← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقد تآمر ماركوس والرهبان والقسس في الفلبين -بإمداد من اليهود في فلسطين، ومن النصارى في الدول الغربية- على المسلمين وقرروا إبادتهم وأنشئت منظمة نصرانية إرهابية أطلق عليها: (إيلاجا) أي جماعة الفئران -على اعتبار أنها منظمة شعبية، والواقع أن ماركوس هو الذي أمدها وأيدها بكل الوسائل، بل يقال: إنه هو الذي أنشأها، وقد ارتكبت هذه المنظمة من الفظائع ما يترفع عنه وحوش الغاب، فطردت المسلمين من ديارهم وأرضهم، وأحرقت بيوتهم ومساجدهم ومزارعهم ومصاحفهم، وقتلوا علماءهم وأئمتهم، وهتكوا أعراض نسائهم ومثلوا بشهدائهم، حيث يقطعون رؤوس الأطفال وآذان الرجال وأثداء النساء، وينالون جوائز على هذا التمثيل من المنظمات السرية مقابل كل أذن أو رأس أو ثدي يحضرونه [راجع مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، العدد الثالث من السنة الخامسة محرم سنة ١٣٩٣هـ / فبراير ١٩٧٣م ص ١٠٥ وما بعدها] ..

стр. 282

وعلم العالم كله بالمذابح والاعتداءات على المسلمين العُزْل، ولا زالت الاعتداءات مستمرة من قبل حكام الفلبين على المسلمين حتى كتابة هذه السطور [١٤٢٢هـ ـ٢٠٠١م] ، وأمامي رسائل من لجنة الإعلام التابعة "لجبهة تحرير مورو الإسلامية" تبين الحملات التي يقوم بها الجيش الفلبيني بين حين وآخر على المسلمين، وحشد قواته في جنوب الفلبين، ومحاصرة معسكر أبي بكر الصديق الذي يحتمي فيه الشيخ سلامت هاشم قائد الجبهة. والمسلمون يستنجدون في هذه الرسائل، يطلبون أن يمدوا بالمؤن الغذائية والملابس والأغطية والأموال التي يؤمنون بها لأنفسهم سلاحا يدافعون به عن أنفسهم وأعراضهم [التقيت الشيخ سلامت هاشم في مقر قيادته وسجلت بعض المعلومات -كتابة- عن تاريخ جهادهم، كان ذلك في ٢ صفر سنة ١٤١٠هـ] . هؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهذه نتف قليلة جدا من حوادث قسوتهم، تكفي وحدها للدلالة على غلظ قلوبهم وخلوها من الرحمة وبخاصة على المسلمين.

стр. 283

وإذا كانوا بهذه الصفة وهم يسابقون بمبادئهم وأفكارهم الباطلة إلى العقول، فهل يرجى منهم -بكثرة أتباعهم واستيلائهم على العالم- إلا القسوة والغلظة والوحشية التي دمروا ولا زالوا يدمرون بها العالم.! قسوة النصارى في أوروبا [المتحضرة!] وفي قسوة النصارى الصرب على المسلمين في البوسنة والهرسك ما يكفي دلالة على وحشية النصارى وقسوتهم ونزع الرحمة من قلوبهم، وقد أنزل الصربيون -فيما كان يسمى بيوغوسلافيا- بالمسلمين في البوسنة والهرسك ما تتنزه عنه الحيوانات المتوحشة، من قتل ما يزيد على مائة وخمسين ألفا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وذلك في أقل من سنة، وشردوا أكثر من مليونين من المسلمين، كثير منهم أطفال ونساء وشيوخ، يتلقف الأطفال منهم المؤسسات التنصيرية في أوروبا، لتحويلهم من الفطرة الإسلامية إلى الشرك النصراني وينتزعون من قلوبهم أغلى ما وهبه الله للمسلم وهو إيمانه.

стр. 284

واشتدت القسوة على هؤلاء اللاجئين أكثر بتفريق الأسر المسلمة في دولة أوروبية واحدة أو عدة دول: الأب في مكان، وأبناؤه في مكان آخر، والزوج في مكان، وزوجه في مكان آخر، وهكذا الإخوان والأخوات.. يضاف إلى ذلك معسكرات الاعتقال والتعذيب التي فاقت في الاعتداء على حقوق الإنسان المعسكرات النازية التي يندد بها الغرب ويبدي ويعيد في التنديد بها. يعذب القريب فيها أمام قريبه، ويقتل الأب أمام الابن والزوجة. وأشد من ذلك وأنكى اغتصاب الوحوش المتمدنين في قارة حقوق الإنسان أكثر من خمسين ألف امرأة وفتاة مسلمة، بعض تلك الاغتصابات تقع أمام أعين أسرة الفتاة المغتصبة.

стр. 285

وهذا غير الحصار المستمر الذي يفرضه النصارى منذ ما يقارب العام على مدن المسلمين، وقراهم وقصف مرافقهم وهدم منازلهم عليهم، والحول بينهم وبين الإمداد والإغاثة بلقمة العيش والدواء والملبس والغطاء، في أشد أوقات البرد القاسي الذي قطعت على المسلمين فيه الكهرباء وكل وسائل التدفئة، حتى أنك ترى العجائز والصبيان يحاولون التماس الأخشاب في الشوارع وحملها إلى منازلهم من أجل الطبخ عليها والتدفئة، فيطلق عليهم النصارى قساة القلوب الرصاص ويُرْدُونهم قتلى أو جرحى تنزف منهم الدماء وتسيل، حتى يموتوا في الشوارع دون إسعاف.

стр. 286

وقد كشف حدث البوسنة غلظة وقسوة جميع الدول النصرانية الغربية التي تزعم أنها حامية حقوق الإنسان، وأنها تقف ضد التطرف والتشدد والإرهاب والتطهير العرقي، واعتداء الدول القوية على الدول الضعيفة، فقد اعترفت الدول النصرانية الغربية بدولة البوسنة والهرسك وأصبحت عضوا في هيئة الأمم المتحدة، وبعد هذا الاعتراف اعتدى الصرب على المسلمين بعون من حكومة صربيا والجبل الأسود، يشمل الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، وبمساعدات وتأييد من دولة روسيا، وأصدر مجلس الأمن (المزعوم) قرارا بحظر الأسلحة ووصولها إلى البوسنة والهرسك، فطبق الحظر على المسلمين وبقي الصرب يتلقون العون من إخوانهم النصارى بالسلاح وغيره. وأصدر مجلس الأمن (المزعوم) قرارا بحظر التحليق الجوي على البوسنة والهرسك، ولكن الصرب تحدوا ذلك ولا زالت الطائرات تقصف المسلمين، ولم يحرك مجلس الأمن ساكنا وكذلك المجلس الأوروبي وحلف الناتو.

