حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م
الناشر
دار ماجد عَسيرِي للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - جده - ٢١٤١٢
ص. ب ١٥١٢٦
الإدارة - ٦٦٥١٦٤٨ - فاكس ٦٦٥٧٥٢٩
جوال ٠٥٥٣٢٣١١٦ - وجوال ٠٥٥٦٢٣٧٠٥
المبيعات ت/ ٦٦٣١٤٠٣ - جوال ٠٥٤٣٤٦١٥١
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الحافظ شمس الدين الذهبي (١):
وطالب الحديث اليوم ينبغي أن ينسخ أولاً "الجمع بين الصحيحين" و"أحكام عبد الحق" و"الضياء" ويُدمن النظر فيهم، ويُكثر من تحصيل تواليف البيهقي؛ فإنها نافعة، ولا أقل من مختصر كـ "الإلمام" ودرسه.
стр. 6
تقديم فضيلة الدكتور أحمد بن معبد عبد الكريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن كتب أحاديث الأحكام الشرعية لا تخفى أهميتها وشدة الحاجة إليها، حيث قام مؤلفوها بجمع أحاديثها من مصادرها الأصلية التي كانت متوافرة في عصر كل منهم، ومن أكثرها فائدة المؤلفات التي لم يقتصر مؤلفوها على أحاديث صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما، بل أضافوا إلى ذلك ما ذكر في غير الصحيحين مما اشترط مؤلفه الصحة كابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وغير ذلك من المستخرجات والسنن والمسانيد وكتب علل الحديث والرجال وغيرها.
وبذلك اشتملت تلك المؤلفات على ما تفرق في غيرها من أدلة العقائد والأحكام الشرعية.
ومن هذه المؤلفات كتاب "السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام" لمؤلفه الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، الذي أقدمه لطلاب العلم والراغبين في معرفة أدلة السنة المطهرة للعبادات ومناشط الحياة الدنيا وجوانب الحياة الآخرة،
وقد يتميز هذا الكتاب عن غيره من المؤلفات الأخرى في أحاديث الأحكام بميزات فصلها الأخ المحقق في دراسته عن الكتاب، ومن أهمها مكانة مؤلفه العلمية ومحتوياته، فمكانة مؤلفه المعتبرة بين أئمة عصره تجعل النفس تطمئن إلى ما اشتمل عليه الكتاب، وكذلك محتوياته قيمة من حيث نصوص الروايات الحديثية والكلام على أسانيدها ورواتها ومتونها وبيان درجاتها من الصحة وغيرها
стр. 7
على ضوء القواعد والآراء النقدية لأئمة الحديث والفقه المعتبرين.
وقد اشتمل الكتاب أيضًا على نصوص وروايات غير قليلة تعتبر مصادرها الأصلية حتى الآن مفتقدة أو نسخها الخطية عزيزة المنال مثل السنن للأثرم وسعيد ابن منصور وبعض الروايات النقدية عن الإمام أحمد أو غيره.
ثم إن هذا الكتاب يخرج الآن مطبوعًا لأول مرة حسب علمي، وقد قام الأخ الفاضل الشيخ حسين بن عكاشة -حفظه الله - بأعباء تحقيقه وتوثيق نصوصه بأقصى الطاقة والتعليق المفيد عليه دون إفراط ولا تفريط.
ومحقق الكتاب الشيخ حسين يعتبر من أوائل من عرفتهم بالقاهرة عقب عودتي من الرياض بالمملكة العربية السعودية، وذلك من خلال تحقيقه لكتاب "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري، ولاحظت حرصه على الدقة في تحقيق النصوص وعنايته بتوثيقها بالتخريج من المصادر مع التعليق بما تيسر له من الفوائد، وخبرته الجيدة بالمخطوطات، كما لمست من حسن خلقه وتواضعه ما أسأل الله أن يثبته عليه ويزيده منه، وأن يمنحه التوفيق والسداد في مستقبل حياته العلمية والعملية؛ حتى نرى على يديه من كنوز السنة ما لا تنتهي الحاجة إليه إلى يوم الدين.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه فقير رحمة ربه
أحمد بن معبد عبد الكريم
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] (٢). َ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣).
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(أما بعد، فإن أولى ما صُرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس المتنافسون فيه، وشمر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين ورسول رب العالمين، الذي لا نجاة لأحد إلا به، ولا فلاح له في داريه إلا بالتعلق بسببه، الذي من ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صُرف عنه فقد
стр. 9
خسر وحُرم؛ لأنه قطب السعادة الذي مدارها عليه، وآخِيَّة (١) الإيمان الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه، ودالة لمن سلك فيها عليه، بعث رسوله بها مناديًّا، وأقامه على أعلامها داعيًا وإليها هاديًا؟ فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا، ازداد من الله طردًا وإبعادًا، ذلك بأنه صدف عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال، وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالاً على أمثاله من العبيد؛ لم يسلك من سبل العلم مناهجها، ولم يرتق في درجاته معارجها، ولا تألقت في خلده أنوار بوارقه، ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه؛ لكنه ارتضع من ثدي من لم تطهر بالعصمة لبانه، وورد مشربًا آجنًا (٢) طالما كدَّر قلب الوارد ولسانه، تضج منه الفروج والدماء والأموال، إلى من حلل الحلال وحرم الحرام، وتعج منه الحقوق إلى منزل الشرائع والأحكام، فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا واعيًا، أن يرغب بنفسه عن أن يجعل كده وسعيه في نصرة من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وأن لا ينزلها في منازل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فإن لله يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المحقون ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] (٣)،
стр. 10
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (١) فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامه، ونبذ سنته وراء ظهره، وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأمامه، فسيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خُرْثِيِّ (٢) المتاع (٣).
ولما كان كتاب "السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام" للإمام الحافظ الحجة بقية السلف ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ رحمة واسعة- قد جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، بحيث يَصْدُق أنه يُقال فيه أنه (لم يَنْسج على بديع منواله، ولا حرَّر على شكله ومثاله، أحدٌ من الأئمة الأعلام، قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار، وبلغ إلى غايةٍ في الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار، وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة، تفنى دون الظفر ببعضها طوال الأعمار) (٤) فقد كدتُ أطير فرحًا لما وقفت عليه في دار الكتاب المصرية وتحققت منه، وطال تعجبي أن يظل كتاب في غاية الأهمية مثله حبيس الأدراج لم يطبع إلى الآن، وقلت في نفسي لعله طُبع ولما
стр. 11
أقف أنا عليه، ولم يكن من سبيل للتأكد من ذلك إلا سؤال أهل العلم، فاتصلت على الفور بفضيلة الدكتور الكريم/ أحمد بن معبد عبد الكريم -وهو أعلم من رأيت بالكتب: الموجود منها والمفقود، المطبوع منها والمخطوط- فأخبرني فضيلته أنه لا يعلم أن أحدًا يعمل فيه، وأنه لم يطبع بعد، وحثني على العمل على تحقيقه وإخراجه، جزاه الله عني خيرًا، ثم سألت بعد ذلك عدة من أهل العلم فأكدوا لي أنه لم يطبع، منهم فضيلة الشيخ أبو إسحاق الحويني، وفضيلة الشيخ أبو الفضل عبد المحسن الحسيني، وفضيلة الشيخ عادل بن محمد، جزاهم الله خيرًا.
