والذي يدرس سيرة الرسول ﷺ وما قام به من الدعوة إلى الله بين المشركين وحرصه الشديد على هدايتهم، وسيرته ﷺ مع أهله وخَدَمه وأصحابه يرى رحمته شاخصة في تلك السيرة العطرة، تتحرك بحركة رسول الله ﷺ وتتحدث بلسانه.
وعلى تلك الرحمة ربى أصحابه فكانوا يتسابقون إلى نفع المحتاجين ونصرة الضعفاء.
ويكفي لمعرفة رحمة أبي بكر الصديق ﵁ برعيته، بيانه السياسي بعد بيعته الذي أولى فيه من يستحق الرحمة اهتمامه، حيث خصه بنسبة كبيرة من معاني ذلك البيان نصا، فكان مما قاله في ذلك البيان:"والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.." [تاريخ الخلفاء، للإمام السيوطي ص٦٩]
وكان -وهو خليفة رسول الله ﷺ ووزيره عمر بن الخطاب ﵄ يتسابقان دون أن يعلم أحدهما بالآخر لخدمة عجوز كبيرة السن، وكان الخليفة يسبق وزيره إليها [نفس المرجع: ص٨٠] .
النموذج الثالث: مؤمن آل فرعون.
стр. 212
وهو الذي انبرى محاميا عن موسى ﵇ ومرغبا فرعون وقومه في الاستجابة لدعوته، ومرهبا لهم من مخالفته والاعتداء عليه بالقتل، في بيان طويل وجدال قائم على الحجة والبرهان والعاطفة والرحمة.
стр. 213
فعندما سمع فرعون يستأذن ملأه -وليس استئذانه منهم إلا لخداعهم وإظهار أنه يرجع إليهم في الأمور المهمة- قائلا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وسمع موسى ﵇ وهو يستعيذ بربه -الذي لا ملجأ له سواه- كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ خرج ذلك الرجل المؤمن ﵁ من صمته وهو من آل فرعون -فدافع عن موسى ودعا فرعون وقومه إلى اتباعه والبعد عن إيذائه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ
стр. 214
بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [إلى هنا تظهر رحمة الرجل المؤمن بموسى ﵇ حيث يحذر قومه من قتله بسبب يقتضي مناصرته والاستجابة له، وهو أنه يقول ربي الله، ثم يفترض أنه إما أن يكون صادقا -وهذا هو الذي يعتقده هذا المحامي- وإما أن يكون كاذبا -حسب زعم فرعون وملئه- فإن صدق فسيكون قتلهم له ومحاربة دعوته وبالا عليهم، وإن كذب فتركهم له لا يضرهم ويتحمل هو كذبه، وفي نصحه هذه رحمة بهم، ثم يظهر رحمته بهم بأنهم يحزرون الملك وهذا الملك لا يبقى مع الظلم بل سينزل بهم بأس الله فإذا نزل بهم فلا ناصر لهم، وفي هذا غاية النصح لهم والرحمة بهم] .
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [وفي هذا تخويف لهم من عقاب الله في الدنيا، وذلك رحمة بهم] .
стр. 215
﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [وفي هذا تحذير لهم من عقاب الله لهم في الآخرة، وهو من رحمته بهم]
.إلى قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [وهذا يعارض قول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ .. كما سبق] ..
الْعَذَابِ﴾ [الآيات من سورة غافر: ٢٦-٤٦] .
ما أصعب كلمة الحق أمام الطغاة الفراعنة، وكثيرا ما يكون أناس يؤمنون بالحق الذي يكفر به الطغاة الفراعنة، ويودون أن يؤمن به أولئك الطغاة الفراعنة من أهل الباطل وأتباعهم، ولكنهم لا يجرءون على الجهر بذلك، فيؤمنون بالحق في أنفسهم ويكتمون ذلك الإيمان، خوفا من جبروت الطغاة الفراعنة وليس عليهم شيء في ذلك الكتمان اضطرارا، ولكن الإيمان عندما يقوى والرحمة بالطغاة وأتباعهم عندما تشتد، وكذلك الرحمة بأهل الحق المهدَّدين بالقتل والأذى، يأبى ذلك الإيمان أن يبقى في الصدور فيظهر في الأفعال والأقوال، وتتضاءل قوة الطغاة الفراعنة في نفوس المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، فيصدعون بالحق رحمة بالداعي المغلوب وبالمدعو المعاند، وهذا ما حصل من مؤمن آل فرعون ﵁ وأرضاه وأكثر في قصور الطغاة الفراعنة من أمثاله، وهكذا يكون أهل الحق رحماء فيما بينهم ورحماء بغيرهم، بخلاف أهل الباطل فالغالب فيهم أن تكون الرحمة منزوعة من قلوبهم، وبخاصة فيما يعارض مصالحهم -ولو كانت تلك المصالح ظلما صريحا- وبخاصة مع أهل الحق فإن الغلظة والقسوة تكون ملازمة لهم في معاملتهم.
стр. 218
أهل الحق يدعون أهل الباطل إلى الحق وينصحونهم بترك الباطل رحمة بهم، وأهل الباطل يحاربون أهل الحق وينابذونهم العداء، ويخرجونهم من ديارهم، ويفتنونهم في دينهم بالضرب والرجم والحبس والقتل، تجبرا عليهم وقهرا وإذلالا لهم وقسوة عليهم.
