← Общие книги

Общие книги · id 1874

الحكمة

ناصر العمر

Полный текст (88 стр.). Показаны 71–88 · переход к 76.

стр. 71

ولقد أدرك الأعداء هذه الثغرة، فكثروا من الإشاعات والأراجيف، وتلقاها كثير من المسلمين بدون روية ولا تبصر، ولم يلتزموا المنهج الرباني، بالتثبت ورد الأمر إلى أهله، كما أمر الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية ٨٣) . ولهذا فقدنا الحكمة في كثير من الأحداث التي مرت بالمسلمين، فجاءت النتائج كما نرى.

стр. 72

١١- المجاهدة قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية ٦٩) . أي: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، كما فسرها الإمام الطبري (١) والحكمة هي التوفيق لإصابة الحق. ولهذا فإن من أعظم الأسباب للتوفيق للحكمة، هي المجاهدة وهي مفاعلة من الجهاد، فهو جهاد بعد جهاد، وحمل للنفس على تحقيق مراد الله مرة بعد أخرى. وهذه الآية وعد من الله بأن من جاهد نفسه طالبا للحكمة باحثا عنها أن يوفقه الله إليها، ولو بعد حين، وهذا وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا؟.

стр. 73

١٢- الدعاء والاستخارة قال الله -سبحانه-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) . قال ابن عاشور: الرشد: إصابة الحق وفعله (١) . وقد تقدم أن من معاني الحكمة: الإصابة في القول والعمل. والدعاء له منزلة عظيمة، وآثاره مشاهدة، ملموسة، وتكرر في القرآن وروده، قال -سبحانه-: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: من الآية ٦٢) . وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية ٦٠) . وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (الأعراف: من الآية ٥٥) . والاستخارة قرينة الدعاء، بل هي نوع من الدعاء المشروع، عندما يعرض للمرء طريقان فأكثر، ولا يدري أيها يسلك، فإنه بالاستخارة يوفق للصواب والحكمة.

стр. 74

١٣- الصبر الصبر مفتاح الفرج، ولقد وردت آيتان في كتاب الله، وقفت عندهما متأملا، وخرجت بعد ذلك مستنتجا، أن الصبر دعامة من دعائم الحكمة، بل سبب من أسبابها، وذلك في قوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: من الآية ٧٣) . وفي السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤) . إن الصبر من أعظم أسباب توفيقهم للإمامة، ولا يمكن أن يكون إماما للمتقين إلا إذا كان حكيما، قال الإمام الطبري: وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتم بهم، ويهتدى بهديهم (١) . ولمنزلة الصبر وأثره في الحياة، وردت آيات كثيرة تحث عليه وتأمر به، ومن الآيات التي وردت تبين أثر الصبر في الحصول على الحكمة والتوفيق لها. منها قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٤، ٣٥) .

стр. 75

فإن الإنسان إذا سلك منهجا يجعل من عدوه حميما وصديقا، فإن ذلك دليل على الحكمة وحسن التصرف. والقرآن يبين أنه لن يصل إلى هذه المنزلة إلا من كان صابرا موفقا، وهناك آيات كثيرة عند التدبر لها، يدرك المسلم منزلة الصبر من الحكمة، وأثره في التوفيق لها. ومنها: قوله -تعالى-: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: من الآية ٤٥) . وقوله -سبحانه-: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: من الآية ١٧) . وقوله: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: ٦٧) . وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (الكهف: من الآية ٦٩) . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) . ومن خلال ما سبق يتضح أن الصبر من صفات الحكماء، ولذلك أوصى الله به رسله، وأنبياءه، وعباده المؤمنين.

стр. 76

١٤- الرفق ولين الجانب وخير ما أختم به هذا المبحث من الأركان والأسباب التي تؤدي إلى الحكمة هو: الرفق واللين، فإن الله رفيق يحب الرفق، والرسول ﷺ يقول: «إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (١) . وكان ﷺ وهو الرفيق بأمته يوصي صحابته بالرفق والسكينة دائما، وقد مدح الله -جل وعلا- رسوله ﷺ فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٩) . فالرفق واللين من سمات الحكماء. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هناك فهما خاطئا لمفهوم اللين؛ حيث يتصور الكثير أن الرفق واللين مرادف للضعف. وهذا فهم خاطئ، فإن الرفق واللين لا يضاد القوة، ولا يستلزم الضعف، وإنما يضاد العنف والفظاظة والغلظة، ومن الأدلة على ذلك: ١- أن الله -تعالى- وصف رسوله ﷺ باللين، ومدحه بذلك، ونفى عنه الفظاظة والغلظة، ولا يمدح إلا بالممدوح. ٢- أن الرسول ﷺ من أقوى الرجال بل هو أقواهم، مع اللين والرحمة، والرفق وخفض الجانب.

