأمثالها يتضح لنا تأثير الجهل على الحكمة، وأنه من خوارمها، ولذا قال الشاعر: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور فهل ننتظر الحكمة من الأموات؟

стр. 38

٣ - الأخذ بظواهر النصوص، وعدم الجمع بين الأدلة . وذلك كمنهج الظاهرية في الأخذ بظواهر النصوص، ولذا لم يوفقوا للصواب في كثير من المسائل، وهل الحكمة إلا الإصابة في القول والعمل -كما سبق-؟ أما عدم الجمع بين الأدلة فهو مزلق آخر من المزالق التي يقع فيها بعض طلاب العلم، فيعتمدون على دليل دون آخر، وهذا يؤدي إلى اتخاذ بعض المواقف بعيدا عن الحكمة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ففطن لشيء، ولكن غابت عنه أشياء. ومن ذلك الاستدلال بقوله -تعالى-: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٨، ٣٩) . ويغفل عن الأحاديث التي تبين أن الإنسان قد يكون آثما إذا رأى منكرا عمله غيره فلم يغيره، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، حسب استطاعته. وكذلك يغفل عن الأحاديث التي تبين مشاركة المسلم لغيره في الأجر، كما ورد في أحاديث كثيرة. ومنها: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» الحديث (١) .

стр. 39

ومثل ذلك الاستدلال بقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤) . على وجوب الإنصات مطلقا، ويغفل الأحاديث الواجبة في قراءة الفاتحة في الصلاة حتى مع قراءة الإمام (١) .

стр. 40

٤- الاستدلال بالأدلة في غير مواضعها: وهذا يختلف عن السابق، لأنه استخدام للدليل في غير موضعه، والأمثلة توضح ذلك: (أ) فكم سمعنا من الناس من إذا طلب منه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال: مالي وللناس، فلم أكلف بهم، والله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٠٥) . وقد روى الإمام أحمد أن أبا بكر الصديق قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٠٥) . وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه» . قال ابن كثير: وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصديق وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره (١) .

стр. 41

(ب) ومن الاستدلال بالأدلة في غير مواضعها، استدلال كثير من الناس بقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٥) . وبخاصة عند تبرير عدم المشاركة في الجهاد في سبيل الله، ولم يعلموا أن هذا الدليل حجة عليهم لا لهم، ولننظر في هذا الحديث.

стр. 42

روى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: «حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار تحببا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم فنزل قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٥) . فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد» (١) . والأمثلة في هذا كثيرة جدا، والاستدلال بها على هذا الوجه يخالف الحكمة وينافيها.

стр. 43

٥- عدم فهم الدليل: وذلك بأن يكون الدليل صحيحا، والاستشهاد به في موضعه، ولكنه لا يفهم الدليل على وجهه الصحيح -وذلك فرع عن الجهل- وهنا يخالف الحكمة في تصرفه، وأسلوب تطبيقه. ومثال ذلك: أن الرسول ﷺ قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» (١) الحديث. فيأتي فيضرب ابنه ضربا مبرحا وغليظا، وهذا غير مراد من الحديث، وهو يخالف الحكمة، لأن المراد هو الضرب غير المبرح الموجع، لأن الطفل لم يكلف بعد، فمن كان في سن العاشرة أو الحادية عشرة فلم يبلغ سن التكليف، فكيف نعاقبه عقابا شديدا، والمراد هو التربية والتعويد، لا العقاب والتعزير. وكذلك قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: من الآية ٣٤) . فيأتي الزوج، ولا يفهم معنى هذه الآية، ويقول: إن الواو لا تقتضي ترتيبا، ولا تعقيبا، فيبدأ بالضرب قبل الوعظ والهجر، ويأتي آخر ويضرب زوجته ضربا شديدا مؤلما، وكل هذا خلاف الحكمة وناشئ من قصور الفهم.

стр. 44

٦- قلة التجربة والفردية: ولذا نجد أن بعض تصرفات الشباب تخالف الحكمة لقلة تجربتهم ومحدوديتها وضعفها. ٧- أما الفردية: وهي من خوارم الحكمة الظاهرة، لذا قال الرسول ﷺ «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (١) . وقال الشاعر: رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف، ورأي الفرد يشقيها وسيأتي مزيد بيان لذلك في الحديث عن أركان الحكمة وأسسها.

