Полный текст (765 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الجري الشديد المصحوب بالضرب العنيف، وكلما ازدادت سرعة الطابور تزايد عدد الضحايا، بين فاقد الوعي ومقعد تماما لا يقوى على الحركة، والشيء الملفت للنظر أن من يقع على الأرض، يتجمع الشرطة حوله وينهالون عليه ضربا بالكرابيج، فإما أن يقوم إذا استطاع وإما أن يمزق جسمه فوق ما به من تمزيق، وفي موكب الطابور تتساقط العروق مصحوبة بالدماء من أجساد البشر) [نافذة على الجحيم ص٨٠] .
ولعل بعض المقاطع من قصيدة أحد المعذبين، وهو من العلماء الأفذاذ في هذا العصر تظهر بعض صور القسوة لزعيم الثورة العربية والقومية العربية وأعوانه:
قال في مطلع قصيدته:
ثار القريض بخاطري فدعوني ... أفضي لكم بفجائعي وشجوني
فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى ... والشعر عودي يوم عزف لحوني
ألهمتها عصماء تنبع من دمي ... ويمدها قلبي وماء عيوني
نونية والنون تحلو في فمي ... أبدا فكدت يقال لي ذو النون
في ليلة ليلاء من نوفمبر ... فزِّعت من نومي لصوت رنين
فإذا كلاب الصيد تهجم بغتة ... وتحوطني من شمأل ويمين
فتخطفوني من ذويّ وأقبلوا ... فرحا بصيد للطغاة سمين
وعزلت عن بصر الحياة وسمعها ... وقذفت في قفص العذاب الهون
стр. 317
أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه ... حتى يرى في هيئة البالون
أسمعت بالإنسان يضغط رأسه ... بالطوق حتى ينتهي لجنون
أسمعت بالإنسان يشعل جسمه ... نارا وقد صبغوه بالفازلين
أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي ... حتى يقول أنا المسيء خذوني
أسمعت بالآهات تخترق الدجى ... رباه عدلك إنهم قتلوني
إن كنت لم تسمع فسل عما جرى ... مثلي ولا ينبيك مثل سجين
وسل السياط السود كم شربت دما ... حتى غدت حمرا بلا تلوين
وسل العروسة قبحت من عاهر ... كم من جريح عندها وطعين
كم فتية زفوا إليها عنوة ... سقطوا من التعذيب والتوهين
[من القصيدة أو الملحمة التي أنشأها الدكتور يوسف القرضاوي في السجن وكادت تضيع لولا أن هيأ الله لها من حفظها من إخوانه في السجن، نافذة على الجحيم ص ١٣٥.
أما العروسة فهي خشبة تعذيب يصلب عليها المسجونون شرحها أحد السجناء كما في نافذة على الجحيم ص١٠٠ وراجع كتاب: أيام من حياتي لزينب الغزالي لترى أنواع التعذيب التي لا تخطر على البال لها ولإخوانها في السجن، ولماذا أعدم سيد قطب وإخوانه، ودفاع لم يسمع، وغيرها من الكتب التي كتبت في هذا الموضوع]
الثاني: الأنموذج الشيوعي الصومالي!
стр. 318
في الصومال عندما أظهر حاكم الصومال الانضمام إلى المعسكر الشيوعي، وأراد إثبات ولائه للشيوعيين الروس حارب الإسلام، وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وادعى في بعض خطبه أن نصف القرآن منسوخ، ومنع العلماء والخطباء من القيام بالدعوة في المساجد، وعندما أنكر عليه بعضهم زج بالكثير منهم في السجون، وقتل عشرة من خيارهم حرقا بالنار وعاث في الأرض فسادا، ولا زالت بلاد الصومال وشعبها يتجرعون غصص تصرفاته إلى اليوم [راجع مجلة المجتمع الكويتية: عدد ٢٤٠ بتاريخ ٢٨صفر سنة ١٣٩٥هـ ص١٧ وعدد ٢٣٩ بتاريخ ٢١صفر من نفس السنة ص٢٠. المجلد العاشر] .
