← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولا يجوز أن تكون -العلوم الإنسانية- نقلا محضا لأفكار الغربيين ونظرياتهم، وهذا لا يمنع من المقارنة وإيضاح ما بها من أخطاء وإبراز تفوق الإسلام عليها، فإن الكتاب والسنة إنما جاءا لإصلاح النفس البشرية والجماعات والأسر والأفراد والدول، فلا بد أن يكون الكتاب والسنة وما استنبطه منهما علماء الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية، هي مصدر هذه العلوم ومرجعها، ولا يوجد باب من الأبواب التي يحتاج إليها الإنسان لإصلاح نفسه وعمارة الأرض والقيام بالخلافة فيها إلا وقد اشتمل عليه الكتاب والسنة وفصله علماء المسلمين قديما وحديثا، في كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب الإيمان "العقائد" والأخلاق، وأصول العلوم، مثل: أصول التفسير وأصول الحديث وأصول الفقه، والفقه، وغيرها من العلوم ... (١) ولا يمنع ذلك اطلاع علماء المسلمين على الأفكار والنظريات في تلك العلوم، ووزنها بميزان الإسلام، وبيان ما فيها من زيف للطلاب، حتى لا تغزو عقولهم وهي خالية غير محصنة فتتمكن منها، لتقديمها في أساليب مزخرفة.

стр. 387

ولا يقتصر هذا الأمر -وهو صبغة الكتب بالصبغة الإسلامية- على ما يسمى بالعلوم الإنسانية فحسب، بل إن العلوم الكونية كالجغرافيا والجيولوجيا وعلم الفلك وعلم الطب ونحوها، ينبغي أن تربط بالإسلام من حيث إن الله تعالى هو خالق هذا الكون وهذا الإنسان، وهو الذي سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، ومنحه العقل الذي يتفكر ويتدبر ويستنتج ويزن ويقارن، والأدوات التي بها يستغل خيرات الأرض وبركات السماء، وكلما زاد الإنسان علما بما في الكون زاد إيمانه بالله خالق الكون وشكره له، وكثر تواضعه وأدبه مع ربه وقدره حق قدره، ولا يكون كمن صال وجال في استغلال هذا الكون وما فيه من طاقات ناسيا ربه بل مغرورا بنفسه مدعيا أنه قهر الطبيعة قائلا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ .

стр. 388

وكذلك يجب أن تتضمن الكتب الدراسية توجيه الأجيال إلى السبيل المشروع في استغلال ثمرات العلوم المدروسة، بأن تستعمل في إسعاد البشر وأمنهم واستقرارهم، وليس في ظلمهم وتخويفهم واغتصاب حقوقهم، كما يفعل أعداء الإسلام اليوم، فالمسلم قائد عادل رحيم كريم حازم، لا يستغل ثمرات العلوم إلا فيما هو طاعة لله وإحسان إلى خلقه، وإذا ما قاوم الطغاة الجبابرة وجا هدهم وطاردهم في الأرض، فإنما يفعل ذلك رحمة بالأمم التي يظلمها هؤلاء الطغاة، ويحولون بينها وبين التمتع بالسعادة التي منّ الله بها عليهم، من حفظ الضرورات التي لا حياة لهم بدونها وحفظ مكملاتها. الأمر الرابع: أن يجتهد مؤلفو الكتب الدراسية في معرفة قواعد العلوم وأسرارها.

стр. 389

وأعني بذلك العلوم الكونية كالرياضيات ونحوها، ويجب أن يجتهدوا كذلك في إيصال تلك القواعد والأسرار إلى عقول الطلاب، حتى لا تكون حكرا على غير المسلمين من أهل الغرب، هم يصنعون ونحن الذين نستهلك فقط، فإن ذلك يجعل الأمة الإسلامية خاضعة لغيرها مستعبدة مقلدة غير مبدعة، كما هو الحال الآن، إذ يأخذ أعداؤهم خيراتهم من أنواع المعادن والمواد الخام بأرخص الأثمان ويصنعونها، ثم يبيعون الرديء من مصنوعاتها لهم بأعلى الأسعار، وبخاصة السلاح الذي تتعطل حركة أي شعب مسلم في وقت شدة الحاجة إليه في أوقات الأزمات العسكرية إذا منعت عنها الدول الغربية قطع الغيار. الأمر الخامس: أن يهتم العلماء المسلمون بترجمة الكتب العلمية المفيدة التي يكتبها الغربيون في العلوم الكونية أو الإدارية. إن الواجب على المسلمين أن يستفيدوا من التجارب البشرية التي يحتاجون إليها، ما دامت لا تخالف شيئا من دين الله.

стр. 390

والتجارب البشرية ليست ملكا لأحد، فما من جيل يَخلُف إلا بنى نشاطه على تجارب أجيال تُخلَف. وقد اجتهد سلفنا في ترجمة كثير من الكتب العلمية التي ألفها اليونانيون وغيرهم واستفادوا منها وزادوا عليها وطبقوا نظرياتها في تجارب واقعة، وهي التي كانت مصدرا لحضارة الغرب الحالية باعترافهم، فلم لا نقتدي بسلفنا -فيما نحن في حاجة إليه ولا يخالف ديننا- ونسترد بضاعتنا؟!