стр. 45

ثلاث خوارم متقاربة ٨- عدم تحديد الأهداف. ٩- النظرة السطحية. ١٠- آنية التفكير وموسمية العمل والارتجال. إن هذه العوائق الثلاثة متقاربة في معناها، وحقيقتها، وإن كان كل واحد منها يحمل معنى خاصا، ونستطيع أن نقول: إن بينها عموما وخصوصا. فعدم تحديد الأهداف ورسمها بدقة يؤدي إلى آنية التفكير وموسمية العمل، وهذا هو الارتجال بعينه، وهذا الأمر لا ينشأ عادة إلا من النظرة السطحية للأمور، والوقوف عند ظواهر الأحداث، دون النظر في أسبابها، ومآلاتها وآثارها، والنتيجة الطبيعية لاتخاذ القرار، والموقف من الحدث، هو عدم تطابق ما يتخذ من قرار مع ما يستوجبه الحدث، وبالتالي يجانب الحكمة، لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وهذا مثل: طبيب جاءه مريض، وقد بدت بعض البثور على وجهه، فقام الطبيب بوصف بعض المراهم التي تزيل البثور، دون البحث في تحليل أسباب هذا المرض، والنتيجة هي عودة البثور بين فترة وأخرى، لعدم القضاء على أسبابها.

стр. 46

ومثل ذلك: من في أسنانه تسوس، ويشكو من آلامها، فكلما جاء إلى الطبيب أعطاه ما يسكن الألم، ويستمر الألم يعاوده، والطبيب مستمر في وصف المسكنات، دون اتخاذ العلاج الحاسم بإزالة التسوس، حتى لو أدى إلى إزالة السن ذاته، لأن بقاء التسوس سيجعله يقضي على بقية السن، أو قد ينتقل المرض إلى العصب وبقية الأسنان إذا أهملت الأسباب، وتم تجاهل حقيقة المرض. ومثل ذلك نقول في الأحداث، وما نواجهه من أمور تحتاج إلى علاج حاسم ذي أهداف محددة.

стр. 47

١١- تقديم الجزئيات على الكليات وهذا ناشئ من قصور العلم، وقصر النظر، وهذا الأمر ابتلينا به كثيرا في عصرنا الحاضر، وفي بعض دول العالم الإسلامي. وأدرك أعداء الإسلام هذه الثغرة، فأقاموا بعض شعائر الإسلام الجزئية، وهدموا أصوله وأركانه. يعاقبون المفطر في رمضان، ولكنهم لا يزيلون مظاهر الشرك، ولا يأمرون بالصلاة، فضلا عن أن يعاقبوا تاركها. يقرأون القرآن في الإذاعة، وينقلون خطبة الجمعة في التلفزيون، ولكنهم يتحاكمون إلى شريعة الطاغوت. ورأينا عددا من الناس يغضبون إذا رأوا شارب الدخان، وهو منكر -ولا شك-، ولكنهم لا يحركون ساكنا عندما يرون الربا، وقد ضرب في الأرض أطنابه، وينفعلون إذا خرجت امرأة سافرة عن وجهها -وهذا محرم بالكتاب والسنة- ولكنهم يتجاهلون دخول اليهود والنصارى والوثنيين إلى بلاد المسلمين، وإقامتهم بين ظهرانيهم. ولتتضح الصورة أكثر أضرب هذا المثال: مريض أصيب بالزائدة، فذهب إلى المستشفى مسرعا فأصابته شوكة في أصبعه، فلما وصل انشغل الطبيب بالأصبع وشوكته عن الزائدة، التي قد تنفجر بين لحظة وأخرى، فتودي بصاحبها. أين الحكمة في هذا التصرف؟

стр. 48

١٢- العجلة وعدم ضبط النفس العجلة من الشيطان، وإذا ابتلي إنسان بهذه الخصلة الذميمة، ستقوده إلى المهالك، ومن آثار العجلة ومظاهرها عدم ضبط النفس في المواقف التي تحتاج إلى تأن، وتؤدة وروية. وأكثر أسباب الندم ناتج عن العجلة والانفعال غير المنضبط، وهنا تكون النتيجة غير محمودة. من غرس الحنظل لا يرتجي ... أن يجتني السكر من غرسته