والتاريخ البشري والقرآن العظيم والواقع المعاصر كلها تدل على ذلك.
ولو أردنا تتبع ذلك الظلم والقسوة والقهر التي تباين الرحمة وتنافيها، من القرآن الكريم وكتب السنة، والتاريخ والواقع المعاصر، لاحتاج ذلك منا إلى كتاب مستقل، فلنذكر نماذج من القرآن الكريم ونشير إلى شيء من الواقع للربط بين أهل الباطل في القديم والحديث.
سبق أن أهل الحق تلازمهم صفة الرحمة في أغلب الأوقات -هذا إذا كانوا من غير الأنبياء، وغير الأنبياء ليسوا بمعصومين، أما الأنبياء فلا تفارقهم سجية الرحمة- وأما أهل الباطل فالأصل أنهم غير رحماء، فإذا ما وجدت عند بعضهم بعض معاني الرحمة، فالغالب أنها تتعلق بتحقيق مصالح لهم.
ومن مستلزمات القسوة عند أهل الباطل اعتداء القوي على الضعيف.
مظاهر الاعتداء.!!!
وللاعتداء مظاهر:
المظهر الأول: إخراج القوي الضعيف من بلده وداره.
стр. 219
وقد يكون المعتدى عليه من أهل الحق الرحماء الذين يريدون الخير لذلك المعتدي، كالأنبياء والدعاة من أتباعهم.
فتأمل كيف يتلطف نبي الله شعيب ﵇ مع قومه، ويطلب منهم الصبر والمهادنة -إذا لم يستجيبوا لدعوته- حتى يحكم الله بينه وبينهم، وكيف يردون عليه؟
قال تعالى عنه، وهو يخاطب قومه: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فيردون عليه في قسوة وكبرياء: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ . [الأعراف: ٨٧-٨٨] .
стр. 220
بل حكى الله تعالى عن الكفار عموما، تهديدهم لأهل الحق من الأنبياء الرحماء الذين جاءوهم بالرحمة والخير، بإخراجهم من أرضهم، ما لم يتركوا دين الرحمة الذي جاءوهم به ويعودوا إلى ملة الكفر والعذاب، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ . [إبراهيم: ١٣] .
وقال تعالى عن قوم لوط -وقد دعاهم لوط ﵇ إلى الطهر والعفة والبعد عن فعل الفاحشة المنكرة- الذين سخروا من دعوته لهم إلى التطهر من الفاحشة: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ . [الأعراف: ٨٢]
وقال تعالى -مسليا رسوله ﷺ وقد أخرجه قومه من أحب بلد إليه -المسجد الحرام-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ . [محمد: ١٣]
стр. 221
وقال تعالى -مبينا مكر قومه به وتآمرهم عليه بالسجن أو القتل أو الإخراج من بلده-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . [الأنفال: ٣٠]
وقال تعالى عن رأس المنافقين -ومثله رؤوس العلمانيين المنتسبين إلى الإسلام المحاربين له اليوم- وهو يهدد الرسول ﷺ والمؤمنين به، وبخاصة المهاجرين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . [المنافقون: ٨]
стр. 222
وقال تعالى عن نبيه ﷺ وأصحابه المهاجرين الذين أخرجتهم قريش من ديارهم وأموالهم وأهليهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ . [الحج: ٤٠] وما أشق خروج الإنسان -أي إنسان من منزله وبلاده بالقوة والإكراه- وبخاصة عندما يكون إخراجه بسبب دعوته إلى الحق، قوما ضلالا متمسكين بالباطل صادين عن الحق، فيخرجونه مقهورا مظلوما، هو يجاهد في وصول الخير إليهم في حال كونه مشفقا عليهم رحيما بهم، وهم يصرون على إخراجه من دياره، قاسية قلوبهم لا تعرف الرحمة والرأفة بمن يستحقها.
المظهر الثاني: سجن المعتدى عليه بدون حق.
وهذه العقوبة القاسية تعتبر عند الطغاة الفراعنة أهل الباطل تفضلا منهم على أعدائهم من أهل الحق، لأن أهل الحق لا يستحقون الحياة، والسجن قد يكون محطة يعبر منها السجين إلى مشنقة الموت، أو ينسى في السجن نسيان القساة الذين نزعت الرحمة من قلوبهم.
стр. 223
ففرعون يهدد موسى ﵇ الرسول الموحد الذي يدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، ويحذره من أن يعبد إلها غيره، ويتوعده بالسجن مع المجرمين من قطاع الطرق وسارقي الأموال وقاتلي النفوس بدون حق، كما قال تعالى عنه: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ . [الشعراء: ٢٩]
هذا التهديد بالسجن قصد منه إكراه الرسول الموحد الداعي إلى التوحيد الذي هو أصل كل حق، على الإشراك بالله وعبادة الطاغوت الذي هو أصل كل باطل.