стр. 391

الأساس الرابع: إعداد المدرسين والأساتذة المتخصصين . ويجب إعداد المدرسين والأساتذة المتخصصين وتدريبهم، تدريبا يجعلهم قادرين على القيام بوظائفهم، قياما يخرج أجيالا ذات كفاءات عالية في كل علم من العلوم التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية، وإذا أمكن القيام بهذا التدريب في بلدانهم فبها، وإلا اختير منهم المتفوقون دينا وخلقا وعلما ورغبة وقدرة على الاستيعاب، لما يتدربون عليه ثم إفادة أوطانهم إذا رجعوا إليها، فيندبون إلى البلدان التي يتوافر فيها التدريب المطلوب. ويدخل في هذا إعداد أجهزة إدارية وإشرافية قادرة على إدارة المؤسسات التعليمية تعين المدرسين والطلاب بتوفير كل ما يحتاجون إليه في أعمال التعليم، ليتفرغ المدرس والطالب لوظيفة التعليم والتعلم، حتى تؤتي هذه الوظيفة ثمارها.

стр. 392

الأساس الخامس. ربط التعليم بالتربية الإسلامية . يجب تزكية الدارسين بالإيمان والتقوى والعمل الصالح الذي يرضي الله، وغرس الأخلاق الفاضلة في نفوسهم وجعلهم يحققون معنى الاستخلاف الشرعي في الأرض. وبهذين الركنين -التعليم والتزكية- جاء القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) . فالمقصود من العلم: التربية والتزكية والحكمة، وليس العلم للعلم فقط كما يقال!

стр. 393

حكمة وصف القرآن بأنه عربي . إن هذا التنويه بكون القرآن عربيا، لجدير بالتأمل والنظر ولو وصف الله القرآن الكريم بأنه عربي مرة واحدة فقط لاستحق التأمل والنظر، فكيف وقد كرر تعالى وصفه بذلك في أساليب متعددة؟!. ولو أن مخلوقا عاقلا وصف شيئا ما بوصف مرة واحدة، لكان لوصفه بذلك اعتبار عند القارئ والسامع فكيف إذا وصفه بذلك مرات؟! وكيف إذا كان هذا الوصف صادرا عن الله في كتابه، فما حكمة وصف القرآن الكريم بأنه عربي؟ هل المقصود من ذلك بيان إعجاز القرآن الذي نزل بلغة العرب، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا؟ نعم إن ذلك لمقصود، ولكن هذا التحدي يكون أكمل عندما يتعلم غير العربي اللغة العربية ويصبح لسانه عربيا، يفهم القرآن الكريم بلغته التي نزل بها ويتذوق أساليبها وبلاغتها ويتعمق في فهم معانيها، ويطلع على أسرار القرآن وحكمه بها، فيتبين له معنى كون هذا القرآن معجزا حقا. وهل المقصود بذلك نفى أن يكون الرسول ﷺ تعلم هذا القرآن من بعض من كان عندهم علم من الكتب السماوية السابقة، كما زعم ذلك بعض أعداء الإسلام؟

стр. 394

نعم، إن ذلك لمقصود وقد صرح الله بذلك في قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١) . ولكن هذا المعنى المقصود جزء مما يحمله هذا الوصف وليس كل معناه. وهل المقصود أن هذا القرآن الذي نزل باللغة العربية، مع أنه نزل لهداية جميع البشر، شرف لك أيها الرسول ولقومك العرب وبخاصة قريشا؟! نعم إن ذلك أيضا لمقصود، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٢) . ولكنه ليس ذلك كل المقصود.

стр. 395

بل هناك مقاصد أخرى من أهمها ما يأتي. المقصد الأول: أن الدين الإسلامي إنما جاء باللغة العربية. لقد جاء هذا الدين -أي دين الإسلام- عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية، وكلاهما باللغة العربية ويتوقف فهمه السليم الكامل على فهم اللغة التي حملته إلى الناس، وهي اللغة العربية، ولا يمكن أن يَنقُل للناس معاني دين الإسلام نقلا صحيحا ويبينها بيانا شافيا إلا مَن كان عنده دراية تامة باللغة العربية، بقواعدها وبلاغتها واشتقاقها وغريبها وحقيقتها ومجازها وأساليبها؛ لأنها لسان هذا الدين ولسان كتابه ولسان رسوله ﷺ ولسان أصحاب رسول الله ﷺ . ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . وقد كلف الله رسوله ﷺ بيانَ هذا الدين للناس، وقد فعل ذلك، وبيانه كان بلغته التي نزل بها القرآن قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) .

стр. 396

وقد كلف الله أمة محمد ﷺ التي آمنت به واتبعته، تبليغَ هذا الدين، وفي طليعة أمته أصحابه الكرام ﵃، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) . وقد قاموا بنشر هذا الدين وبيانه للناس بلسان عربي مبين. وترجمة معاني القرآن الكريم لمن لا يفهم اللغة العربية لا سبيل إليها إلا لمن يجيد اللغة العربية واللغة المترجم إليها، فاللغة العربية هي أساس البيان لهذا الدين الذي نزل بها. المقصد الثاني: أن من أهم وسائل نشر الإسلام اللغة العربية. إن علماء الإسلام مأمورون باتخاذ كل وسيلة مشروعة لنشر هذا الدين وإبلاغ معانيه إلى الناس، ومن أهم وسائل نشره تعليم الناس اللغة العربية التي يتمكن مَنْ تعلمها من فهم هذا الدين فهما صحيحا سريعا. المقصد الثالث: أن كثيرا من العبادات يجب أداؤها باللغة العربية. مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، وأذكار الصلاة كتكبيرة الإحرام وأذكار الركوع والسجود والتشهد، ونحوها من فروض العين التي يجب على المسلم أداؤها باللغة العربية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليتقرب بها إلى الله تعالى.