وعدت إلى نفسي أفكر في سبب عدم طبع هذا الكتاب إلى الآن مع عظم أهميته، فوجدت أن ذلك يرجع إلى سببين رئيسيين، هما:
أولاً: ذُكر الكتاب في فهرس دار الكتاب وغيره من الفهارس باسم "أحكام الصبا" (١) فلم يفطن كثير من الناس إلى أنه هو "أحكام الضياء".
ثانيًا: أن الكتاب قد أثرت الرطوبة فيه خصوصًا في المجلد الثاني فاختلط المداد بحيث لا يمكن قراءة أوراق كثيرة منه (٢)، فمن يقف عليه سيمنعه ذلك من
стр. 12
العمل على تحقيقه وإخراجه للناس، والله أعلم.
ثم اتفقت مع الأخوين الفاضلين: مجدي بن السيد أمين وأيمن بن سلامة ابن محمد أن نعمل معًا في الكتاب لضخامة حجمه، وبدأنا بتصوير الكتاب والعمل فيه، وكان ذلك من حوالي ثلاثة أعوام ونصف، وإنما تأخر الكتاب هذه الفترة الطويلة لانشغالي بعدة مشاريع علمية، طُبع منها "الأحكام الشرعية الكبرى" (١) للإمام الحافظ الفقيه عبد الحق الإشبيلي، وكتاب "تفسير القرآن العزيز" (٢) للإمام القدوة الزاهد أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنِين القرطبي، و "شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأفعال" (٣) لسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وغيرها.
وقد بذلت في تحقيق الكتاب قصارى جهدي، وحرصت على إخراج الكتاب في أحسن صورة، ووضعت نصب عيني من اللحظة الأولى أن يكون الكتاب نافعًا لكل المسلمين، بمعنى أن يكون كتاب "أحكام الضياء" هو كتاب كل مسلم، يرجع إليه إذا احتاج إلى معرفة دليل أي مسألة عملية من السنة النبوية، ولذلك فقد حرصت على الإيجاز في التعليقات خصوصًا ما يتعلق منها بالكلام على الأسانيد وعلل الأحاديث، وأطلت في التعليقات التي تتعلق
стр. 13
بشرح غريب الحديث، وتوضيح المواضع المشكلة، ودفع التعارض بين الروايات، وتوخيت في ذلك كله بساطة الأسلوب وسلاسة العبارة مع غزارة المادة العلمية، ولم أقل حرفًا من قِبَل نفسي، إنما نقلت من كلام أئمتنا السابقين ﵏ أجمعين- ورددت الفضل إلى أهله -فإن من بركة العلم عزوه إلى أهله- فعزوت كل قول إلى قائله، ووثقت كل النقولات بذكر مصادرها ليرجع إليها من شاء.
وأنا إذ أكتب هذه السطور، وقد أنهيت تحقيق الكتاب -بعون الله الملك الوهاب- تغمرني السعادة؛ لأن الله استعملني لخدمة دينه وسنة نبيه المصطفى ﷺ بتحقيق هذا الكتاب الجليل، ويسعدني أن أقدمه إلى المسلمين كافة؛ لينتفعوا به وينهلوا من علمه، سائلاً المولى أن ينفع به مؤلفه ومحققه، وكل من عمل فيه، ومن أعان على طبعه ونشره، وسائر المسلمين، إنه جواد كريم.
وأنا إذ أقدمه بين يدي العلماء والمشايخ وطلبة العلم أرجو أن لا يبخلوا عليَّ بنصائحهم القيمة، واستدراكاتهم الصائبة، ونقدهم البناء، في سبيل خدمة سنة نبينا ﷺ وإخراج كتب السنة في أحسن صورة.
وأرجو أن يتفضل عليَّ كل من كان عنده علم بوجود نسخ خطية أخرى للكتاب أو قطعة منه أن يتصل بي فورًا، وله مني جزيل الشكر، والدال على الخير كفاعله.
وأكرر هنا دعاء المصنف الحافظ الضياء الذي دعا به في مقدمة الكتاب: أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه، وأن ينفعنا به ومن كتبه
стр. 14
أو سمعه أو نظر فيه بفضله وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
كتبه
أبو عبد الله حسين بن عكاشة بن رمضان
القاهرة، التبين
هاتف: ٥٠١١٢٢٣
стр. 15
الباب الأول منهج العمل في تحقيق الكتاب
стр. 16
منهج العمل في تحقيق الكتاب
اتخذت من نسخة دار الكتب أصلاً للعمل في الكتاب، ودفعتها إلى مجموعة من الإخوة لنسخها، ومنهم: مجدي بن السيد أمين، وأيمن بن سلامة بن محمد، وعبد الله بن سليمان، ومحمد بن زكي، وغيرهم جزاهم الله خيرًا.
ثم قابلت النسوخ على الأصل مرة أخرى، بحيث كنت ممسكًا بالأصل ويُقرأ علي الكتاب، وقد كان يقرأ عليَّ نفس الإخوة الذين قاموا بالنسخ تقريبًا، وقابلت المواضع المشكلة على النسخة الخطية عدة مرات.
نسقت بين فقرات الكتاب ووضعت علامات الترقيم المناسبة، ووضعت أرقام ورقات النسخة الخطية على حاشية الكتاب، مبينًا أوائل كل وجهٍ من الورقة.
قام الأخ مجدي بن السيد أمين بترقيم أحاديث الكتاب.
رقمت أبواب كل كتاب فقهي.
قمنا بتوثيق نصوص الأحاديث من مصادرها الأصلية من كتب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، ومقابلة الأحاديث على مصادرها للتأكد من سلامتها من شوائب السقط والتحريف والتصحيف، وأثبتنا الخلافات الجوهرية، وقد عاونني في ذلك الإخوة الأفاضل: عبد الله بن سليمان ومجدي بن السيد أمين وأحمد ابن نبيل وغيرهم من إخواننا العاملين معنا جزاهم الله خيرًا.