стр. 287

ولكن الدول الغربية إذا تحرك صاروخ في العراق أو طائرة عراقية قريبة من منطقة الحظر الجوي الذي فرضته أمريكا باسم هيئة الأمم المتحدة يرسلون أسرابا من الطائرات الغربية لتصب نيرانها على الهدف وما جاوره ويطلقون مئات الصواريخ من الخليج للقضاء على أي حركة، زعما منهم أنهم ينفذون قرارات مجلس الأمن، وهكذا يعامل النصارى قساة القلوب المسلمين ويصدرون القرارات التي ظاهرها في مصلحة المسلمين وينفذون عكس ذلك، ولكنهم ينفذون قراراتهم فقط عندما تكون في مصلحة النصارى أنفسهم. إنها وحشية دعاة حقوق الإنسان وقسوة دعاة الحرية والتمدن: نصارى الغرب كله.

стр. 288

وقد وجدت الدول النصرانية الغربية بغيتها في الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة النصراني " بطرس غالي " العربي الذي يعطيها المسوغ تلو المسوغ لعدم تدخلها في إنقاذ المسلمين في البوسنة والهرسك، ولذلك تصدر هي الاستنكار لأفعال الصرب وتصرح بأنها تريد التدخل لمنع الصرب من العدوان، ولكن النصراني العربي يحذرها من مغبة التدخل العسكري، فتظهر للعالم وللمسلمين أنها إنما تأخرت عن هذا التدخل بسبب عدم الإذن به من قبل هيئة الأمم المتحدة!. [اقرأ عن تنفيذ هذا النصراني العربي لمخطط التجمعات الكنسية جريدة الشرق الأوسط ص ٢٣ بعنوان: بطرس غالي بطل البوسنة. عدد (٥١٦٧) ٢٧ رجب ١٤١٣هـ ـ٢٠ / ١ / ١٩٩٣م. وقد سماه الكاتب: بالجلاد، وأنا أسميه بما سماه الله: النصراني] . والسبب الحقيقي هو أن المظلومين مسلمون، ولو كانوا يهودا أو نصارى أو وثنيين، بل لو كان المعتدى عليهم قرودا أو كلابا لهبوا لنجدتهم.

стр. 289

وقد صرح زعيم المعتدين النصارى الصرب بأن الاعتداء على المسلمين سيستمر ما داموا مسلمين: " فقائد القوات الصربية في البوسنة والهرسك أكد في تصريح نشرته مؤخرا مجلة: "شبيجل" الألمانية، قال فيه: إن هدفنا هو القضاء على المسلمين في أوروبا، يجب أن يختفوا كأمة، وعلى المسلمين في البوسنة إعلان تحولهم عن الإسلام وأن يصبحوا صربيين أو كرواتا، أما الخيار الثالث لهم فلن يكون إلا الموت ... " [مجلة المجتمع الكويتية: العدد (١٠٢٧) الثلاثاء جمادى الآخرة سنة ١٤١٣هـ - أول ديسمبر ١٩٩٢ م] . وصدق الله القائل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] . ولا نحتاج إلى ذكر مراجع لهذه لحوادث في هذه القسوة النصرانية، فالتلفاز يعرض قسوة النصارى على المسلمين فيها مرات كل يوم، والصحف العالمية تنشر أخبارها المأساوية كل يوم، والإذاعات في العالم كله تذيع فظائعها كل ساعة: أخبار وتقارير وتعليقات ومقابلات ...

стр. 290

[ومع ذلك أحيل القارئ إلى بعض الجرائد والمجلات منها: جريدة الشرق الأوسط عدد ٥١٥٨ ص ١٩ بعنوان: مفكرة العار في البوسنة ١٨ / ٧ / ١٤١٣هـ-. ومجلة المجتمع الأعداد: ٩٦٦، ١٧شوال ١٤١٢هـ-ص٢٢، العدد:٩٩٩ في ٢١ / ١ / ١٤١٤هـ-ص ٢٨، العدد:١٠٠٥ في ٢٩ / ١٢ / ١٤١٢هـ-ص ٣٠، العدد: ١٠٢٧ في ٧ / ٦ / ١٤١٣هـ-ص٢٨، العدد: ١٠٢٦ في ٣٠ / ٥ / ١٤١٣هـ-ص٢٦ العدد: ١٠٠٨ في ٢٠ / ١ / ١٤١٣هـ-ص٣٠ العدد:٩٨٩ في ١٣ / ٨ / ١٤١٢هـ-ص١٦. وجريدة المسلمون، كل أعداد عام ١٤١٢-١٤١٣هـ- وكذا العالم الإسلامي ومجلة الإصلاح وغيرها..] . النموذج الثالث: قساة الشيوعيين (الملحدين) الشيوعيون الروس. ولننتقل الآن إلى غير أهل الكتاب من أهل الباطل، لنأخذ نتفا أخرى من سلوكهم الدال على القسوة والغلظة وعدم الرحمة، لتكتمل الصورة، ويعلم القارئ أن أهل الحق هم الرحماء، وأن الرحمة هي من الأخلاق التي يريدون غرسها في نفوس الناس، وأن غرس الأخلاق الحميدة هو إحدى غاياتهم في السباق إلى العقول.

стр. 291

الحديث عن قسوة الشيوعيين وغلظتهم لا يأتي للناس بجديد، فقد عرف العالم كله في خلال ما يزيد عن سبعين سنة أن الشيوعيين أقسى الناس قلوبا وأغلظ أفئدة وأبعد عن الرحمة في كل مكان حلوا فيه. وعداؤهم للإسلام أشد من عدائهم لجميع الأديان، ومعاملتهم للمسلمين، لصرفهم بالقوة عن دينهم بقضائهم على علمائهم وهدمهم مساجدهم ومدارسهم، وتحويل ما بقي من المساجد والمدارس إلى مسارح وحظائر ومخازن ودور للسينما أمر معروف مشهور.