ويوسف ﵇ تعرض للسجن بسبب تنزهه عن الفاحشة التي طلبتها منه امرأة العزيز في قصر السلطة، وقصور طغاة الملوك والزعماء تضيق بالطاهرين الذين ينزهون أنفسهم من الفواحش، ولا يلقى الترحيب فيها -غالبا- والتمكين إلا الفسقة والمجرمون الذين يحبون الفاحشة، لذلك حاولت عزيزة القصر إكراهه على المنكر واتخذت لذلك الإكراه كل وسيلة، فلما رفض صاحب الحق طلبها واعتصم بالله طلبت سجنه، فاستجاب لطلبها زوجها الديوثُ وسَجَنَه، وكان السجن أحب إلى صاحب الحق من أن يستجيب للباطل.
стр. 224
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [يوسف: ٢٤ - ٢٥]
وبعد إقرارها بأنها هي العاصية وإقرارها بأنها هي التي راودته على الفاحشة، صدر منها التهديد الظالم الذي هو عادة أهل الباطل، للمظلوم البريء صاحب الحق، كما قال تعالى عنها: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ . [يوسف: ٣٢]
ووقف صاحب الحق عالي الرأس، مفضلا السجن على الاستجابة للمنكر، كما قال تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ . [يوسف: ٣٣]
стр. 225
ويصدر الحكم الظالم من أهل الباطل على البريء المظلوم صاحب الحق، دون رحمة لضعفه ولا تقدير لبراءته كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ . [يوسف: ٣٥] والآيات: الأدلة والبراهين والقرائن الدالة على براءته وإثم العاصية.
المظهر الثالث: الرجم بالحجارة.
وقد هدد أهل الباطل بالرجم رسلَ الحق ودعاته وأهله، كما قال تعالى عن قوم نوح: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ . [الشعراء: ١١٦]
وهدد آزر أبو إبراهيم ولدَه إبراهيم بالرجم، كما قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ . [مريم: ٤٦]
وحكى الله عن قوم شعيب أنهم لم يتركوا رجمه إلا خوفا من رهطه، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ . [هود: ٩١]
стр. 226
ويظهر من بعض الآيات أن موسى ﵇ هدده فرعون وملؤه بالرجم فاستعاذ بالله من ذلك، كما قال تعالى عنه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ . [الدخان: ٢٠]
وذكر تعالى عن بعض الأمم أنها هددت رسلها بالرجم والعذاب المؤلم، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [يس: ١٨]
رسل الله وأتباعهم من أهل الحق، يسعون جادين إلى إنقاذ أهل الباطل من ضلالهم الذي يشقيهم في الدنيا والآخرة، شفقة عليهم ورحمة بهم، وأهل الباطل تتصلب قلوبهم وتقسو نفوسهم، فيهددون من يريد رحمتهم، بالرجم والعذاب الأليم! لأن قلوب أهل الحق مليئة بالرحمة وقلوب أهل الباطل خالية من الرحمة مليئة بالقسوة.
المظهر الرابع: تقطيع الأطراف والصلب.
стр. 227
وهذا النوع من أنواع الاعتداء من قساة القلوب -أهل الباطل- والتهديد به أمر شائع في طواغيت الأرض وفراعنتهم، وقد هدد به فرعون السحرة الذين استنجد بهم للانتصار على آيات موسى وبراهينه بسحرهم، فبطل سحرهم وتسلل الإيمان برب موسى ودعوته إلى قلوبهم، فانقلبوا مؤمنين بالحق الذي جاء به موسى ﵇ ضد الباطل الذي كانوا قد نشئوا عليه وأعانوا عليه فرعون، وعندما ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ اشتدت قسوة فرعون فأخذ يعاتب وينكر ويهدد، كما قال تعالى عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . [الأعراف: ١٢٣-١٢٤]
стр. 228
وقال تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ . [طه: ٧١]
وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . [الشعراء: ٤٩]
المظهر الخامس من مظاهر العنف والقسوة: الذبح، وهو أحد أنواع القتل. وقد كان فرعون -لشدة قسوته- يذبح صغار بني إسرائيل أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، ليستأصل ذريتهم الذكور، حرصا على ملكه وخوفا متوهما أن يسلبوه ذلك الملك.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ . [البقرة: ٤٩]
стр. 229
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ . [إبراهيم: ٦]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [القصص: ٤]
المظهر السادس: التحريق.
ومن أنواع القتل الشنيع التي يتخذها قساة القلوب من أهل الباطل، تحريق أهل الحق بالنار.
كما فعل قوم إبراهيم الخليل ﵇ لولا أن الله تعالى سلب النار قدرتها على إيذائه بقدرته تعالى.
قال تعالى فيهم -بعد أن أقام إبراهيم ﵇ الحجة عليهم واعترفوا بأنه على حق وأنهم هم أهل باطل وظلم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨-٦٩] .
стр. 230
ومن أعظم القصص الدالة على أن أهل الباطل قد نزعت الرحمة من قلوبهم قصة أصحاب الأخدود التي أشارت إليها هذه الآيات: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ . [البروج: ٤، ١٠ ويمكن مراجعة هذه القصة في كتب التفسير ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير] .
المظهر السابع: القتل بكل الوسائل المؤدية إليه.
وهو شامل لقتل أهل الباطل أهلَ الحق، نصرا للباطل على الحق، ومحاولة لاستئصال مصادر الحق التي تؤدي إلى إبلاغ الحق إلى عقول الناس من أجل أن تخلو الأرض للباطل وأهله.