قمت عند وجود اختلاف بين ما هو موجود في النسخة الخطية وما هو موجود في الكتاب المطبوع المعزو إليه الحديث بمراجعة عدة نسخ للكتاب الواحد خصوصًا النسخ المتقنة والشروح التي تهتم بذكر فروق الروايات والنسخ المختلفة للكتاب الواحد.
стр. 17
فأمَّا "صحيح البخاري" فكنت أراجع النسخة المطبوعة مع فتح الباري، والنسخة السلطانية المتقنة المطبوعة عن نسخة الحافظ اليونيني، ونسخة الحافظ القسطلاني المدموجة مع شرحه "إرشاد الساري"، وما قيده الحافظ القاضي عياض من ألفاظ صحيح البخاري واختلاف رواياته في كتابه القيم "مشارق الأنوار" وما قيده الحافظ ابن حجر العسقلاني من ألفاظ صحيح البخاري واختلاف رواياته في شرحه "فتح الباري" وما قيده القسطلاني في شرحه من اختلاف روايات البخاري، فعند اختلاف لفظ البخاري الموجود في الأصل الخطي مع لفظه الموجود في النسخة المطبوعة مع فتح الباري -التي جرى عليها العزو لانتشارها بين طلبة العلم- كنت أراجع هذه الكتب قبل أن أصحح لفظًا، أو أضيف كلمة سقطت، أو أحذف كلمة تكررت، أو أنبِّه على سقط أو تحريف أو تكرار وقع في النسخة المطبوعة، أو أنبه على اختلاف روايات البخاري في هذا الموضع، ونحو هذا، وكان هذا منهجنا لكل كتب السنة بعد.
أما "صحيح مسلم" فجرى العزو إلى النسخة التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعت النسخة المطبوعة مع شرح النووي، وكذلك ما قيده النووي ﵀ في شرحه بالحروف من ضبط الألفاظ واختلاف الروايات، وما قيده القاضي عياض ﵀ من ألفاظ صحيح مسلم واختلاف رواياته في كتابه "مشارق الأنوار".
وأما "سنن أبي داود" فجرى العزو على النسخة التي حققها محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ وراجعت النسخة المطبوعة بتحقيق محمد عوامة التي قوبلت على عدة نسخ خطية، وراجعت كذلك النسخة المطبوعة مع "عون المعبود" وما قيده الشارح من ألفاظ وروايات للسنن، وكذلك شرح العلامة ابن القيم ﵀.
стр. 18
أما "سنن النسائي" فجرى العزو على النسخة التي حققها مكتب تحقيق التراث الإسلامي، وطبعتها دار المعرفة -وقد أحَلْنا في العزو إلى أرقام صفحات الطبعة القديمة المثبتة على حاشية هذه النسخة، تيسيرًا على طلبة العلم- راجعت ما قيده السيوطي والسندي بالحروف في حاشيتهما على السنن، وراجعت أيضًا "السنن الكبرى" بتحقيق البنداري وكسراوي.
أما "جامع الترمذي" فجرى العزو على النسخة التي حقق منها مجلدين الشيخ أحمد شاكر ﵀ وأكملها محمد فؤاد عبد الباقي والحوت، وراجعت النسخ المطبوعة مع شرح الإمام ابن العربي "عارضة الأحوذي" والنسخة المطبوعة مع شرح المباركفوري "تحفة الأحوذي"، وما قيده بالحروف ابن العربي والمباركفوري.
أما "سنن ابن ماجه" فجرى العزو على النسخة التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي وراجعت النسخة المطبوعة مع شرح السندي، ورجعت إلى النسخة الخطية المحفوظة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٥٢٢) حديث تيمور -وهي نسخة في غاية الصحة والإتقان- في مواضع، وكذلك رجعت إلى "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه" للبوصيري في مواضع.
أما "موطأ الإمام مالك" فجرى العزو على النسخة التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي، ورجعت إلى شرحيه "التمهيد" و"الاستذكار" لابن عبد البر في مواضع.
أما "مسند الإمام أحمد" فجرى العزو على نسخة الطبعة الميمنية، ورجعت إلى النسخة التي طبعتها دار الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين في مواضع.
وقد بذلت- بعون الله- في سبيل توثيق وضبط نص الأحاديث النبوية
стр. 19
الشريفة والآثار جهدًا كبيرًا في مراجعة كتب الأصول وشروحها، والحمد لله على توفيقه؛ فقد وفقني الله تعالى إلى ضبط نص الكتاب ضبطًا جيدًا، وقد أثرى هذا الجهد الكبير الكتاب بتعليقات نفيسة لأهل العلم على مواضع من الكتاب، فيها فوائد يُرحل إليها.
وأما الأحاديث والآثار التي عزاها المؤلف ﵀ إلى كتب مفقودة أو تعذر حصولنا عليها فقد عزوتها إلى أقرب المصادر المتاحة لديَّ من مصدرها الأصلي، وقابلتها عليه بنفس الطريقة السابقة.
وأما الأحاديث التي ساقها المؤلف بإسناده فإن أغلبها يرويه المؤلف من طريق كتب معروفة -"المعجم الكبير" للطبراني، و"المعجم الصغير" له أيضًا، و "المسند" لأبي يعلى و "المعجم" له وكتب ابن أبي عاصم و "فوائد سمويه" و "تفسير ابن مردويه" وغيرها- وقد كان توثيقي لهذه الأحاديث بعدة أمور:
أولاً: ضبط إسناد الضياء إلى هذا الكتاب، وسوف يأتي حصر هذه الأسانيد في الكلام على مصادر الكتاب المسندة في الباب الأول.
ثانيًا: عزوت الحديث إلى موضعه من الكتاب الذي رواه الضياء من طريقه -إن وجدته- وقابلته عليه، فإن لم أجده خرجته من مصدر وسيط كـ "المطالب العالية" و"إتحاف الخيرة" بالنسبة لمسند أبي يعلى؛ لأن فيهما زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة.
ثالثًا: خرجت الحديث من مصادر أخرى روته من نفس الطريق، بحسب الحاجة إلى ذلك غير متوسع فيه، واللَّه المستعان.
أما كلام أهل العلم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا فما كان منه معزوًا إلى كتاب وثقته من هذا الكتاب (١) وما لم يكن معزوًا إلى كتاب وثقته من كتب
стр. 20
الإمام نفسه، فإن لم يكن له كتب أو لم أجد النص عنه في كتبه المطبوعة وثقته من أقرب الكتب إليه ما استطعت إليه سبيلاً.