стр. 292

ويكفي أن نذكر لبالغ قسوتهم ما رواه أحد الناجين من الموت من تعذيبهم، وهو الأستاذ " عيسى يوسف آلب تكين " الذي فر من إدارتهم الجهنمية وكتب كتابه الذي فضحهم فيه وهو: (المسلمون وراء الستار الحديدي) . فقد نقل عنه سيد قطب ﵀ في كتابه دراسات إسلامية ما يلي من صور التعذيب الوحشي فقال: " فلندع كاتبا أخذ يحدثنا عن وسائل التعذيب الجهنمية التي سلطت على العنصر الإسلامي في التركستان الغربية الخاضعة لروسيا، والتركستان الشرقية التابعة للصين الشيوعية اسما، ولروسيا الشيوعية فعلا " إلى أن قال سيد: "وسنضطر أن نغفل ذكر بعضها -أي صور التعذيب- هنا، لأنها من القذارة بحيث يخدش ذكرها كل أدب إنساني، مكتفين بما تطيق الآداب الإنسانية أن نذكره للناس ... وهذه هي: ١- دق مسامير طويلة في الرأس حتى تصل إلى المخ. ٢- إحراق المسجون بعد صب البترول عليه وإشعال النار فيه. ٣- جعل المسجون هدفا لرصاص الجنود يتمرنون عليه. ٤- حبس المسجونين في سجون لا ينفذ إليها هواء ولا نور، وتجويعهم إلى أن يموتوا. ٥- وضع خوذات معدنية على الرأس وإمرار التيار الكهربائي فيها.

стр. 293

٦- ربط الرأس في طرف آلة ميكانيكية وباقي الجسم في ماكينة أخرى، ثم تدار كل من الماكينتين في اتجاهات متضادة، فتعمل كل وحدة مقتربة من أختها حينا ومبتعدة آخر، حتى يتمدد الجسم الذي بين الآلتين، فإما أن يقر المعذب وإما أن يموت. ٧- كي كل عضو من الجسم بقطعة من الحديد مسخنة إلى درجة الاحمرار. ٨- صب زيت مغلي على جسم المعذب. ٩- دق مسمار حديدي أو إبر الجراموفون في الجسم. ١٠- تسمير الأظافر بمسمار حديدي حتى يخرج من الجانب الآخر. ١١- ربط المسجون على سرير ربطا محكما ثم تركه لأيام عديدة. ١٢- إجبار المسجون على أن ينام عاريا فوق قطعة من الثلج أيام الشتاء. ١٣- نتف كتل من شعر الرأس بعنف، مما يسبب اقتلاع جزء من جلد الرأس. ١٤- تمشيط جسم المسجون بأمشاط حديدية حادة. ١٥- صب المواد الحارقة والكاوية في فم المسجونين وأنوفهم وعيونهم، بعد ربطهم ربطا محكما. ١٦- وضع صخرة على ظهر المسجون، بعد أن توثق يداه إلى ظهره. ١٧- ربط يدي المسجون وتعليقه بهما إلى السقف، وتركه ليلة كاملة أو أكثر. ١٨- ضرب أجزاء الجسم بعصا فيها مسامير حادة. ١٩- ضرب الجسم بالكرباج حتى يدميه، ثم يقطع الجسم إلى قطع بالسيف أو بالسكين.

стр. 294

٢٠- إحداث ثقب في الجسم وإدخال حبل ذي عقد واستعماله بعد يومين كمنشار، لتقطيع قطع من أطراف الجرح المتآكل. ٢١- ولكي يضمنوا أن يظل المسجون واقفا على قدميه طويلا، يلجئون إلى تسمير أذنيه في الجدار. ٢٢- وضع المسجون في برميل مملوء بالماء في فصل الشتاء. ٢٣- خياطة أصابع الرجلين واليدين والرجلين وشبك بعضهما إلى بعض. ٢٤- والنساء حظهن مثل هذا العذاب، أنهن يعرين ويضربن ضربا مبرحا على ثديهن وصدورهن. أما بقية تعذيب النساء فإننا نمسك عنه، لأن المواقع التي اختاروها من أجسامهن والطرق الدنيئة التي استعملوها تجعلنا نستحي من ذكرها وكتابتها [دراسات إسلامية الطبعة الرابعة ص٢٠٠، ٢٠٦. وعندما كتب سيد هذه الصور لم تكن قد طبقت عليه هو في مصر ولكنه ﵀ قد ذاق في زنزانات المجرمين هو وإخوانه وأخواته شيئا منها قبل أن يشنقه أعداء الإسلام] .. يكفي هذا النموذج لمعرفة ما إذا كانت توجد في قلوب الشيوعيين الروس رحمة!!!. تدمير شعب أفغانستان.

стр. 295

ولكن مثالا آخر ظهر أكثر وضوحا في الدلالة على خلو قلوبهم من الرحمة، وهو أنهم غزوا أفغانستان بجيوش جرارة وأسلحة فتاكة، برا وجوا، وقتلوا من الشعب الأفغاني مليونا ونصف المليون، وطردوا ما يقارب ستة ملايين، وعاثوا في الأرض فسادا يندر أن يوجد له مثيل، ومكثوا يزاولون أعمالهم الوحشية في هذا الشعب أكثر من سبع سنوات، هدموا فيها المساجد وأهانوا المصاحف واغتصبوا النساء، وفرقوا كلمة المسلمين وجعلوا بعضهم يقتل بعضا، ولازال الأفغان يعانون الأمرين من آثار غزوهم. ولكن الله تعالى نصر الفئة المؤمنة التي تصدت لهؤلاء القساة، ومع الصبر والمصابرة نصر الله المجاهدين -على قلة عُدَدِهِم- على أعظم قوة عسكرية ضاربة، فهزم الجيش الروسي الشيوعي وعاد إلى بلاده يجر أذيال الهزيمة، وكان الجهاد الأفغاني من أعظم الأسباب التي هيأها الله لانهيار الاتحاد السوفيتي الظالم.