стр. 397

المقصد الرابع: لا بد من وجود علماء يفقهون الإسلام باللغة الغربية. إنه لا بد من وجود علماء يجيدون اللغة العربية إجادة تجعلهم قادرين على فهم معاني القرآن والسنة وكتب العلم التي يحتاج إليها المسلمون، ليكونوا مرجعا لأهل كل بلد يعلمون الناس معاني القرآن الكريم والسيرة النبوية وغيرها، فإن وجود علماء باللغة العربية تحصل بهم الكفاية في ذلك وغيره، هو فرض كفاية يأثم كل قادر من الأمة على عدم إيجادهم، ويأثم القادرون على تعلم اللغة العربية للقيام بهذا الفرض إذا لم يتعلموها. المقصد الخامس لا بد من وجود قادرين على ترجمة معاني الإسلام. وهذا المقصد لا يحصل إلا بوجود علماء يجيدون اللغة العربية ويجيدون لغة البلد الذي يريدون دعوة أهله إلى الإسلام، ليترجموا لأهله معاني القرآن الكريم والسنة النبوية، وما يجب إبلاغه إلى الناس من أحكام هذا الدين؛ لأن علماء الإسلام مأمورون بالبلاغ المبين الذي أصبح من واجبهم بعد وفاة الرسول ﷺ وليس من السهولة بمكان أن يتعلم كل الناس اللغة العربية.

стр. 398

انتشار لغة الأمة من علامات قوتها . وإن انتشار لغة أي أمة لهو دليل عظمتها وتفوقها، وبلغتها تستطيع أن تسبق بدينها وفكرها وسياستها واقتصادها وسائر علومها، غيرَها من الأمم إلى عقول الناس. وهذا ما تحقق للأمة الإسلامية أيام مجدها، حيث انتشرت لغة دينها انتشار مساجدها ومعاهدها ودعاتها، ونبغ في اللغة العربية أئمة من غير العرب فملئوا بعلمهم الآفاق من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. وكانت الأمم تتسابق إلى علوم المسلمين في كل مجال من مجالات الحياة، كما نقل المسلمون علوم الأمم الأخرى إلى لغتهم، واستفادوا منها وطبقوها عمليا وزادوا عليها، وعلى أيديهم تعلم الأوروبيون أسس حضارتهم التي يفخرون بها اليوم.

стр. 399

وإن مما يؤسف له أن تنحدر الأمة الإسلامية انحدارا مروعا، في دينها وخلقها وسياستها واقتصادها وأمنها ووحدتها وقوتها العسكرية، مما كان له أثره البالغ على لغتها التي لم تعد لها مكانتها في العالم، بل أصبحت في مؤخرة اللغات، وأصبحت لغات الأجانب من النصارى وغيرهم هي لغات العلم والثقافة والفكر في العالم وأصبح المسلمون -والعرب منهم بصفة خاصة- يفتخرون باللغات الأجنبية ويتكالبون على أفكار أهلها وآدابهم ويتأثرون بهم، فأصبح السبق للأجانب ولغاتهم وأفكارهم إلى عقول أبناء الأمة الإسلامية بدلا من أن تسبق الأمة الإسلامية بلغتها ودينها وفكرها إلى عقول أبناء الأمم الأخرى (١) . وها هي أمم الغرب تنشر لغتها في كل مكان، عن طريق مناهج التعليم والإعلام والبحث العلمي والأدوات المتنوعة والمواصلات والاتصالات، حتى ليكاد المسلم العربي يكون غريبا بلغته في بلاده، يقتني الجهاز الذي يحتاج إليه فلا يستطيع استخدامه؛ لأن الكتب الإرشادية المتعلقة باستخدامه قد أعدت باللغات الأجنبية. وهكذا الدواء والغذاء وغيرها، وهكذا الفنادق والشركات والمستشفيات، بل إن بعض البلدان العربية ما زالت معاملاتها الرسمية باللغة الأجنبية!

стр. 400

وإنما هانت اللغة العربية عند أهلها، لهوان الدين في نفوسهم وضعف فقههم له، ولو كان الدين قويا في نفوسهم مطبقا في حياتهم، لعرفوا للغته حقها وقدروها حق قدرها، وسابقوا غيرهم بدينهم الحق بلغته إلى عقول الناس في الأرض كلها. إن ترجمة معاني الإسلام من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى لإبلاغ أهل تلك اللغات هذا الدين هي فريضة كفائية، ولكن أنى لأهل تلك اللغات أن يفهموا حقائق هذا الدين كاملة عن طريق ترجمته وليس عن طريق اللغة العربية مباشرة؟! ولقد بذل علماء الإسلام من سلفنا الصالح جهودا مضنية لإبلاغ حقائق الإسلام إلى عقول الناس عربا وعجما، بما وضعوه من قواعد اللغة العربية من نحو وصرف واشتقاق وغيرها، وبما وضعوه من قواعد شرعية تضبط بها مقاصد الشريعة وأحكامها، من أصول الفقه وقواعده، فبينوا النص والظاهر والمجمل والمبين والمقيد والمطلق والخاص والعام، وما وضعوه من مصطلحات في علوم الحديث وعلوم التفسير، فكانوا بذلك أعظم أمة اتخذت وسائل لغوية وشرعية لتسبق بالحق الذي آتاها الله باطلَ الأمم الأخرى إلى عقول الناس. هذا بالإضافة إلى بذل جهودهم في مجالات التعليم والدعوة والجهاد في سبيل الله.