وأما الكلام على الرواة توثيقًا وتجريحًا فما نقله المؤلف صريحًا عن الأئمة فقد وثقته من كتب الأئمة أنفسهم، فإن لم أجد فمن الكتب التي تُسند إليهم، فإن لم أجد فمن الكتب الجامعة كـ "تهذيب الكمال" للمزي و"ميزان الاعتدال" للذهبي، و"إكمال تهذيب الكمال" لمغلطاي، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر، وما أطلقه المؤلف من الكلام في الرواة -كأن يقول: فلان ضعيف، أو فيه كلام، أو متكلم فيه- فمن كان من هؤلاء الرواة له ترجمة في "تهذيب الكمال" وثقت ترجمته بذكر موضع ترجمته في "تهذيب الكمال" فقط، ومن لم يكن منهم ذكرت موضع ترجمته في "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، ونحوهما.
استوفيت عزو مواطن إحالات المؤلف ﵀ في الكتاب.
شرحت غريب الحديث ناقلاً عن كتب الغريب والمعاجم وكتب الشروح متوخيًا في ذلك سهولة الأسلوب وبساطة العبارة مع غزارة المادة العلمية، وقد كان اهتمامي بشرح الغريب في آخر الكتاب أكثر منه في أوله؛ وذلك لأن الكتب
стр. 21
الفقهية الأولى -الطهارة والصلاة ونحوهما- كثيرة التداول بين طلبة العلم، في حين يقل تداول الكتب الفقهية التي تلي ذلك؛ وبالتالي تكثر الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى شرح وبيان.
ضبطت ما يُشكل من الأسماء والكنى والأنساب والألقاب ضبط قلمٍ، وربما ضبطت بعض المواضع ضبط حرفٍ للحاجة لذلك، ناقلاً ذلك عن أئمة هذا الفن.
ضبطت ما يشكل من أسماء البلدان والمواضع، ونقلت عن أهل العلم تحديد هذه البلدان والمواضع، كما سطروه في كتب البلدان والشروح ونحوهما.
وأما المواطن التي يُشكل معناها فقد نقلت عن أهل العلم ما يزيل إشكالها ويوضح معناها بأسهل عبارة وألخص إشارة -بحمد الله تعالى.
ولما كان الحافظ الضياء ﵀ قد سكت في الكتاب على بعض الأحاديث فلم يتكلم عليها بشيء، ولم ينقل فيها عن أحدٍ من أهل العلم شيئًا، ووجدته ﵀ يذكر كثيرًا من هذه الأحاديث في كتابه "الأحاديث المختارة" فقد رأيت أن من المناسب عرض كل أحاديث الكتاب -غير أحاديث الصحيحين طبعًا- على الموجود من "الأحاديث المختارة" وعزو كل حديث وُجد في "الأحاديث المختارة" إليها، ونقل كلام المؤلف في "المختارة" على الأحاديث إن وُجد (١)، وقد لاقت هذه الخطوة من فضيلة الدكتور/ أحمد بن معبد عبد الكريم ترحيبًا، وأثنى عليها ثناءً حسنًا، جزاه الله خيرًا.
стр. 22
بقيت بعد ذلك بعض الأحاديث لم يتكلم عليها المؤلف بشيء ولم توجد في القطعة الموجودة من "الأحاديث المختارة" -مطبوعها ومخطوطها- وهي أحاديث قليلة إن قُورنت بحجم الكتاب، وقد نقلت على بعض هذه الأحاديث نتفًا من كلام أهل العلم تصحيحًا وتضعيفًا؛ بما يناسب المقام، وربما نقلت على غيرها كذلك نتفًا من كلام أهل العلم تصحيحًا وتضعيفًا، أما استيفاء الكلام على أحاديث الكتاب -مع ضعف الأدلة، وقلة الكتب المتاحة- فلا سبيل إليه.
بهذا أكون قد انتهيت من ضبط نص الكتاب والتعليق عليه قدر ما أعطاني الله من علم وجهد، وقدر تفرغي للعمل فيه -بعون الله وتوفيقه- وقد تدارست هذا المنهج مع فضيلة الدكتور/ أحمد بن معبد عبد الكريم فرأى فضيلته أنه منهج مناسب لإخراج الكتاب.
وتولى مهمة جمع الكتاب وتنضيد حروفه الأخ/ محمد عبد الفتاح جزاه الله خيرًا.
ثم قمنا بمقابلة ما تم جمعه على المنسوخ مرة ثانية، ودُفع الكتاب بعد ذلك إلى الأخ/ وليد بن أحمد المراجع الأول -جزاء الله خيرًا- لمراجعة الرسم الإملائي وعلامات الترقيم ونحوها، وقد كان له الفضل في تنبيهي على بعض
стр. 23
المواضع التي ندت عني في عملي الأول، جزاه الله خيرًا.
ثم حرصًا على ضبط الكتاب بأقصى ما يمكن فقد قمت بمقابلته كاملاً مرة ثانية على النسخة الخطية.
ثم كتبت مقدمة علمية للكتاب، قسمتها إلى: تقديم، وثلاثة أبواب:
أما التقديم فذكرت فيه كلمة للعلامة ابن القيم عن أهمية السنة والحث على التمسك بها، ثم ذكرت قصتي مع الكتاب، وأشرت إلى أهميته وعملي فيه على سبيل الإجمال.
وأما الباب الأول: "منهج العمل في الكتاب" فرسمت فيه المنهج التفصيلي للعمل في الكتاب منذ العثور على النسخة الخطية حتى صدوره بهذه الحلة البهية.
وأما الباب الثاني: "الحافظ الضياء" فخصصته للكلام عن المؤلف الحافظ الضياء وقد قسمته إلى عدة فصول:
الفصل الأول: مصادر ترجمة الضياء، وحاولت أن أجمع أكبر عدد من المصادر التي ترجمت له.
الفصل الثاني: ترجمة الحافظ الضياء من "تاريخ الإسلام" للذهبي.
الفصل الثالث: ثناء العلماء على الحافظ الضياء، من خلال مصادر ترجمته.
الفصل الرابع: شيوخ الضياء في كتابنا هذا، جمعت هؤلاء الشيوخ ورتبتهم على حروف المعجم، وذكرت نبذة مختصرة في التعريف بكل واحدٍ منهم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
الفصل الخامس: من مشاهير الحفاظ الذين رووا عن الحافظ الضياء ذكرت فيه تراجم بعض أعيان الحفاظ الذين رووا عن الحافظ الضياء.
الفصل السادس: مؤلفات الحافظ الضياء، حاولت استقصاءها من خلال استقراء مصادر ترجمة الضياء وما كُتب عنه، ثم من خلال فهارس المخطوطات التي أُتيحت لي.