стр. 49

١٣- الخلط في المفاهيم الحكيم لا بد أن ينطلق من مفاهيم صحيحة، وقواعد ثابتة، مستمدة من الكتاب والسنة، وإذا اختلطت المفاهيم لدى المرء وتشابهت الأمور، لن يصل إلى مبتغاه، وسيتخبط في سيره، ومن الملحوظ في عصرنا الحاضر اختلاط كثير من المفاهيم على كثير من طلاب العلم والدعاة ومن ذلك: (أ) الخلط في مفهوم خوف الفتنة، حتى أصبح سيفا مصلتا على رؤوس الداعين إلى الله، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، فكلما أمر آمر بمعروف، أو نهى ناه عن منكر، قيل له: إنك تثير الفتنة، ولم يعلم أولئك أنهم في الفتنة سقطوا، وكان من نتيجة هذا الأمر، أن استمرت الأمة تقدم التنازلات الواحد تلو الآخر، وبعض الدعاة ساكتون أو مسكتون خوف الفتنة، حتى ضرب الكفر أوتاده في بلاد المسلمين، وهذه هي الفتنة الحقيقية ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٣) . (ب) ومن الخلط في المفاهيم، الخلط بين الحزبية والانتماء، حتى سوى الكثير بينهما، مع الفارق الكبير.

стр. 50

فالحزبية مذمومة، وهو تحزب المسلمين بعضهم ضد بعض، فالمسلمون لا يكونون إلا حزبا واحدا، ضد الكفر وأهله. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: من الآية ٢٢) . أما الانتماء لأهل السنة والجماعة ولجماعة المسلمين ومنهجهم فهو مشروع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٣) . ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) . ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٤) . والمذموم هو الانتماء لأهل الباطل وللأحزاب البدعية، وهذا ليس من الانتماء المشروع في شيء. ونتيجة للخلط في هذا المفهوم جانبت الحكمة بعض المنتسبين إلى الدعوة، فبدلا من أن يدعو إلى الوحدة والائتلاف، دعوا إلى الفردية والتفرق، وهم لا يريدون ذلك -ولا شك-، ولكن من يزرع الشوك لا يقطف العنب. (جـ) ومن الأمثلة -أيضا- في خلط المفاهيم الخلط بين الوسائل والغايات، وكذلك الخلط بين الثوابت والمتغيرات.

стр. 51

وكذلك عدم إدراك الفرق بين حب السلف، وفهم منهج السلف، والالتزام بمنهج السلف، فليس حب السلف وحده كافيا لأن يكون صاحبه ممثلا لمنهج السلف، فلا بد من: ١- حب السلف والذود عنهم، وعن منهجهم. ٢- فهم المنهج، أي منهج أهل السنة والجماعة. ٣- الالتزام بمنهج السلف، خلقا ودعوة، وسلوكا، قولا، وفعلا. وأي إخلال بواحد من هذه الأسس يعتبر إخلالا بانتساب الفرد إلى السلف.

стр. 52

١٤- عدم إتقان قاعدة المصالح والمفاسد: وهذا يؤدي إلى تقديم جلب المصلحة على دفع المفسدة، ودفع المفسدة الصغرى بالكبرى، وجلب المصلحة الدنيا، وترك العليا. وليس الحكيم هو من يعرف الخير والشر، وإنما الحكيم من يعرف خير الخيرين، وشر الشرين. وهذه القاعدة من أعظم قواعد الشريعة، والجهل بها يجر على المسلمين الشرور والويلات.