стр. 296

ولعل المسلمين يقطفون آثار هذا الجهاد في تطبيق الإسلام في أفغانستان وفي الشعوب الإسلامية المجاورة التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي المنهار. [لقد خيب المجاهدون الأفغان آمال المسلمين الذين أعانوهم بالمال والرجال والعتاد، لرفع راية الإسلام في بلادهم، حيث أخذوا يقتتلون فيما بينهم بعد انسحاب العدو الشيوعي من بلادهم، ومازالت دماء المدنيين العزل تراق بأسلحة إخوانهم ممن كانوا قادة للجهاد، إلى يومنا هذا (كتبت هذا التعليق في ٢٢ / ٥ / ١٤١٨هـ) ] . الشيوعيون في الصين. ولا تقل قسوة الشيوعيين في الصين وغلظتهم على المسلمين -وعلى كل من يخالفهم- عن قسوة الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي السابق، وبخاصة في إقليم "تركستان الشرقية" الذي غيروا اسمه إلى "سانكيانج" وبالغوا في الاعتداء على أهله، فقتلوا علماءهم، وأتلفوا مصاحفهم وكتبهم الدينية، ومنعوهم من أداء شعائرهم الدينية، وأغرقوهم بالمهجرين الشيوعيين من مناطق أخرى، لتصبح نسبة المسلمين في هذا البلد المسلم ١٠% بعد أن كانت نسبتهم من قبل أكثر من ٩٠%.

стр. 297

وقد ذكر أن المسلمين الذين تم قتلهم من سنة ١٩٥٠م إلى سنة ١٩٧٢م بلغ ٣٦٠ ألفا، وأن الذين سيقوا إلى المعسكرات التعذيبية والأشغال الشاقة بلغ عددهم (٥٠٠) ألف، وأن الذين هربوا من ديارهم بسبب ذلك العدوان بلغ (١٠٠) ألف [١- راجع محلة الإصلاح عدد ٢١٩ ص٣٥ ومجلة المجتمع الكويتية عدد ٩٦٧ ص٢٨] . هذه الفظائع ذكرت في بلد واحد من بلدان الصين وهو تركستان الشرقية. أما على مستوى الصين فالأمر أعظم من ذلك، وقد ذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن إسحاق الصيني الذي زرته في مدرسة التقوى في مدينة تشانجماي في شمال تايلاند في ٢٤ / ١١ / ١٤٠٩هـ. أن الشيوعيين في الصين قتلوا خلال ست عشرة سنة من سنة ١٩٥٠م إلى +١٩٧٦م عشرة ملايين (ولا بد أن يكون للمسلمين حظهم الوافر من هذا القتل) ومات بسبب الجوع سبعة ملايين. أما المسلمون فقد كانت مساجدهم في الصين (٤٥) ألف مسجد، فصادرها الشيوعيون وحولوها إلى مصانع ومسارح ودور سينما، وبنوا في محاريبها الطاهرة التي كان الأئمة يتلون فيها كتاب الله ويسجدون فيها لربهم، المراحيض إهانة لها وللمسلمين، وقتلوا كثيرا من الأئمة والعلماء، وقتلوا من المسلمين ما لا يقل عن مليون شخص.

стр. 298

وكانوا يأمرون العالم المسلم بحمل القاذورات ليسمد بها الأرض الزراعية، ويعلقون في عنقه الكومة من تلك القاذورات، ويقولون له من باب التهكم والإذلال والسخرية بربه وبدينه: إذا كنت تعبد الله فادعه ليساعدك ... [المجلد الخاص بتايلاند من سلسلة (في المشارق والمغارب) مخطوط في مكتبة المؤلف] . وهذه الفظائع هي التي علمت، وما لم يعلم أكثر من ذلك بكثير، وبخاصة إذا علمنا أن الشيوعيين يحيطون بلدانهم وتصرفاتهم بما يسترها من الكتمان والحجر الإعلامي، وعدم الإذن بتسرب تلك التصرفات، ولكن ذلك يكفي لمعرفة أن الرحمة قد نزعت من قلوبهم. [راجع على سبيل المثال ما نشر على أحد مواقع الإنترنت على الوصلة الآتية: http / / www.islam-online.net / Arabic / news / ٢٠٠١-٠٦ / ١٧ / Article٣٦.shtml]

стр. 299

وفي هذه الأيام يعيث الشيوعيون ذوو الأسماء الإسلامية في طاجكستان فسادا في هذا البلد المسلم، فقد قتلوا الآلاف من المسلمين الذين يطالبون بالتمتع بالإسلام، وشردوا مئات الآلاف، وأخافوا الآمنين من أبناء البلد متعاونين مع الشيوعيين من ذوي الأسماء الإسلامية في بلدان أخرى ومع الروس بمساعدات من الغرب وبخاصة أمريكا، والكفر ملة واحدة [راجع مجلة المجتمع عدد ١٠٣٨-٢٥شعبان ١٤١٣هـ-ص٢٢] .. بل لقد غزت روسيا الجمهورية الشيشانية في ٩ / ٧ / ١٤١٥هـ-الموافق ١١ / ١٢ / ١٩٩٤م-ودمرت عاصمتها جروزني تدميرا كاملا، وقتلت المسلمين المدنيين، ولا زالت تواصل القتل والتدمير على مرأى ومسمع من دول الصليب التي تدعي أنها ترعى حقوق الإنسان، بل على مرأى ومسمع من حكام الشعوب الإسلامية الذين ماتت الحمية في نفوسه على حفظ ضروراتهم التي لا حياة لهم بدونها.

стр. 300

وقد تكبد الروس خسائر فادحة في جمهورية الشيشان الإسلامية، وخرجوا منها يجرون أذيال الهزيمة، كما خرجوا من أفغانستان، وذلك بفضل الله ثم بفضل قوة إيمان أهلها ... ثم غزت روسيا الشيشان مرة أخرى في سنة ١٤٢٠هـ ـ١٩٩٩م ودمرت البلد مرة أخرى وعاثت فيه فسادا، ولا زالت القوات الروسية تحتل هذا البلد المسلم، وتقتل أهله وتشردهم وتعتقلهم، وموقف دعاة حقوق الإنسان الغربيين هو موقفهم المعروف، عندما يكون الإنسان مسلما لا يحركون ساكنا، اللهم إلا إظهار شيء من الاستنكار البارد، ليقال عنهم: إنهم أنكروا! وليقارن المسلم موقف الغرب من الشيشان، وموقفهم من تيمور الشرقية التي أجبروا أندونيسيا على التخلي عنها خلال فترة وجيزة! النموذج الرابع: قساة الوثنيين. قسوة الوثنيين الهنود. والوثنيون -ومنهم الهندوس والبوذيون وغيرهم- لا تقل وحشيتهم وغلظتهم عن اليهود والنصارى والشيوعيين.