стр. 401

الوسيلة السابعة: القدوة الحسنة . إن من أهم وسائل السباق إلى العقول، القدوة الحسنة التي يراها الناس ويلمسونها في صاحب الحق، بحيث يرون صاحب المبدأ يطبق مبدأه في واقع حياته وتصرفاته، فإذا كان المقام يحتاج منه إلى الكرم أقدم إلى البذل والعطاء، وإذا كان المقام يحتاج منه إلى خلق الشجاعة رآه الناس مقداما غير هياب، وإن اختبروه في صفة الصدق لم يجربوا عليه كذبا، وإن التمسوا عدالته لم يجدوا منه ظلما، وإن أرادوا معرفة تقواه ألفَوه يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما به بأس، لشدة تحرجه من الوقوع في المأثم، فضلا عن إتيانه الأوامر الواجبة وتركه المحرمات. والخلاصة أنه يتحرك في نشاطه كله بالقرآن والسنة، فإذا رآه الناس مداوما على ذلك مالوا إلى الاقتداء به ولو لم يتكلم؛ لأن الحق بذاته يدعو الناس إلى ذاته، فكيف إذا رأوه مطبقا في حياة أهله ورأوا ثمار تطبيقه في الحياة؟ ويبدأ المعاند المناوئ للحق يفكر في سيرة صاحب الحق ويتدبر ويقارن بين الحق الذي يراه مطبقا في حياة صاحبه، وبين الباطل الذي يزاوله هو، ويترتب على ذلك أحد أمرين. الأمر الأول: اتباع الحق والعمل به، ونبذ الباطل.

стр. 402

الأمر الثاني: الإصرار على الباطل، مع تيقنه أنه باطل، وترك الحق مع تيقنه أنه حق، وفائدة ذلك انكسار نفس صاحب الباطل أمام صولة الحق، وإقامة الحجة العملية عليه. أما إذا كان الداعي إلى الحق لم يلتزم هو نفسه به ولم يطبقه في حياته، فإن الناس ينصرفون عنه ولا يشغلون عقولهم بالتفكير فيما يدعو إليه، لمعرفة كونه حقا فيُتَّبَع أو باطلا فيُجتَنَب. وهذه هي القدوة السيئة التي تُنَفِّر من المبدأ وإن كان حقا، كما هي عادة غالب الناس، وقد يوجد من يفكر في المبدأ الذي لا يكون الداعي إليه قدوة حسنة في تطبيقه، فيعلم أنه حق ويتبعه، ولكن ذلك ليس من وسائل السباق الناجعة إلى العقول. لهذا كان للقدوة الحسنة منزلتها في الإسلام. وكان رسل الله وأنبياؤه والداعون إلى هداه كلهم قدوة حسنة، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقتدي بمن سبقه من إخوانه المرسلين، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (١) .

стр. 403

وأرشد أمة محمد ﷺ إلى الاقتداء بنبيه إبراهيم ﵇ ومن معه، فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) . وحث تعالى هذه الأمة حثا مؤكدا على الاقتداء برسوله ﷺ الذي جمع كل قدوة حسنة سبقه الأنبياء وزاده الله من فضله، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) .

стр. 404

ولقد كانت الأمة الإسلامية في ماضي عهدها، قدوة حسنة في إيمانها وفي عبادتها ومعاملاتها وسلوكها، وفي عهودها ومواثيقها وفي الأخذ بأسباب القوة والعزة، فكان ذلك سببا في سرعة وصول الحق الذي يحملونه إلى عقول الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فسارع الناس إلى الاقتداء بهم واتباع دينهم، حتى ترك أهل الديانات الأخرى دياناتهم، ووقف رعايا الطغاة ضد طغاتهم إيثارا للحق على الباطل، ونصرةً لأهل الحق على أهل الباطل، فوصل الإسلام إلى لشبونة وفيينا وبلغراد وموسكو وبلاد الصين والفلبين وأندونيسيا وأفريقيا بدون قتال في غالب تلك البلدان، لأن القدوة الحسنة تجعل اتباع الحق سهلا ميسرا لرؤيته مطبقا في واقع الحياة، يطبقه البشر. وذلك على عكس ما عليه الأمة الإسلامية اليوم، حيث يغلب عليها القدوة السيئة التي جعلت الأمم تنفر منها ومن دينها، وجعلت أعداء الإسلام يستغلون تلك القدوة السيئة، فيبرزونها في مؤتمراتهم وندواتهم ومناهج تعليمهم وإعلامهم وفي كل مناسبة تسنح لهم. يسمع الناس أن الإسلام يدعو إلى الصدق، ولكنهم يرون في كثير من المسلمين الكذب. ويسمعون أن الإسلام دين القوة والعزة، ولكنهم لا يرون في المسلمين إلا الضعف والذلة.

стр. 405

ويسمعون أن الدين الإسلامي يدعو إلى الجماعة والوحدة وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولكنهم يرون المسلمين متفرقين مختلفين، يسب بعضهم بعضا، ويعتدي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا. ويسمعون أن الإسلام دين الرحمة وأن المسلمين رحماء فيما بينهم، ولكنهم لا يجدون في كثير من المسلمين إلا القسوة والعنف يأكل القوي منهم الضعيف. ويسمعون أن الإسلام دين العدل، ولكنهم يرون الظلم بين المسلمين هو السائد. ويسمعون أن الإسلام يدعو إلى الشجاعة، ولكنهم يرون المسلمين جبناء تضيع حقوقهم وتغتصب بلادهم من قبل عدوهم القليل فيستسلمون له ويخضعون وهم كثر. فكان ذلك سببا في نفور الناس عن هذا الدين الذي صار أهله قدوة سيئة فيه. وأقول -إنصافا للحق: إنه يوجد في المسلمين من هو قدوة حسنة ولكن ليس على مستوى الأمة. والقدوة الحسنة عندما تكون على مستوى الأمة، تبرز معاني الإسلام في السياسة والحكم والاقتصاد والسلوك والنواحي الاجتماعية والعسكرية والقوة الصناعية وغيرها. أما ما يكون على مستوى الأفراد والأسر وبعض الجماعات الصغيرة فإنه قدوة حسنة، ولكنه محدود غير بارز للعالم الذي لا يطلع إلا على ما تبرزه وسائل الإعلام وإمكانات الدول.