стр. 231
وشامل كذلك لاعتداء أهل الباطل على الضعفاء من الصغار -من أولادهم بسبب خشية العار إن كان القتل للبنات، أو خشية الفقر- أو أولاد أعدائهم، كما يحصل في الحروب، أو من بعض الطغاة الفراعنة لأولاد بعض الطوائف المضطهدة تحت حكمهم وسيطرتهم، وذلك كله يدل على نزع الرحمة والشفقة من قلوبهم فمن النوع الأول -قتل أهل الحق من الأنبياء وأتباعهم- قوله تعالى في اليهود القساة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . [البقرة: ٦١]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . [آل عمران: ٢١]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . [آل عمران: ١٨١]
стр. 232
وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ . [المائدة: ٧٠] هذه الآيات وغيرها في أهل الكتاب.
وقال تعالى في مشركي قريش وهم يتآمرون على رسول الله ﷺ ويطرحون خياراتهم في التخلص منه ومن دعوته -ومن ذلك القتل-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . [الأنفال: ٣٠]
ومن النوع الثاني -أي قتل الصغار- ما كان يفعله فرعون مع أولاد بني إسرائيل الذكور، كما مضى قريبا.
ومن ذلك ما كان يفعله مشركو قريش حيث يذبح الأب ابنه خشية الفقر، أو ابنته خشية العار، وهما ينظران والأم تبصر قتل رضيعها، دون رحمة ولا شفقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ . [الأنعام: ١٣٧]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . [الإسراء: ٣١]
стр. 233
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . [النحل: ٥٩]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ . [التكوير: ٨-٩]
ترى هل يوجد شيء من الرحمة في قلوب من يقتلون الأولاد الصغار، سواء كانوا أولادهم أو أولاد أعدائهم؟!
المظهر الثامن: الأذى بكل أنواعه.
وهو يشمل مظاهر القسوة المذكورة سابقا وغيرها.
وأذى أهل الباطل يشمل المخلوقات كلها: الإنسان وغيره، سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، فصاحب الباطل القوي يؤذي الضعيف سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، ولكن إيذاءه أهل الحق له الأولوية عنده، وسنقتصر عليه ها هنا بذكر بعض الآيات القرآنية التي نصت على الأذى.
قال تعالى -مخاطبا عباده المؤمنين مصبرا لهم، مبينا لهم، أنهم لا بد أن يتعرض لهم أعداء الحق من أهل الباطل، من اليهود والنصارى والمشركين سواء، بالأذى الذي يحتاجون معه إلى الصبر والتقوى في ثباتهم على الحق:
стр. 234
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]
وقال تعالى -مسليا رسوله ﷺ ومواسيا له على ما كان يلقاه من أذى قومه المشركين، بما لقيه قبله إخوانه المرسلون من أقوامهم: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]
وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]
стр. 235
كان يمكن الاكتفاء بذكر أن أهل الباطل أعداء الحق قد نزعت الرحمة من قلوبهم، لأنهم قد تكبروا وتجبروا وطغوا لبعدهم عن الله وعدم الاستجابة لرسله، ولذلك هم لا يدعون شيئا من أنواع الأذى إلا أنزلوه بالضعيف، وبخاصة إذا كان هذا الضعيف من أهل الحق، كان يكفي ذكر ذلك والاستدلال بآية أو آيتين بدون سوق المظاهر الثمانية المذكورة الدالة على قسوتهم وعدم رحمتهم.
ولكن أردت من سوق هذه المظاهر التنبيه إلى شيء -وليس كل شيء- من قاموس الشر والفتنة الذي يزاوله أعداء الحق، من أهل الباطل ضد أهل الحق من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، ليفتنوهم عن دينهم بكل صنوف الأذى، وليصدوا الناس عن الاستجابة لدعوتهم بغاية القسوة والشدة.
ولو أنا عدنا إلى التاريخ لضرب أمثلة تندرج تحت هذا القاموس وتزيد عليه لما اتسع المقام لذلك.
стр. 236
ولهذا نحاول أن ننبه على الواقع وما يجري فيه من وبال على العالم كله، من قبل الطغاة والفراعنة من أهل الباطل، وبخاصة على أهل الحق من الدعاة الذين امتلأت قلوبهم رحمة ورأفة، فأجهدوا أنفسهم واقتحموا العقبات لإبلاغ الخير إلى أهل الباطل، ليسعدوا بهذا الخير في الدنيا والآخرة، ولكن أهل الباطل وجهوا إليهم سهام العداء والحرب بقسوة بالغة فأنزلوا بهم كل أنواع الأذى والمحن.
نماذج من قساة القلوب في عصر حقوق الإنسان!
لا نريد -كما سبق- تتبع قسوة الطغاة ووحشيتهم التي يعاملون بها الضعيف من قديم الزمان، بسبب فقد قلوبهم الرحمة والرأفة، والاستشهاد على ذلك بحوادث التاريخ، سواء أكان ذلك صادرا من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، أو الوثنيين من مجوس وغيرهم من الهندوس والبوذيين، وسواء عاملوا بتلك القسوة والوحشية دعاة الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، أو عاملوا بها أبناء جنسهم من الكفار، فإن ذلك -لو أردنا تتبعه- من الصعوبة بمكان.