стр. 301

فالهندوس في الهند بتواطؤ مع النصارى الإنجليز، أذاقوا المسلمين من العذاب والتشريد والقتل وسوء المعاملة ما يصعب وصفه، واعتدوا على أموالهم ومنازلهم ومساجدهم، ولا يخلو عام من الأعوام من الاعتداء عليهم، حتى اضْطَرُّوا المسلمين على الانقسام: قسم منهم سئم العيش تحت الذل والقهر الهندوسي، فقرروا الهجرة إلى ما سمي في حينه بباكستان الشرقية وباكستان الغربية، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة من الهند ثم تدخلت الهند وحليفتها روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) للتحريش بين الباكستانيين فحصل الانشقاق والقتال الذي راح ضحيته الآلاف من المسلمين، وعلى أثره انفصلت باكستان الشرقية وسميت باسم قومي انفصالي: "بنغلادش" فضعف بذلك المسلمون في الجناحين، وضعف المسلمون كذلك في الهند الذين يبلغ عددهم الآن أكثر من ١٥٠ مليونا في كل أنحاء الهند، وهم اليوم يواجهون حربا وثنية شرسة، حيث نظمت جمعيات هندوسية لمحاربتهم تحت سمع وبصر الحكومة الهندية التي تزعم أنها دولة ديمقراطية علمانية، وتشير الإحصاءات إلى أن الاعتداء الهندوسي على المسلمين بلغ حدا خطرا لا يطاق، يتعاون عليهم في ذلك الاعتداء المنظمات المذكورة وقوات الشرطة، بل والجيش

стр. 302

أحيانا. وعلى سبيل المثال فإن الهندوس قتلوا خمسة عشرة ألف مسلم في مجزرة "أحمد آباد" باعتراف رئيسة الوزراء أنديرا غاندي سنة ١٩٧٠م وأحرقوا ثلاثمائة امرأة مسلمة بالنار وهن أحياء، وفي مذبحة آسام قتل الهندوس ٥٠ ألف مسلم [راجع حاضر العالم الإسلامي لجميل المصري ص٤٢٠] . وفي هذه الأيام تجمع جماهير الهندوس وهدموا مسجد "البابري" وقتلوا الآلاف من المسلمين في أنحاء متفرقة من الهند وأحرقوا ممتلكاتهم وهدموا منازلهم وطردوهم من ديارهم [راجع على سبيل المثال مجلة المجتمع عدد ١٠٢٩ ٢٠جمادى الآخرة سنة ١٤١٣هـ ص٢٠] . واستولوا على كثير من مساجدهم وحولوها إلى معابد وثنية.

стр. 303

وكل الفظائع التي يرتكبها الهندوس في حق المسلمين لا يوجد أي مسوغ لها، فالمسلمون مسالمون، لا يريدون إلا العيش بطمأنينة في ديارهم، يقيمون شعائر دينهم ويعلمون أبناءهم دين الإسلام دون أن يحركوا ساكنا ضد الهندوس ابتداء، وإنما يضطرون أن يدافعوا عن أنفسهم عندما يعتدي عليهم هؤلاء، مع قلتهم وفقدهم آلة الدفاع على عكس الوثنيين الهندوس، والمتتبع لوحشية هؤلاء الهندوس وقسوتهم ضد المسلمين يتضح له أنهم قوم قد نزعت الرحمة من قلوبهم وحلت محلها الغلظة والشراسة والوحشية. قسوة الوثنيين في سيريلانكا. وهكذا يلاقي المسلمون في سيريلانكا قسوة بالغة من الهندوس والسنهال والشيوعيين، ومن الحكومة البوذية من اغتيالات ومذابح جماعية ونهب أموال ومتاجر وإحراق منازل وأسواق [راجع مجلة المجتمع الكويتية. عدد ٩٥٧ في ٩ شعبان ١٤١٠هـ ص٤٠ ومجلة رابطة العالم الإسلامي عدد ٣١٩ ص٧] .

стр. 304

وفي " بورما" لا تنقطع مذابح المسلمين وتشريدهم ونهب أملاكهم والاعتداء على أعراضهم، يقوم بذلك الوثنيون البوذيون فقد قتلوا منهم عشرات الآلاف، وشردوا ملايين، وهدموا المساجد، وأغلقوا المدارس، واغتصبوا المسلمات وأجهضوا الحوامل منهن، وفي يوم عيد من أعياد الفطر قتلوا مائتي مسلم، وكثير من المسلمين يموتون جوعا في مخيمات الموت في "بنغلادش" أو في الطريق بين حدود بورما وبنغلادش وهم فارون بأنفسهم من القتل الجماعي [راجع: العالم الإسلامي (جريدة تصدرها رابطة العالم الإسلامي) ٢٤ربيع الأول-١ربيع الثاني ١٤١٣هـ- ص٤، و٦ محرم ١٤١٢هـ-ومجلة المجتمع عدد ٩٩٣ ص ١٠ وعدد ٩٨٩ص١٦] .. قسوة الوثنيين في تايلاند.

стр. 305

وفي تايلاند أذاقت الحكومة الوثنية البوذية المسلمين أهوالا من العذاب والقتل والتدمير والاغتيال والتشريد، وأذلت المسلمين في جنوب البلاد، وأصبحت "فطاني" المسلمة تحت سيطرة الجيش ووزارة الداخلية، وقد قسمتها تقسيمات إدارية جديدة، حيث أصبحت محافظات صغيرة، وحشدت أعدادا كبيرة من البوذيين من شمال تايلاند ووسطها للهجرة إلى بلاد المسلمين، وملكتهم أراضيهم ويسرت لهم إقامة الشركات والمشاريع المتنوعة ليستولوا على البلاد المسلمة، ويكونوا أكثرية ينشرون الفساد الخلقي والاجتماعي من أجل إذابة المسلمين وتحاول الحكومة تغيير مناهج المدارس الإسلامية وكتبها وحروف لغتها [وقد فصل المؤلف شيئا من ذلك في المجلد الخاص بتايلاند من سلسلة في المشارق، وهو مخطوط في مكتبته] وقد خف التضييق على المسلمين نسبيا، وتمكن علماؤهم من إقامة مؤسسات تعليمية ودعوية، كان لها أثر جيد في تعليم أبنائهم وتفقيههم، وعلى رأس هؤلاء العلماء الدكتور إسماعيل لطفي المتخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. قساة أهل الباطل من المنتسبين الإسلام!