هذه القسوة والوحشية التي انتهت إلى حرق علماء المسلمين والدعاة إلى الله تعالى بالنار في شعب مسلم، بسبب دفاعهم بالكلمة فقط عن كتاب الله وشريعة الإسلام، تدل دلالة واضحة أن كل من وقف ضد الإسلام وشريعته، سواء كان من المنتسبين إليه اسما دون مسمى، أو من أعداء الله الكافرين من يهود ونصارى وملحدين ووثنيين، قد نزعت الرحمة من قلوبهم.
стр. 319
والذي تنزع الرحمة من قلبه من أعداء الإسلام لا ينتظر منه في سباقه إلى العقول بباطله إلا إعنات الناس وإنزال الحرج والضيق بهم وجلب التعاسة والشقاء لهم، تحقيقا لغاياته الباطلة وأهدافه الخبيثة.
وبعد، فقد أطلت كثيرا بذكر الأمثلة الدالة على قسوة غير المسلمين ووحشيتهم وفقدهم الرحمة من قلوبهم، سواء أكانوا من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، أو الملحدين -الشيوعيين- أو الوثنيين من هندوس وبوذيين وغيرهم، أو من المنتسبين إلى الإسلام -بعد أن بينت اتصاف المسلمين بالرحمة حتى بأعدائهم، ليتبين للقارئ أن سباق المسلمين إلى العقول هو سباق رحمة ورحماء، مع أن الغايات التي يريدون تحقيقها بسباقهم إلى العقول كلها غايات تسعد البشرية كلها، وأن سباق غير المسلمين إلى العقول هو سباق قسوة وشدة وغلظة -وإن حاولوا أن يظهروا بعض أعمالهم بما قد يبدو فيه رحمة- مع أن الغايات التي يحاولون السباق من أجلها إلى العقول هي غايات فاسدة تشقى بتحقيقها البشرية في الأرض كما هو حاصل الآن.
стр. 320
وبهذا يتضح أن من أهم أهداف أهل الحق وغاياتهم في السباق إلى العقول: غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الناس، وأن من أهم أهداف أهل الباطل في سباقهم إلى العقول محاربة الأخلاق الفاضلة وتمكين الأخلاق الفاسدة، وأن أهل الحق قدوة حسنة في تطبيق الأخلاق الفاضلة، وأن أهل الباطل قدوة سيئة في تطبيق الأخلاق الفاسدة.
وأكتفي بما ذكرت من الأخلاق الفاضلة التي يسعى أهل الحق إلى غرسها في نفوس الناس من باب التمثيل لا الحصر، ولو أُرِيدَ التوسع في ذكر كل خلق من الأخلاق الفاضلة وما يضادها، لاقتضى ذلك تأليف كتاب مستقل، وليس هذا هدفنا من هذا الكتاب وإنما الهدف بيان أن من غايات سباق أهل الحق إلى العقول غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس البشر.
стр. 321
تاسعا: من غايات أهل الحق: طلب العزة من الله تعالى وحده .
لقد سمى الله تعالى نفسه العزيز في آيات كثيرة من كتابه الكريم، ومعناه القوي الغالب الذي يَغلِب ولا يُغلب، ويَقهَر ولا يُقهر.
كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]
وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٧]
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]
стр. 322
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس:٦٥]
وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]
وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]
стр. 323
وفي حديث «الْحَسَنُ بنِ عَلِيٍّ ﵄: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) » [سنن أبي داود، رقم: ١٢١٤]
فهو سبحانه العزيز ولا عزيز سواه، وله العزة وحده ولا يملكها غيره، ومن أراد العزة فليعبد رب العزة وليطلبها منه وحده، ومن عبده حق عبادته وطلب منه العزة أعزه، ومن أطاع غيره في معصيته تعالى طالبا العزة من ذلك الغير أذله الله.
لهذا كان من غايات سباق أهل الحق إلى العقول أن يطلب عباد الله العزة من الله، لا من سواه.