стр. 53

١٥- الغفلة عن مكائد الأعداء نحن في عصر اشتد فيه الصراع بين الحق والباطل، وقد تطورت أساليب الأعداء في حرب الإسلام والمسلمين، وبخاصة عندما أثبت لهم التاريخ أن أي معركة مباشرة مع المسلمين لن تكون في صالح الكفر إن عاجلا أو آجلا. وهنا لجأوا إلى أساليب المكر والخديعة والتلبيس، وقد انطلت هذه الأساليب على كثير من المسلمين، وانخدعوا بالشعارات التي يرفعها أعداء الله، ومن هنا كانت كثير من المواقف التي وقفها العلماء والدعاة في بعض بلاد المسلمين غير متكافئة مع خطط الأعداء ومؤامراتهم. وهذه نتيجة الجهل بفقه الواقع، وها نحن ندفع ثمن هذا الأمر ربا فضل ونسيئة. إن الحكمة هي فعل ما ينبغي، كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. فكيف نفعل ما ينبغي كما ينبغي إذا كنا لا ندرك ماذا ينبغي؟ لأن الحكم فرع عن التصور، وتصورنا لعدونا يشوبه النقص والتقصير.

стр. 54

١٦- وأخيرا فإن من خوارم الحكمة: الغلظة والعنف والطيش وما وجدت الفظاظة في شيء إلا شانته، وما نزعت من شيء إلا زانته، ويكفي لبيان ذلك أن نتأمل قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٩) . وسرعة الغضب والانفعال من خوارم وقوادح الحكمة. وبعد: فهذه أهم خوارم الحكمة، وموانعها، وحري بالدعاة إلى الله أن يتأملوها ليجتنبوها، وعلى طلاب العلم أن يحذروا أمتهم منها، ليكونوا مسددين في أقوالهم، وأفعالهم، ونياتهم.

стр. 55

١- التجرد والإخلاص والتقوى هذا هو الأساس لكل عمل، والمنطلق لكل هدف وغاية، فالله يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٢) . ويقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) . ويقول -سبحانه-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: من الآية ٥) . والرسول ﷺ يقول: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١) .

стр. 56

إننا لا نتصور حكمة بدون تجرد وإخلاص، ولذلك ذكرت أن من موانع الحكمة، الهوى، فإذا كان الهوى من موانع الحكمة فإن الإخلاص والتقوى أساسها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: من الآيتين ٢، ٣) . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق: من الآية ٤) . ونلمس هذا المعنى في قوله -تعالى-: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: من الآية ٧٤) . فإنه لن يكون إماما إلا إذا كان حكيما، وإذا كان إماما للمتقين، فالتقوى صفة للإمام قبل المأمومين.

стр. 57

٢- التوفيق والإلهام إن الحكمة مطلب عزيز، وغاية سامية، ورتبة رفيعة، ينال صاحبها سمة من سمات الأنبياء والرسل، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- ولذا فليست متاحة لكل فرد، بل هي مع بذل الأسباب وتوافر الأركان فضل من الله ونعمة، ولذا قال -سبحانه-: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . وبين أنه أعطى لقمان الحكمة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) . وسأل رسول الله ﷺ ربه أن يلهم ابن عباس الحكمة، ويعلمه إياها. «اللهم علمه الحكمة» (١) . رواه البخاري. وعندما نفقه هذه الحقيقة، فإنه يتعين علينا أن نتعامل معها بما يجب أن نعمله من أسباب، ليمن الله علينا بها، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .

стр. 58

٣- العلم الشرعي والعلم من أهم قواعد الحكمة ودعائمها، فكما أن الجهل مانع من موانعها، فإن العلم سبب من أسبابها، وركن من أركانها. ولهذا قال -سبحانه-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية ٢٨) . وخشية الله من الحكمة، وقال تعالى-: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية ٩) . لا يستوون في أشياء كثيرة، ومنها إدراك الحكمة. وقرن الله بين الحكم -وهي الحكمة- والعلم في عدة آيات من كتاب الله، فيقول -سبحانه- عن لوط: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء: من الآية ٧٤) . ويقول عن يوسف: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٢٢) . ويقول عن داود وسليمان: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء: من الآية ٧٩) . وقال عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (القصص: من الآية ١٤) .

стр. 59

وهذه الآيات من أقوى الأدلة على اقتران الحكمة بالعلم، ولذلك يقول -سبحانه-: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية ٨٣) . وعلم الأمر المختلف فيه أو ما يشكل على العامة هو الحكمة، وأولو الأمر هنا هم العلماء، وكذلك نفهم ارتباط العلم بالحكمة والحكمة بالعلم، من قول الرسول ﷺ «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» والله -سبحانه- يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . ومن خلال هذه الأدلة يتضح لنا هذا الأمر، بل إن بعض العلماء فسروا الحكمة بالعلم، وممن أطال في ذلك وفصل فيه رشيد رضا (١) وكذلك الرازي (٢) وهذه حقيقة، فالزمها تؤت الحكمة.