стр. 306

مرت فترة على المسلمين ضعفت فيه دولتهم، بل اضمحلت وهوت، فتأخروا في كل شؤون الحياة الدينية والاقتصادية والعلمية -علم الشرع وعلم المادة- والسياسية والعسكرية والاجتماعية، وتقدم غير المسلمين في الحضارة المادية، فأصيب المسلمون بالهوان وكبر في صدورهم تقدم غيرهم، وانقسموا قسمين:

стр. 307

القسم الأول: رأى أن تقدم البلدان الإسلامية مرهون باتباع خطوات الغرب حذو القذة بالقذة، وذلك بتنحية الدين الإسلامي عن أن يكون منهج حياة للشعوب الإسلامية، والفصل التام بينه وبين تدبير شؤونها، بحيث يكون الدين أمرا يتعلق بالأفراد بأشخاصهم فيما بينهم وبين ربهم، يصلون ويصومون ويحجون ويقرؤون القرآن، دون أن يتدخل الإسلام في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من مناهج الإعلام والتعليم وهلم جرا ... -ولا يستثنون من ذلك إلا بعض الأحوال الشخصية- وذلك على غرار ما فعله أهل الغرب بالدين النصراني المحرف، حيث نحوه عن شؤون الحياة التي وضعت لها الدساتير والقوانين البشرية، اتقاء التصرفات الكنسية ورجالها الذين كانوا يزاولون تدبير شؤون الشعوب تدبيرا ظالما، وينسبون تصرفاتهم تلك إلى الله، ويتلخص ذلك كله فيما يقال له: "العلمانية" التي تعني فصل الدين عن الدولة.

стр. 308

وقد أوهم أهل الغرب هذا القسم من أبناء المسلمين أن الدين هو سبب التأخر عندما يتدخل في حياة البشر، بدليل أن الغرب عندما فصل الدين عن الدولة تقدم حضاريا وأصبح يقود العالم، وأنه لا يمكن للمسلمين أن يتقدموا إلا إذا فعلوا كما فعل الغرب، ففصلوا الدين الإسلامي عن الدولة. وتتلمذ أبناء المسلمين هؤلاء على أساتذة الغرب في العلوم المتنوعة: الإنسانية والتطبيقية واقتنعوا بتلك الفكرة، بسبب جهلهم بالإسلام الذي جعلهم يساوون بينه وبين الدين النصراني، ويقفون من دينهم كما وقف أهل الغرب من الدين النصراني، وبسبب فقدهم العلماء الذين يجمعون بين فقه النصوص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة والمقاصد الشرعية من جهة وبين فقه العصر والواقع من جهة أخرى، فانطلق هذا القسم من أبناء المسلمين وقد أحرز شيئا من الثقافة التي تؤهله لقيادة الشعوب الإسلامية وإدارتها مغرورا بنفسه وبثقافته، متجاهلا أولئك العلماء، بل مذلا لهم ضاربا بآرائهم وراء الحائط، وسبب هذا سبق غير المسلمين إلى عقول أبناء المسلمين وكسبهم في صفهم.

стр. 309

والقسم الثاني: رأى في حضارة الغرب المادية وما رافقها أفكارا فاسدة وأخلاقا سيئة وعقائد ملحدة وهجوما على الإسلام وأهله، فانزوى عن علوم الغرب كلها، ودعا الشعوب إلى مقاطعتها والبعد عنها والاكتفاء بما تجود به كتاتيب المعلمين الذين يلقنون التلاميذ تلاوة القرآن الكريم، ويعلمونهم بعض مبادئ الفقه والتوحيد والكتابة وشيئا من الحساب، فكان نصيب هذا القسم البعد عن ممارسة إدارة شؤون الأمة والمشاركة فيها، فاستبد القسم الأول بالحكم والإدارة وغيرها، وأخذ يكبت كل صوت يخالف منهجه ومسيرته، يسنده في ذلك ما تحت يده من إمكانات الدولة في الداخل ومؤازرة الدول والمؤسسات الغربية في الخارج.

стр. 310

وبعد أن مضت فترة ليست بالقصيرة على هذه الحالة المزرية، هيأ الله للمسلمين من صحا منهم من نومه، وتنبه من غفلته، فرأى بنور من الله وبصيرة تلك الهاوية التي تردى فيها المسلمون والأسباب التي أدت إلى ذلك التردي، والواجب الذي لا بد من القيام به لانتشال الأمة الإسلامية من وهدتها، إلى قمة مجدها وعزها، فظهرت دعوات المفكرين الإسلاميين بصفة فردية هنا وهناك، ولم يمض وقت غير طويل نسبيا حتى أثمرت تلك الدعوات، ونتج عنها قيام حركات إسلامية تعتمد التعليم والتربية وبيان شمول الإسلام، وأنه منهج لحياة البشر يجب أن يعود ليحكم حياتهم، فأزعج ذلك تلاميذ الغرب الذين كان الجو قد خلا لهم، فتربعوا على كراسي الحكم وأمروا ونهوا دون منازع لهم إلا من أمثالهم، كما أزعج ذلك الغرب الذي طن أن الإسلام قد مات وقبر، فاتفق السيد في الغرب والعبد في الشرق، على القضاء على الإسلام دون هوادة ولا رحمة، فكان أن حصل من أعداء الإسلام المنتسبين إليه مثل ما حصل من أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين، من الهجوم على الإسلام وتشويهه، ومحاولة القضاء على دعاته بالسجون والمعتقلات والتعذيب الوحشي والتشريد، وانتهاك الأعراض