стр. 406

والذي يراه الناس الآن في المسلمين هو الإسراف في المحرمات ومحاربة أغلب حكوماتهم للإسلام والدعاة إليه، والتأخر في الشؤون الإدارية والاقتصادية، مع كثرة الخيرات في بلدانهم وسعة أراضيهم، كما يرون تقتيل أعدائهم لهم وإخراجهم من ديارهم، وهدم مساجدهم وانتهاك أعراضهم، وهم سادرون في غيهم يرقصون ويغنون ويمثلون ويتعرون، يقضي في أمورهم غيْرُهم، وكأنهم غير موجودين على ظهر الأرض: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود فأين هي القدوة الحسنة فيهم، حتى يكونوا من السباقين بالحق إلى العقول، وعقولهم مأوى للباطل؟!

стр. 407

الوسيلة الثامنة. الفطرة . والمراد بالفطرة ما أودعه الله تعالى في الكون علويه وسفليه، وفي الإنسان من الآيات العظيمة التي تنادي العقل نداء برهانيا مستمرا إلى الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض وما بينهما، وتدل دلالة واضحة أن ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب حق، كما أن الكون كله حق. فالذي يعترف بوجود المخلوقات وما اشتملت عليه من دقة وتناسق ونواميس، وما سخره الله للإنسان في هذا الكون من رزق، وما منحه الله لهذا الإنسان من عقل يفكر ويدبر ويوازن ويقيس ويغوص في أسرار هذا الكون، وما وهبه لهذا الإنسان من آلات وقدرات على استغلال ما في الكون من خيرات وطاقات واستمتاع بها، إن الذي يعترف بهذا كله - وهو من الفطرة- لا بد أن يعترف أن منهج الله الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، هو حق مثل ما أن ما في الكون حق، وكلاهما من الفطرة. فوسيلة الفطرة من أعظم الوسائل التي تعين أهل الحق على السباق إلى عقول الناس بالحق، وليس لأهل الباطل وسيلة تقف أمام هذه الوسيلة، بل إن الفطرة صخرة صماء تتحطم عليها وسائل الباطل كلها.

стр. 408

ولهذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يتخذون وسيلة الفطرة سلما إلى عقول الناس بالحق، فينبهون العقول بآيات الله في الكون والإنسان، كما يتضح ذلك من قصص الأنبياء ﵈ مع أقوامهم، كما مضى في محاجة إبراهيم لقومه، واستدلاله بتغيير المخلوقات على أنها لا تصلح أن تكون آلهة، بل إنها مخلوقة عابدة للخالق المعبود. ولنقرأ هذه الآيات التي تجول بالعقول في ملكوت السماوات والأرض، وفي الإنسان، وفي الحيوان، وفي الماء، وفي الشجر والزرع، وفي الليل والنهار، وفي الجبال والبحار والأنهار.... فقد نزه الله تعالى نفسه عن الشرك الذي أصر عليه أعداؤه وأعداء رسله، وهو يخالف الفطرة، ثم أتبع ذلك بذكر وحيه الذي أنزله للدعوة إلى توحيده، وهو عين الفطرة، ثم أورد شواهد الفطرة وحقائقها الدالة على حقيقة التوحيد ونفي الشرك، وكأن القارئ أو السامع يرى الكون كله، في مظاهرة حاشدة، كلها يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الوحي حق وأن كل ما يخالف ذلك باطل.

стр. 409

قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ

стр. 410

وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) . والآيات في هذا المعنى في هذه السورة وفي غيرها كثير.

стр. 411

وميزة هذه الوسيلة -وسيلة الفطرة- وضوحها لكل الناس بفئاتهم المتنوعة: العالم والجاهل، والقارئ والأمي، كل منهم يشعر بهذه الفطرة بحسب موقعه ووعيه وثقافته، وهي تكاد تكون قاهرة للعقول على التسليم للحق، وبخاصة الإيمان بالخالق وإن كابر بعض المكابرين في ذلك. وتأمل التعقيبات التي تختتم بها الآيات. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . إنها تحرك العقول وتوقظ الفطر بذاتها وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ واضح الدلالة على أن وسيلة الفطرة من أعظم الوسائل الدالة على الحق فهي بدهية، فكما أن الخالق حق وتدل كل مخلوقاته عليه، فإن هداه الذي أنزله على رسله حق كذلك.

стр. 412

خطب الجمعة ودورها في السبق إلى العقول . ومن أهم وظائف أئمة المساجد وخطبائها، خطبة الجمعة التي يحضرها المسلمون كلهم -في الغالب- المكلف منهم بالحضور، وهم الكبار، وغير المكلف وهم الصغار والنساء، والحاكم والمحكوم والخادم والمخدوم، وكلهم ينصت لخطبة الجمعة على سبيل العبادة، دون كلام ولا لغط ولا لهو في كل بلدان المسلمين في يوم واحد، ولا توجد خطبة يجب حضورها عينا على جميع المكلفين -إلا من عذر- غير خطبة الجمعة، ومع حضورها يجب الإنصات لها وعدم التشاغل عنها. وبهذا تعتبر خطب الجمعة فرصة يجب أن يغتنمها الخطباء، فيقدموا للناس فيها ما يفيدهم في دنياهم وأخراهم، وينبغي أن يهتم الخطباء بما يكون الناس في حاجة إلى بيانه في هذه الخطبة، مما يمس حياتهم الحاضرة، سواء تعلق بأمور الإيمان -أصوله وفروعه- أو بالأخلاق -بأي جزئية منها- أو بالشؤون الأسرية والاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية أو الإعلامية.