стр. 324
وإن هذه الغاية التي يسابق بها أهلُ الحق إلى العقول، لتبين لنا سبب الذلة التي أنزلها الله بالمسلمين في هذا العصر، حيث طلبوا العزة من أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين، ونسوا رب العزة العزيز الحكيم، فنسيهم العزيز الحكيم!
стр. 325
عاشرا إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله .
لقد استخلف الله بني آدم في الأرض ابتلاء لهم، ليجزي من قام بحق هذا الاستخلاف ما يستحقه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، وينزل بمن عاد على هذا الاستخلاف بالنقض عقابه الشديد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٌ١٦٥]
والمراد بالخلافة هنا: استغلال خيرات السماوات والأرض التي سخرها الله تعالى لخلقه في جلب المصالح لكل مخلوق من إنسان وغيره، ودفع المفاسد كذلك عن كل مخلوق من إنسان وغيره، وعمارة الأرض ماديا بما أودع الله فيها من النعم العظيمة، ومعنويا باتباع منهجه وهداه الذي أنزله على رسله لدعوة الناس إلى صراطه المستقيم.
стр. 326
فمن استغل تلك الخيرات وذلك التسخير وعمر بهما الأرض، وقام بطاعة واتبع هداه فقد حقق هذه الغاية وقام بالخلافة على هدى من الله، وعاش في دنياه عيشة رضا وسعادة واطمئنان، ونال في آخرته ثواب ربه الجزيل في جنات عدن التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]
وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]
وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]
стр. 327
وبين تعالى أن من أهم واجبات استخلافه للإنسان في الأرض إقامة من مكنه الله فيها دينه تعالى في الأرض، وهو شامل للقيام بحق الله وحق عباده، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]
ومن واجبات الخلافة في الأرض: عدل الحكام بين الناس، بأن يحكموا بينهم بالحق، ولا يتبعوا أهواءهم التي تضلهم عن سبيل الله.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]
وقال تعالى: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]
стр. 328
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]
ومن استغل تلك الخيرات معرضا عن هدى الله خارجا عن طاعته نال من دنياه ما كتب الله له، وعاش في الأرض عيشة ضنك ونكد، ونال في الآخرة عقابه في نار جهنم على ما قدم جزاء وفاقا.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩]
стр. 329
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]
فمن أحق بالسباق إلى العقول -إذًا- أهل الحق أم أهل الباطل؟
تلك هي غايات أهل الحق من سباقهم إلى العقول:
١-تبليغ رسالات الله إلى الناس.
٢-إقامة الحجة على الخلق.
٣-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
٤-تحقيق توحيد الله في الأرض.
٥-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.
٦-تحكيم شرع الله في حياة الناس.
стр. 330
٧-تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.
٨-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.
٩-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.
١٠-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.
وبتحقيق هذه الغايات يتحقق المقصد العام من التشريع الإسلامي كله، وهو "حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه" [انظر كتاب: مقاصد الشريعة لفضيلة العلامة الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور ص ٦٣]
هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فيتحقق لمن استجاب للحق واتبع هدى الله الذي تتحقق به هذه الغايات، رضا الله تعالى وثوابه الجزيل: الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
стр. 331
وسائل أهل الحق في السباق إلى العقول .