стр. 237
والذي يرغب في الاطلاع على نماذج من قسوة أي أمة من تلك الأمم فإنه واجد في كتب التاريخ القديمة والحديثة ما يغنيه، فهذه الرسالة ليست معنية بذلك، وحسبها أن تشير بسبابتها إلى المكتبات العامة والخاصة، والمكتبات التجارية لمن عنده تلك الرغبة.
ولكنها -أي هذه الرسالة- معنية بذكر نماذج تثبت بها دعواها، وهي أن صفات أهل الباطل الذين يسابقون بباطلهم أهل الحق إلى العقول هي على نقيض صفات أهل الحق، فإذا كان أهل الحق يتصفون بالرحمة بالخلق، ورحمتهم بهم تحملهم على إبلاغ الحق إلى عقولهم، فإن أهل الباطل يتصفون بالقسوة والغلظة، ولعدم رحمتهم بالخلق يحاولون أن يسبقوا أهل الحق بإبلاغ باطلهم إلى عقول الناس، ويتخذون لذلك كل الوسائل القاسية الغليظة الخالية من الرحمة لذلك السباق.
ولما كانت النماذج المعاصرة أقرب إلى ذهن القارئ لأنه يراها ويسمع عنها، ويعيش في زمن أحداثها، فإن الاستشهاد بها أقرب إلى إقامة الحجة بها.
وسنعرض هنا خمسة نماذج من قساة القلوب الذين نزعت الرحمة من قلوبهم:
النموذج الأول: قساة القلوب من اليهود.
النموذج الثاني: قساة النصارى.
النموذج الثالث: قساة الوثنيين.
النموذج الرابع: قساة الملحدين.
стр. 238
النموذج الخامس: قساة المنافقين.
النموذج الأول قساة اليهود.
إن الأمة التي تكذب قادة دعاة الحق- الأنبياء والرسل- وتقتلهم، وهم يتوجهون إليها بدعوتها إلى الدخول في رحمة الله بها في الدنيا والآخرة، هي أمة بلغت أقصى حد القسوة والغلظة، وإذا نزعت الرحمة من قلوبها في معاملتها لأنبيائها ورسلها، فما الذي يتوقع منها في معاملتها لغيرهم؟ وبخاصة إذا كانوا أعداءها، وبالأخص إذا كان أعداؤها هم المسلمين الذين حسدوا رسولهم ورسالته في أول مجيئها، وحاولوا القضاء عليها في مهدها بقتل نبيها غيلة، وتأليب قوى الشر في الجزيرة العربية على حملتها، بعد نقضهم العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين الرسول ﷺ .
فها هم اليوم يغتصبون بلاد المسلمين -بمعاونة النصارى- ويقتلون أبناءهم، ويسجنونهم، ويعذبونهم بأقسى أنواع التعذيب، ويخرجونهم من ديارهم، ويهدمون على رؤوسهم منازلهم، ويدنسون مقدساتهم -ومنها قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسولهم ﷺ .
стр. 239
وقد اغتصبوا أرض فلسطين سنة ١٩٤٨م وأخذوا يعيثون فسادا في البلاد والعباد، ولست بمحاول تتبع معاملتهم القاسية لأهل البلاد من ذلك التاريخ، وإنما أذكر أمثلة قليلة من تلك المعاملة قريبة العهد، قرأها الناس في الصحف والمجلات، وشاهدوها في التلفاز وسمعوها في الإذاعة، وأكثر ما تذكر ذلك مفصلا وسائل الإعلام الأجنبية الموالية والمؤيدة لليهود: الأوروبية والأمريكية [هذا كان قبل وجود بعض الفضائيات العربية التي أصبحت تنقل مجازر اليهود للفلسطينيين ساعة بساعة، وفي مواقع الإنترنت خير شاهد على ذلك] وشهادة الأهل على الأهل أقوى حجة من غيرها -ومع أن هذه الإشارة كافية لمن يعيش في هذه الأيام على الكوكب الأرضي؛ لأن مظاهر قسوة اليهود تعتبر بدهية عندهم، ويكفي أن يُذكَّرُوا بها للدلالة على فقد اليهود الرحمة في قلوبهم، أقول مع أن ذلك كاف فلا بد من ضرب أمثلة لتكون أكثر تذكير للحاضر ومرجعا للأجيال القادمة.
وسأقتصر على بعض الأمثلة بذكرها من مرجع واحد وهو: (الانتفاضة المباركة، وقائع وأبعاد) [للكاتب غسان حمدان] .
فقد ذكر في الفصل الثالث من الكتاب -وعنوانه الإجراءات الإسرائيلية الإرهابية: العناوين الآتية:
стр. 240
سياسة القبضة الحديدية. الاعتقالات العشوائية.
مبدأ رابين [كان وزيرا للدفاع، ثم أصبح رئيسا للوزراء، وقد اغتاله بنو جلدته احتجاجا على ما ظهر لهم من تقارب مع الشرطة الفلسطينية] في تكسير العظام. تعطيل الخدمات الصحية.
العقاب الجماعي. انتهاك حرمة المقدسات الإسلامية.
الحرب الاقتصادية. اشتراك المستوطنين في القمع.
محاولة كسر الإضراب التجاري. دفن الأحياء.