стр. 413

وهذا يقتضي أن يفتش الخطيب عن الأحداث التي تدور في الأسبوع في الحي، أو في القرية، أو في المدينة، أو في القطر، أو في أي بلد من بلدان المسلمين، أو في العالم الرحب الذي يشمل المسلمين وغيرهم، ثم يختار الموضوع الذي يراه أولى وأكثر التصاقا بحياة الناس، ويعد خطبة الجمعة فيه إعدادا يجعلها مفيدة للمسلمين في مسجده أو في خارجه -إذا أذيعت في المذياع أو في التلفاز أو سجلت في شريط ووزعت. وبهذا يستطيع خطباء المساجد أن يكونوا أكثر سبقا بالحق إلى عقول الناس -وبخاصة المسلمين. وينبغي أن يتم تنسيق بين أئمة مساجد الأحياء والمدن والقرى في أخذ كل واحد منهم أو طائفة موضوعا من الموضوعات، وإعداد الخطبة أو الخطب فيه، وهكذا حتى تطرق في اليوم الواحد وفي المدينة الواحدة وفي القطر الواحد الموضوعات التي تدعو الحاجة إلى طرقها.

стр. 414

وإذا اقتضى الأمر أن يخصص خطباء المدينة كلهم أو القطر الواحد كله موضوعا واحدا لخطبهم في يوم واحد لكونه أهم أحداث الساعة فعلوا كذلك، بل لو اقتضى الأمر أن يتفق خطباء المساجد الكبرى في العالم الإسلامي كله على أن تكون خطب الجمعة كلها في يوم واحد في موضوع واحد فعلوا ذلك لكون الموضوع يتعلق بقضية عامة يحتاج لبيانها جميع المسلمين. وقد أصبح هذا الأمر اليوم ممكنا عن طريق وسائل الاتصال السريعة، وبخاصة الهاتف والفاكس، والإنترنت ... ومما يحقق هذا التنسيق تكوين رابطة لأئمة المساجد في المدن والقرى في القطر الواحد، ثم في أقطار المسلمين كلها، بحيث يتم عن طريق هذه الرابطة تدارس أحوال المسلمين وحاجاتهم وما ينبغي اتخاذه في كل شأن من شؤونهم. إن أئمة المساجد لو فعلوا ذلك كان لهم دور كبير في سبقهم بالحق إلى العقول محليا وعالميا، وكان للمساجد دور عظيم في هذا الشأن. وهذا كان شأن المساجد وأئمتها وخطبائها في عصور الإسلام المفضلة، ويجب على المسلمين أن يسعوا الإعادة ذلك الشأن لمساجدهم.

стр. 415

تفاوت المساجد وأثره في السبق إلى العقول . وكلما كان المسجد أكثر فضلا واحتراما في نفوس الناس، كان أجدر بأئمة وخطباء وعلماء أكثر كفاءة وقدرة على القيام بواجبهم على مستوى ذلك المسجد، فلا يستوي بيت الله الحرام وغيره من المساجد، ولا المسجد النبوي وغيره من المساجد الأخرى، وهلم جرا ... كبيت المقدس ثم الجامع الأزهر، والجامع الأموي، وجامع الزيتونة وجامع القيروان ... كما لا تستوي مساجد الأحياء الصغيرة والجامع الكبير في أي مدينة من المدن. ولا يستوي مسجد غالب جماعته مثقفون، وآخر غالب جماعته أميون أو غير مثقفين، فكل مسجد ينبغي أن يوضع فيه الإمام والخطيب والعالم المناسب له. إن الإمام الكفء قادر على أن يسبق إلى العقول بالحق سبقا يعجز أهل الباطل عن أن يسبقوا بباطلهم إلى عقول جماعة مسجده، مع تفوق وسائلهم وإمكاناتهم التي غالبا ما تكون إمكانات دولة بأكملها، كما هو حال الدول العلمانية.

стр. 416

ذلك أن الإمام الكفء تتفتح لصوته الآذان عبادةً، كما تتدبر ما يقرؤه أو يتكلم به العقول كذلك تعبدا، وتلين لمواعظه وزواجره القلوبُ التي يسرع أهلها إلى طاعة الله رغبا، وينزجرون عن عصيان أوامره وترك نواهيه رهبا، وبخاصة أن الإمام يتلو عليهم آيات القرآن في الصلاة الجهرية، فيختار في قراءته من الآيات ما يناسب القضايا النازلة التي تعرض للمسلمين في مدنهم وأحيائهم وبلدانهم، فإذا كان المقام مقام اعتداء من أعداء المسلمين على أحد أقطارهم أكثر من آيات الجهاد والتعاون والتناصر، وإن كان المقام مقام ظلم وقهر على شعب من الشعوب الإسلامية أكثر من قراءة آيات العدل والأمر به، والآيات الناهية عن الظلم والعدوان، والمبينة لمصائر الطغاة، كفرعون وهامان وجنودهما، وإذا كان الوقت وقت تفسخ وتحلل أخلاقي أكثر من قراءة الآيات التي تدعو إلى الأخلاق الحسنة وتنهى عن الأخلاق السيئة، وإذا كان المقام مقام محاربة لتحكيم الشريعة الإسلامية أكثر من قراءة الآيات الإيمانية والآيات الآمرة بتحكيم شرع الله والناهية عن تحكيم الطواغيت، وإذا كان المقام مقام خلاف وشقاق بين المسلمين اختار قراءة الآيات الداعية إلى الوحدة الناهية عن التفرق