стр. 60

٤- التجربة والخبرة وهما من أهم أسباب التوفيق للحكمة، وقد ورد عند البخاري في الأدب المفرد: "لا حكيم إلا ذو تجربة"، والمثل المعروف يقول: "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"، إن التجربة في الحياة رصيد ضخم تعادل أعلى الشهادات، فإذا أضيفت إلى العلم أصبحت أهم من الشهادة، وهل الشهادة إلا علم وتجربة، مع أنها في الغالب تكون تجربة قاصرة. ولقد وقفت طويلا عند آية وردت في القرآن، وهي قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (الأحقاف: من الآية ١٥) . فإنني ألحظ أن ارتباط بلوغ الأشد والاستواء بسن الأربعين له عدة دلالات، ومنها أن المرء يكون قد حصل على رصيد مناسب من التجربة، بل إنني ألمس في حياة الناس أن ما قبل الأربعين رصيد التجربة فيه أقوى من رصيد العطاء، وما بعد الأربعين سمة العطاء فيه أقوى من التجربة ألا وهي الخبرة، حيث إن الأربعين مرحلة وسطية في عمر الإنسان، حيث إن ما قبلها من العمل يعادل ما بعدها في الأعم الأغلب.

стр. 61

ومما يجري في سياق الآية، أن رسول الله ﷺ بعث على الأربعين، والله -سبحانه- يقول عن يوسف، ﵇،: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (القصص: من الآية ١٤) . قال الحسن: "بلغ أربعين سنة" (١) . وخلاصة الكلام: أن التجربة عامل مهم في حصول الحكمة وتحققها.

стр. 62

٥- الاستشارة ذكرت أن الفردية من خوارم الحكمة، ومن وسائل تجنب الفردية الاستشارة. والشورى لها مكانتها في الإسلام، وللدلالة على أهميتها وعظم منزلتها، أن الله -سبحانه- أمر نبيه ﷺ وهو المعصوم الذي يوحى إليه، أن يستشير صحابته فقال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٩) . بل إن هذه الآية جاءت في سياق يفيد أن هذا هو مقتضى الحكمة، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) .

стр. 63

وقال -سبحانه- واصفا المؤمنين ومثنيا عليهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية ٣٨) . بل إنني وجدت آية أخرى نصا في المسألة، وهي قضية فطام الولد فقد قال -سبحانه-: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٣) . وفصل الولد وفطامه يحتاج إلى حكمة حتى لا يضار وهو صغير لا حول له ولا قوة، وقد يكون ضحية خلاف بين الوالدين، فجعل التشاور شرطا للفطام، وليس مجرد التشاور كافيا، بل لا بد أن يكون تشاورا حقيقيا، تكون نتيجته التراضي والاتفاق، وإلا فلا، ولذلك قال ابن كثير: أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد في ذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره (١) .

стр. 64

ومن خلال ما سبق تتضح أهمية الشورى، وأثرها في مواجهة الأحداث، ولو استغنى أحد عنها لاستغنى رسول الله ﷺ الذي كان يشاور صحابته عند الملمات، بل إنه كان يأخذ برأيهم، ولو خالف رأيه -أحيانا- كما حدث في أُحُد. رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف، ورأي الفرد يشقيها ولذا يقول الشاعر: ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق ويقول الآخر: إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه وقد قيل: الناس ثلاثة: رجل كامل -أي الكمال النسبي- وهو الذي له عقل ويستشير، ونصف رجل: وهو الذي له عقل (١) ولا يستشير، والثالث: لا شيء، وهو الذي لا عقل له ولا يستشير (٢) .

