وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق الذي سرق سلاحا، فشكاه صاحب السلاح إلى رسول الله ﷺ فألقى السارق السلاح المسروق في بيت رجل بريء، ليبرئ نفسه ويحمل البريء إثمه، وعندما وجد السلاح في بيت الرجل البريء ثبتت -في الظاهر- براءة السارق، فأنزل الله هذه الآية وآيات قبلها منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ . [النساء: ١٠٥، وراجع تفسير هذه الآيات في كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير] .
وما أكثر ما يرتكب ناس مثل هذه الخطيئة! ويبرؤون أنفسهم مما ارتكبوه ويلطخون به البريئين.
وبنظرة في وسائل الإعلام في هذا العصر يرى المرء العجب العجاب من الاتهامات الكاذبة من فرد لآخر، ومن جماعة أو حزب لجماعة أو حزب آخر، ومن دولة لدولة أخرى، وكثيرا ما يكون المتَّهِم غارقا في العيوب والنقائص التي اتهم بها غيره.
والسبب في ذلك هو الاتصاف بصفة الكذب التي تلازم أهل الباطل غالبا، وفقد صفة الصدق التي تلازم أهل الحق.
ثالثا: العدل.
стр. 177
والعدل من أسس صفات أهل الحق، وهو مطلوب ضرورة في الحياة عند كل الأمم، ولا تستقيم الحياة بدونه، والأمم كلها مسلمها وكافرها تعلم أنه ضرورة لحياتها، لأن كل فرد وكل أسرة وكل أمة تحرص على أن لا يمسها غيرها بالظلم، بل تحب أن ينصفها المتعامل معها، لكن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وشريعة الله العادلة -وهم أهل الباطل- يحرصون على أن يعاملهم الناس بالعدل، والغالب أنهم إذا قدروا على ظلم غيرهم -من غير أن ينالهم ضرر- لا يتورعون عن الظلم، لأنهم لا يخشون جزاء ولا عقابا إلا إذا نالهم القانون والقضاء وما يسمى بأجهزة الأمن -في الدنيا- فإذا أمنوا من ذلك كله، فالأصل عندهم الأثرة وظلم الغير، لأنهم أهل باطل.
стр. 178
والذي لا يحب الظلم ويلازمه العدل مع القريب والبعيد والصديق والعدو، هو المؤمن بالله وبرسوله ﷺ واليوم الآخر الذي يلتزم بشريعة الله وحكمه وينفذهما، وهؤلاء هم أهل الحق، لأن الحق تعالى أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وهم يطمعون في ثوابه على طاعته ويخافون من عقابه على معصيته، ويعلمون أن إيمانهم لا يكمل إلا إذا أحبوا لغيرهم ما يحبون لأنفسهم من الخير، وقد يصل بهم إيمانهم إلى التنازل عن بعض حقوقهم الخاصة، إذا كان التنازل عنها مشروعا، ولكنهم يحرصون على إيفاء الناس حقوقهم بدون نقصان.
وقد أكد الله تعالى لعباده أنه يأمر بالعدل والإحسان وينهى عما يناقضهما من الظلم والفساد والمنكر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . [النحل: ٩٠]
стр. 179
وقد نهى الله رسوله عن اتباع أهواء أهل الكتاب الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وأمره أن يعلن للناس إيمانه بما أنزل الله، وأنه أمر بالعدل بينهم، كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . [الشورى: ١٥]
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين -كما أمر نبيه- بالعدل ولو كان على أنفسهم ونهاهم عن اتباع الهوى -كما نهى نبيه- كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . [النساء: ١٣٥]
стр. 180
فالهوى كثيرا ما يغري الإنسان بالظلم وترك العدل، إما لجر مصلحة لصاحبه أو لقريب أو صديق، وإما لإنزال ضرر بعدو بغيض. والحق أراد أن يستأصل هذا الهوى الظالم في كلا الأمرين: محاباة القريب، بل والنفس، كما مضى، وبغض العدو أو الخصم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . [المائدة: ٨]
إنه قمة ما تحتاج إليه الأمم في كل زمان: أن ينصف القادر خصمه ولو على نفسه أو أقربائه وأن يعدل مع أشدّ أعدائه.