стр. 417

والتنازع، وإذا كان المقام مقام ضعف الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والميل إلى موالاة أعداء الله من أهل الكتاب أو المشركين أكثر من قراءة آيات الولاء والبراء، وإذا كان المقام مقام تفشي المنكرات والسكوت عنها أكثر من قراءة الآيات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وإذا كان المقام مقام كوارث وزلازل وحروب ومجاعات يحتاج المصابون بها إلى مد يد العون بالمال والطعام والكساء والإيواء أكثر من قراءة آيات التعاون والإنفاق والصدقة والزكاة، وهكذا لا يكاد يوجد باب من أبواب الخير إلا وجد الإمام الكفء من آي القرآن ما يذكر به الناس في صلاتهم للمسارعة إلى عمل الخير في ذلك الباب، ولا باب من أبواب الشر إلا وجد الإمام الكفء في آي القرآن ما يذكر الناس ويحضهم على مقاومته، ويحذرهم من الوقوع فيه. والمسلمون في أمس الحاجة إلى من يربط أحوالهم وقضاياهم بالقرآن، وبخاصة في أوقات الصلاة التي يصغون فيها إلى كتاب الله وهو يتلى عليهم في بيوت الله. هذا كله يحصل من مجرد قراءة القرآن في الصلاة.

стр. 418

فإذا ما قام الإمام بعد انتهاء الصلاة، فتلا آية أو آيات مناسبة للمقام، وفسرها تفسيرا موجزا، وبين مقصدها، وحرك مشاعر المصلين بموضوعها، وأيقظ عقولهم إلى تدبرها، فقد زادهم بذلك نورا على نور. وإذا حصل هذا في أغلب مساجد المسلمين فإنه سيحدث أثره الطيب في جماعة المسجد وأسرهم وجيرانهم ومشاركيهم في أعمالهم الوظيفية وغيرها، وستصبح المساجد مصادر قوة وفقه ووحدة وتعاون وطاعة، وستستعصي عقول الأمة الإسلامية على محاولات أهل الباطل السبق إليها بباطلهم، بل سيصبح المسلمون هم السباقين إلى عقول الناس بحقهم، وستقضي حركة المسجد على كثير من المشكلات التي يشكو منها المسلمون اليوم شعوبا وحكومات، كتعاطي المسكرات والمخدرات، والاعتداء على النفوس والأموال والأعراض وغيرها، وستقطع الطريق على أجهزة الإعلام الموجهة عن طريق الأقمار الصناعية لإفساد عقول المسلمين وقلوبهم، لأن التربية الناشئة من المسجد ستكون سدا منيعا في وجه كل فساد.

стр. 419

تدريب حفظة القرآن على السبق بالحق إلى العقول . إن هذه المعاني يجب أن يُفَقَّهَ بها الناشئون من حفظة كتاب الله وهم كثيرون في العالم الإسلامي؛ لأن كثيرا منهم يصبحون أئمة وخطباء في مساجد المسلمين الكبيرة والصغير. ويجب أن يوضع لهم منهج متدرج يفسر لهم فيه القرآن الكريم تفسيرا موضوعيا مرتبطا بواقع المسلمين وحاجاتهم وقضاياهم، حتى يكونوا قراء يقتدون بابن عباس، وبالشبيبة الذين كان عمر بن الخطاب يجعلهم في مجلس شوراه تكريما لهم واستفادة من علمهم. ولا ينبغي أن يقتصر حفظة القرآن الكريم على حفظ ألفاظه وتجويدها - وإن كان ذلك عبادة في ذاته - بدون فهم لمعانيه ومقاصده التي لا بد من توعية الناس بها. وعلى القائمين على مدارس تحفيظ القرآن الكريم أن يولوا هذا الأمر عنايتهم، ليكون طلابهم أهل القرآن حقا كما كان السلف الصالح، وليسوا كما عليه كثير من القراء اليوم الذين يقرؤون القرآن من أجل أخذ أجر عليه في المآتم وأجهزة الإعلام ...

стр. 420

رضا الله وتمكينه أو مقته واستبداله . لقد ابتلى الله هذه الأمة التي لم توجد أمة غيرها في الأرض تملك الحق الذي تملكه، وهو دين الإسلام الذي لا حق سواه اليوم من جميع الأديان، ابتلاها الله تعالى في هذا العصر بهذه الإمكانات الهائلة من وسائل الإعلام التي لم توجد لأي أمة من أمم الأنبياء السابقين عندما كانت تملك الحق الإلهي، كما ابتلى هذه الأمة بجعل دينها دينا عالميا يجب إبلاغه إلى جميع البشر، ويجب على كل من بلغه هذا الدين أن يؤمن به، ومن لم يؤمن به بعد بلوغه فهو من أهل النار. فإذا لم تستغل هذه الأمة هذه الإمكانات التي ابتلاها الله بها لتسابق بالحق الإلهي الباطلَ الشيطاني إلى عقول الناس، فإنها تستحق مقت الله تعالى وغضبه واستبداله بها غيرها، لعدم قيامها بوظيفتها التي هيأ الله لها أسباب قيامها بها: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) . ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) .