стр. 24
أما الباب الثالث: "أحكام الضياء" فخصصته للكلام عن كتابنا هذا "السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام"، وقد قسمته إلى فصول أيضًا:
الفصل الأول: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه ﵀ ذكرت فيه صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه، ودلائل هذه الصحة.
الفصل الثاني: تحقيق اسم الكتاب وحجمه.
الفصل الثالث: منهج الكتاب.
الفصل الرابع: مصادر الكتاب.
الفصل الخامس: أهمية الكتاب.
الفصل السادس: مقارنة بين الكتاب و"منتقى الأخبار" لابن تيمية الجد.
الفصل السابع: مقارنة بين الكتاب و"الأحكام الكبرى" للمحب الطبري.
الفصل الثامن: التوصيف العلمي للنسخة الخطية.
وفي نهاية هذه المقدمة وضعت صورًا ضوئية لبعض أوراق النسخة الخطية.
أما الفهارس فقد صنعنا فهارس لكل مجلد تشمل فهرسين: فهرس أطراف الأحاديث، وفهرس الموضوعات، وإنما وضعت فهارس الأطراف لكل مجلد لأنه كان قد تم الاتفاق مع الناشر على طبع الكتاب أجزاء؛ فتم صنع فهارس أطراف الأحاديث والآثار للمجلدات الثلاث الأولى، ثم تغير الاتفاق إلى طبع الكتاب كله معًا، فلم يكن بد من صدور الكتاب بهذه الفهارس، ثم كون الكتاب مرتبًا على الموضوعات الفقهية يجعل فهرس الأطراف لكل مجلدٍ أكثر يُسرٍ وسهولةٍ من دمجها في آخر الكتاب.
وأما الفهارس العامة في آخر الكتاب فتشمل:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
стр. 25
٢ - فهرس أطراف الأحاديث المسندة مرتبة على مسانيد الصحابة والرواة عنهم.
٣ - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على حسب رواتها من الصحابة والتابعين ونحوهم، بحيث جمعنا أحاديث كل صحابي على حدة، ورتبنا الفهرس على الأسماء، ثم الكنى، ثم المبهمين، ثم النساء، ثم المراسيل ونحوها، مرتبين أسماء الرواة على ترتيب حروف المعجم، ورتبنا المبهمين على حسب الرواة عنهم.
٤ - معجم الجرح والتعديل ذكرت فيه كل من ذُكر في الكتاب بما يفيد في معرفته أو جرحه أو تعديله، مرتبين على حروف المعجم.
وقد صنع فهرس أطراف الأحاديث والآثار للمجلدات الأربع الأولى الأخ مجدي بن السيد أمين.
وصنع فهرس أطراف الأحاديث والآثار للمجلد الخامس الأخ أيمن بن سلامة ابن محمد، وصنع فهارس الآيات القرآنية للمجدات الأربع الأولى مجدي بن السيد وصنع فهرس الآيات للمجلد الخامس أيمن بن سلامة.
وصنعت أنا فهرس أطراف الأحاديث المسندة على مسانيد الصحابة، ومعجم الجرح والتعديل لمن ذكرهم الحافظ الضياء في كتاب "الأحكام".
وفي النهاية أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى فضيلة الدكتور/ أحمد بن معبد عبد الكريم على تفضله بمناقشة منهج العمل معي، ثم مراجعته لجزء كبير من أول الكتاب، وإمدادي بملاحظاته القيمة حوله، ثم تفضله بالتقديم للكتاب، وتفضله بتصوير بعض تراجم شيوخ الضياء من "تاريخ الإسلام" لي، أسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجزل له الأجر والثواب، وأن يرفع درجته في الدنيا والآخرة، وأن يجزيه عني وعن المسلمين خير الجزاء.
стр. 26
وأتقدم بالشكر لكل من ساهم في إخراج هذه الموسوعة العلمية، سائلاً المولى أن يتقبل منهم عملهم هذا، وأن يجعله في موازين حسناتهم، وأخص بالشكر منهم أخي الأكبر/ أبو عبد الرحمن أسامة بن أحمد الذي عمل معي في آخر الكتاب من أول كتاب الجنايات، وكذلك أخص بالشكر الأخ الأكبر الأستاذ/ أحمد قطب -مدير إدارة المخطوطات بدار الكتب المصرية- على تعاونه معي؛ جزاه الله عني خيرًا، وكذلك أتقدم بجزيل الشكر للأخ الأكبر الدكتور/ رامي عبد الحسيب -مدير دار ماجد عَسيرِي للطباعة والنشر- على تعاونه معي، وحرصه على إخراج هذا الكتاب المبارك.
جزى الله الجميع خير الجزاء، ووفقنا الله سبحانه وسدد خطانا في سبيل خدمة دينه وكتابه وسنة نبيه ﷺ .
اللهم صلى على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 27
الباب الثاني الحافظ الضياء
الفصل الأول: مصادر ترجمة الحافظ الضياء.
الفصل الثاني: ترجمة الحافظ الضياء للذهبي.
الفصل الثالث: ثناء العلماء على الحافظ الضياء.
الفصل الرابع: شيوخ الحافظ الضياء في كتابنا هذا.
الفصل الخامس: من مشاهير الحفاظ الذين رووا الحافظ الضياء.
الفصل السادس: مؤلفات الحافظ الضياء.
стр. 28
الفصل الأول مصادر ترجمة الحافظ الضياء (١)
" الإشارة إلى وفيات الأعيان" للذهبي (ص ٣٤٥).
"الإعلام بوفيات الأعيان" للذهبي (ص ٢٦٨).
"الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٥٥).
"إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون" للبغدادي (٢/ ٣٣، ٦٩).
"البداية والنهاية" لابن كثير (١٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
"بديعة البيان في موت الأعيان" لابن ناصر الدين.
"تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان (٤/ ٩٦ - ٩٧).
"تاريخ الإسلام" للذهبي (١٧/ ق ٢٣٣ - ٢٣٦) (٢).
"التبيان لبديعة البيان" لابن ناصر الدين (ق ١٤٦ - أ).
"تذكرة الحفاظ" للذهبي (٤/ ١٤٠٥ - ١٤٠٦ رقم ١١٢٩).
"الدارس في تاريخ المدارس" للنعيمي (٢/ ١٩١ - ١٩٥).
"الدر المنضد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعليمي (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥ رقم ١٠٦١).
"الدليل الشافي على المنهل الصافي" لابن تغري بردي (٢/ ٦٥٠ رقم ٢٣٣٥).
"دول الإسلام" للذهبي (٢/ ١٤٩).
стр. 29
"ديوان الإسلام" للغزي (٣/ ٢١٧ - ٢١٨ رقم ١٣٤٣).
"ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" للفاسي (١/ ١٧٠ رقم ٣٠٠).
"ذيل الروضتين" لأبي شامة (ص ١٧٧).
"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (٢/ ٢٣٦ - ٢٤٠ رقم ٣٤٥).
"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢٣/ ١٢٦ - ١٣٠).
"شذرات الذهب" لابن العماد (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٦).
"صلة التكملة لوفيات النقلة" للحسيني (ق ٣١ - ب).
"طبقات الحفاظ" للسيوطي (٤٩٧ - ٤٩٨ رقم ١٠٩٥).
"العبر في خبر من عبر" للذهبي (٣/ ٢٤٨).
"عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" للعيني، نسخة دار الكتب الخطية، المجلد الثامن عشرة، نسخة غير مرقمة.
"عقد الجمان وتذييل وفيات الأعيان" للزركشي (ق ٢٨٣ - ب).
"فوات الوفيات" للكتبي (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧ رقم ٤٧٧).
"القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية" لابن طولون (١/ ٧٦ - ٧٩).
"كشف الظنون" لحاجي خليفة (٢٢، ١٢٧٤، ١٢٧٧، ١٢٩٨، ١٤٦٨، ١٦٢٤، ١٨٨٩، ٢٠١٣).
"مختصر تاريخ الإسلام" لابن الجزري (ق ٣٩٥ - ب).
"مختصر طبقات الحنابلة" للشطي (٥٥ - ٥٦).
"مختصر طبقات علماء الحديث" لابن عبد الهادي (٤/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم ١١٠٨).
"مشيخة الفخر بن البخاري" تخريج ابن الظاهري، وهو الشيخ الخامس والخمسون فيها.
стр. 30
"معجم المؤلفين" لكحالة (١٠/ ٣٦٣ - ٢٦٤).
"المعين في طبقات المحدثين" للذهبي (٢٠٣ رقم ٢١٤٢).
"المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد" لابن مفلح (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١ رقم ٩٩٧).
"المقفي الكبير" للمقريزي (٦/ ١٥٠ - ١٥١ رقم ٢٦١٣).
"المنهح الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعليمي (٣/ ٤٢ - ٤٤ رقم ١٠٤٥).
"المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي" لابن تغري بردي (٣/ ق ٢٠٤ ب-٢٠٥أ).
"النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي أيضًا (٦/ ٣١٣ - ٣١٤).
"نزهة الأنام في تاريخ الإسلام" لابن دقاق (ق ٦٥ ب- ٦٦ أ).
"نهاية السول في رواة الستة الأصول" لسبط ابن العجمي (ق ٦٦ - ب).
"هدية العارفين" للبغدادي (٢/ ١٢٣).
"الوافي بالوفيات" للصفدي (٤/ ٦٥ - ٦٦).
ويختلف حجم الترجمة في هذه الكتب من كتاب لآخر اختلافًا كبيرًا، وكذلك تختلف أهمية الترجمة فائدتها من كتاب لآخر، ولعل أفضل هذه التراجم وأهمها علي الإطلاق وأكثرها فائدة ترجمته في "تاريخ الإسلام" للذهبي (١)، ثم ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رحب (٢)، ترجمته في
стр. 31
"سير أعلام النبلاء" وقد وقع اختياري على ترجمته في "تاريخ الإسلام" كي تكون هي ترجمة الضياء في الفصل التالي.
ومن الكتب الهامة في ترجمة الحافظ الضياء كتاب "التنويه والتبيين في سيرة محدث الشام الحافظ ضياء الدين" للدكتور محمد مطيع الحافظ.
стр. 32
الفصل الثاني ترجمة الحافظ الضياء من "تاريخ الإسلام "
قال الذهبي:
محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الحافظ الحُجَّة الإمام ضياء الدين، أبو عبد الله السعدي المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي، صاحب التصانيف النافعة.
وُلد بالدير المبارك في سنة تسعٍ وستين وخمسمائة.
وسمع من: أبي المعالي بن صابر، ومحمد بن أبي الصقر، وأبي المجد الفضل بن الحسين البانياسي، وأبي الحسين أحمد بن الموازيني، والخضر بن طاوس، ويحيى الثقفي، وأبي الفتح عمر بن علي الجويني، وابن صَدَقَة الحراني، وإسماعيل الجنزوي، وخلْق.
ولَزِم الحافظ عبد الغني وتخرَّج به، وحفظ القرآن، وتفقَّه.
ورحل أولاً إلى مصر سنة خمسٍ وتسعين، فسمع; أبا القاسم البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، والأرتاحي، وبنت سعد الخير، وعلي بن حمزة، وجماعة.
ورحل إلي بغداد بعد موت ابن كُليب، فلهذا روى عن أصحابه، وفاته الأخذ عنه.
وقد أجاز له ابن كُليب ومن هو أكبر من ابن كُليب كشُهدَة، والسِّلفي.
فسمع من: المبارك بن المعطوش -وهو أكبر شيخٍ له ببغداد- وأبي الفرج بن الجوزي، وعبد الله بن أبي المجد، والبقاء بن حنّد، وعبد الله بن أبي الفضل بن مزروع، وعبد الرحمن بن محمد ابن ملاح الشط، وطائفة من أصحاب قاضي المَرِسْتان، وابن الحُصين.
стр. 33
وعَرَض القرآن علي عبد الواحد بن سلطان.
ثم دخل أصبهان بعد موت أبي المكارم بن اللبان، وسمع من: أبي جعفر الصيدلاني، وأبي القاسم عبد الواحد الصيدلاني، وخلف بن أحمد الفراء، والمفتي أسعد بن محمود العجلي؛ وأبي الفَخْر أسعد بن سعيد بن رَوْح، وأسعد بن أحمد الثقفي الضرير، وإدريس بن محمد السّاوالوَيْه، وزاهر بن أحمد الثّقفيّ -وهو أخو أسعد- والمؤيَّد ابن الأخوة، وعفيفة الفارقانيّة، وأبي زُرْعة عبد الله بن محمد اللفتواني، وخلق سواهم.
وبهَمَذان من: عبد الباقي بن عثمان بن صالح، وجماعة.
ورجع إلي دمشق بعد الستمائة؛ ثمّ رحل إلي أصبهان ثانيًا فأكثر بها وتزيَّد، وحصَّل شيئاً كثيراً من المسانيد والأجزاء.
ورحل منها إلي نَيْسابور فدخلها ليلة وفاة منصور الفُرَاوي، فسمع من المؤيَّد الطُّوسيّ، وزينب الشعرية، والقاسم الصفار.
ورحل إلي هَرَاة فأكثر بها عن أبي رَوْح عبد المعز، وجماعة.