стр. 311

ومصادرة الأموال والتضييق عليهم في لقمة العيش وإيذاء أسرهم وأقربائهم وأصدقائهم بالقتل والاغتيالات، حصل ذلك في أغلب بلدان الإسلام في شمال أفريقيا، وفي الصومال، واليمن، والعراق، وسوريا، وباكستان، وأفغانستان، وإندونيسيا، وتركيا، وبنغلادش، وألبانيا وغيرها. قسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه أشد من قسوة غيرهم! ولعل قسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه من أبناء المسلمين أشد من قسوة غير المسلمين على المسلمين وذلك لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن عدو الإسلام المنتسب إلى الإسلام يعد من أبناء البلد وليس أجنبيا عنه، وتصرفاته الظالمة لا ينظر إليها عامة الناس -وبخاصة الجهلة- نظرتهم إلى تصرفات العدو الأجنبي الظالم، ولذلك تجد العدو الأجنبي غير المسلم يخفف من طغيانه وظلمه، إذا لم يتعرض العلماء والدعاة لمصالحه تعرضا مباشرا، بخلاف الطاغية من أبناء البلد، فإنه يوسع دائرة ظلمه وقسوته، لتشمل المعارض الصريح والساكت الذي لم يظهر تأييده لظلمه وقسوته.

стр. 312

الأمر الثاني: أن عدو الإسلام المنتسب إليه من أبناء المسلمين يجد المؤيدين له ولظلمه وقسوته من أبناء البلد من أقربائه وقبيلته والمنتفعين بحكمه ما لا يجده غير المسلم الظالم، لأن تأييد غير المسلم يعد منقصة يعير بها المؤيد، بخلاف من يؤيد الظالم من أبناء البلد، وبخاصة عندما يدعي الوطنية والقومية والتقدمية والثورية -مع ادعائه الإسلام! الأمر الثالث: أن عدو الإسلام المنتسب إليه يستغل إمكانات البلد البشرية والمادية والإعلامية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في ضرب الإسلام والمسلمين، وهو ينعت بالوطني القومي والثوري والراعي والحامي، وليس بالمستعمر المغتصب والعدو والمحتل. لذلك تجد قسوة هذا العدو على دعاة الإسلام من أبناء بلده تفوق قسوة اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين أحيانا. ولو أردنا أن نذكر نماذج لقسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه على دعاة الإسلام وعلمائه في كل بلد ومن كل طاغية لاحتاج ذلك إلى كتاب مستقل. نموذجان لقسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه. ولنكتف بالإشارة العاجلة إلى نموذجين نوضح بهما شدة قسوة من حارب الإسلام من المنتسبين إليه: الأول: الأنموذج الثوري الناصري!

стр. 313

وهو القدوة الحسنة الأولى للثوريين والقوميين العرب على تنوع مسمياتهم، وهو ما فعله عبد الناصر في مصر بالمسلمين الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله وإقامة حكمه في الأرض، ويكفي أن أنقل بعض النصوص للذين ذاقوا وبال تعذيبه للدلالة على قسوة الطاغية وأعوانه وخلو قلوبهم من الرحمة، قال أحد المعذبين: (الأمكنة التي وضعنا فيها لا يمكن أن تكون إلا مقابر، إن كلمة زنازين التي تستعمل في السجون لا يمكن أن تعطيك فكرة صحيحة عن الأمكنة التي رأيتها في ذلك الليمان [وهو سجن جهنمي يعد أحد الإنجازات الثورية الناصرية] . عندما دفع بي العسكري في العنبر لم أجد مكانا أضع فيه قدمي، لقد كان المكان مليئا بالأجساد البشرية المتكدسة، بحيث لا يجد المرء فيه مكانا للجلوس أو الوقوف.. فما بالك بالنوم؟!. إن مساحة العنبر -كما تبين لي بعد قياسه بواسطة بلاط الأرض- خمسة وأربعون مترا.. كان به عندما دخلته ثمانية وثمانون معتقلا، أي كل مخلوق بشري له نصف متر فقط لجلوسه ونومه وطعامه وشرابه وملابسه وحذائه وكل شؤونه) [هذا وصف لبعض أماكن السجن، وهناك أماكن وصفها آخرون أسوأ من ذلك. نافذة على الجحيم ص٥٦]

стр. 314

وتحت عنوان: الرياضة الجهنمية. قال المعذب:

стр. 315

(ينادي جاويش السجن: كل الناس بره [أي اخرجوا جميعا] الزنازين. وهذا النداء يستعمل دائما إذا أرادوا أن يلقوا أمرا عاما على الجميع ويقول الجاويش: إحنا -نحن- حننزل -سننزل- دي الوأت -ذا الوقت- علشان -من أجل- تشموا هواء يا أولاد الكلب! ويقول: انزل بسرعة يا بن الكلب، وما هي إلا لحظات فتتدفق الجموع الغفيرة سريعا.. وبها ما بها من الآلام.. وهم مع ذلك صفوة أبناء الشعب ومن أنبل أبنائه، فيهم الوزير ووكيل الوزارة، والطبيب والمهندس، والمحامي، والتاجر والصانع، والمزارع، والطالب، والمدرس، والقاضي، والفراش، والضابط، ثم ينتظم الجميع عدة طوابير في مكان واسع كبير، ويبدأ سير الطابور سريعا.. ويسير الطابور في شبه دائرة أو مستطيل.. والطابور يتكون من عدة صفوف ويقف على جانبي كل صف رجال الجيش [الذي الأصل فيه أن يعد للجهاد في سبيل الله وطرد العدو اليهودي من بلاد المسلمين في أرض الإسراء والمعراج!] وهم ممسكون بالسياط والكرابيج والمدافع الخفيفة في أكتافهم، ويسير الطابور تحت الضرب، فكل شرطي يكلف أن يضرب من يمر عليه بصفة مستمرة، وبمرور الوقت تهوي الضحايا على الجانبين، لطول الزمن الذي قد يمتد إلى ثلاث ساعات متواصلة من