стр. 421

وبدهي أن المسؤولية الأولى في اتخاذ هذه الوسيلة سُلَّما للحق إلى عقول الناس، تقع على من تولوا أمور المسلمين من الملوك والرؤساء وأعوانهم؛ لأن إمكانات الشعوب الإسلامية كلها بأيديهم وتحت تصرفهم، فالوسائل المادية من إذاعة وتلفاز وصحف ومجلات، كلها تحت سيطرتهم، لا يذاع شيء ولا يعرض ولا يكتب إلا ما أقروه وأذنوا به. وتهيئة الكفاءات البشرية بتأهيلها وتدريبها وتوظيفها، كلها لا توجد على الوجه المطلوب، إلا إذا قاموا هم بدعمها، وإذا وجدت فلا يختارون منها إلا من هم عنه راضون، لعلمهم أنه لا يخرج عن دائرة ما يرسمون له. والمناهج الإعلامية والمواد التي تذاع وتعرض وتنشر وتطبع كلها مرهونة بموافقة رقبائهم عليها.

стр. 422

وإذا كانت بعض البلدان الإسلامية تعطي مساحة جيدة للمواد الإسلامية - مع مواد أخرى لا تنسجم معها - فإن أغلب أجهزة الإعلام في أغلب البلدان الإسلامية الأخرى، تقدم بها مواد قليلة جدا عن الإسلام، لا تخلو من تشويه ظاهر أو خفي، وما يعلق منه من الخير في أذهان الناس تمحوه المواد الأخرى المضادة للإسلام، في الجوانب الإيمانية والأخلاقية والأحكام المتعلقة بالحلال والحرام، حيث إن هذه المواد تنال من الدعم والتمكين، ما لا يتاح لجزء قليل جدا من الإسلام. ومما يزيد الطين بلة أن أجهزة الإعلام محتكرة بيد الحكومات في كل الشعوب الإسلامية، وإن وجدت في بعضها مؤسسات صورية، فإنها في الواقع فروع لأجهزة الإعلام الحكومية، وهذا بخلاف كثير من البلدان الغربية التي يجد فيها الإعلام من الحرية، ما يجعله يسقط زعماء وحكومات وأحزابا. لهذا كانت المسؤولية في الشعوب الإسلامية تقع على حكوماتها، لاستغلال وسائل الإعلام واتخاذها سُلَّما للحق، ليصل إلى عقول الناس في العالم الإسلامي وغيره.

стр. 423

وهذا لا يعفي العلماء وأهل الرأي، من القيام بواجب النصح للحكام ومطالبتهم بوضع مناهج ذات أهداف ووسائل لأجهزة الإعلام، يتحقق بها - مع تطبيقها فعلا - سبقُ الحق الذي تضمنه الإسلام إلى عقول المسلمين وغير المسلمين، ولا يكفي وضع أنظمة ولوائح لأجهزة الإعلام يُنَص فيها على مواد دينية لا يتحقق بها ذلك السبق، أو تكون أنظمتها نظرية دون تطبيق في واقع الأمر.

стр. 424

الأساليب الإعلامية المطلوبة لسبق الحق إلى العقول . ولا يشترط في نقل الحق بأجهزة الإعلام أن يكون دائما بالأسلوب المباشر، كالمحاضرات والمواعظ وسرد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو أحكام فقهية وما شابه ذلك، بل يكون بذلك وبغيره من الأساليب المستحدثة المؤثرة، كأفلام الكرتون للأطفال، والقصص والتمثيليات والمسلسلات والمسرح، والأناشيد وغيرها، فإن أثر هذه الأساليب في عقول الناس صغارا وكبارا مما يسمع ويشاهد ويقرأ ويرسم، أثرٌ فعال مشاهد استغله أعداء الإسلام في سبقهم بباطلهم إلى عقول الناس وأصبح ذريعة في بلدان المسلمين أنفسهم لذلك الباطل. وإذا كان علماء المسلمين يخافون - ولهم الحق أن يخافوا - من اختلاط المشروع بغير المشروع في بعض هذه الأساليب، فإن عليهم أن يدرسوا كل أسلوب وما يمكن أن يشتمل عليه، من مخالفات شرعية واضحة، ويقرروا ما هو مشروع وما هو غير مشروع من المواد المعروضة، على أن لا يراعى في الإذن والترخيص المبالغة والتشدد في منع ما لا نص في منعه من الشارع، وينبغي مراعاة باب المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة الإسلامية في ذلك.

стр. 425

وبهذا يتمكن المسلمون من منافسة أعداء الإسلام في وسيلة هي من أهم الوسائل للسباق إلى العقول. ومما يجب التنبيه عليه، أن المواد التي تتخذ وسيلة الإعلام لنقلها وإبلاغها إلى العقول، ليست قاصرة على موضوعات دينية معينة، كما قد يتبادر إلى الأذهان عند عامة الناس، ومنهم العلمانيون الذين يظنون أن هذه الأجهزة إذا سيطر عليها دعاة الإسلام وأتباعهم سيكون مجالها ضيقا، لا يخرج عن الوعظ والإرشاد والدعوة إلى بعض شعائر الإسلام، وتفسير آي من القرآن الكريم أو أحاديث من السنة الشريفة ونحو ذلك، بحسب فهمهم الضيق للدين الإسلامي، وكذلك ظن بعض المتدينين الذين ضاقت آفاقهم عن الفقه الشامل للإسلام ومقاصده وعن المساحة الواسعة للمباحات التي ترك الإسلام للناس أن يرتعوا فيها دون حرج ولا إثم، فلا ينبغي أن يضيقوا دائرة ما أباحه الله ويبالغوا في منعه؛ لأن تحريم المباح منهي عنه شرعا كتحليل الحرام ... إن هذا التبادر الحاصل من الطرفين غير صحيح، وإن الإسلام أشمل مما يظنون، كما أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما ورد به نص من الكتاب والسنة، أو ما يصادم مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية.
следующие страницы →