الاعتداء على المؤسسات التعليمية. هدم ونسف المنازل.
قنابل الغاز السامة. أجهزة عسكرية متطورة.
إبعاد المواطنين خارج فلسطين. الحرب النفسية.
التعتيم الإعلامي.
وسأقتطف بعض الجمل مما فصل المؤلف، بعد ذكره هذه البنود قال: (لم يترك جنود الجيش الإسرائيلي أسلوبا للتنكيل بالمواطنين إلا وتسابقوا على تنفيذه، حتى وإن أثار إرهابهم العالم -إلى أن قال: وحول الأساليب القمعية والإجراءات التي اعترف المجرم شامير [كان رئيسا للوزراء] بأن الجنود كلفوا بتنفيذها، فإنها تحتاج إلى مجلدات كبيرة، ويكفي أن نورد أبرز هذه الأساليب مدعمة ببعض الشواهد، على سبيل المثال لا الحصر:
стр. 241
١- اقتحام المنازل بعد فرض حظر التجول، وتحطيم الأثاث وزجاج النوافذ، والعبث بمحتويات المنزل ... بالإضافة إلى الاعتداء على الموجودين فيها ... رجالا ونساء ... كبارا في السن أو صغارا ...
٢-قذف قنابل الغاز السامة والمسيلة للدموع داخل المنازل ... كما عمدت قوات العدو إلى أسلوب جديد للتنكيل باستخدام هذه القنابل، حيث يقوم الجنود بإطلاق عدد من القنابل الغازية والدخانية في المنازل، ثم يجبرون المواطنين على دخول المنازل تحت الضرب الشديد.
٣- إطلاق يد حرس الحدود ... بأعمال تخريب وإهانة..
٤- إخراج الرجال والأطفال من منازلهم وضربهم ضربا مبرحا بالهراوات وأعقاب البنادق، ثم ربطهم إلى أعمدة الكهرباء والهاتف والاستمرار في ضربهم إلى أن يفقد الشخص المربوط وعيه، وعندئذٍ يرش عليه الماء البارد ويعود الضرب من جديد، وقد يلجأ الجنود إلى ضرب رأس المعتقل بالحائط والعمود ...
٥- استغلال تأخر بعض المواطنين في الوصول إلى منازلهم ليلا، فيقوم الجنود باعتقالهم وتكسير أطرافهم ... وإلقائهم في أماكن نائية في الطريق ...
стр. 242
٦- تجميع أعداد كبيرة من المواطنين ممن يتصادف مرورهم في الشوارع، وحشرهم في محلات تجارية، بعد فتحها بالقوة ثم يقوم الجنود بإلقاء قنابل غاز مسيل للدموع ...
ويغلقون أبواب المحال والمواطنون بداخلها ...
٧- ... إلقاء الحجارة أو إطلاق النار على اللواقط الزجاجية للسخانات الشمسية المنصوبة على أسطح المنازل.. وتحطيمها.. إطلاق النار على خزانات المياه لتفريغها من الماء، بهدف تعطيش المجاهدين الصامدين، ووصل الأمر إلى أن يقوم بعض الجنود الذين يحتلون أسطح المنازل والمدارس بالتبول داخل خزانات المياه.. وتحطيم أسقف المنازل المصنوعة من القراميد، ونتيجة لهذا العمل باتت كثير من الأسر الفلسطينية في مخيم جباليا تحت المطر وفي البرد والعراء.
٨- ربط بعض الشباب إلى مقدمة سيارات الجيب العسكرية، التي تنطلق بسرعة ثم تتوقف فجأة، مما يؤدي إلى قذف الشخص الذي كان موثوقا إلى مقدمة السيارة مسافة بعيدة عنها، مما يؤدي إلى إصابتهم بجروح وكسور ورضوض في جميع أنحاء الجسم.
٩- استخدام الجيش بعض المعتقلين أو المارة دروعا بشرية في مواجهة المظاهرات، وحجارة المجاهدين..
стр. 243
١٠- إدخال الإطارات المشتعلة إلى منازل المواطنين الذين يرفضون إطفاءها مما يؤدي إلى احتراق المنازل أو أجزاء منها ...
١١- تجميع المعتقلين في سيارة باص.. والاعتداء عليهم بالضرب، ثم إلقاؤهم واحدا بعد الآخر أثناء سير الباص في أماكن مختلفة ...
١٢- إلقاء مواد تموينية فاسدة، وبخاصة البسكويت والشيكولاتة في مداخل القرى والمخيمات -لتقع- تحت متناول الأطفال في محاولة لتسميمهم وقتل أكبر عدد ممكن من أبطال الانتفاضة ...
١٣- قتل الأسرى والمعتقلين.
١٤- استخدام طائرات الهليكوبتر.. في إطلاق القنابل الغازية والمسيلة للدموع على جموع المتظاهرين في داخل القرى والمخيمات عند عجز قوات المشاة والآليات في اقتحام مناطق المظاهرات، كما جرى تطوير عدد من هذه الطائرات، حتى تتمكن من إلقاء كمية كبيرة من الحجارة على المجاهدين، حيث زودت بمدفع قاذف للحجارة ... كما تقوم الطائرات العسكرية المروحية بعمليات إنزال جوي للمظليين في القرى التي يغلق أهلها جميع مداخلها في وجه الجنود.. وتستخدم شبكة تلقيها من الطائرة لاعتقال الشباب المجاهد -كما يفعل صيادو الأسماك في البحر.