стр. 77

٣- أن الرسول ﷺ أوصى الذي يريد أن يذبح ذبيحته باللين والرفق، والذبح من مظاهر القوة لا الضعف «وليحد شفرته وليرح ذبيحته» (١) . وفي هذا الحديث دليل على أن القوة باللين والرفق، فحد الشفرة، دليل على القوة بلين ورفق. ٤- أن الجهاد مظهر من مظاهر القوة، بل هو القوة بعينها، ومع ذلك ينهى فيه عما يؤدي إلى العنف والغلظة، فنهى عن المثلة ونحوها. وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين اللين، والرفق وبين القوة، وكلها من صفات الحكماء. وبعد: فهذه أهم وأبرز أركان الحكمة وأسبابها، حسب ما ظهر لي بالتتبع والاستقراء لكتاب الله . وقد تجتمع هذه الأركان في شخص واحد، وهو نادر وقليل، وقد تتوافر في مجموعة من الأفراد، فبمجموعهم تتوافر فيهم أركان الحكمة وسماتها. وكما ذكر العلماء، أن المجدد قد يكون فردًا واحدًا، وقد يكونون مجموعة من العلماء، والدعاة يجددون لهذه الأمة أمر دينها (٢) . ولهذا فإن الحكمة قد تكون كاملة وقد تكون نسبية، وهو الأكثر (٣) وهذا المفهوم يساعدنا في البحث عن الحكمة والحكماء عند مواجهة الأحداث والأزمات.

стр. 78

١- الوالدان، والأولاد والزوجة، والأهل والأرحام. فموضوع بر الوالدين وتربية الأولاد، ومصاحبة الزوجة ومعاشرتها، وصلة الأهل والأرحام والأقارب موضوع وقع الناس فيه بين إفراط وتفريط، وقليل منهم من يوفق إلى الأسلوب الأمثل ويؤدي حق الله في هذا الجانب. فمثلا: الزوجة، هناك من أساء فهم حق القوامة التي منحه الله إياها، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: من الآية ٣٤) . فتسلط على زوجته واعتبرها مملوكة له، يعاملها كما يعامل السيد مملوكه، وتجاهل حقوقها، والمنهج الشرعي في معاشرتها، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: من الآية ١٩) . وهذا استعباد لم يأذن به الله، وآخرون خضعوا لسلطان الشهوة. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤) . فاستعبدتهم النساء، وأصبحت المرأة هي السيدة في البيت، فلا يقضى أمر دونها، ولا يعتذر عن مطلب من مطالبها، فضاعت القوامة، ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.

стр. 79

والقليل من وفق إلى العمل بهذه الأدلة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: من الآية ٣٤) . ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: من الآية ٢٢٨) ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: من الآية ١٩) . وقول الرسول، ﷺ «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر» (١) . وقوله: «إنما هن عوان عندكم» (٢) . أي: أسيرات، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين حق الزوجة والزوج.

стр. 80

٢- التعامل مع المجتمع: فلا يخلو مجتمع من المجتمعات من التناقضات، والمجتمع يحتاج إلى أسلوب حكيم في التعامل معه، جلبا وتنمية للإيجابيات، ودرءًا للسلبيات، فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء.

стр. 81

٣- أهل البدع: وهذا موضوع مهم للغاية، وقد بين العلماء المنهج الشرعي في التعامل مع أهل البدع، وفرقوا بين البدع صغيرها وكبيرها، والظاهر منها والمستتر، كما فرقوا بين الداعي إلى بدعته، والقاصرها على نفسه. وليس هذا مكان بيان ذلك، ولكن أردت أن أشير إلى الخلل الواقع في ذلك من قبل بعض الدعاة وطلبة العلم، مما يجانب الحكمة ويضادها.

стр. 82

٤- إنكار المنكر: لماذا إنكار المنكر؟ وهل الأمر بالمعروف لا يحتاج إلى حكمة؟ ليس الأمر كذلك، ولست في بيان الأمور التي تحتاج إلى الحكمة، وإنما المراد هو الإشارة إلى ما يفتقر إلى الحكمة من حيث الواقع، والمشاهد أن الإخلال بالحكمة في النهي عن المنكر أعظم من الإخلال بها عند الأمر بالمعروف. وكذلك فإن ضوابط إنكار المنكر قد تخفى على الكثيرين، أكثر من خفاء ضوابط الأمر بالمعروف. وخلاصة القول: إننا بحاجة إلى الحكمة عند الأمر بالمعروف، ولكننا أشد حاجة إليها عند إنكار المنكر. لأنه لا بد من مراعاة قاعدة المصالح والمفاسد، وقاعدة سد الذرائع، وغيرهما من القواعد الشرعية. والإخلال بالحكمة له آثاره التي لا تخفى، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .

стр. 83

٥- إشاعة بعض الأخبار والمفاهيم: يقول الله -سبحانه- وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: ٨٣) . من القضايا التي تقل فيها مراعاة الحكمة: إشاعة الأخبار، مما ظاهره المسرة أو الخوف، وقد يكون وراء هذه الأخبار أهداف تخفى على الكثيرين، وبخاصة وقت الأزمات والحروب. ولأن الحكمة ليست متاحة لكل أحد أمر الله برد هذه الأخبار إلى رسول الله ﷺ في حياته، وإلى سنته وعلماء الأمة بعد وفاته ﷺ لأن أولئك هم الذين يدركون الحكمة، ويعلمون ما وراء هذه الأخبار، ومن ثم يقررون ما يناسب الحال. وهم الذين يفقهون قول الرسول ﷺ «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» (١) . لأن كثيرا من الإشاعات والأخبار ليست على ظاهرها، بل قد تكون مكذوبة من أصلها.