стр. 181
وقد يرى أعداء الحق أن هذا من المثاليات قد تدور بالخيال ولكن تطبيقها في الواقع بعيد المنال، وهذا الرأي صحيح بالنظر إلى الأوضاع التي يعيش الناس فيها بعيدا عن منهج الحق وتطبيقه: منهج الله الذي أنزله في كتابه ودعا إليه عباده، وقد استجاب لدعوته الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ فطبقوه تطبيقا تندب البشرية اليوم حظها التعيس لفقده، وتبعهم على ذلك أهل الحق ولا زال منهم من يتمسك به -وإن كانوا قلة في هذا الزمان- ولو عاد المسلمون إلى ذلك المنهج من جديد لرأت الأمم في الأرض ما تتمناه من العدل الذي أمر الله به على وجه العموم، وأمر به في الحكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . [النساء: ٥٨]
стр. 182
وأمر به في الشهادة كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ . [المائدة: ١٠٦]
وأمر به في الصلح بين الناس، بحيث لا يكون في الصلح ظلم لأحد المتخاصمين، بسبب ضعفه وقوة خصمه أو لغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . [الحجرات: ٩]
وأمر به في التعامل الأسري، فقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ . [النساء:٣]
стр. 183
وكل الحقوق التي أمر الله بها، وكل المظالم التي نهى الله عنها، إنما تتحقق بالعدل الذي هو ملازم لأهل الحق بحسب نصيبهم منه.
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور» . [مسلم: (٣ / ١٤٥٨) رقم الحديث: ١٨٢٧] .
وقد ربى رسوله الله ﷺ أصحابه -وكل رسول سبقه كذلك- على العدل، حتى اعترف لهم بذلك أعداؤهم من أهل الكتاب كما في حديث ابن عباس ﵄، قال: افتتح رسول الله ﷺ خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء [يعني الذهب والفضة] . قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل [يقطع] بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أَلي [أي أتولى] حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق (و) به تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت" [أبو داود واللفظ له (٣ / ٦٩٨) وابن ماجه (١ / ٥٨٢) وهو صحيح] ..
стр. 184
وعن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك [يعني رشوة] وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: (يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها) . فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض [الموطأ (٤ / ٢٧٠) والحديث مرسل وهو يفيد شيئا مما جرى بين ابن رواحة واليهود] ..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
стр. 185
(وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي ﷺ : «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم» . فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعد لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ... ) [مجموع الفتاوى: (٢٨١٤٦) ] .
وإن الذي يتأمل أحوال العالم اليوم يدرك المآسي التي نزلت به بسبب فقد العدل أو قلته التي تقترب من العدم، فلا نجد ضعيفا ينصفه القوي -إلا ما شاء الله- من الأفراد والجماعات والدول، ولو أردنا أن نضرب أمثلة لذلك لطال بنا المقام.
ويكفي أن تقعد قليلا أمام شاشة التلفاز لترى ماذا يفعل اليهود بأطفال فلسطين وشيوخها ونسائها من قهر وإذلال وقتل وتشريد وسجن واعتقال وهدم منازل بالصواريخ على من فيها.
стр. 186
وأن ترى نصارى الصرب وهم يفعلون بالمسلمين في البوسنة والهرسك أعظم مما فعله اليهود، وذلك في وسط قارة الحرية والعدل والمساواة [وفي هذه الأيام -من سنة ١٤١٧هـ -١٩٩٦م- يكشف عن مقابر جماعية لآلاف المسلمين الذين قتلهم الصرب عندما احتلوا مدنهم وقراهم] .