стр. 65

٦- بعد النظر وسمو الأهداف إن الذي يعيش لقضية مصيرية يختلف عن إنسان يعيش على هامش الحياة، فعند وقوع حدث من الأحداث، أو مواجهة قضية من القضايا سنجد الفرق بين التفكيرين، لأن الأول سيربط القضية بالأهداف التي يسعى إليها، ويعالجها من خلال منظور معين، وهذا الذي يرمي إليه الشاعر، بقوله: ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق والشاهد هنا: (حتى يحل بكل واد قلبه) . أما الثاني فإنه يعطي الرأي، ويتخذ الموقف بناء على الظروف المحيطة به، بعيدا عن النظر في الأسباب والنتائج والآثار فهو بادي الرأي. ولذا فإن علو الهمة، وبعد النظر، سبب من أسباب التوفيق في الرأي، والسداد فيه، وصدق الشاعر: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام

стр. 66

٧- فقه السنن وهي عامل مهم في نضوج الرأي وسلامة التفكير، لأن التفكر في السنن الكونية والشرعية مما حث القرآن على العناية به: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الروم: من الآية ٩) . ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (يوسف: من الآية ١٠٩) . حيث وردت عدة مرات، فنجد في سورة الحج ٤٦: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج: من الآية ٤٦) فقرن السير في الأرض -وهو إما حسي أو معنوي- بالعقل، وهو موطن الحكمة، بل إن الآيات جاءت أمرا بالسير في الأرض، ولم تقتصر على الاستفهام فقال -سبحانه- في عدة آيات: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٣٧) . ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: من الآية ١١) . إن قراءة التاريخ والاطلاع على أحوال الأمم الماضية يضيف إلى رصيد التجربة رصيدا علميا من تجارب الآخرين، ولذا قال الشاعر: اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ... ضل قوم ليس يدرون الخبر وكلما تعمق الإنسان في رؤية الماضي من خلال السنن الكونية والشرعية، كان أكثر قدرة على وضوح الرؤية في المستقبل، ضمن الضوابط الشرعية والعقلية.

стр. 67

٨- رجاحة العقل إن العقل مكان الحكمة وبيتها، وبين العقل والحكمة اشتراك لفظي ومعنوي، وقد يطلق العاقل على الحكيم، والحكيم على العاقل، فإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. حيث إن الحكمة أعم من العقل وأشمل. ومما يدل على علاقة العقل بالحكمة أن الله لما ذكر الحكمة فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . ختمها بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . أي: أولو العقول، قال ابن عاشور: وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . تذييل للتنبيه على أن من شاء الله إيتاء الحكمة هو ذو اللب، وأن تذكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار استحضار اللب وقوته، واللب في الأصل: خلاصة الشيء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإنسان؛ لأنه أنفع شيء فيه (١) . ولأثر العقل في تصرفات المرء وسلوكه، ذكره الله في القرآن كثيرا، تنويها بمكانته، وأثره في الحياة.

стр. 68

٩- العدل أمر الله بالعدل في كتابه في عدة مواضع، ولا يمكن أن تجتمع الحكمة مع الظلم، والحيف والجور. يقول -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (النحل: من الآية ٩٠) . ويقول -تعالى-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية ٨) . وفي سورة الأنعام ١٥٢: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) وفي سورة الشورى ١٥: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: من الآية ١٥) وعند التأمل في هذه الآية، تتضح علاقة الحكمة بالعدل، بل مكانة العدل من الحكمة ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: ٧٦) .

стр. 69

والحكم والحكمة اشتقاقهما واحد، ومعناهما متقارب، وعند النظر في دلالات الحكمة، نجد أنها في مآلاتها بمعنى الحكم، لأن الحكم هو الحكم بين المتخاصمين أو بين الخصوم، والحكمة هي النظر في أمرين أو عدة أمور، واختيار الصائب أو الأصوب منها، والله -سبحانه- قد جعل العدل أساس الحكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية ٥٨) . فكما أن العدل من لوازم الحكم، فهو من لوازم الحكمة، بل ركن من أركانها، وأساس من أسسها، والعدل والحكمة معناهما: "وضع الشيء في موضعه"، وإن كانت الحكمة أعم من العدل -كما سبق بيانه-.