ورحل إلى مَرْو فأقام بها نحوًا من سنتين، وأكثر بها عن: أبي المظفَّر بن السمعاني، وجماعة. وسمع بحلب، وحرّان، والموصل.
وقدِم دمشقَ بعد خمسة أعوام بعلمٍ كثير وكُتُب أُصُولٍ نفيسة فتح الله عليه بها هبةً ونسخًا وشِراءً.
وسمع بمكة من أبي الفتوح بن الحصري، وغيره.
ورجع ولزِم الاشتغال والنسخ والتصنيف، وسمع في خلال ذلك علي الشّيخ الموفَّق وبَابَتِه.
وأجاز له: السِّلَفي، وشهدة، وأحمد بن علي بن الناعم، وأسعد بن يلدرك، تجَنَّي الوهْبَانيَّة، وابن شاتيل، وعبد الحقّ اليوسفي، وأخوه عبد الرحيم
стр. 34
اليوسفي، وعيسى الدوشابي، ومحمد بن نسيم العيشوني، ومسلم بن ثابت النحاس، وأبو شاكر السقلاطوني، وعبد الله بن بري النحوي، وأبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي، وخلق كثير.
ذكره ابن الحاجب تلميذه، فقال: شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته، ونسيج وحده علما وحفظا وثقة ودينا، من العلماء الربانين، وهو أكبر من أن يدل عليه مثلي، كان شديد التحري في الرواية، ثقة فيما يؤديه، مجتهدا في العبادة، كثير الذكر، منقطعا عن الناس، متواضعا في ذات الله، صحيح الأصول، سهل العارية، ولقد سألت في رحلتي عن جماعة من العارفين بأحوال الرجال، فأطنبوا في حقه ومدحوه بالحفظ والزهد، حتى إنه لو تكلم في الجرح والتعديل لقبل منه، سألت أبا عبد الله البرزالي عنه فقال: حافظ ثقة، جبل دين.
وذكره ابن النجار في "تاريخه" فقال: كتب وحصل الأصول، وسمعنا بقراءته الكثير، وأقام بهرة ومرو مدة، وكتب الكتب الكبار بهمة عالية، وجد واجتهاد، وتحقيق وإتقان، كتبت عنه بغداد ودمشق وبنيسابور، وهو حافظ متقن، ثبت حجة، عالم بالحديث والرجال، ورع تقي، زاهد عابد، محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم، سألته عن مولده فقال: في جمادى الأولى سنة تسع وستين، ورأيت بخطه مولده في سادس جمادى الآخرة، فالله أعلم.
قلت: الثاني هو الصحيح فإنه كذلك أخبر لعمر بن الحاجب (١).
قلت: سمعت الحافظ أبا الحجاج المزي -وما رأيت مثله- يقول: الشيخ الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني، ولم يكن في وقته مثله.
стр. 35
وحكى النجم بن الخبّاز عن العز عبد الرحمن بن محمد بن الحافظ قال: ما جاء بعد الدارقطني مثل شيخنا الضياء.
وقال الشرف أبو المظفر بن النابلسي: ما رأيت مثل شيخنا الضياء.
ذِكر تصانيف الضّياء
كتاب "الأحكام" يعوز قليلاً في ثلاث مجلّدت "فضائل الأعمال" في مجلد، "الأحاديث المختارة" خرَّجَ منها تسعين جزءًا، وهي الأحاديث التي تصلُح أن يُحتَجَّ بها سوى ما في "الصحيحين"، خرّجها من مسموعاته، كتاب "فضائل الشّام" ثلاثة أجزاء، كتاب "فضائل القرآن" جزء، كتاب "الجنة"، كتاب "النّار"، كتاب "مناقب أصحاب الحديث"، كتاب "النهي عن سب الأصحاب"، كتاب "سِيرَ المقادسة" كالحافظ عبد الغنيّ، والشيخ الموفق، والشيخ أبي عمر، وغيرهم في عدة أجزاء، وله تصانيف كثيرة في أجزاء عديدة لا يحضرني ذكرها، وله مجاميع ومُنتخبات كثيرة، وله كتاب "الموافقات" في نيِّفٍ وخمسين جزءًا.
وبنى مدرسةً على باب الجامع المظفَّري، وأعانه عليها بعض أهل الخير، وجعلها دار حديث، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان، ووقف بها كتبه وأجزاءه، وفيها من وقف الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد الغني، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي، وقد نُهِبت في نكْبة الصالحية -نوبةَ غازان- وراح منها شيء كثير، ثم تماثلت وتراجع حالها، وفيها -بحمد الله- الآن جملة نافعة للطلبة.
وكان ﵀ ملازمًا لجبل الصالحية، قل أن يدخل البلد أو يُحدّث به، ولا أعلم أحدًا سمع منه بالمدينة، وإنْ كان فنزر يسير.
стр. 36
أخذ عنه جماعة من شيوخه، وروى عنه: الحافظ أبو عبد الله البرزالي، والحافظ أبو عبد الله بن النجار، وجماعة (١).
ومن شيوخنا: أبو العباس بن الظاهري، وأبو الفدا إسماعيل بن الفراء، والتقي أحمد بن مؤمن، والشيخ محمد بن حازم، والشيخ علي بن بقا، والنجم موسى الشقراوي، والنّجم إسماعيل بن الخباز، وداود بن حمزة، ومحمد بن علي ابن الموازيني، وعثمان الحمصي، والشهاب أحمد الدشتي، وأبو علي بن الخلال، وعيسى بن المطعم، وأبو بكر بن عبد الدائم، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وزينب بنت عبد الله ابن الرضي، والقاضي المجد سالم بن أبي الهيجا، ومحمد ابن يوسف الذهبي، ومُسنِد الشام القاضي تقي الدين سليمان فأكثر عنه، فإنيّ سمعته يقول: سمعت من شيخنا الضياء ألف جزء.