والعالم كله يمور بالفتن والمصائب بسبب الظلم وفقد العدل، وهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها ومجلسها المسمى بمجلس الأمن، تتصرف فيها دولة واحدة استبدت بالأمر، تحرك تلك الهيئة ومنظماتها ودول العالم كله كما تريد، فإذا رأت أن لها مصلحة من التدخل في أي حدث يقع في العالم أجلبت بخيلها ورجلها وحشدت كل الدول لتحقيق مآربها ولو أهلكت بذلك الحرث والنسل مدعية أنها تنصف المظلوم من ظالمه، وإذا رأت أن عدم التدخل من مصلحتها أحجمت عن التدخل في الحدث وروضت غيرها على الإحجام بأسلوب ماكر مخادع، أو بتهديد شديد ظالم.
وكيف يرجى من هيئة الأمم المتحدة خير لضعيف وهي تصدر قراراتها بالإجماع أو الأغلبية، فَتُعَطِّل كُلَّ تلك القرارات دولةٌ واحدة عند التنفيذ؟!
стр. 187
بل أين العدل والإنصاف فيما يسمى مجلس الأمن وقد احتشدت بجواره جميع دول العالم، ومع ذلك تستطيع دولة من خمس دول تعطيل أي قرار يصدره [الدول التي لها مندوبون دائمون، ولها حق نقض أي قرار يتخذه المجلس مجتمعة أو كل دولة على حدة هي: أمريكا وفرنسا، وبريطانيا، والصين، وروسيا، ولكن أمريكا في الوقت الحاضر تقود المجلس وغيره من منظمات الهيئة لانفرادها بالهيمنة الدولية، ومع زعمها أنها دولة ديمقراطية، فإن استبدادها الدولي لا حدود له إلا مصالحها وعجزها] ..
وبهذا يعلم أن العدل -وهو صفة ملازمة لأهل الحق- هو الذي يثبت الحق ويطرد الباطل، وأن الظلم -وهو ملازم لأهل الباطل- هو الذي تشقى به البشرية على مدار التاريخ.
وإذا شئت أن تعرف أنموذجا للظلم الغاشم، وبخاصة على المسلمين من أعلى مسؤول في هيئة الأمم المتحدة فاقرأ عن مواقف أمينها العام العربي النصراني المصري بطرس غالي، [عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة] من قضية المسلمين في البوسنة والهرسك وإصراره على عدم تدخل الأمم المتحدة لحماية هؤلاء المسلمين الذين يتعرضون لأبشع اعتداء من قبل إخوانه الصرب النصارى [مجلة المجتمع الكويتية عدد ١٠٠٢ ص٢٢] ..
رابعا: صفة الرحمة.
стр. 188
ومن صفات أهل الحق الرئيسة خُلق الرحمة، وهي تقتضي من المتصف بها الإشفاق على المخلوقين من الناس والحيوانات والرأفة بهم والإحسان إليهم.
ولما كان الله هو الحق ومصدر الحق ومُشَرِّعَه ومنزل الوحي به وباعث الرسل من أجله، فهو تعالى الرحمن الرحيم الرؤوف الودود (١) الذي وسعت رحمته كل شيء.
[يجب أن يعلم ابتداء أن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ واشتراك المخلوق مع الخالق في الاتصاف بالرحمة ونحوها إنما هو اشتراك لفظي مثل أن يقال: إن الله موجود والمخلوق موجود، والفرق بين الوجودين: أن وجود الله ذاتي أزلي أبدي ووجود المخلوق استمده من الخالق وهو وجود محدود ببداية ونهاية وغير ذلك] .
стр. 189
وقد افتتح تعالى كتابه الذي أنزله على رسوله رحمة للعالمين بالبسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وافتتحت بها كل سور القرآن الكريم [ما عدا سورة براءة، التي يرى بعض العلماء إنها مكملة لسورة الأنفال] . وتكرر لفظ الرحمة ومقتضياتها كثيرا في القرآن الكريم وكذلك في سنة الرسول ﷺ .