تمهيد:
إن كل غاية يراد الوصول إلى تحقيقها لا بد لها من وسائل يُتَوصَّل بها إلى ذلك التحقيق، وهذه الوسائل منها ما هو سلمي، ومنها ما هو عسكري حربي، وأقصد بالوسائل السلمية هنا كل ما يمكن إبلاغ الحق به إلى العقول مما هو مشروع بدون قتال، من بيان الحق بالدعوة والتزكية والتعليم، ويشمل ذلك وسائل نذكر ما تيسر منها إجمالا، ثم نشرع في تفصيلها:
الوسيلة الأولى: التربية الأسرية
الوسيلة الثانية: تلاوة كتاب الله على الخلق
الوسيلة الثالثة: الموعظة الحسنة
الوسيلة الرابعة: الجدال بالتي هي أحسن
الوسيلة الخامسة: التعليم
الوسيلة السادسة: العناية باللغة العربية
الوسيلة السابعة: القدوة الحسنة
الوسيلة الثامنة: الفطرة
الوسيلة التاسعة: المساجد
الوسيلة العاشرة: الإعلام
الوسيلة الحادية عشرة: المؤتمرات والندوات
الوسيلة الثانية عشرة: النوادي
الوسيلة الثالثة عشرة: الرحلات والمخيمات
الوسيلة الرابعة عشرة: العلاقات الدبلوماسية
الوسيلة الخامسة عشرة: المال
الوسيلة السادسة عشرة: المواقع
الوسيلة السابعة عشرة. الجهاد العسكري.
стр. 332
الوسيلة الأولى: التربية الأسرية:
إن أولى وسائل السباق إلى العقول بالحق أو بالباطل هي الأسرة: الأبوان والأقارب الذين يحيطون بالأطفال ويتربى هؤلاء الأطفال في وسطهم، من إخوة لهم كبار، أو أعمام أو عمات، أو أخوال أو خالات، أو أجداد أو جدات ...
وإن الأم لهي المفتاح الأول لهذا السباق، إذ هي التي تلازم الطفل في جميع أطوار حياته، منذ خروجه من رحمها صارخا، إلى أن يبلغ رشده متواضعا أو متكبرا شامخا. تلازمه ليلا ونهارا، صحيحا ذا فرح أو سقيما ذا ترح، ضاحكا ساعيا، أو مقعدا باكيا.
يفتح عينيه على حركاتها وسكناتها، وهي هادئة وقورة، أو طائشة مسعورة، ويصغي بأذنيه لصوتها، ناطقة بالقول النافع، أو صارخة بالسب اللاذع.
وطفلها يراقبها -كما يراقب غيرها- منذ الصغر، خازنا في جعبته كل ما تأتي وتذر، ينبت لحمه من حليب ذرعها، وتنبت أخلاقه من حميد أو ذميم خلقها.
فإن تحلت بالصدق نشأ صريحا صادقا، وإن أكثرت من الكذب، أصبح كاذبا منافقا.
стр. 333
ولهذا شرع الله للرجل الصالح الحرص على المرأة الصالحة، فقال رسوله الكريم ﷺ : كما في حديث أبي هريرة ﵁: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» .) [الحديث في الصحيحين]
стр. 334
الوسيلة الثانية. تلاوة كتاب الحق على الخلق .
من أهم الوسائل التي يجب على أهل الحق أن يسابقوا بها إلى العقول، تلاوة كتاب الحق على الخلق، وبيان معانيه لهم، حتى يفهم مراد الله تعالى منهم في أمره ونهيه، وبهذه الوسيلة يتحقق إدراك مراد الله من عباده وتقوم حجته عليهم.
وقد دعا إبراهيم ﵇ ربه أن يبعث في هذه الأمة هذا الرسول الكريم ليتلو عليهم آيات كتابه العظيم، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
وقد استجاب الله تعالى دعوة إبراهيم، فحقق بعثه هذا الرسول في هذه الأمة يتلو عليهم آيات الله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢] .
وأمر الله تعالى رسوله ﷺ بتلاوة كتابه -وأمره له أمر لعلماء أمته بعده- فقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٢٧] .
стр. 335
وبين تعالى أن الأمم التي تكفر بالرسل في الدنيا تعترف يوم القيامة بأن أولئك الرسل الذين بعثهم الله إليهم قد أقاموا عليهم الحجة وبلغوهم رسالات الله بتلاوتهم آيات الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .
стр. 336
وليس المقصود من التلاوة مجرد قراءة القرآن على الناس دون أن يفهموا معانيه، فالتلاوة وحدها تكون كافية إذا كان المتلو عليه يفقه معاني المتلو، أما إذا كان لا يفهم ذلك، كأن يكون جاهلا من العرب، أو أعجميا لا يفهم اللغة العربية، فلا بد مع تلاوة القرآن عليه من بيان معنى ما يتلى عليه، كل بما يناسبه من اللغة العربية أو بالترجمة إلى لغته، وبدون ذلك لا تقوم الحجة، لأن التكليف مناطه العقول التي وصل إليها ما عقلته، وذلك لا يكون إلا بالبيان، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
стр. 337
ويجب أن يشمل بيان العلماء للناس كل المصالح المعتبرة في شرع الله، وكل المفاسد التي اعتبرها الشرع مفاسد، بلا فرق بين ما تعلق منها بالجانب الإيماني أو الجانب العبادي أو الجانب الفكري، أو الجانب التشريعي، أو الجانب السياسي، أو الجانب الاقتصادي والمالي، أو الجانب الاجتماعي، أو الجانب التعليمي، أو الجانب الإعلامي، أو غير ذلك مما يمس حياتهم، لأن الإسلام شامل لكل ذلك، فلا بد أن يكون البيان شاملا لما يشمله الإسلام [سيأتي مزيد بيان لهذا في موضعه إن شاء الله] .
стр. 338
الوسيلة الثالثة: الموعظة .
وهي أمر زائد على التلاوة -وإن كان القرآن يشتمل عليها- والبيان، لأن كثيرا من الناس يعلم الحق ولا يتبعه، أو يعلمه ويتهاون به أو ببعضه، فيحتاج إلى تذكيره بالموعظة التي تلفت نظره وترقق قلبه، وتهز عقله للتفكير في مصلحته العاجلة والآجلة، وفيما يلحقه من ضرر عاجلا أو آجلا، إن هو لم يعمل بما علم، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]
والموعظة تشمل الترغيب فيما عند الله من سعادة ونعيم وراحة قلب ورغد عيش في الدنيا، والترهيب مما عنده من عقاب ونكال وشقاء وقلق وتعاسة في الدنيا كذلك، كما تشمل بيان رضاه عن أهل طاعته وإثابتهم في جناته في اليوم الآخر، وبيان سخطه على أهل معصيته وجزائه لهم في نار جهنم في اليوم الآخر كذلك، والتذكير بالموت وبالقبر وما فيه من نعيم أو عذاب.
стр. 339
ولا بد أن تكون الموعظة ذات عاطفة قوية جياشة، وأن تكون بليغة تجعل من يراد إبلاغ الحق إلى عقله يتفاعل معها ويفكر بعقله في الحق الذي كانت وسيلة له، أما إذا كانت الموعظة باهتة غير محركة للعاطفة، أو كان الأسلوب الذي تؤدى به ركيكا غير بليغ ولا مؤثر، فإنها قد تحدث عكس المقصود منها، وقد تؤثر في قليل من الناس ولا تؤثر في كثير منهم، ولهذا أمر الله رسوله ﷺ أن يعظ المنافقين وعظا مؤثرا يبلغ مداه في نفوسهم، لأن الموعظة البليغة إذا لم تؤثر في المخاطب تأثير استجابة وقبول، تؤثر فيه تأثير خوف وانهزام نفسي، يجعله جبانا أمام الحق الذي طرقت الموعظة البليغة به سمعه وعقله، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]
стр. 340
الأنموذج الأول: يتعلق بمعبودات قومه السماوية .
من الشمس والقمر والكواكب والنجوم، فقد جادلهم مجادلة أقام بها الحجة عليهم، وبين لهم بالبرهان أنها لا تستحق العبادة، وأن الذي يستحق العبادة وحده هو خالقها.
وقد أثنى الله تعالى على إبراهيم في تلك المناظرة، وامتن عليه بأنه هو الذي وفقه لها حتى غلب الحقُّ الذي جاء به الباطلَ الذي عند قومه.