стр. 244
بل إن الجنود يحملون المعتقل في الطائرة ويرمونه من الجو فيصاب بجروح وكسور خطيرة ...
١٥- الانقضاض على من يتم القبض عليهم من الشباب المجاهد بالهراوات والعصي وأعقاب البنادق، وعلى جميع الأعضاء في الجسد وخاصة اليدين والقدمين.. وهذا هو مبدأ إسحاق رابين الذي نعت هذه العمل بقوله: (إن هذا الأسلوب أكثر فعالية من الاعتقالات، حيث إن المعتقل في سجن الفارعة مثلا يمكث.. (١٨يوما) يعود بعدها إلى الشوارع للتظاهر وقذف الحجارة، أما إذا قام الجنود بكسر يديه فإنه لن يتمكن من العودة إلى الشارع قبل شهر ونصف على الأقل ... [وقد شاهد العالم في كل مكان الجنود اليهود وهم يكسرون عظام الشباب الفلسطيني بالحجارة] .
وهكذا يضرب الجنود اليهود كثيرا من الشباب الفلسطيني حتى يموتوا ...
стр. 245
١٦- يضاف إلى ذلك أنواع أخرى من التعذيب الوحشي الذي يصعب حصره، وقطع المواصلات والاتصالات الهاتفية، ومنع إبلاغ المواد الغذائية والتموينية إلى المخيمات، وقطع الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء وتخفيض السيولة النقدية في المناطق المحتلة إلى أدنى حد ممكن، ووقف صرف رواتب المعلمين والمعلمات، ورفع الضرائب المرهقة، ومنع تصدير المنتجات الزراعية لإحداث خسائر فادحة على الفلسطينيين، وإغلاق الأسواق وإتلاف المحاصيل الزراعية، وإغلاق الجامعات والمدارس، وتحويل بعض المدارس إلى ثكنات عسكرية وتعطيل الخدمات الصحية، ومداهمة المستشفيات والعيادات الصحية.
١٧-انتهاك حرمات المقدسات الإسلامية:
- تكثيف الوجود العسكري حول المساجد وإقامة الحواجز في الطرق المؤدية إليها ومضايقة.. الذاهبين لأداء الصلاة بتفتيشهم ومصادرة هوياتهم -مع السب والشتم المؤذي لمشاعرهم.
- اقتحام المساجد والاعتداء على المصلين بالضرب بالهراوات وأعقاب البنادق والركل بالأرجل، ولا يستثنى من هذا الاعتداء أئمة المساجد.
- قطع الكهرباء عن المساجد قبيل موعد صلاة الجمعة لمنع الخطباء من التطرق إلى الانتفاضة الجهادية عن طريق مكبرات الصوت..
стр. 246
- اعتقال عدد من علماء الإسلام وخطباء المساجد.
- قذف قنابل الغاز داخل المساجد أثناء تجمع المصلين وإغلاق أبواب المساجد، وأحيانا إطلاق الرصاص على المصلين ...
- إغلاق عدد من المساجد ومنع المواطنين من أداء الصلاة فيها ...
- مصادرة مكبرات الصوت الخاصة بالأذان ...
- الاعتداء على كبار العلماء مثل مفتي القدس ومحاولة إحراق المسجد الأقصى ...
- الإذن للعصابات اليهودية بتدنيس المسجد الأقصى.
- تمزيق جنود اليهود أعدادا كبيرة من المصاحف وسب الدين الإسلامي ...
١٨- دفن الأحياء من شباب الجهاد.
١٩- هدم ونسف المنازل.
٢٠- إبعاد المواطنين خارج فلسطين (إخراجهم من أرضهم وديارهم..) [راجع الكتاب المذكور من صفحة ٣٢٧، ٣٧٦ وقد حاولت أن أسجل للقارئ صورا مختصرة جدا مع شيء من التصرف] .
وبمناسبة ذكر إبعاد المواطنين عن ديارهم وأرضهم، فإن المناسب ذكر حادثة حصلت هذه الأيام، وهي حادثة مؤلمة أمام سمع العالم وبصره، وأمام سمع العالم الإسلامي وبصره، وأمام من يسمى بالعالم العربي وبصره.
وخلاصتها:
стр. 247
أن شباب الجهاد (المنتمين إلى منظمة حماس) اختطفوا جنديا يهوديا في الأرض التي احتلها اليهود سنة ١٩٤٨م وطالبوا بالإفراج عن زعيمهم المقعد المحكوم عليه بالسجن الأستاذ أحمد ياسين مقابل الإفراج عن الجندي اليهودي وحددوا وقتا معينا لدولة اليهود وإذا لم يفرجوا عن الزعيم المسلم فإنهم سيقتلون الجندي اليهودي، وبعد مضي المدة المحددة بفترة قتلوه ووجدت القوات اليهودية القتيل في الضفة الغربية مقتولا فطارت طائرتهم بعد أن حملوا حملة اعتقالات وداهموا المدن والقرى والمنازل وقتلوا عددا من شباب فلسطين وجرحوهم قبل العثور على جثة القتيل.