وقرأت بخط المحدث محمد بن الحسن بن سلام قال: محمد بن عبد الواحد شيخنا، ما رأيت مثله فيما اجتمع له، كان مقدَّمًا في علم الحديث، فكأن هذا العِلم قد انتهى إليه وسلم له، ونظر في الفقه وناظر فيه، وجمع بين فقه الحديث ومعانيه، وشدا طرفًا من الأدب وكثيرًا من اللغة والتفسير، وكان يحفظ القرآن واشتغل مدة به، وقرأ بالروايات على مشايخ عديدة، وكان يتلوه تلاوةً عذبة، وجمع كل هذا مع الورع التام والتقشف الزَّائد، والتعفف والقناعة والمروءة والعبادة الكثيرة، وظلف النَّفْس وتجنبها أحوال الدنيا ورعوناتها، والرفق بالغرباء والطلاب، والانقطاع عن الناس، وطول الروح على الفقير والغريب، وكان محبًّا
стр. 37
لمن يأخذ عنه، مكرمًا لمن يسمع عليه، وكان يُحرِّض على الاشتغال، ويعاون بإعارة الكتب، وكنت أسأله عن المشكلات فيجيبني أجوبةً شافية عجز عنها المتقدمون، ولم يدرك شأوها المتأخّرون، قرأتُ عليه الكثير، وما أفادني أحدٌ كإفادته، وكان ينبّهني على المهمات من العوالي، ويأمرني بسماعها، ويكرمني كثيرًا، وقرأت عليه "صحيح مسلم". كانت له أُرَيْضَة بباب الجامع ورِثها من أبيه، وكان يبني فيها قليلاً قليلاً على قدر طاقته، فيسر بناء كثيرًا منها بهمّته، وحُسْن قصده وإجابة دعوته، ونزل فيها المشتغلين بالفِقه والحديث؛ وكان ما يصل إليه من رفق يوصله إليهم ويصرفه عليهم، ورام بعض الكبار مساعدته ببناء مصنع للماء، فأبى ذلك، وقال: لا حاجة لنا في ماله. وكان من صغره إلى كِبره موصوفًا بالنُّسك، مشتغلاً بالعِلم.
قلت: تُوفي يوم الإثنين الثّامن والعشرين من جمادى الآخرة، وله أربعٌ وسبعون سنة وأيام، ﵀ ورضي عنه. اهـ.
стр. 38
الفصل الثالث ثناء العلماء على الحافظ الضياء
لقد أطبق أهل العلم على الثناء على الحافظ الضياء ﵀ ولا أعلم أحدًا غمزه بشيء، وقد تقدم معنا باقة من ثناء الذهبي، وابن الحاجب، والبرزالي، وابن النجار، والمزي، والعز عبد الرحمن بن محمد بن الحافظ، والشرف بن النابلسي، والمحدث محمد بن الحسن بن سلام، وغيرهم على الحافظ الضياء، وأنا أنقل لك هنا باقة أخرى من الثناء العطر والذكر الحسن للحافظ الضياء ﵀ رحمة واسعة.
قال الإمام سيف الدين بن المجد (١) وذكر الحافظ الضياء: هو شيخنا الإمام العالم الحافظ الناقد عمدة النقلة.
وقال أبو إسحاق الصريفيني (٢): كان الحافظ الزاهد العابد ضياء الدين المقدسي رفيقي في السفر، وصاحبي في الحضر، وشاهدت من كثرة فوائده وكثرة حديثه وتبحره فيه.
وقال الحافظ شرف الدين يوسف بن بدر (٣): رحم الله شيخنا ابن عبد الواحد، كان عظيم الشأن في الحفظ ومعرفة الرجال، هو كان المشار إليه في علم صحيح الحديث وسقيمه، ما رأت عيني مثله.
وقال الحسيني (٤): الإمام الحافظ، سمع ببلده من جماعة كثيرة من شيوخها
стр. 39
والقادمين إليها، ورحل إلى بغداد وأصبهان وخراسان، ودخل ديار مصر، وسمع من خلق كثير يشق حصرهم، وحدَّث بالكثير مدة، وخرَّج تخاريج كثيرة مفيدة، وصنف تصانيف حسنة، وكان أحد أئمة هذا الشأن، عارفًا بالرجال وأحوالهم، والحديث صحيحه وسقيمه، ورعًا متدينًا، طارحًا للتكلف.
وقال ابن عبد الهادي (١) عنه: الإمام الحافظ الحجة الزاهد العابد محدث الشام ضياء الدين، صاحب التصانيف.
وقال الذهبي (٢) عنه: الشيخ الإمام الحافظ القدوة المحقق المجود الحجة بقية السلف، صاحب التصانيف والرحلة الواسعة، بقي في الرحلة المشرقية مدة سنين، تخرج بالحافظ عبد الغني، وبرع في هذا الشأن، وكتب عن أقرانه ومن هو دونه، وحصَّل الأصول الكثيرة، وجرَّح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل، وقيَّد وأهمل، مع الديانة والأمانة والتقوى والصيانة والورع والتواضع والصدق والإخلاص وصحة النقل، ولم يزل ملازمًا للعلم والرواية إلى أن مات، وتصانيفه نافعة مهذبة، أنشأ مدرسة إلى جانب الجامع المظفري، وكان يبني فيها بيده، ويتقنع باليسر، ويجتهد في فعل الخير ونشر السُّنة، وفيه تعبد وانجماع عن الناس، وكان كثير البر والمواساة، دائم التهجد، أمَّارًا بالمعروف، بهي المنظر، مليح الشيبة، محببًا إلى الموافق والمخالف، مشتغلاً بنفسه ﵁.
وقال الذهبي (٣) أيضًا عنه: الإمام العالم الحافظ الحجة، محدث الشام، شيخ السنة، صاحب التصانيف النافعة، رحل مرتين إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يُوصف كثرة، وحَصَّل أصولاً كثيرة، ونسخ وصنف، وصحح ولين، وجرَّح
стр. 40
وعدَّل، وكان المرجوع إليه في هذا الشأن.
وقال الذهبي (١) أيضًا: الشيخ الضياء الحافظ أحد الأعلام، أفنى عمره في هذا الشأن، مع الدين المتين والورع، والفضيلة التامة، والثقة والإتقان، انتفع الناس بتصانيفه، والمحدثون بكتبه، فاللَّه يرحمه ويرضى عنه.
وقال الذهبي (٢) أيضًا: الحافظ الضياء شيخ المحدثين.
وقال ابن كثير (٣) عنه: سمع الحديث، وكتب كثيراً وطوَّف، وجمع وصنف، وألَّف كتبًا مفيدة حسنة كثيرة الفوائد، من ذلك كتاب "الأحكام" ولم يتمه، وكتاب "المختارة" وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك الحاكم" لو كملت، وله "فضائل الأعمال"، وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه واطلاعه وتضلعه من علوم الحديث متنًا وإسنادًا، وكان ﵀ في غاية العبادة والزهادة والورع والخير، وقد وقف كتبًا كثيرة عظيمة لخزانة المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من المحدثين والفقهاء.
وقال ابن رجب (٤): الحافظ الكبير ضياء الدين، محدث عصره، ووحيد دهره، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب (٥) في أمره، رحل مرتين إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يُوصف كثرة، وكتب بخطه الكثير، من الكتب الكبار وغيرها، ويقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصل أصولاً