стр. 316

الجري الشديد المصحوب بالضرب العنيف، وكلما ازدادت سرعة الطابور تزايد عدد الضحايا، بين فاقد الوعي ومقعد تماما لا يقوى على الحركة، والشيء الملفت للنظر أن من يقع على الأرض، يتجمع الشرطة حوله وينهالون عليه ضربا بالكرابيج، فإما أن يقوم إذا استطاع وإما أن يمزق جسمه فوق ما به من تمزيق، وفي موكب الطابور تتساقط العروق مصحوبة بالدماء من أجساد البشر) [نافذة على الجحيم ص٨٠] . ولعل بعض المقاطع من قصيدة أحد المعذبين، وهو من العلماء الأفذاذ في هذا العصر تظهر بعض صور القسوة لزعيم الثورة العربية والقومية العربية وأعوانه: قال في مطلع قصيدته: ثار القريض بخاطري فدعوني ... أفضي لكم بفجائعي وشجوني فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى ... والشعر عودي يوم عزف لحوني ألهمتها عصماء تنبع من دمي ... ويمدها قلبي وماء عيوني نونية والنون تحلو في فمي ... أبدا فكدت يقال لي ذو النون في ليلة ليلاء من نوفمبر ... فزِّعت من نومي لصوت رنين فإذا كلاب الصيد تهجم بغتة ... وتحوطني من شمأل ويمين فتخطفوني من ذويّ وأقبلوا ... فرحا بصيد للطغاة سمين وعزلت عن بصر الحياة وسمعها ... وقذفت في قفص العذاب الهون

стр. 317

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه ... حتى يرى في هيئة البالون أسمعت بالإنسان يضغط رأسه ... بالطوق حتى ينتهي لجنون أسمعت بالإنسان يشعل جسمه ... نارا وقد صبغوه بالفازلين أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي ... حتى يقول أنا المسيء خذوني أسمعت بالآهات تخترق الدجى ... رباه عدلك إنهم قتلوني إن كنت لم تسمع فسل عما جرى ... مثلي ولا ينبيك مثل سجين وسل السياط السود كم شربت دما ... حتى غدت حمرا بلا تلوين وسل العروسة قبحت من عاهر ... كم من جريح عندها وطعين كم فتية زفوا إليها عنوة ... سقطوا من التعذيب والتوهين [من القصيدة أو الملحمة التي أنشأها الدكتور يوسف القرضاوي في السجن وكادت تضيع لولا أن هيأ الله لها من حفظها من إخوانه في السجن، نافذة على الجحيم ص ١٣٥. أما العروسة فهي خشبة تعذيب يصلب عليها المسجونون شرحها أحد السجناء كما في نافذة على الجحيم ص١٠٠ وراجع كتاب: أيام من حياتي لزينب الغزالي لترى أنواع التعذيب التي لا تخطر على البال لها ولإخوانها في السجن، ولماذا أعدم سيد قطب وإخوانه، ودفاع لم يسمع، وغيرها من الكتب التي كتبت في هذا الموضوع] الثاني: الأنموذج الشيوعي الصومالي!

стр. 318

في الصومال عندما أظهر حاكم الصومال الانضمام إلى المعسكر الشيوعي، وأراد إثبات ولائه للشيوعيين الروس حارب الإسلام، وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وادعى في بعض خطبه أن نصف القرآن منسوخ، ومنع العلماء والخطباء من القيام بالدعوة في المساجد، وعندما أنكر عليه بعضهم زج بالكثير منهم في السجون، وقتل عشرة من خيارهم حرقا بالنار وعاث في الأرض فسادا، ولا زالت بلاد الصومال وشعبها يتجرعون غصص تصرفاته إلى اليوم [راجع مجلة المجتمع الكويتية: عدد ٢٤٠ بتاريخ ٢٨صفر سنة ١٣٩٥هـ ص١٧ وعدد ٢٣٩ بتاريخ ٢١صفر من نفس السنة ص٢٠. المجلد العاشر] . هذه القسوة والوحشية التي انتهت إلى حرق علماء المسلمين والدعاة إلى الله تعالى بالنار في شعب مسلم، بسبب دفاعهم بالكلمة فقط عن كتاب الله وشريعة الإسلام، تدل دلالة واضحة أن كل من وقف ضد الإسلام وشريعته، سواء كان من المنتسبين إليه اسما دون مسمى، أو من أعداء الله الكافرين من يهود ونصارى وملحدين ووثنيين، قد نزعت الرحمة من قلوبهم.

стр. 319

والذي تنزع الرحمة من قلبه من أعداء الإسلام لا ينتظر منه في سباقه إلى العقول بباطله إلا إعنات الناس وإنزال الحرج والضيق بهم وجلب التعاسة والشقاء لهم، تحقيقا لغاياته الباطلة وأهدافه الخبيثة. وبعد، فقد أطلت كثيرا بذكر الأمثلة الدالة على قسوة غير المسلمين ووحشيتهم وفقدهم الرحمة من قلوبهم، سواء أكانوا من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، أو الملحدين -الشيوعيين- أو الوثنيين من هندوس وبوذيين وغيرهم، أو من المنتسبين إلى الإسلام -بعد أن بينت اتصاف المسلمين بالرحمة حتى بأعدائهم، ليتبين للقارئ أن سباق المسلمين إلى العقول هو سباق رحمة ورحماء، مع أن الغايات التي يريدون تحقيقها بسباقهم إلى العقول كلها غايات تسعد البشرية كلها، وأن سباق غير المسلمين إلى العقول هو سباق قسوة وشدة وغلظة -وإن حاولوا أن يظهروا بعض أعمالهم بما قد يبدو فيه رحمة- مع أن الغايات التي يحاولون السباق من أجلها إلى العقول هي غايات فاسدة تشقى بتحقيقها البشرية في الأرض كما هو حاصل الآن.

стр. 320

وبهذا يتضح أن من أهم أهداف أهل الحق وغاياتهم في السباق إلى العقول: غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الناس، وأن من أهم أهداف أهل الباطل في سباقهم إلى العقول محاربة الأخلاق الفاضلة وتمكين الأخلاق الفاسدة، وأن أهل الحق قدوة حسنة في تطبيق الأخلاق الفاضلة، وأن أهل الباطل قدوة سيئة في تطبيق الأخلاق الفاسدة. وأكتفي بما ذكرت من الأخلاق الفاضلة التي يسعى أهل الحق إلى غرسها في نفوس الناس من باب التمثيل لا الحصر، ولو أُرِيدَ التوسع في ذكر كل خلق من الأخلاق الفاضلة وما يضادها، لاقتضى ذلك تأليف كتاب مستقل، وليس هذا هدفنا من هذا الكتاب وإنما الهدف بيان أن من غايات سباق أهل الحق إلى العقول غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس البشر.
следующие страницы →