стр. 84

٦- النقد وبيان الأخطاء: هذه مسألة ضل فيها كثير من الناس، فطائفة أطلقوا ألسنتهم دون حسيب أو رقيب، وديدنهم النقد والتجريح وإحصاء الأخطاء والمثالب، لا يسمعون بمنقصة إلا أشاعوها، ولا بمذمة إلا أذاعوها، وطائفة أخرى اعتبروا النصيحة فضيحة، والتنبيه على الأخطاء تجريحا، وجعلوا لبعض الأفراد والهيئات والجماعات قداسة لا تمس، ومنحوهم حصانة لا ترفع، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ومن هنا فإن موضوع النقد وبيان الأخطاء موضوع حساس، له ضوابط يجب أن تراعى، وحدود لا يجوز تعديها وتجاوزها. ومراعاة هذا الأمر هو الحكمة التي نعنيها، والضالة التي ننشدها. هذه نماذج من أمور كثيرة يجب أن تراعى الحكمة فيها، ونلحظ تساهل كثير من الناس في ذلك، مما ترك كثيرا من الآثار السلبية في واقع المسلمين ومجتمعاتهم.

стр. 85

مسائل متعارضة سوى الناس بينها هناك مسائل وقضايا اختلط الأمر فيها على بعض المسلمين، فسووا بينها مع أنها متضادة ومتعارضة، وبينها خيط رفيع لا يدركه إلا الحكماء، ممن وهبهم الله البصر والبصيرة. فمثلا نجد الخلط بين الإسراف وبين الكرم، والخلط بين البخل وبين التوفير أو الاقتصاد. والأول مذموم، والثاني ممدوح، ومطلوب. ولذا فبعض الناس يصف الكريم بالإسراف، وآخرون يصفون المسرف بالكرم، وهكذا. وسأذكر بعضا من هذه القضايا والمسائل، تنبيها إلى خطورة عدم التفريق بينها، وتصور أنها من المتماثلات، لنكون على بينة من أمرنا تجنبا لإطلاق الكلام على عواهنه، دون تبصر لحقيقته وآثاره. فمن ذلك الخلط بين: ١- القوة وبين العنف والغلظة. ٢- الرفق واللين وبين الضعف. ٣- المداراة وبين المداهنة. ٤- المصلحة وبين المفسدة. ٥- النصيحة وبين التشهير. ٦- الإسرار وبين السكوت عن الحق. ٧- الغيرة وبين الاندفاع غير المنضبط. ٨- العزة وبين التكبر. ٩- التواضع وبين الذل. ١٠- التأني وبين البرود والخمول والكسل. ١١- الشجاعة وبين التهور. ١٢- خوف الفتنة وبين الجبن والخوف.

стр. 86

وكثير من الناس يصعب عليه التفريق بينها، فتجد من يصف الشجاع بالتهور، وتجد من يُثني على المتهور ويصفه بالشجاعة. ونرى من يسم الناصح بالتشهير، وآخرون يبررون عمل الذي يشهر بالناس بأنه ناصح، وهكذا. والمنهج الصحيح هو تسمية الحقائق بأسمائها، ولا يتسنى ذلك إلا لمن رزق علما وفهما وقدرة على وضع الشيء في موضعه، وهذه هي الحكمة التي نتحدث عنها.

стр. 87

الخاتمة وبعد: فهذه هي الحكمة كما فهمناها من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ حيث اتضح لنا الأثر الإيجابي الذي يتركه من التزم بالحكمة ووفق لها. أما من لم يوفق للحكمة -وهم كثر، لا كثرهم الله- فقد جنوا على الأمة المصائب والويلات لتصرفاتهم التي سببت للمسلمين البلاء والمزيد، من تسلط الأعداء. إنه حري بالعلماء وطلاب العلم والدعاة أن يلموا بالحكمة، ويلتمسوا سبلها، في وقت عز فيه الحكماء، وبخاصة أمام هذه الهجمة الصليبية المتقنة. لأننا، وإن كنا بأمس الحاجة إلى القوة الاقتصادية والعسكرية، فإن حاجتنا إلى الرأي السديد والنظر البعيد أشد وأولى، وصدق الشاعر، إذ يقول: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني والآخر يقول: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى وإذا كان يعز توافر الحكمة في فرد واحد، فإن توافرها في مجموعة أفراد أحرى وأجدى وأقرب للمنال، ولهذا قال الشاعر: رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

стр. 88

إن الأمة أحوج ما تكون إلى العلماء والدعاة العاملين المخلصين، الملتزمين بمنهج الرسول ﷺ في وقت أصبح الحليم حيران. إن العلاج بين أيدينا في كتاب ربنا، وسنة نبينا، حيث يقول المصطفى ﷺ «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي» وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١) . وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) . ولكن لن يفقه ذلك إلا من آتاه الله الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) . وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.