стр. 341
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ
стр. 342
بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٣] والصواب أن إبراهيم ﵇ اتخذ هذا الأسلوب لإقامة الحجة على قومه، وليس كما يرى بعضهم أنه كان يبحث عن الحق قبل رسالته والآيات كلها تدل على هذا المعنى الذي هو الصواب، ففي أولها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي وسطها: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ وفي آخرها: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ ] .
стр. 343
الأنموذج الثاني: يتعلق بمعبوداتهم الأرضية .
стр. 344
وهي الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم ويعبدونها من دون الله، وقد كانت حججه قولية وفعلية، وهي واضحة في سياق الآيات الآتية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا
стр. 345
بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١-٧٠]
стр. 346
فعلى أهل الحق الذين يسابقون بحقهم إلى عقول الناس أن يستعدوا لجدال أهل الباطل المعاندين بالحجج والبراهين، ليحققوا بذلك الهدف من الجدال، وهو السيطرة البرهانية على عقول الناس حتى يقبلوا الحق أو يهزموا أمام الحجة والبرهان، فتضطر عقولهم إلى الخضوع والاستسلام، وإن كابروا وعاندوا، وبذلك يظهر لأتباع أهل الباطل بطلان ما هم عليه كما يظهر لهم الحق ببراهينه فتقوم بذلك الحجة وتتضح المحجة.
стр. 347
أسس التعليم الناجحة في السباق إلى العقول.
الأساس الأول: وضوح الغايات .
أي غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وهي:
١-تبليغ رسالات الله إلى الناس.
٢-إقامة الحجة على الخلق.
٣-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
٤-تحقيق توحيد الله في الأرض.
٥-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.
٦-تحكيم شرع الله في حياة الناس.
٧-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.
٨-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.
٩-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.
وقد سبق الكلام عنها، وهي -وإن كانت مطلوبة التحقيق من كل الوسائل- تتحقق بوسيلة التعليم وتثبت وترسخ أكثر من غيرها من الوسائل الأخرى.
стр. 348
الأساس الثاني: وضع مناهج للتعليم تتحقق بها تلك الغايات .
بحيث تشمل المناهج كل ما تحتاج إليه الأمة في حياتها على أساس دينها الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مما يحقق لها السيادة التي ترضي ربها في الأرض.
ما تجب مراعاته في وضع المناهج.
ويجب أن يراعى في وضع المناهج الأمور الآتية:
الأمر الأول: السبر الشامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من العلوم.
وهي كل العلوم التي تمكنها من النهوض والتقدم واعتلاء مقعد القيادة الربانية للبشرية، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالخليفة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً سواء كانت تلك العلوم من فروض العين، وهي التي تتعلق بجميع المكلفين ولا يكفي أن يقوم بها أحد عن آخر، كأركان الإسلام وأركان الإيمان، أو فروض الكفاية وهي التي تسقط عن بقية الأمة، إذا قامت بها طائفة كافية عددا وسدَّ حاجة، كالعلوم السياسية، والقضائية، والاقتصادية، والهندسية والطبية، والصناعية، والحِرفية، والفلكية، والعسكرية، وغيرها.
ثم يوضع لكل علم منهجه الخاص به من قبل ذوي الكفاءة فيه والاختصاص، ويخصص له من الزمن ما يكفيه.
الأمر الثاني: أن يراعى في وضع المناهج ما يتناسب مع العصر.
стр. 349
ويشمل ذلك جميع المواد والمفردات المطلوب دراستها، بحيث يكون الدارس على وعي وخبرة بما يتعلق بالعلم الذي يدرسه في واقع الحياة، مع المقارنة والموازنة والترجيح بالحجة والبرهان، ولا تكون دراسته دراسة نظرية تلقينية تقليدية جامدة، تجعله إذا خالط الناس واصطدم بما عندهم من أفكار ونظريات ومبادئ كأنه بدوي دعي لحضور مؤتمر تتصارع فيه نظريات الفلاسفة والسياسيين والاقتصاديين، مع أن بعض تلك النظريات تتعلق بتخصصه.
وسأضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذا المعنى:
المثال الأول: وجد في هذا العصر إلحادٌ مادي قوي ينكر وجود الخالق -فضلا عن استحقاقه العبادة واتباع رسله وتحكيم شرعه- قامت على أساس هذا الإلحاد دول ووضعت له فلسفات ومناهج تعليم وإعلام، واتخذت لنشره والدعوة إليه وسائل تبدأ بالإعلام وتنتهي بالسلاح، وخدعت به عقول واستجابت له حكومات.
والجديد في هذا الإلحاد هو انتشاره وقيام دول على أساسه، وقد كان في الأزمان الماضية مغمورا لا يوجد إلا لدى أفراد أو جماعات قليلة لا وزن لها بين الناس.
وكان إقرار الأمم بالخالق دليلَ الرسل على قومهم المقرين به بأن الخالق الذي أقرت به تلك الأمم هو وحده الإله المعبود الذي يستحق العبادة.
стр. 350
ولهذا لم تكن الرسل في حاجة إلى أن يَنْصَبُوا في دعوة أممهم إلى الإقرار بوجود خالق لهذا الكون، لأن ذلك من تحصيل حاصل ومن تبديد الجهد في غير مكانه.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] .
стр. 351
والله الخالق العليم عالم الغيب والشهادة قد أودع في كتابه من الحجج والبراهين الدالة على وجوده وأنه رب كل شيء ومالكه ما لا يدع لمنكره منفذا يفر من براهينه وحججه، سواء قل المنكرون أو كثروا، وحججه وبراهينه منتزعة من آياته الكونية ومخلوقاته، فالكتاب المقروء يَنْصِب للجاحدين الكتابَ المفتوح وهو الكون كله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٦]
стр. 352
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٠-٦٤] .
стр. 353
ومع هذا كله -أي مع كون وجود الخالق الذي كانت الأمم تعترف به، وكانت الرسل تستدل بهذا الاعتراف على وجوب عبادته وحده وعدم الإشراك به، ومع وجود كثرة الحجج والبراهين في الكتاب المقروء والكتاب المفتوح على وجوده وأنه خالق هذا الكون، ومع بسط علماء المسلمين في القديم والحديث الكلام عن هذا المعنى، ومع وجود دول إلحادية في هذا العصر قامت على إنكار هذا الأصل الذي كان بالأمس مُقَرًّا به لدى عامة أمم الكفر، وأصبح الآن محل إنكار- مع هذا كله وجد من ينتسب إلى العلم ويزعم أنه لا داعي لإدخال هذا الأصل الذي سماه علماء الإسلام "توحيد الربوبية" في مباحث العقيدة لإبرازه والدعوة إليه، لأنه هو الدليل على توحيد الألوهية فهو بدهي، والرسل لم تكن تدعو أممها إليه!!!
стр. 354
أيعقل هذا الكلام؟! إذا أنكر مراض القلوب وضعاف النفوس ما كان في الأصل دليلا، أفلا ندعوهم إلى الإقرار بهذا الدليل الذي أقرت به الأمم وتظاهرت عليه آيات الكون ومخلوقاته كلها؟! وإذا أصبح الدليل مُنكَرًا ولم نقم الحجج على منكريه ونجعل عقولهم تقربه، فهل هذه مزية لنا؟ وهل نعد متبعين حقا للرسل الذين كانوا يستدلون بهذا الأصل على وحدانية الله وعبادته بلا شريك معه؟!
ألم يكن نبي الله موسى ﵇ يعلم أن فرعون كان -في الواقع- مستيقنا بأن الله هو خالق السماوات والأرض، وأن الآيات التي جاء بها موسى كانت حقا، وأن إنكاره وجحده ما كان إلا مكابرة منه؟! كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣-١٤] .
стр. 355
ومع ذلك فإن موسى ﵇ أقام الحجة على فرعون عندما ادعى الربوبية وسخر من دعوة موسى إلى الإيمان بربه، فقال كما ذكر الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأجابه موسى بقوله. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣-٢٤] .
следующие страницы →