أما بعد ذلك فقد أضاف اليهود إلى قسوتهم قسوة أشد فأخذوا آلافا من منازلهم وزجوا بهم في السجون والمعتقلات واختاروا أربعمائة وخمسة عشر من خيرة رجال الدعوة والجهاد من ذوي المؤهلات العلمية من حملة الدكتوراه والماجستير والليسانس من معلمين وأطباء ومهندسين وكتاب وعلماء شريعة وحملوهم في شاحنات معصوبي الأعين وتعاونت الحكومة اليهودية والمحكمة العليا اليهودية فأصدرت هذه حكمها القاسي الظالم وطرد العدد المذكور ونفذت تلك المحكمة اليهودية الظالمة هذا الحكم الجائر!
стр. 248
وفي الحدود بين ما يسمى بالشريط الأمني الذي اغتصبته الدولة اليهودية من لبنان وبين الحدود اللبنانية، أنزلوا المظلومين وأطلقوا فوق رؤوسهم النار ليدخلوا الأراضي اللبنانية، واستقبلهم الجنود اللبنانيون بالنار من الجهة اللبنانية، فإذا هم على قمة جبل تتساقط عليه الثلوج وهم في العراء في الشتاء القارص، لا طعام، ولا شراب ولا مأوى، ولا غطاء ولا دواء، وكان ذلك في يوم الخميس الموافق لـ٢٣من شهر جمادى الآخرة سنة ١٤١٣هـ- ١٧ديسمبر سنة ١٩٩٢م، وتمكن الصليب الأحمر في الأيام الأولى من مساعدتهم بعدد من الخيام والأغطية والطعام والماء والدواء، ثم تآمر اليهود من الجنوب، والنصارى والعلمانيون من الشمال، على منع أي مساعدات لهم عن طريق أهليهم أو الصليب الأحمر، لا من فلسطين المغتصبة، ولا من لبنان، بحجة أن كل دولة منهما ليست مسؤولة عنهم، أما اليهود فلا يريدون الاعتراف بأن لهم أي حق في المساعدة التي تأتيهم من دولتهم، لأنهم قد أبعدوا إلى خارجها، وأما اللبنانيون فيريدون أن لا يتحملوا تصرفات حكومة اليهود، ويزعمون أن في ذلك ضغطا على اليهود لإعادتهم، فانقطع عنهم كل شيء في ذلك الجبل وفشت في بعضهم الأمراض وصورهم المحزنة
стр. 249
تنقل للعالم كله عبر التلفاز، وأصدر مجلس الأمن الأمريكي الذي يُزْعَم له بأنه تابع لهيئة الأمم المتحدة قرارا يدين الدولة اليهودية ويطلب منها إعادة النظر في قرارها، وبعث النصراني المتعصب الحاقد على الإسلام والمسلمين بطرس غالي أمين عام هيئة الأمم المتحدة مندوبا عنه إلى دولة اليهود ودولة لبنان للإذن بإسعاف المظلومين، الذين يطلقون عليهم كلمة مبعدين، ولكن كلتا الدولتين ردته على عقبه خائبا وهو يوالي ضحكاته في اجتماعاته مع اليهود واللبنانيين وكأنه بعث لحضور عرس وليس لإنقاذ نفوس.
وها أنا أكتب هذه الصفحات في يوم الثلاثاء الموافق ٥ من شهر رجب سنة ١٤١٣هـ- وهم على حالهم من الجوع والعطش والبرد والمرض وقد مضت عليهم اثنتا عشرة ليلة على تلك الحال، والعالم يتفرج والمسلمون يتفرجون والعرب يتفرجون!.
فهل من قسوة فوق هذه القسوة اليهودية، وهل يمكن أن تكون في قلوب أعداء الله وأعداء رسله رحمة بعد هذه الأعمال (١) ؟!
وقد اضطرت الدولة اليهودية المُغتَصِبَة إلى قبول عودتهم، لكثرة الاحتجاجات العالمية، وزجت بكثير منهم في السجون بعد أشهر من الإبعاد والحرمان من أي حق يستحقه أي حيوان في الأرض!
стр. 250
هؤلاء هم اليهود وهذا فعلهم بذراري من آووهم وحموهم، وفتحوا لهم أبواب الاقتصاد والعلم والسياسة والحرية العقدية والعبادية من المسلمين، عندما كان النصارى يتتبعونهم ويضطهدونهم، وينزلون بهم أنواع النكال فيجازون الآن أبناء المسلمين الذين أحسنوا إليهم كما يجزى سنمار [راجع كتاب: خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية لعبد الله التل لمعرفة ما واجهه اليهود من مطاردة وقتل وتشريد في الدول الأوروبية، وبخاصة بريطانيا وفرنسا وأسبانيا وألمانيا وغيرها كبولندا وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا وسويسرا وهنغاريا، وفي روسيا أيضا، كل ذلك بسبب ما عرفه العالم من مكر اليهود وخبثهم ومحاولتهم السيطرة على غيرهم واستعباد الشعوب. ولم يجد اليهود من يجمعهم ويرعاهم ويحسن إليهم إلا المسلمون في أسبانيا ثم في البلدان الإسلامية في الشرق راجع الكتاب المذكور من ص ١٠٦-١٢٠. دار القلم الطبعة الثانية] .