стр. 70

١٠- التثبت من الوسائل التي تؤدي إلى الحكمة: التثبت، والتثبت: منهج شرعي دعا إليه القرآن، حيث قال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: من الآية ٦) . وبما أن العجلة والاستخفاف من خوارم الحكمة، فإن التأني والتثبت من دعائمها. والعجلة من الشيطان، ولذلك قال الله -تعالى- لرسوله ﷺ ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: من الآية ٦٠) . وهذه الآية أعم من التثبت، بل هي أمر بالصبر، والتثبت يحتاج إلى الصبر. وفي آية الحجرات بعد أن أمر الله بالتبين، قال في الآية التي بعدها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (الحجرات: من الآية ٧) . أي: لو أن الرسول ﷺ استجاب لما يريدون دون تثبت ولا روية لأصابهم العنت والمشقة، الحسية والمعنوية، وهذا مما يخالف الحكمة ومقاصدها. والذي يمعن النظر في كثير من الأحداث المعاصرة، يدرك أن من أبرز أسباب آثارها السلبية: العجلة وعدم التثبت.

стр. 71

ولقد أدرك الأعداء هذه الثغرة، فكثروا من الإشاعات والأراجيف، وتلقاها كثير من المسلمين بدون روية ولا تبصر، ولم يلتزموا المنهج الرباني، بالتثبت ورد الأمر إلى أهله، كما أمر الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية ٨٣) . ولهذا فقدنا الحكمة في كثير من الأحداث التي مرت بالمسلمين، فجاءت النتائج كما نرى.

стр. 72

١١- المجاهدة قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية ٦٩) . أي: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، كما فسرها الإمام الطبري (١) والحكمة هي التوفيق لإصابة الحق. ولهذا فإن من أعظم الأسباب للتوفيق للحكمة، هي المجاهدة وهي مفاعلة من الجهاد، فهو جهاد بعد جهاد، وحمل للنفس على تحقيق مراد الله مرة بعد أخرى. وهذه الآية وعد من الله بأن من جاهد نفسه طالبا للحكمة باحثا عنها أن يوفقه الله إليها، ولو بعد حين، وهذا وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا؟.

стр. 73

١٢- الدعاء والاستخارة قال الله -سبحانه-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) . قال ابن عاشور: الرشد: إصابة الحق وفعله (١) . وقد تقدم أن من معاني الحكمة: الإصابة في القول والعمل. والدعاء له منزلة عظيمة، وآثاره مشاهدة، ملموسة، وتكرر في القرآن وروده، قال -سبحانه-: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: من الآية ٦٢) . وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية ٦٠) . وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (الأعراف: من الآية ٥٥) . والاستخارة قرينة الدعاء، بل هي نوع من الدعاء المشروع، عندما يعرض للمرء طريقان فأكثر، ولا يدري أيها يسلك، فإنه بالاستخارة يوفق للصواب والحكمة.

стр. 74

١٣- الصبر الصبر مفتاح الفرج، ولقد وردت آيتان في كتاب الله، وقفت عندهما متأملا، وخرجت بعد ذلك مستنتجا، أن الصبر دعامة من دعائم الحكمة، بل سبب من أسبابها، وذلك في قوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: من الآية ٧٣) . وفي السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤) . إن الصبر من أعظم أسباب توفيقهم للإمامة، ولا يمكن أن يكون إماما للمتقين إلا إذا كان حكيما، قال الإمام الطبري: وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتم بهم، ويهتدى بهديهم (١) . ولمنزلة الصبر وأثره في الحياة، وردت آيات كثيرة تحث عليه وتأمر به، ومن الآيات التي وردت تبين أثر الصبر في الحصول على الحكمة والتوفيق لها. منها قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٤، ٣٥) .

стр. 75

فإن الإنسان إذا سلك منهجا يجعل من عدوه حميما وصديقا، فإن ذلك دليل على الحكمة وحسن التصرف. والقرآن يبين أنه لن يصل إلى هذه المنزلة إلا من كان صابرا موفقا، وهناك آيات كثيرة عند التدبر لها، يدرك المسلم منزلة الصبر من الحكمة، وأثره في التوفيق لها. ومنها: قوله -تعالى-: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: من الآية ٤٥) . وقوله -سبحانه-: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: من الآية ١٧) . وقوله: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: ٦٧) . وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (الكهف: من الآية ٦٩) . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) . ومن خلال ما سبق يتضح أن الصبر من صفات الحكماء، ولذلك أوصى الله به رسله، وأنبياءه، وعباده المؤمنين.
следующие страницы →