وقد وعد الله تعالى أهل الحق من المؤمنين الذين يقومون بمقتضى إيمانهم برحمته، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [التوبة: ٧١]
وأهل الحق المتصفون بالرحمة يطلبون من ربهم أن يرحمهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . [البقرة: ٢٨٦]
стр. 190
ووصف سبحانه كتابه الذي جاء بالحق بأنه رحمة، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ . [الأنعام: ١٥٧]
ويدعو ملائكة الله المقربون -وهم في السماوات -للمؤمنين -وهم في الأرض- الذين يشتركون معهم في الإيمان والعمل بالحق، بأن يدخلهم الله الجنة ويقيهم السيئات التي تكون سببا في دخول النار، ثم يختمون دعاءهم لهم بقولهم: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . [غافر: ٩]
стр. 191
بل إنهم استفتحوا دعاءهم للمؤمنين بالتوسل إليه برحمته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ . [غافر: ٧]
ووصف إرساله نبيه محمدا ﷺ بأنه رحمة للعالمين، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . [الأنبياء: ١٠٧]
وقال عن نبيه لوط ﵇: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . [الأنبياء: ٧٥]
وقال عن بعض أنبيائه بعد ذكرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . [الأنبياء: ٨٦]
وقال عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . [التوبة: ١٢٨]
стр. 192
ولشدة رحمته ﷺ بأمته، وحرصه على أن يأخذوا منه الحق الذي جاءهم به، وخشيته عليهم من البقاء في الضلال الذي يؤدي بهم إلى سخط الله وأليم عقابه، كان ﷺ يأسف أسفا شديدا يُخشى أن يقع بسببه في الهلاك، ولذلك خاطبه الله تعالى مسليا ومصبرا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ . [الكهف: ٦]
ووصفه الله تعالى هو وأمته بأنهم رحماء بينهم، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . [الفتح: ٢٩، وشدتهم على الكفار إنما هي في الحقيقة من أجل رحمتهم إياهم وشفقتهم عليهم من أن يموتوا على كفرهم فينالوا عذاب الله] .
وبرحمة الحق ﷻ التي وسعت كل شيء في هذه الدنيا -وإن خص بها أهل الحق في الهداية والرضا والثواب الجزيل يوم القيامة في الآخرة بعث رسله وأنزل كتبه وشرع أحكامه لهداية البشر، وبها جعل الناس والدواب يتراحمون فيما بينهم في حياتهم.
стр. 193
ولكن الرحمة الحقيقية هي تلك الرحمة التي يتصف بها أهل الحق، فتستولي على نفوسهم ومشاعرهم، وتجعلهم في كل لحظة من لحظات حياتهم يشفقون على أهل الباطل الذين قست قلوبهم وخلت من الرحمة، حتى على أنفسهم فأصروا على رفض الحق ومحاربته ومحاربة أهله والصد عنه، واستكبروا استكبارا.
لذلك ترى أهل الحق الرحماء يحملون الحق إلى الناس، ويسابقون به أهل الباطل إلى عقول البشر، ويتحملون من المشاق والمحن والمؤامرات ما لا تتحمله الجبال الرواسي.
والذي يرجع إلى قصص الأنبياء وحوارهم مع أممهم ومواقف تلك الأمم من دعوتهم من التكذيب والاستهزاء والتحقير والتهديد مع صبر أولئك الأنبياء وتلطفهم ولينهم وحسن أسلوبهم تتبين له الرحمة التي حلت في قلوب أولئك الرسل لقومهم.
نماذج للرحمة التي يتصف بها أهل الحق.
ويكفي أن نذكر ثلاثة نماذج: اثنان منهما لنبيين وثالث لأحد المؤمنين.
النموذج الأول: نبي الله نوح ﵇.
стр. 194
وهو أول رسول بعثه الله تعالى للناس في عهده رحمة لهم، فمكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم يجادلونه بالباطل ويسخرون منه ويحاولون إدخال اليأس إلى قلبه، وهو يمضي في طريقه صابرا محتسبا رحيما بهم شفيقا عليهم، منوعا أساليبه في دعوتهم، يدعوهم في الليل والنهار، وفي السر والجهر، مرغبا لهم إذا اتبعوه، بالعيش الحسن في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، ومهددا إذا عصوه، بالهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، والقوم لا يزدادون إلا عنادا واستكبارا، حتى يأتي أمر الله، فيضطر إلى أن يتعلم النجارة لصنع سفينة ينجو فيها بنفسه ومن آمن معه بأمر من ربه، ويرى فلذة كبده وهو يغرق مع أعداء الله.
وقد صورت الآيات القرآنية قصته تصويرا مفصلا دقيقا فلنذكر بعض الآيات بدون تعليق فلا كلام يمكن أن يؤدي معانيها مثلها:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ . [العنكبوت: ١٤]
هذا هو النموذج الأول، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو نوح ﵇ ولولا ما رزقه الله من رحمة وشفقة وصبر، لما قدر أن يستمر في دعوة قومه الذين وقفوا منه هذه المواقف تلك المدة الطويلة المديدة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت] وقصص الأنبياء ﵈ -غير نوح - شبيهة بقصته
النموذج الثاني: محمد رسول الله ﷺ .
وهو الذي ختم به جميع الرسل، وختم بكتابه ودينه المفصل الكامل جميع الكتب والأديان رحمة من الله للعالمين.
стр. 203
فقد بعثه ﷺ في وقت أظلمت فيه الآفاق بالشرك والوثنية والجهل، وانطمست معالم الرسالات، وكلف تبليغ هذا الدين إلى قومه الأقربين، ثم عشيرته المحيطين به، ثم العرب أجمعين، ثم أمم الأرض وعظماءها من الأمراء والسلاطين، ولقي ﷺ ما لقيه إخوانه المرسلون، من أقوامهم الضالين من الأذى والامتحان، والصد عن سبيل الله واتباع سبيل الشيطان، وأوذي معه صحبه الكرام الذين أقام الله بهم دين الإسلام.
دعا ﷺ سرا وعلنا، وعرض دعوته على الغني والفقير، والقوي والضعيف، وهجر بلاده مكة هو وصحبه عندما سد المشركون أمام دعوته الأبواب، وكانت أحب البلاد إلى الله.
واصل دعوته في المدينة، وهجم عليه المشركون من كل حدب وصوب، فجاهد في الله حق جهاده مدافعا عن دين الله، وقائما بدعوة الله، وسالت دماؤه الزكية وجرح جسمه الطاهر وكسرت أسنانه النظيفة، وقتل كثير من أصحابه، مستشهدين في ساح الجهاد التي اشترك معهم فيها الملائكة المقربون، حتى نصر الله دينه وأعلى كلمته وكان ذلك كله امتثالا لأمر ربه، ورحمة بعباد الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور.
стр. 204
ولنقرأ كذلك بعض الآيات في معاناته ﷺ وكيف وقف قومه المشركون واليهود والنصارى من الحق الذي جاء به، وكيف صبر ومضى مشفقا عليهم رحيما بهم.
ومع هذه المواقف القاسية العنيدة التي كان يقفها قومه المشركون منه، كان يحزن لحالهم ويتحسر ويهتم بأمرهم، رحمة بهم وإشفاقا على ما سيلقونه من مصير سيئ في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى له مسليا ومصبرا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ . [النحل: ١٢٧]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ . [النمل: ٧٠]
وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ . [الكهف: ٦]
هكذا كان ﷺ يحزن لحال أمته الذين لم يستجيبوا لدعوته، مشفقا عليهم راغبا في هدايتهم برغم عدائهم وحربهم له ولدينه.
وكان ﷺ أشد رحمة وشفقة على من آمن به من أصحابه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . [التوبة: ١٢٨والعنت المشقة]
стр. 210
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ . [الحجرات: ٧]
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . [الفتح: ٢٩]
وقد ضرب لرحمته وشفقته على أمته، مثلا برجلٍ استوقد نارا فلما أضاءت جعل الفراش والدواب تقع في النار والرجل يحاول منعها وحجزها عن النار، وهي تأبى إلا الوقوع فيها.
كما في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحمون فيه» ..) وفي لفظ: «مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا أخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تقحمون فيها» ..) [مسلم (٤ / ١٧٨٩) ، والتقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، والحجز جمع حجزة وهي معقد الإزار.] .
стр. 211
والذي يدرس سيرة الرسول ﷺ وما قام به من الدعوة إلى الله بين المشركين وحرصه الشديد على هدايتهم، وسيرته ﷺ مع أهله وخَدَمه وأصحابه يرى رحمته شاخصة في تلك السيرة العطرة، تتحرك بحركة رسول الله ﷺ وتتحدث بلسانه.
وعلى تلك الرحمة ربى أصحابه فكانوا يتسابقون إلى نفع المحتاجين ونصرة الضعفاء.
ويكفي لمعرفة رحمة أبي بكر الصديق ﵁ برعيته، بيانه السياسي بعد بيعته الذي أولى فيه من يستحق الرحمة اهتمامه، حيث خصه بنسبة كبيرة من معاني ذلك البيان نصا، فكان مما قاله في ذلك البيان:"والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.." [تاريخ الخلفاء، للإمام السيوطي ص٦٩]
وكان -وهو خليفة رسول الله ﷺ ووزيره عمر بن الخطاب ﵄ يتسابقان دون أن يعلم أحدهما بالآخر لخدمة عجوز كبيرة السن، وكان الخليفة يسبق وزيره إليها [نفس المرجع: ص٨٠] .
النموذج الثالث: مؤمن آل فرعون.
стр. 212
وهو الذي انبرى محاميا عن موسى ﵇ ومرغبا فرعون وقومه في الاستجابة لدعوته، ومرهبا لهم من مخالفته والاعتداء عليه بالقتل، في بيان طويل وجدال قائم على الحجة والبرهان والعاطفة والرحمة.
стр. 213
فعندما سمع فرعون يستأذن ملأه -وليس استئذانه منهم إلا لخداعهم وإظهار أنه يرجع إليهم في الأمور المهمة- قائلا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وسمع موسى ﵇ وهو يستعيذ بربه -الذي لا ملجأ له سواه- كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ خرج ذلك الرجل المؤمن ﵁ من صمته وهو من آل فرعون -فدافع عن موسى ودعا فرعون وقومه إلى اتباعه والبعد عن إيذائه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ
стр. 214
بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [إلى هنا تظهر رحمة الرجل المؤمن بموسى ﵇ حيث يحذر قومه من قتله بسبب يقتضي مناصرته والاستجابة له، وهو أنه يقول ربي الله، ثم يفترض أنه إما أن يكون صادقا -وهذا هو الذي يعتقده هذا المحامي- وإما أن يكون كاذبا -حسب زعم فرعون وملئه- فإن صدق فسيكون قتلهم له ومحاربة دعوته وبالا عليهم، وإن كذب فتركهم له لا يضرهم ويتحمل هو كذبه، وفي نصحه هذه رحمة بهم، ثم يظهر رحمته بهم بأنهم يحزرون الملك وهذا الملك لا يبقى مع الظلم بل سينزل بهم بأس الله فإذا نزل بهم فلا ناصر لهم، وفي هذا غاية النصح لهم والرحمة بهم] .
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [وفي هذا تخويف لهم من عقاب الله في الدنيا، وذلك رحمة بهم] .
стр. 215
﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [وفي هذا تحذير لهم من عقاب الله لهم في الآخرة، وهو من رحمته بهم]
.إلى قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [وهذا يعارض قول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ .. كما سبق] ..